شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
تحليل

علي الطاهر: لماذا رفض حزب الله تسليم التلّة للجيش؟

وهل انتهت المعركة إلى تسوية غير معلنة؟
صورة المؤلف
بقلم جاد الاخوي - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 15:00
صورة للأخبار
لم تكن معركة علي الطاهر مجرد مواجهة عسكرية على تلة استراتيجية في جنوب لبنان. فالموقع، رغم مساحته المحدودة، تحوّل إلى نقطة تقاطع بين الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية، وكشف جانباً من جوهر الصراع المستمر في لبنان: من يملك الأرض، ومن يملك السلاح، ومن يقرر الحرب والسلم؟ الأكثر إثارة للاهتمام ليس دخول إسرائيل إلى الموقع فحسب، بل إصرار حزب الله على رفض تسليمه إلى الجيش اللبناني، رغم أن الجيش هو المؤسسة الشرعية الوحيدة التي يفترض أن تتولى مسؤولية الأراضي اللبنانية، ولا سيما في المناطق الحدودية التي ترتبط مباشرة بأمن البلاد وسيادتها. لماذا رفض الحزب؟ لأن تسليم علي الطاهر إلى الجيش لم يكن ليُفهم بوصفه إجراءً ميدانياً محدوداً، بل كان سيحمل معنى سياسياً يتجاوز التلة نفسها. فهذه الخطوة كانت ستعني اعترافاً عملياً بأن الدولة اللبنانية هي صاحبة القرار الأمني والعسكري في الجنوب، وأن أي قوة مسلحة أخرى لا تستطيع أن تتصرف باعتبارها صاحبة الولاية الفعلية على الأرض. ولهذا أصبح الموقع اختباراً لسلطة الدولة، لا مجرد موقع عسكري متقدم. من قتل المقاتلين؟ تبقى هذه الحلقة الأكثر غموضاً في رواية المعركة. الرواية الإسرائيلية تتحدث عن مقتل مقاتلين وفرار آخرين، بينما لا تزال المعلومات المستقلة حول عدد الموجودين في الموقع، وطبيعة مهمتهم، ومصيرهم، غير مكتملة. كما أن تضارب الروايات يفتح الباب أمام أسئلة كثيرة لا يمكن حسمها من خلال البيانات العسكرية وحدها. والسؤال هنا ليس تفصيلاً ميدانياً: هل قتل معظم المقاتلين داخل الموقع، أم تمكنوا من الانسحاب عبر الأنفاق والممرات، أم جرى إخلاؤهم قبل بدء العملية الإسرائيلية؟ كل احتمال من هذه الاحتمالات يحمل دلالة مختلفة. فإذا كان المقاتلون قد بقوا حتى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك يعني أن الموقع خاض مواجهة مباشرة انتهت بتفوق إسرائيلي واضح. أما إذا جرى إخلاؤهم مسبقاً، فسيكون السؤال حول الجهة التي اتخذت القرار، والسبب الذي دفع إليها، وما إذا كان ذلك جزءاً من تفاهم أوسع أو مجرد إجراء عسكري احترازي. وإذا ثبت أن عدداً كبيراً منهم خرج قبل دخول القوات الإسرائيلية، فسيكون السؤال الأهم: كيف خرجوا، ومن أمّن عملية الخروج، وهل تم ذلك بعلم أطراف محلية أو دولية؟ حتى الآن لا توجد أدلة علنية كافية للجزم بأي من هذه السيناريوهات. لكن غياب المعلومات لا يلغي أهمية الأسئلة، بل يزيد الشكوك حول طبيعة ما جرى في الساعات التي سبقت السيطرة على الموقع. ماذا عن زيارة السفير الأميركي إلى إسرائيل؟ التوقيت يستحق التوقف عنده. فقد تزامن التصعيد حول علي الطاهر مع تحرك أميركي في اتجاه إسرائيل، وظهرت معلومات عن بحث مسألة الموقع وإمكان انتقاله في النهاية إلى الجيش اللبناني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن القرار اتُخذ خارج لبنان، أو أن هناك اتفاقاً مكتمل العناصر بين واشنطن وتل أبيب وبيروت، لكنه يشير إلى أن الموقع لم يعد يُنظر إليه باعتباره شأناً عسكرياً محلياً فقط. لا يمكن القول إن زيارة السفير الأميركي كانت جزءاً من صفقة سرية حول علي الطاهر، فهذا غير مثبت. كما لا يمكن الجزم بأن كل ما جرى كان نتيجة تفاهم مسبق بين الأطراف المعنية. لكن من الواضح أن واشنطن تنظر إلى مستقبل الموقع ضمن ملف أكبر يتصل بوقف إطلاق النار، وتثبيت الحدود، ومنع وجود عسكري خارج سلطة الدولة اللبنانية، وضمان ألا تتحول المناطق الحدودية إلى منصات دائمة للمواجهة. وهنا تصبح علي الطاهر جزءاً من مفاوضات تتجاوز جغرافيتها. فالموقع قد يكون صغيراً على الخريطة، لكنه يرتبط بأسئلة كبيرة حول ترتيبات الجنوب، ودور الجيش اللبناني، ومستقبل السلاح غير الشرعي، وحدود النفوذ الإسرائيلي في المنطقة. المفارقة التي أحرجت حزب الله المفارقة السياسية الكبرى هي أن حزب الله رفض تسليم التلة إلى الجيش اللبناني، لكنه لم يتمكن في النهاية من الاحتفاظ بها. إذا انتهت العملية الإسرائيلية بانسحاب القوات الإسرائيلية وتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، فسيكون السيناريو مختلفاً تماماً عن الصورة التي أرادها الحزب أو سعى إلى تثبيتها: حزب الله رفض تسليم الموقع للدولة، وإسرائيل أخرجته منه، ثم عادت الدولة لتتولى المسؤولية. أي أن الحزب رفض تكريس سلطة الجيش بإرادته، لكنه قد يجد نفسه أمام واقع يكرّسها بطريقة أخرى. وهذا ما يجعل المسألة محرجة سياسياً، لأن النتيجة النهائية قد تبدو وكأنها حققت، بصورة غير مباشرة، ما رفض الحزب القيام به مباشرة. وهنا يصبح السؤال: لماذا لم يكن تسليم الموقع إلى الجيش هو الخيار الأقل كلفة على لبنان؟ كان من الممكن تقديم الخطوة باعتبارها تعزيزاً لدور الدولة، وحماية للجنوب، ومنعاً لإسرائيل من استخدام وجود الحزب ذريعة للبقاء أو التقدم. أما رفض التسليم، فقد أبقى الموقع في دائرة الاشتباك، وسمح لإسرائيل بتقديم عمليتها على أنها استجابة لوجود عسكري خارج سلطة الدولة. علي الطاهر تختصر مشكلة لبنان القضية ليست في التلة وحدها. لبنان لا يستطيع استعادة سيادته إذا بقيت هناك سلطتان عسكريتان: سلطة الجيش، وسلطة سلاح خارج الدولة. كما لا يستطيع أن يطالب المجتمع الدولي باحترام حدوده، بينما يبقى القرار العسكري داخل هذه الحدود موزعاً بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلح يملك قدرات مستقلة عنها. وفي الوقت نفسه، لا يمكن للبنان أن يطالب إسرائيل بالانسحاب من أراضيه، بينما يبقى القرار الأمني في هذه الأراضي موضع نزاع داخلي. فكلما بقي السلاح خارج الدولة، بقيت الذريعة الإسرائيلية قائمة، وبقي الجنوب معرضاً لجولات جديدة من التصعيد. السيادة لا تحتمل الشراكة. إما أن يكون الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة، أو يبقى لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية، فيما تدفع الدولة والمجتمع ثمن المواجهة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي بعد علي الطاهر ليس: من ربح التلة؟ بل: من سيحكمها بعد انتهاء المعركة؟ إذا كان الجواب هو الجيش اللبناني، فقد تكون علي الطاهر بداية انتقال الجنوب من منطق «المقاومة» إلى منطق مسؤولية الدولة. وقد يشكل ذلك خطوة أولى نحو إعادة تعريف الأمن الوطني، بحيث يصبح الدفاع عن الحدود مهمة مؤسسات الدولة لا مهمة أي طرف منفرد. أما إذا بقيت إسرائيل، فإن لبنان يكون قد خسر جزءاً من سيادته مرة أخرى، بصرف النظر عن الرواية التي سيقدمها كل طرف لتبرير ما جرى. وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم: لا حزب الله يستطيع أن يكون بديلاً عن الدولة، ولا إسرائيل تستطيع أن تكون ضامنة لسيادتها. السيادة اللبنانية لا تستعيدها إلا الدولة اللبنانية، ولا يحميها إلا جيشها، ولا يثبتها إلا قرار سياسي واضح يضع حداً لازدواجية السلاح والمرجعية.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
"نوسترا إيتاتي": أبو ظبي و"فراتيلي توتي"، عندما يأتي الحوار بثمار جمة (٣/٤)

أحدثت وثيقة "نوسترا إيتاتي" تحولًا جذريًا في الحوار بين الكاثوليك والمسلمين. فمنذ عهد البابا يوحنا بولس الثاني حتى البابا فرنسيس، يواصل الكرسي الرسولي مسيرته في تعزيز اللقاء والأخوة بين الاديان. هذه هي الحلقة الثالثة من سلسلتنا. يتحلى إعلان "نوسترا إيتاتي" الصادر عام ١٩٦٥ باهمية رئيسية في العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والعالم العربي والإسلامي. وللتأكد من ذلك، لا غنى عن قراءة النص، الذي لا يطرح أي صعوبات عقائدية. إليكم المقطع الذي يهمنا مباشرة: "(...) تنظر الكنيسة بتقديرالى المسلمين، الذين يعبدون الإله الواحد الحي القيوم، الرحيم القدير، خالق السماوات والأرض، الذي كلم البشرية." إنهم يسعون إلى الخضوع التام لأوامر الله، حتى وإن كانت خفية، كما فعل إبراهيم عليه السلام، الذي يُشير إليه الإسلام دائمًا، حين أسلم أمره لله. مع أنهم لا يعترفون بيسوع إلهًا، إلا أنهم يجلّونه كنبيّ، ويكرمون أمه العذراء مريم، بل ويذكرونها أحيانًا بتقوى. كما أنهم ينتظرون يوم القيامة، حين يجازي الله جميع الناس بعد بعثهم. ولذلك، فهم يقدّرون الحياة الأخلاقية ويعبدون الله، لا سيما بالصلاة والصدقة والصيام." "مع أن الخلافات والعداوات قد نشأت على مرّ القرون بين المسيحيين والمسلمين، فإن المجمع المقدس يحثّهم جميعًا على نسيان الماضي والسعي بصدق نحو التفاهم المتبادل، وحماية العدالة الاجتماعية والقيم الأخلاقية والسلام والحرية وتعزيزها معًا لجميع الناس." رسم خريطة "مهد" المسيحية