شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
"نوسترا إيتاتي"، بادرة بابوية مليئة بالمعاني (2/4)

في مقالنا الأول، ناقشنا الظروف المحيطة بصدور "نوسترا إيتاتي"، وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني المتعلقة بالعلاقة بين المسيحية والأديان غير المسيحية. الإعلان واضح وضوح الشمس، لا يخفي شيئًا، يؤكد ان الرسالة المسيحية مبنية على الحوار. لكن هذه قصة أخرى. فيما يتعلق باليهود، ترفض "نوسترا إيتاتي" صراحةً فكرة مسؤوليتهم الجماعية عن موت المسيح، كما يفسرها البعض، استنادًا إلى مقاطع من الإنجيل، مثل المقطع الذي يهتف فيه الجموع: "دمه علينا وعلى أولادنا!". وتؤكد بوضوح أن "ما ارتُكب أثناء الآلام لا يمكن أن يُنسب دون تمييز إلى جميع اليهود الأحياء آنذاك، ولا إلى يهود عصرنا". بادرة تُلخّص نهج الكنيسة يُلخّص تاريخ الصراع المستمرّ منذ قرون بين الكنيس اليهودي والكنيسة بشكلٍ جيّد في لفتةٍ من البابا يوحنا بولس الثاني خلال حجه اليوبيلي إلى الأراضي المقدسة في مارس/آذار…٢ أثناء زيارته للحائط الغربي، وضع البابا، وحيدًا، رأسه منحنيًا، ورقةً تُعبّر عن نوايا صلاته في شقّ بين الحجارة - كما يفعل المصلّون اليهود. جاءت هذه الخطوة في أعقاب زيارته قبل بضعة أيام إلى نصب ياد فاشيم التذكاريّ للهولوكوست، حيث أدان معاداة السامية وذكرضحايا المحرقة. نشر الفاتيكان نصّ الرسالة لاحقًا. إليكم مضمونها: "يا إله آبائنا، لقد اخترتَ إبراهيم وذريته ليحملوا اسمك إلى الأمم: إننا نشعر بحزن عميق إزاء سلوك أولئك الذين، على مر التاريخ، تسببوا في معاناة أبنائك، وبطلب غفرانك، نرغب في الالتزام بالعيش في أخوّة حقيقية مع شعب العهد." (٢٦ مارس ٢٠٠٠). غفران حقيقي وهكذا، أقرّ البابا صراحةً بالمعاناة التي لحقت بالجاليات اليهودية المنتشرة في جميع أنحاء العالم بعد تدمير الهيكل (٧٠ ميلادية)، وطلب الغفران: ليس غفراناّ دبلوماسيًا، بل غفرانًا أمام الله عن المعاناة التي لحقت بـ"شعب العهد". وباستخدامه هذه المصطلحات الأخيرة، قصد البابا أن العهد مع إسرائيل ليس ملغيًا، وأنه عابر للتاريخ، أي أنه لا ينتمي فقط إلى لحظة تاريخية معينة، وهذا مستقل عن رسالة الكنيسة نفسها. رأت الحاخامية الإسرائيلية والمجتمع اليهودي العالمي، بحق، في هذه البادرة، نقطة تحول لا رجعة فيها في العلاقات اليهودية المسيحية. وهكذا، رفضت الكنيسة الكاثوليكية نظرية الاستبدال، التي بموجبها تُنقل جميع الوعود المقطوعة لإسرائيل إلى الكنيسة، وأسست العلاقة الروحية الدائمة بين المسيحيين واليهود على التطلع إلى وفاء مشترك لإرادة إله إبراهيم.

المشرق في خضم الاضطرابات: إيران في قلب العاصفة

العامان اللذان تلا هجوم حماس على إسرائيل في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ شكلا نقطة تحوّل حقيقية، ليس فقط لمنطقة المشرق، بل وللشرق الأوسط بأسره. وفي خضم هذه الاضطرابات الإقليمية، التي لم تنته بعد، لم تُستثنَ إيران، بل تعرّضت لضربة قاسية. وفي سياق جيوسياسي يغلي، تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم تحديًا مزدوجًا: استعادة مكانتها على الصعيد الدولي وإعادة هيكلة شؤونها الداخلية لتكون قادرة على مواجهة السيناريوهات المختلفة التي قد تلوح قريبًا في الأفق. لم تعد التبجحات على الصعيد الخارجي مجدية. ويجب أن يُقاس الدعم المزدوج الذي تقدمه إيران للحوثيين وحزب الله، تحديدًا، بِمقدار المخاطر المترتبة عليه، أولها وأهمها من الرئيس دونالد ترامب، الذي يظل، في الوقت الراهن، أقوى شخصية على الساحة الدولية. وإذا أرغمت الصين، المنافس الرئيس للولايات المتحدة، ترامب على الانشغال بخلاف محتدم معها، فمن المتوقع أن يسوّي الرئيس ترامب، وفق طريقته الخاصة، أي نزاع بما يحافظ على سمعته وموقعه شبه المنيع. أما