بين عامي ١٩٨٥ و٢٠٠١، وانطلاقًا من هذا الأساس العقائدي المتين، اتخذ البابا يوحنا بولس الثاني خطواتٍ هامة: خطابٌ في الدار البيضاء أمام ٨٠ ألف شاب مسلم، دعاهم فيه إلى "الإيمان معًا بإله واحد" (١٩٨٥). صلاة أسيزي من أجل السلام مع ممثلي جميع الأديان (١٩٨٦)؛ وسينودس لبنان ومشاركة " مراقبين" من الاخوة المسلمين( ١٩٩٥)؛ وزيارة تاريخية إلى سوريا والجامع الأموي في دمشق (٢٠٠١). في الشرق الأوسط، واصل البابا بنديكتس السادس عشر، ولا سيما خليفته البابا فرنسيس، مهمة رسم خريطة روحية لـ"مهد" المسيحية، المنطقة الذي تُمارس فيها المسيحية اليوم في بيئة إسلامية، باستثناء لبنان. كان البابا فرنسيس هو من حقق الانجاز الأبرز في الحوار بين الأديان، بفضل وثيقة أبوظبي للأخوة الإنسانية (٢٠١٩)، التي شارك في توقيعها شيخ الأزهر أحمد الطيب، والرسالة البابوية "جميعنا إخوة" (٢٠٢٠) التي توسعت في رسالتها. تنص الرسالة البابوية تحديدًا على ما يلي: "لطالما كانت قضايا الأخوة والصداقة الاجتماعية من بين اهتماماتي... وقد شجعني الإمام الأكبر أحمد الطيب، الذي التقيته في أبو ظبي، على وجه الخصوص، إذ ذكّرني بأن الله خلق جميع البشر متساوين في الحقوق والواجبات والكرامة، ودعاهم إلى التعايش كإخوة وأخوات. لم تكن هذه مجرد مبادرة دبلوماسية، بل كانت تأملًا نابعًا من حوار والتزام مشترك". تجمع هذه الرسالة البابوية وتطور مواضيع مهمة تناولتها هذه الوثيقة التي وقعناها معًا..." أقدم هذه الرسالة الاجتماعية كمساهمة متواضعة في التأمل، حتى نتمكن، في مواجهة الطرق المختلفة والمعاصرة لإقصاء الآخرين أو تجاهلهم، من الاستجابة برؤية جديدة للأخوة والصداقة الاجتماعية لا تقتصر على الكلمات. مع أنني كتبتها انطلاقًا من قناعاتي المسيحية التي تدعمني وتغذي روحي، فقد حاولت أن أجعلها مفتوحة للحوار مع جميع ذوي النوايا الحسنة." (جميعنا إخوة ٥ و٦). بيت العائلة الإبراهيمية ستُدعم هذه المبادئ بإنجازاتٍ مُحددة. ويظل بيت العائلة الإبراهيمية في أبوظبي أبرزها. يضم هذا المجمع، الذي افتُتح عام ٢٠٢٣، مسجدًا وكنيسةً وكنيسًا يهوديًا، في فضاءٍ مشترك، مكانًا للتعليم والصلاة والتواصل. إلا أن هذا التحول في العلاقات بين الاديان لم يلقى صدا في كل الاماكن. فالمملكة العربية السعودية، على سبيل المثال، لم تُقم بعد علاقات دبلوماسية مع الفاتيكان؛ ويُحظر فيها بناء الكنائس وإقامة الشعائر الدينية العامة خارج المقرات الدبلوماسية. تُعدّ وثيقة "نوسترا إيتاتي" وثمار حوارها بمثابة خميرة تعمل في المقام الأول داخل الإسلام السني، وهو المذهب السائد في الاسلام (٨٥ إلى ٩٠٪ من إجمالي عدد المسلمين). إلا أن الرغبة في الانفتاح التي عبّرت عنها الوثيقة المجمعية عالمية. وقد دفعت هذه الرغبة البابا فرنسيس إلى لقاء آية الله السيستاني خلال زيارته للعراق عام ٢٠٢١. وكان شعار الزيارة "أنتم جميعًا إخوة"، وهو صدى للرسالة البابوية "فراتيلي توتي".