الصين، فلا رغبة لها في التدخل في ساحة شرق أوسطية أشبه بمخزن بارود قابل للانفجار؛ بل تنتظر اللحظة المناسبة لاستثمار الظروف لصالحها حين تعتبر أن اللحظة قد حانت وأن الظروف باتت مؤاتية. أما على الصعيد الداخلي، فيجب على إيران اتخاذ التدابير الاستباقية اللازمة لمواجهة كل السيناريوهات التي قد تطرأ في حال وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي. وهناك ثلاثة سيناريوهات محتملة. السيناريو الأول - تجد السلطة الدينية خلفًا سريعًا للمرشد الأعلى، وتبقى إيران على حالها منذ عام ١٩٧٩. لكن، ‏أليس للحرس الثوري طموحات أخرى غير أن يكون – على ما يبدو – تحت أوامر المرشدين الأعلى؟ ألن يسعى بعضهم، بعد أن لعبوا دور الدولة داخل الدولة، إلى أن يصبحوا الحكام الفعليين لإيران؟ وماذا سيفعلون لو استغلت الجماهير – ولا سيما الشباب والنساء – أي فراغ في السلطة الدينية، حتى لو كان مؤقتًا، لإطلاق احتجاج أو ثورة شعبية، أو على الأقل بذور حركة من هذا النوع، من أجل المطالبة بحقوق الإيرانيين في الحرية؟ السيناريو الثاني – تتولى السلطة المدنية زمام الأمور. وتدل اختيارات رئيس الجمهورية الإسلامية وسلوكه منذ توليه هذا المنصب على أنه على الأرجح ينتظر فرصته. ويشهد على ذلك إنشاء مجلس الدفاع الوطني حديثًا، ثم الموافقة على تعيين علي لاريجاني، المعتدل، في المجلس الأعلى للأمن القومي. فهل يمثل ذلك موقفًا انتقاليًا تمهيدًا لتدخل سريع للسيطرة على السلطة؟ ومن المرجح أن الرئيس مسعود بيزشكيان يفترض أن الشعب، ولا سيما الشباب والقوى الفاعلة في البلاد، سيدعم تدخله. وتثير الظروف التي توفي فيها سلفه عن طريق الخطأ، مما أتاح له الوصول إلى الرئاسة، بعض القلق والتساؤلات حول ما إذا كانت هناك إرادة حقيقية لتعيين الرئيس الحالي بهدف تمهيد الطريق لمزيد من الاعتدال. السيناريو الثالث – ستُعَبِّر الجماهير فورًا، وبحزم، إن لم يكن بعنف، عن رغبتها في التغيير في إدارة شؤون البلاد، التي لم تعد تحتمل تأثير العقوبات المتزايدة المفروضة على إيران. ويزداد استياء الشعب، لا سيما بسبب الأخطاء التي ارتكبها النظام تجاه النساء والشباب. ويتجلى هذا الاستياء، من بين أمور أخرى، من خلال نشاط سري، وفعلي، يقوم به إيرانيون مغتربون أو لاجئون سياسيون عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتؤدي هذه الأوضاع إلى احتمال اندلاع حرب أهلية، والتي نتيجتها لا يمكن إلا أن تكون غير مؤكدة ومقلقة. يُعَّد السيناريو الثاني، بلا شك، الأمثل، لكنه يحمل في الوقت نفسه خطر الانزلاق إلى صدامات بين السلطة المدنية وقادة الحرس الثوري. وستكون مواقف الجيش النظامي، الذي ليس الأقوى مقارنةً بالحرس الثوري، وبالقوات التي تشكّل قاعدة الحرس، حاسمة، تمامًا كما يمكن أن تكون لحكمة ورؤية المستقبل المحتملة لدى قادة الحرس تأثير بالغ. أما السيناريو الثالث، فلا يرغب به أحد، لا في المنطقة ولا في الغرب، ولا حتى الصين. ومع ذلك، قد يتم استغلال حركة شعبية واسعة من قبل رئيس الجمهورية، مما يعيدنا إلى السيناريو الثاني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأسوأ حتمي. في الوقت الراهن، يظل المرشد الأعلى متحكّمًا بالأوضاع. فهو يسعى لتعزيز وتقوية الشعور الوطني، دون أن يتخلى عن زمام الأمور، ولكن بطريقة عقلانية. فهل يمكن الاستمرار في سياسة اليد الحديدية في قفاز من حرير، مع تحقيق الهدف المتمثل في حماية أمة قوية وموحّدة؟ وفي ظل مثل هذا الوضع على الصعيدين الإيراني والإقليمي، هل تُعدّ المخاوف الرئيسية لكبار القادة في النظام اليوم مُنصَبَّة بالدرجة الأولى على الحوثيين وحزب الله، في الوقت الذي يظل فيه علي خامنئي ضعيفًا سياسيًا وعلى الصعيد الشخصي، ومهدّدًا من إسرائيل؟ على الأرجح لا. وفي هذه الحالة، تكون ساعة حماس وحزب الله قد حانت.

رسالة مفتوحة إلى لاون الرابع عشر: مواصلة حمل شعلة فرنسيس

قداسة الأب، في اللحظة التي تهمّ فيها بالوطء على أرض لبنان وتركيا، على عتبة هذا الشرق الجريح الذي كان ذات يوم أحد مهاد الإنسانية المؤمنة، نجرؤ على مخاطبتكم. ليس الغرض أن نضيف صوتاً آخر إلى جوقة الخطابات البروتوكولية. فتلك لا طائل منها البتة. أما الصيغ الجوفاء البراقة التي تفتقر إلى الروح، فستسمعون منها الكثير خلال زيارتكم. هذه الرسالة تطلب منكم شيئاً بسيطاً وعمودياً في آنٍ معاً: أن تنتشلوا الشعلة. شعلة فرنسيس. تلك التي ينبثق منها إنسانوية متكاملة سعت، رغم كل شيء، إلى استعادة الإنجيل في عراءِ جوهره: كرامة كل إنسان، والأخوة بوصفها الأفق الوحيد الممكن للسياسة، والدين محرراً من أصنام الهوية. وراء الكلمات، أدّى سلفكم أفعالاً تحمل، رأيناها من هنا، ثِقَل اللحظات الحاسمة في مسار التاريخ: – مؤتمر الأزهر حول المواطنة والعيش المشترك؛ – إعلان أبو ظبي، ذلك “التمهيد للتمهيد” الحقيقي لحقوق الإنسان، حيث تكفّ الله والكرامة الإنسانية عن أن تتنافسا؛ – الزيارة إلى النجف، إلى المرجع السيستاني، وهي إيماءة بالغة الأثر في عالم شيعي سعت إيران إلى مصادرته لخدمة مشروع إمبراطوري؛ – الرسالة العامة Fratelli Tutti التي تضع في مواجهة عولمة الكراهية حضارةً للأخوة. كل هذا، قداسة الأب المقدس، يرسّخ بالفعل “حلفاً مقدساً” جديداً، كما أكد على ذلك البروفسور الجليل أنطوان قربان. لا ذاك الحلف المبني على العروش والمدافع، بل حلف الضمائر التي ترفض الحروب المقدسة، أياً كانت تُخاض باسم الله أو باسم تلك “الأديان السياسية” التي تؤلّه الأمة والعرق والقبيلة والحزب. وإن زيارتكم للبنان وتركيا تندرج في هذا الإرث. بيد أنها تأتي في لحظة يبدو فيها العالم، وبلادنا بصفة خاصة، منزلقاً نحو النقيض التام: زمن الجدران والحدود والانشقاقات الهوياتية، والشعبويات التي تتغذى على الخوف من الآخر. أولئك الذين على شاكلة بوتين وأوربان ولوبان وجي دي فانس ومن يحاكيهم بشكل أو بآخر، يوظّفون الصليب شعاراً للفصل، ويسخرون من ثقافة الوساطة والجسور المبنية للتواصل مع الآخر. وللأسف يلقى خطابهم رواجاً في هذا الوقت. لطالما كانت الكراهية محركاً قوياً في مسيرة التاريخ. وهنا يدخل لبنان المشهد. قال يوحنا بولس الثاني جملته التي كادت تصبح كليشيهة بلا صدى: “لبنان ليس بلداً فحسب، بل رسالة.é وهذه الرسالة ليست صوفية؛ إنها سياسية بأرقى المعاني. تقول إن بالإمكان إقامة مدينة لا يُسأل فيها الآخر أولاً عمّن هو، ومن أي طائفة أو مذهب أو قبيلة، بل كيف يستطيع المشاركة، مع سائر الناس، في فضاء عام مشترك. كما كانت روح التعايش في الأندلس الغابرة. في القرن الماضي، تجسّد هذا الرهان في ما عُرف بـ«لبنان الكبير». وقد كان جرأة. ولم يكن بتاتاً “خطأً تاريخياً”، كما يدّعي دعاة التقسيم الانتهازيون اليوم. إنه وعد هش، وليس شذوذاً ينبغي تصحيحه. التعددية اللبنانية لم تكن سبباً لمآسينا؛ بل كانت ضحيتها، حين أحلّت ثقافة الإقصاء محل ثقافة الرابطة، حين خانت أمراء الحرب وميليشياتهم ورعاتهم الأجانب مفهوم المواطنة. وما أحوجنا، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة قراءة سمير فرنجية، الرائي الحقيقي الوحيد في العقدين الماضيين، ذلك الذي أحب لبنان في معرفة تامة بما يجعله فريداً في هذا العالم: عيشه المشترك ورغبته العميقة في الإشعاع والسلام. لم يكن ذلك خياراً سياسياً. كان سمير يرى في لبنان نموذجاً إنسانياً للحضارة في مواجهة البربرية. اليوم، يريد بعضهم، داخل الجماعة المسيحية نفسها، أن يتخلصوا من هذا الرهان. وقد أعياهم الإرهاق وجرّحتهم الجراح وأرهبتهم الحروب والاحتلالات والأزمة الاقتصادية، فلم يعودوا يرون في لبنان سوى «خطأ تاريخي»، وفي المسيحية سوى هوية ينبغي تحصينها. يحلمون بفيدراليات طائفية وبمقاطعات متجانسة وبتحالفات أقليات تحت رعاية أقياصر جدد «يدافعون عن القيم المسيحية». وفي الوقت الذي يلفظ فيه “حلف الأقليات” أنفاسها الأخيرة، وقد نزع عنها كل مضمون، فعادت إلى ما كانت عليه دائماً: أنقاض مشروع هيمني وعبودية جماعية للطغيان باسم حماية وهمية زائفة. لقد نسوا أن كل مرة تحصّن فيها مسيحيو لبنان وراء الجدران خسروا، وأن كل مرة انخرطوا في مشروع أوسع منهم ثقلوا في الميزان أضعاف ما تنسبه إليهم أعدادهم. يواكيم مبارك ونصرالله صفير ويوسف بشارة وميشال حايك وسمير فرنجية وكثيرون سواهم حملوا رؤية أخرى: رؤية “كنيسة العرب” في حوار مع الإسلام لتجديد الشرق معاً، ولبنان-الرسالة الذي يكون فيه دور المسيحيين لا أن يُحمَوا بوصفهم أقلية خائفة، بل أن يضمنوا الفضاء المشترك، وأن “ينسجوا وينسجوا من جديد الروابط” بين مكونات البلد والمنطقة. قداسة الأب المقدس، لا نكتب إليكم لتأتوا تغبطون نوستالجياتنا أو تباركون مخاوفنا. نكتب إليكم لتساعدونا، بكلمتكم، على تجريدها من سلاحها. نحتاج أن تؤكدوا، من بيروت كما من إسطنبول، بصوت جليّ، أن مستقبل مسيحيي الشرق لا يوجد في أحضان أقياصر جدد، ولا في أوهام الحصن المنيع، ولا في أحلام الغيتوات المستقلة، بل في النضال من أجل دولة موحدة مدنية مبنية على المواطنة، ضامنة لحريات الجميع، ومن أجل شرق أوسط متوحد في نهاية المطاف في سلام الإخوة، ذلك السلام القادر على إزاحة الجبال. نحتاج أن تذكّروا، بالقوة الهادئة لفرنسيس، بأن: – الحديث عن “أقليات” عوضاً عن مواطنين هو قبول مسبق بتفتيت الجماعة السياسية؛ – وتقديس الهوية في مواجهة المساواة في الحقوق هو خيانة للإنجيل وللإرث الإنساني في آن واحد؛ – واستحضار المسيح لتغذية العداء للغريب واللاجئ والمختلف هو تدنيس للصليب لا دفاع عنه. نحتاج أن تُظهروا، بالأفعال والكلمات، أن بوخاريست وبودابست وموسكو، وواشنطن في حالها الراهنة بل وتل أبيب أيضاً، لا يمكن أن تتحول إلى بديل عن روما لدى مسيحيي الشرق؛ وأن المسيحية الهوياتية المنغلقة الكارهة للأجانب ليست نسخة مقبولة من المسيحية، بل هي كاريكاتورها المُميت. مروركم بلبنان يمكن أن يكون لنا محطة مراجعة ضمير. ستجدون بلداً منهك الدم ودولة ممزقة تبحث عن إعادة بناء تبدو في هذه الساعة مستبعدة إن لم تكن مستحيلة في ظل الميليشيا وأهواء السياسيين؛ ومجتمعاً منزلقاً نحو السخرية واليأس. ستجدون مسيحيين منقسمين، بعضهم مفتون بسراب الحمائية الطائفية، وآخرون متعبون لدرجة أنهم يريدون المغادرة. لكنكم ستجدون أيضاً، أحياناً في الظل، جمعاً من النساء والرجال الذين يواصلون، في يومياتهم، تجسيد ثقافة الرابطة: معلمون وأطباء وناشطون وكهنة وأئمة وصحفيون ومواطنون بسطاء يعيشون التعايش كما يتنفسون، دون خطابات رنانة. هؤلاء هم الذين ينبغي تثبيتهم. قداسة الأب المقدس، نطلب منكم أن تستعيدوا الأفكار التي أُرسيت عبر الأزهر وأبو ظبي وتُوِّجت بـFratelli Tutti، وأن تُطبّقوها صراحةً على لبنان؛ وأن تقولوا إن هذا البلد ليس “محمية مسيحية” ينبغي إنقاذها بصعوبة، بل مختبر هش للمواطنة ينبغي إنقاذه للجميع؛ وأنه لا يمكن الدفاع عن مسيحيي الشرق بالتضحية بما يُسوّغ وجودهم تحديداً: فن العيش مع الآخر. لا نطلب منكم أن تنحازوا لهذا المعسكر أو ذاك. نطلب منكم أن تنحازوا للاستقطاب الوحيد الذي يستحق: ثقافة الرابطة في مواجهة ثقافة الإقصاء؛ الإنسانوية المتكاملة في مواجهة العدمية الهوياتية؛ لبنان-الرسالة في مواجهة لبنان-الغيتو. لو أيّدتم هذا الخيار من عُلياء رسالتكم، لمنحتم مسيحيي لبنان، وبرفقتهم مواطنيهم المسلمين، ما هو أكثر من مجرد تعزية: مسؤولية متجددة. مسؤولية أن يصبحوا من جديد، لا حراساً خائفين لحظيرة محاطة بالأسوار، بل صانعي فضاء مشترك تجتمع فيه أخيراً «جميع الشعوب في مجتمع واحد»، لا بمحو الاختلافات، بل لأن كل واحد يقبل أن كرامة الآخر تُقيّد خوفه. ثم لعل زيارتكم لهذا الشرق المُدمَّر تكون واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يتردد فيها التاريخ، ويُختار فيها بين إغراء القلعة ومخاطرة الجسر. وهذه المخاطرة هي ما نتوسل إليكم أن تشجعوها. من لبنان، في الليل الثقيل لزماننا، نكتب إليكم بهذا اليقين الوحيد: إما أن نكون إخوة، وإما أن نكون، بعضنا لبعض، إغراء العدو الدائم وصانعي اختفائنا الذاتي.