دار الاوبرا الملكي في مسقط بين التقاليد العريقة واحدث التقنيات

تُعتبر دار الأوبرا في مسقط واحدة من أبرز المعالم الفنية في سلطنة عُمان. تم بناؤها عام 2011 نزولا عند رغبة السلطان قابوس بن سعيد، الذي كان شغوفاً بالفنون والأوبرا.اراد السلطان قابوس من خلال دار الاوبرا هذه ان يبني مركزاً للتبادل الثقافي بين سلطنة عُمان و العالم، ومنصة للعروض الفنية العالمية والمحلية على حد سواء. منذ افتتاحها، أصبحت دار الأوبرا الملكية في مسقط رمزاً للدبلوماسية الثقافية في عُمان. فهي تحفة معمارية جمعت بين الطراز الكلاسيكي للأوبرا والتقاليد المعمارية العُمانية، ونجحت في دمج التراث المعماري الإسلامي بالتصميم المعاصر والتقنيات العالية المطلوبة في هكذا صرح. فقد نجح مهندسو المبنى، بإنشاء بناء عُمانياً عريقاً يتمتع بالجمال والاناقة والمتطلبات العصرية لدور الاوبرا. فاستعملوا في البناء موادا محلية المنشأ على غرار الحجر الجيري العماني. و زيّنوا واجهته بزخرفات أظهرت مدى براعة الحرفيين العمانيين. اما داخل البناء، فيجمع ايضاً بين الاناقة والأصالة. وهو مُزيّن بالكامل بالرخام واللوحات الخشبية المنحوتة بدقة، والسجاد الفاخر، وثريات الكريستال، والزخارف العربية الرائعة. أما قاعة العرض، فتتسع لحوالي 1100 مقعد، وهي مجهزة بأحدث تقنيات الصوت والإضاءة وتحتوي على مسرح متحرك ومصمَّم خصيصا لتقديم جودة صوتية عالية ورؤية واضحة للجمهور، اينما كان موقعه داخل القاعة. هذه التكنولوجيا الحديثة في الصوت وفي تصميم المسرح جعلت من الممكن فنياً وتقنيا استضافة كافة أنواع الفنون والاستعراضات العالمية، مما يضع دار اوبرا مسقط في عداد أرقى وأحدث دور الاوبرا في العالم. منذ افتتاحها، استضافت دار الأوبرا الملكية عروضاً موسيقية متنوعة، شارك فيها كبار الموسيقيين والفنانين العالميين من راقصي الفلامنكو وعازفي الجاز مثل إيغور بوتمان Igor Butman و راندي بريكر Randy Brecker ، وكذلك أرقى الأوركسترات السيمفونية مثل أوركسترا فيينا الفيلهارمونيةL’Orchestre Philarmonique de Vienne و الأوركسترا الوطنية الروسية l’Orchestre National de Russie و أوركسترا لندن الفيلهارمونية Philarmonique de Londres l’Orchestre. كما استقبلت دار الاوبرا الملكي في عمان على خشبتها كبار مغنيي الاوبرا من أندريا بوتشيللي Andréa Bocelli، ورينيه فليمنغ Renée Flemming الى بلاسيدو دومينغو Placido Domingo، إلى جانب فرق الباليه الشهيرة كفرقة البولشوي Bolchoï وفرقة الباليه الأمريكية.American Ballet Theatre بالإضافة إلى عروض الأوبرا والحفلات الموسيقية الكلاسيكية، يستقبل الاوبرا الملكي سنوياً نشاطات ثقافية متنوعة، ومسرحيات عالمية، وعروض باليه، وعروض تقليدية عُمانية. في الوقت عينه لم تُهمَل الموسيقى الإقليمية والعربية، حيث شارك العديد من الفنانين العرب المشهورين في عروض رائعة على مسرح الاوبرا هاوس الملكي من بينهم الفنانة ماجدة الرومي. هذا التنوع في البرامج جعل دار الأوبرا الملكية في مسقط وجهة مميزة وضرورية للفنون الراقية. إلى جانب هذه البرامج المتعددة، لم تغفل دار الأوبرا دورها التعليمي والتثقيفي، إذ توفر ورش عمل وبرامج تدريبية للمواهب الشابة، إضافة إلى تسهيلات خاصة للطلاب بهدف تشجيع الموهوبين منهم، وتعزيز التنمية الثقافية في عُمان بجعل الفن في متناول الجميع. بعد سنوات من تأسيسها، أثبتت دار الأوبرا الملكية في مسقط نجاحها الكامل في تحقيق رسالتها الأولى التي أرادها لها السلطان قابوس، وهي دعم الفنانين المحليين والدوليين، ونشر الشغف بالموسيقى الكلاسيكية والفن في المجتمع العُماني، وتعزيز التبادل الثقافي بين الفنانين المحليين والعالميين.