بشار ما زال يَحُوم في دمشق
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

منذ عامٍ تماماً، انهار بشار الأسد، جارفاً معه نصف قرن من الطغيان العائلي، المتنكّر في ثوب “العلمانية” الحداثوية وفي دور السدّ المزعوم في وجه الفوضى. وداعاً بلا أسف. وداعاً لنظام جعل السوريين مادةً أولية لهندسة الرعب، باسم عروبة زائفة ملحقة بـ”تحالف الأقليات”، سُلّمت تباعاً إلى إيران وروسيا، وكانت في المحصلة مريحة إلى حدّ كبير لإسرائيل. وداعاً لسلطة حوّلت الطائفة العلوية إلى درعٍ بشري ورأسمالٍ سياسي، ولم تصمد إلا بزجّ “الله نفسه” في أقبية صيدنايا. وداعاً أيضاً لتلك الخرافة المريحة التي ادّعت أن الهمجية هي الثمن الواجب دفعه لتفادي ما هو أسوأ: الفوضى، الإسلاموية، حرب الجميع ضد الجميع. سوريا دفعت الثمن الأغلى لتثبت أن الأسوأ كان هو. فتح السجون، وكشف “سراديب” النظام، جاء كصدمة كهربائية متأخرة. كثيرون ممّن راهنوا حتى اللحظة الأخيرة على الإنكار أو على التلطيف الانتهازي، واجهوا أخيراً طبيعة هذا النظام الوحشية—إلا إذا كانوا مصابين بالعمى الأخلاقي، وهو داء عابر للعصور والثقافات للأسف. اكتشفت سوريا أنها لم تعش تحت دكتاتورية فحسب، بل داخل كونٍ اعتقالي مكتمل، حيث لم يكن الخوف أداةً استثنائية، بل لغة السلطة ذاتها. عائلات المفقودين تلقّت، إلى جانب أدلة الرعب، التأكيد المريع لما كانت تعرفه سلفاً: قتلَاهم لم يكونوا “أضراراً جانبية”، بل وقود النظام. لن ينوح أحد على الأسد. ولا حتى حلفاؤه الذين تخلّوا عنه قبل سقوطه. ولا حتى جيشه الذي لم يفعل شيئاً لحمايته. الأسد ينتمي إلى المقبرة الجماعية للتاريخ—بل إلى مكبّ نفاياته إن صح التعبير. ` في هذا الفراغ، برز اسم آخر: أحمد الشرع. قائد الحرب السابق، الجولاني السابق الذي أعيدت صياغته ليلائم العواصم، أصبح في وقت قياسي وجه سوريا ما بعد الأسد. استبدل البزّة العسكرية بالبدلة، وقاموس الفتوى بلغة “إعادة الإعمار” و”الميثاق الوطني”، قصّر لحيته وربط ربطة عنق—لكن دون أن يتمكّن من محو ذاكرة ما كان عليه بالكامل، مهما حاول. بالنسبة للمجتمع الدولي، سمح تحوّل الجولاني إلى الشرع بخفّة يد: لم يعودوا يتعاملون مع منبوذٍ إبادوي، بل مع رئيس “قابل للترويج”. السؤال لم يعد ما الذي يمثّله للسوريين، بل ما الذي يتيحه للآخرين لتسويته. وفي اللحظة نفسها، أعيد فتح سوريا على العالم بعد نصف قرن من الانغلاق في خدمة عائلة مافيوية متلفّعة برداء الطائفة العلوية وعروبة شكلية. من هذه الناحية، لا بأس. رفع العقوبات تدريجياً، عودة الاستثمارات، انفتاح دمشق على الليبرالية—كل ذلك خطوة هائلة. في بلدٍ منهك، مدمّر بالحرب والفساد وافتراسات الميليشيات والرعاة الأجانب، فإن مجرد عودة الرساميل، وفتح الخطوط الجوية، ولمح الرافعات في الأفق، يشكّل ثورة صامتة. لكنها ثورة اقتصادية معلّقة، على المدى البعيد، بسؤال سياسي: من المستفيد من هذا الانفتاح وتحت أي شروط؟ الأمل أن يكون—ولو لمرة—الشعب السوري. لكن في الصورة ظلٌّ حزين. بل أكثر: قاتم. فالانفتاح على العالم لم يُرافقه انتقال ديمقراطي حقيقي. لا الدستور الجديد، المفصّل لضمان ديمومة السلطة الجديدة، ولا المعالجة الدموية للأقليات العلوية والدرزية والكردية على الأرض، يعكسان قطيعة واضحة مع منطق الماضي. تغيّر القناع وتطوّر الخطاب، لكن الانعكاسات القديمة باقية. لم يتمكّن الشرع—وهذا أقل ما يُقال—من معالجة مسألتي وحدة الأراضي السورية والتعدّدية إلا عبر العودة إلى الانعكاس القديم: القوّة الغاشمة. لم تُفكّك الأجهزة الأمنية فعلياً، العدالة الانتقالية بقيت شعاراً، والخطوط الحمراء غير المعلنة ما زالت تطوّق بإحكام الكلام السياسي وحرية التنظيم. والميليشيات تنشط بلا عقاب حيث يُفترض ترميم السيادة. الشبيحة بدّلوا فقط مواقعهم. صحيح أن الانتقال صعب. لم يرث الشرع دولة، بل أنقاضاً: مناطق نفوذ أجنبي، جيوب مستقلة بحكم الأمر الواقع، فسيفساء ميليشيات لم تُلقِ جميعها السلاح، اقتصاد ظلّ متضخّم، مجتمع مرهق ومصدوم. حاز شرعيته الدولية، على الأرجح، مقابل التزامٍ معلن جزئياً باتفاقيات أبراهام—ما لم يكن الأسد قادراً على تقديمه علناً لكنه كان يمارسه سراً. الرسالة الضمنية واضحة: نُعترف بك شرط أن تدخل المنظومة الإقليمية كما هي، بما تحمله من مساومات ونفاق وخطوط حمراء. استُبدلت إيران وروسيا بمظلّة سنّية سعودية-تركية، برعاية المجتمع الدولي، وخصوصاً واشنطن. أهي بشرى أم لا؟ المستقبل وحده يجيب. لكن في كل الأحوال، لن يأسف أحد على بقايا الإجرام التي خلّفها خامنئي وبوتين على الأرض السورية—مع الدعاء ألا يعيد التاريخ نفسه في السياق الجيوسياسي الجديد. إسرائيل، من جهتها، تتحسّب لنظام سنّي قوي قد يُعيد يوماً إحياء القضية الفلسطينية: في هذه القراءة، العدو أولاً هو السنّي. أما الأقليات الأخرى، فيُهمَّشون حين يلزم، ويُستثمرون حين يلزم. ميكيافيلية فجة. فتأخذ تل أبيب المبادرة بفرض منطقة عازلة أمرٍ واقع في سوريا، واستغلال جزء من الأقلية الدرزية، وضمان ألا يصبح الكيان السوري الجديد قطب مقاومة منظّم—ودفع النظام الجديد إلى التنازل وعقد السلام. لكن كل ذلك لا يبرّئ النظام من المجازر المرتكبة بحق مدنيين أبرياء على أساسٍ طائفي، ولا يبرّر التصفيات الإثنو-طائفية على الساحل. لا يُغسل نصف قرن من الجرائم بإنتاج دفعة جديدة من الشهداء. اختبار حاسم ينتظر الشرع: أن يطوي نهائياً الصفحة الدموية لنظام الأسد عبر احترام—على الرغم من التحديات الهائلة والفخاخ من كل صوب—الحريات، والديمقراطية، والتعدّدية، وحقوق الإنسان، وكرامة الإنسان وغايته، وحق الحياة. أن يقطع مع منطق “العدو الداخلي” الدائم؛ أن يفهم أن الأمن لا يُبنى ضد المجتمع بل معه؛ وأن يقبل بأن الطوائف العلوية والدرزية والكردية ليست كبش فداء ولا جسماً غريباً يُعاقَب، بل جزءاً لا يتجزأ من العقد الوطني. حتى الآن، لا بد من الإقرار بأن الشرع، بعد عام، لم يتمكّن من محو الأسد الذي فيه… ولا الجولاني. وهنا تكمن المأساة. يستحضر المرء تلقائياً تحذير حنّة آرندت من أعمق فخّ في الخروج من الطغيان: يُسقط الطاغية، لكن البنية الذهنية التي صنعها لا تُسقط بضربة واحدة. الشمولية ليست جهاز دولة فحسب. نحن أمام ما يسميه المحلّل النفسي شوقي أزوري “متلازمة بينوشيه”، أي تَماهِي المجتمع مع الممارسات البدائية للنظام على امتداد نصف قرن. ما بعد دولة الهمجية هو الانحدار إلى الهمجية نفسها، رغم الزخم الثوري الذي سحقه النظام مع رموز الدينامية المدنية. نجح الأسد في ترسيخ نمط كامل لرؤية العالم، وتربية كاملة على الخوف، على شاكلة “الأخ الأكبر” عند أورويل. لقّن، عاماً بعد عام، فكرة أن الآخر تهديد، وأن الاختلاف شبهة، وأن النظام لا يُحفظ إلا بالقوة. امتصّ المجتمع هذه القوالب كطبيعة ثانية، إلى حدّ أن سقوط السيّد لا يكفي لمحوها. سوريا، بعد عام على بشار، ما زالت تحمل الندوب. الريبة تجري كمنعكسٍ عضلي قديم؛ إغراء “العدو الداخلي” يبقى أقصر الطرق الذهنية؛ هاجس الأمن يتقدّم على المخاطرة السياسية؛ ومفهوم التعدّدية الحقيقية ما زال يرعب مجتمعاً دُرِّب خمسين عاماً على اعتبار الاختلاف ثغرة. الطاغية رحل، لكن الطغيان لم يغادر بعد: يسكن الإيماءات، والصمت، والعادات، ومنعكسات البقاء. ذلك هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر الشرع—إذا كان قادراً ومقتنعاً: لا إدارة ما بعد الأسد فقط، بل شفاء الداخل المجتمعي الملوّث بعقود من الرعب، وإعادة تعليم شعب أن الحرية ليست خطراً وأن الدولة ليست مفترساً. كانت آرندت ستصوغها بشكل آخر، لكن الفكرة واحدة: لا يُغادر النظام الشمولي فعلاً إلا حين يتوقّف الخوف عن كونه اللغة الأم للسياسة. ما دامت تلك القواعد النحوية قائمة، يخاطر البلد لا بالعودة إلى النظام القديم، بل بإعادة إنتاجه باسم آخر. لا يُفكَّك معسكر اعتقال لبناء آخر.