هل أنهت زيارة البابا إلى لبنان فكرة الهجوم الإسرائيلي؟ بين الرمزيات الكبرى والحسابات الواقعية

لم تكن زيارة البابا ليو الرابع عشر إلى لبنان مجرد محطة دينية أو رعوية عابرة، بل لحظة سياسية بامتياز في أكثر لحظات المنطقة حساسية. زيارة تحمل معها رسائل إلى الداخل اللبناني بقدر ما تحمل رسائل إلى الخارج، وتحديدًا إلى إسرائيل، وإلى القوى الدولية التي تمسك بخيوط اللعبة الإقليمية. غير أنّ السؤال الذي تردّد بقوة بعد مغادرة البابا هو الآتي: هل تُنهي هذه الزيارة فكرة الهجوم الإسرائيلي على لبنان؟ الجواب ليس بسيطًا. فما بين القيمة الرمزية الهائلة للزيارة، والحسابات الاستراتيجية الباردة على الحدود الجنوبية، تظهر حقيقة واضحة: الزيارة منحت لبنان فسحة نفسية وسياسية مؤقتة، لكنها لم تُلغِ منطق الحرب. إلا أنّها — مع الحراك الفرنسي المتصاعد، وزيارة رئيس الجمهورية إلى سلطنة عمان — ساهمت في خلق شبكة ردع سياسية ودبلوماسية جديدة قد تُبطئ قرار الحرب، وربما تُعيد رسم شروطها. زيارة البابا: قوة رمزية… لكن حدودها واضحة يحمل قدوم البابا إلى بلد تعصف به الأزمات رسالة واضحة: العالم لم يترك لبنان نهائيًا، وأنّ الحفاظ على تنوعه ودوره ما زالا أولوية دولية. وقد شجّع البابا اللبنانيين على المصالحة، وعلى الاحتكام للدولة، وعلى نبذ العنف. لكن أهمية الزيارة لا تكمن فقط في مضمون خطابها، بل في التوقيت الأكثر حساسية منذ نهاية حرب 2006. إسرائيل تراقب هذه اللحظات بعين استراتيجية. فوجود رأس الكنيسة الكاثوليكية في بيروت رفع كلفة أي اعتداء واسع خلال هذه الفترة. كان من الصعب أن تشنّ إسرائيل حربًا فيما لبنان يستقبل شخصية دينية عالمية بهذا الحجم، وفيما العالم بأسره يصرّح ويعلّق ويتابع. هذا يعني أن الزيارة نجحت — ولو مرحليًا — في خلق مظلة حماية إعلامية ومعنوية. لكن هل تُغيّر هذه الزيارة موازين القوة؟ بالطبع لا. إسرائيل لا تأخذ قرارات الحرب بناءً على المعنويات ولا على الرمزيات، بل بناءً على الحسابات العسكرية والسياسية. لذلك، يمكن القول إن تأثير الزيارة محدود بالزمن وبالإطار الرمزي، وليس كافيًا لردع قرار حرب إذا اتخذته القيادة الإسرائيلية لاحقًا. الدور الفرنسي: بين الوساطة والضغط الدبلوماسي إذا كانت زيارة البابا موجّهة إلى العاطفة والضمير العالمي، فإنّ الدور الفرنسي موجّه إلى قلب اللعبة السياسية. فرنسا، تاريخيًا وواقعيًا، تُعدّ الأكثر انخراطًا بين الدول الأوروبية في ملف لبنان. وقد عملت باريس في الأسابيع الماضية على خطين متوازيين: 1. تهدئة ميدانية عبر قناة مباشرة وغير مباشرة مع إسرائيل. 