لا يكفي نزع سلاح حزب الله، بل يجب تدجينه

حتى تحت القصف، وحتى عندما ستطاردهم جماعات الثأر السورية أو العدالة الدولية، لن يقبل المنتسبون إلى حزب الله بالاندماج في البوتقة الوطنية. ولن يتصرفوا كما قد تتصرف حركة أمل، اللبنانية في عيوبها وخطابها وتسوياتها. والسبب واضح: فالتاريخ الحديث قدّم سابقة تثير الريبة. فلا أحد نسي ما حدث للقوات اللبنانية بعدما قبلت باتفاق الطائف وسلّمت سلاحها: دفعت الثمن غالياً، إذ سُجن قائدها وتعرّض كوادرها للاضطهاد والاغتيال. مع ذلك، لم يتخلّوا عن قناعاتهم، ولم يتراجع عددهم بشكل كبير. وقد أشيد بقدرتهم على الصمود، تلك القدرة التي نُسبت إلى ما تلقّوه من تعبئة فكرية، وهي تعبئة لم تمنعهم من العودة والاندماج في الحياة المدنية العلمانية. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن فعلاً أن تنسجم عقيدة ولاية الفقيه وطابعها الديني مع دولة قانون تقوم أساساً على الحريات الفردية وعلى مبدأ العلمانية؟ السذاجة و عدم البصيرة في هذا الوقت، يواصل «ذوو النوايا الحسنة» ترداد شعار: «سلّموا سلاحكم، وعودوا إلى كنف الدولة، فلكم فيها موقعكم الطبيعي». لكن حزب الله، قبل أن يصبح ميليشيا بحجم جيش، هو نتاج حركة دينية–سياسية عمرها قرون. فمحاولة تحويله إلى حزب سياسي عادي هو إنكار لطبيعته. وحزب الله ليس مستعداً لحلّ نفسه. وحتى لو قرر تسليم سلاحه، فإن الحزب المدعوم من إيران ليس في وارد التخلي عن لبنان الذي وقع في أسره. فقد نجح الإيرانيون في اختراق إدارتنا إلى درجة باتت فيها شبكاتهم الموازية تمتلك سلطة قرار حقيقية، وليس مجرد قدرة على التعطيل. فالدولة العميقة التي استثمر فيها الحزب تمثل «سلطة غير مرئية، لا يمكن رصدها داخل مؤسسات الجمهورية الشرعية، لكنها تؤثر في القرارات السياسية الكبرى وفي سير المجتمع». والموفدون الأميركيون الذين يتناوبون على متابعة الوضع اللبناني يكررون هذه الحقيقة، في حين يرفض الحكم اللبناني الاعتراف بها ويفضّل البقاء في حالة إنكار مريحة. النموذج الألماني في نزع النازية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عمل الحلفاء الغربيون على اجتثاث النازية في المناطق التي احتلوها من إلمانيا. فأجروا التحقيقات في قطاعات التعليم، والحقوق، والمال، والإعلام وغيرها.إلا أنّ العملية كانت ديمقراطية، فجاءت نتائجها محدودة. أما في الجانب السوفياتي، فكانت المقاربة مختلفة تماماً: تطهير واسع، إعدامات سريعة، و«تذاكر ذهاب فقط» إلى الغولاغ. كيف يمكن «نزع حزب الله» من الدولة؟ نعود إلى لبنان، العالق في المأزق. فالبلاد لا تستطيع الإصلاح فيما تبقي على الوضع القائم. فما الفائدة من الإبقاء على موظفين يدينون بالولاء للخارج وينتمون إلى أجهزة طهران؟ لإنقاذ لبنان، المطلوب أكثر بكثير. من مجرد نزع سلاح حزب الملالي

سوريا: بين التحديات والفرص (٤/٢)
بقلم
سيرجيو صفدي
نُشر

في مقالتنا السابقة، استعرضنا مختلف الأصول الاقتصادية لسوريا. فبفضل أراضيها الخصبة وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، تتمتع البلاد بإمكانات اقتصادية كبيرة لا تزال غير مستغلّة. كما أنه، ومنذ سقوط نظام بشار الأسد وتسلم أحمد الشرع السلطة، ورفع العقوبات الأميركية والأوروبية عنها، وعقد القمة السورية – السعودية في تموز 2025، بدأت ملامح ديناميكيات جديدة تتبلور لإعادة الإعمار وإعادة دمج سوريا في محيطها العربي وفي التجارة العالمية. لكن الصورة ليست مشرقة بالكامل في سوريا ما بعد الأسد، فما زالت هناك تحديات كثيرة امام إعادة بناء الدولة ونظامها الاقتصادي. الامن يشكل الامن اول التحديات أمام السلطات الجديدة. فبعد أكثر من 13 عاماً من حربٍ أهلية شاركت فيها فصائل متعددة وجنسيات مختلفة ، ما زالت البلاد تعاني حالة من عدم الاستقرار. من ابرز التهديدات، الأمن في المناطق الساحلية و في السويداء، والهجمات الإرهابية ضد المجتمع المسيحي. وكذلك الاشتباكات المتكررة على الحدود اللبنانية مع مجموعات موالية لحزب الله، والغارات الجوية الإسرائيلية على سوريا. الحكومة تعمل تدريجياً على ترسيخ نفوذها وتحاول استعادة النظام والأمن على مستوى البلاد. إلا أن الطريق ما يزال طويلاً، فإذا لم تواصل الحكومة جهودها لتحسين الوضع الامني، فسيتردد كثير من المستثمرين قبل الالتزام بوعودهم. كل شيء بحاجة لإعادة بناء يُقدّر صندوق النقد الدولي أن ما يقارب 50% من الوحدات السكنية في سوريا قد دُمّر أو هو بحاجة ماسة للترميم. كما أن نحو نصف السكان في الوقت الحالي هم من النازحين خارج البلاد. ومع بدء عودة النازحين، من المؤكد أن الطلب على المساكن سيتصاعد. من ناحية أخرى، جزء كبير من البنية التحتية والخدمات العامة في البلاد قد دُمّر، بما في ذلك المصانع، المستشفيات، محطات ضخ المياه، محطات الطاقة، آبار ومصافي النفط ... وهي جميعها ضرورية لعملية إعادة الإعمار. من المتوقع أن تسدد الاستثمارات الخليجية هذا النقص في البنية التحتية وتساعد البلاد على النهوض مجدداً، لكن ذلك سيستغرق سنوات طويلة قبل أن تدخل هذه الطاقات الإنتاجية الجديدة حيّز التشغيل. في هذه الأثناء، و بحسب البنك الدولي من المتوقع أن تخلق مشاريع إعادة الإعمار نحو 200 ألف وظيفة ، وأن تجذب مليارات الدولارات إلى البلاد، مما يعزز احتياطات مصرف سوريا المركزي من العملات الأجنبية. التحديات الاقتصادية الهيكلية الكبرى بعد أكثر من 14 عاماً من الحرب الأهلية، أصبح الاقتصاد السوري في حالة انهيار. انخفض الناتج المحلي الإجمالي من نحو 60 مليار دولار عام 2010 إلى ما لا يزيد على 20 مليار دولار في عام 2022. وفي عام 2018، خفّضت الأمم المتحدة تصنيف سوريا من دولة نامية (مثل الهند أو المكسيك أو إندونيسيا) إلى دولة منخفضة الدخل (مثل أفغانستان أو بوركينا فاسو أو أنغولا). ووفقاً للأمم المتحدة، يعيش قرابة 90% من السكان حالياً تحت خط الفقر، بأقل من دولارين يومياً. كما فقدت الليرة السورية نحو 99% من قيمتها. في عام 2010 كان الدولار الأميركي يعادل 47 ليرة، ليصل في خريف 2024 إلى نحو 22 ألف ليرة. ومنذ سقوط الأسد، تعزز سعر الصرف ليقترب من 11 ألف ليرة للدولار الواحد، لكن البنك المركزي لا يملك سوى 200 مليون دولار من الاحتياطيات الأجنبية، مما يجعله عرضةً لازمة نقدية جديدة. في المقابل، يُقال إن البنك المركزي يحتفظ بنحو 26 طناً من الذهب بقيمة تقترب من 3 مليارات دولار (على أساس 3,700 دولار للأونصة). يمكن أن يُستخدم هذا الذهب كضمانة للحصول على تسهيلات مصرفية وقروض حيوية للبلاد. أخيراً، تدين الحكومة السورية بنحو 23 مليار دولار لمختلف الدائنين، وهو ما يمثل حوالي 115% من الناتج المحلي الإجمالي، أغلبه لإيران (17 مليار دولار) وروسيا (1.2 مليار دولار). يستنزف سداد هذا الدين قرابة 30% من ميزانية الدولة، المبلغ الذي كان من الممكن استعماله لإعادة الإعمار أو الخدمات العامة. تدرس الحكومة الحالية رفض سداد ديونها لإيران وروسيا، اذ تصف هذه الديون بأنها "ديون بغيضة"، أي تلك التي نشأت من دون موافقة أو استفادة للشعب بل على العكس جزءاً كبيراً من هذه الديون استخدمه نظام الأسد لشراء الأسلحة والوقود لمحاربة الشعب نفسه. إلا أنه لا يوجد في القانون الدولي سابقة واضحة للتعامل مع مثل هذه الديون وسيؤدي التخلف عن سداد جزء أو كامل هذه الديون إلى تقويض مبدأ "استمرارية الدولة" الذي ينص على أن الحكومات الجديدة ترث أصول والتزامات أسلافها وهي ملزِمة لها. الحاجة إلى مؤسسات قوية إن إصلاح المؤسسات العامة، ومحاربة الفساد، وتحسين الحوكمة والشفافية، أمور أساسية لاستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين. فبدون سيادة قانون موثوقة، تتعرض كل المبادرات الاقتصادية للانهيار. إن تعزيز المؤسسات القضائية والإدارية والاقتصادية هو شرط اساسي لوضع سوريا على مسار النمو المستدام. كما ان خصخصة الاقتصاد لا تقل أهمية عن باقي الإصلاحات المطلوبة، إذ كان نظام بشار الأسد يسيطر على معظم وسائل الإنتاج ويمسك مباشرة بزمام الاقتصاد. فمن الضروري خصخصة القطاعات الرئيسية وفتح المجال لمزيد من المنافسة، بما يحفّز على المبادرات الفردية. إعادة الاندماج الاجتماعي وإدارة عودة النازحين لقد نزح ملايين السوريين داخل البلاد أو لجأوا إلى الخارج. وتمثل عودتهم تحدياً اجتماعياً واقتصادياً يتطلب دعماً وبرامج اندماج. فمن دون هذه الإجراءات، ستتعرض سوريا الى خطر التفكك الاجتماعي، والى التوترات المجتمعية، والى استمرار الهشاشة في الوضع لفترة طويلة. كل ذلك من شأنه أن يعيق بشكل خطير زخم إعادة الإعمار والتنمية في البلاد. إن التحديات التي تواجه سوريا كثيرة ومعقدة، لكنها ليست مستعصية. قضايا الأمن، وإعادة بناء البنية التحتية، والاستقرار الاقتصادي، والاندماج الاجتماعي، وإصلاح المؤسسات، كلها امور يجب أن تُعالَج بطريقة منسّقة لبناء بيئة مستقرة وجاذبة. فمن خلال تجاوز هذه العقبات، يمكن لسوريا أن تهيّئ الظروف لسلام دائم وتستفيد أخيراً من إمكاناتها الاقتصادية الهائلة لصالح شعبها والمنطقة بأسرها.