2. تحريك ملف الحدود وتطبيق القرار 1701 من جديد. ليس سرًا أنّ القيادة الفرنسية تحاول منذ أشهر منع انزلاق الجنوب إلى حرب شاملة. ولطالما لعبت باريس دور الوسيط الذي يُذكّر واشنطن بأن الحرب في لبنان لن تخدم الاستقرار الإقليمي الذي تبحث عنه الإدارة الأميركية. لكن حدود القوة الفرنسية واضحة أيضًا: • فرنسا لا تملك قدرة فرضية على إسرائيل. • تأثيرها قائم أساسًا على “الإقناع” وليس على “الإلزام”. • انسجامها الكامل مع الموقف الأميركي ليس مضمونًا دائمًا. ومع ذلك، فإن الضغط الفرنسي — خصوصًا مع التحركات الدبلوماسية المتسارعة — يدخل مباشرة في حسابات تل أبيب ويُشكل عاملاً من عوامل التردد. فإسرائيل تعلم أن فرنسا قادرة على تحريك أوروبا سياسيًا وإعلاميًا ضد أي اجتياح واسع، وهذا ليس تفصيلاً في لعبة الشرعية الدولية. زيارة الرئيس اللبناني إلى سلطنة عُمان: منصة إقليمية للتهدئة في لحظة تزدحم فيها الساحات الإقليمية بالتوترات، جاءت زيارة رئيس الجمهورية إلى سلطنة عُمان كاستثمار ذكي في الدور الهادئ الذي تلعبه مسقط. فالسلطنة ليست دولة ضجيج، لكنها دولة تأثير صامت، تمتلك علاقات متوازنة مع جميع الأطراف: • طهران • العواصم الخليجية • القوى الغربية • وحتى قنوات خلفية مع أطراف دولية حساسة هذا يعني أن زيارة الرئيس ليست بروتوكولية، بل منصة لبناء شبكة من الضمانات الإقليمية، وفتح خطوط وساطة تساهم في تبريد الجبهة الجنوبية. ومسقط تُتقن الدور الذي لا يستطيع أحد سواها لعبه: التواصل الهادئ بين خصوم كبار دون إعلان. وقد يكون هذا الدور أحد الأعمدة غير المعلنة في عملية منع التدهور العسكري. بين ثلاثة أدوار: البابا – فرنسا – عُمان… ماذا تغيّر؟ عند جمع العوامل الثلاثة نلاحظ الآتي: 1. زيارة البابا أعطت لبنان حصانة رمزية ومعنوية، وأعادت وضعه في الضوء العالمي. 2. الدور الفرنسي يدفع نحو تسوية سياسية ويمنع الحرب عبر الضغط الدبلوماسي المتواصل. 3. حراك الرئيس في عُمان قد يكون مقدّمة لخطّ تفاوضي غير مباشر بين أطراف إقليمية ودولية حول ملف الجنوب. لكن هل يكفي كل ذلك لمنع الحرب؟ الحقيقة أنّ الحرب تُمنع فقط عندما تصبح كلفتها أعلى من مكاسبها بالنسبة لإسرائيل. والزيارة البابوية، والدور الفرنسي، والتحرك العُماني، جميعها ترفع هذه الكلفة — لكن لا تلغي خيار الحرب إذا اعتقدت تل أبيب أن أمامها فرصة استراتيجية لا تُعوَّض. إذن، نحن اليوم أمام تجميد مؤقت لمنطق الهجوم، لا إلغائه. أمام توازن هشّ بين ضغط دولي يسعى لتهدئة، وقرار إسرائيلي لا يزال يتأرجح بين التصعيد والحسابات الداخلية. في النهاية. زيارة البابا إلى لبنان لم تنه فكرة الحرب، لكنها جعلت الحرب أصعب. والتحركات الفرنسية خلقت شبكة ردع سياسية. وزيارة الرئيس إلى عُمان فعلت ما تفعله الدبلوماسية الهادئة: فتحت أبوابًا لا تُفتح في العلن. إسرائيل ستظل تراقب، ولبنان سيظلّ ينتظر، لكن الحقيقة أنّ الضغط الدولي على تل أبيب اليوم هو الأقوى منذ سنوات، وهذا وحده ليس ضمانًا… لكنه على الأقل فرصة

حماية النساء من العنف: الحاجة إلى قانون شامل باتت ملحّة

في لبنان، لا تزال النساء عرضة للاعتداءات والعنف، نتيجة غياب الإرادة السياسية لإجراء إصلاح تشريعي حقيقي يهدف إلى إلغاء النصوص القانونية التمييزية التي تضر بهن. الأرقام تتحدث عن نفسها: حتى تشرين الثاني ٢٠٢٥، كانت ٨٩٪ من البلاغات الواردة إلى الخط الساخن ١٧٤٥، المخصص للعنف ‏الأسري، تقدمها نساء. وفي ٥٧٫٥٪ من الحالات، كان المعتدي الزوج نفسه. في عام ٢٠٢٤، قُتلت ما لا يقل عن ١٧ امرأة، وفي ٦٠٪ من هذه الحالات، كان الجاني هو الزوج. في مواجهة هذا الواقع المقلق، ووفاءً بمهمتها منذ تأسيسها عام ٢٠٠٥، تدعو منظمة كفى، وهي منظمة غير حكومية تعمل على مكافحة العنف المبني على النوع الاجتماعي والاستغلال، إلى اعتماد قانون شامل، واصفة إياه بأنه «أداة ضرورية» للوقاية من هذه الظاهرة ومكافحتها. وللتأكيد على أهمية هذا القانون، أطلقت المنظمة في ٢٥ تشرين الثاني حملة «عيب» بمناسبة انطلاق الحملة الدولية «١٦ يوماً من النشاط ضد العنف المبني على النوع الاجتماعي تجاه النساء والفتيات» التي تستمر حتى ١٠ كانون الأول، اليوم العالمي لحقوق الإنسان. قانون عربي نموذجي ولم تكتفِ منظمة كفى ‏بالمطالبة، بل وضعت نصاً قانونياً يهدف إلى الوقاية من العنف ضد المرأة ومكافحته. وقد بدأ العمل على هذا المشروع في عام ٢٠١٧، تلبيةً للدعوات المطالبة حينها بوضع قانون عربي نموذجي في هذا المجال. وتم تقديم المشروع إلى مجلس النواب في عام ٢٠٢٤ من قبل بعض النواب التغييريين. وقد استُلهم النص إلى حد كبير من اتفاقية مجلس أوروبا حول منع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف المنزلي، والمعروفة باسم اتفاقية إسطنبول. قد أبرمت الاتفاقية ووقعت في ١١ مايو ٢٠١١ في تركيا، ودخلت حيز التنفيذ في ١ أغسطس ٢٠١٤. وحتى اليوم، وقّعت عليها ٤٣ دولة من أعضاء مجلس أوروبا، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي، فيما انسحبت تركيا في ٢٠٢١، وتلتها لاتفيا في ٢٠٢٥. وقد صادقت عليها ٣٧ دولة، بالإضافة إلى الاتحاد الأوروبي. الاتفاقية ملزمة للدول الأطراف، لكنها تظل مفتوحة أمام الدول غير الأعضاء في مجلس أوروبا. أربعة محاور يعتمد النص الذي قدمته منظمة كفى على أربعة محاور: الوقاية، والحماية، والملاحقة والمعاقبة، والتعويض وجبر الضرر. في إطار الوقاية، هذا القانون يحث الوزارات على إتخاذ تدابير وقائية تحمي من العنف وتساعد على تخفيف من إحتمالية إرتكابه. ومن بين هذه الإجراءات، على سبيل المثال، إدراج فصول تكرس مبدأ المساواة بين الجنسين ضمن المواد التعليمية، ومكافحة التسرب المدرسي المبكر خاصة لدى الفتيات، وتطوير قدرات المحققين حول طرق التعاطي مع شكاوى وقضايا العنف ضد المرأة، وتطوير برامج تهدف إلى تمكين المرأة قانونياً واجتماعياً واقتصادياً، وتعديل النصوص القانونية التمييزية ضد النساء. فيما يتعلق بمحور الحماية، ينبغي تقديم الدعم النفسي والصحي والاجتماعي لضحايا العنف الأسري. كما يجب أن تكون الدولة قادرة على تقديم الاستشارة القانونية المجانية، ومساعدة النساء في العثور على فرص عمل، وتأمين سكن لهن. ويجب أيضاً إعداد برامج لتأهيل مرتكبي العنف. أما في محور الملاحقة، فيوصي النص الذي قدمته كفى بعدة إجراءات تبدأ من إستحداث تعريفات واضحة لأشكال العنف لم تكن معرفة في قانون العقوبات – مثل الاغتصاب أو العنف الاقتصادي – وصولاً إلى تشديد العقوبات على الجرائم المرتكبة بحق النساء. كما يشمل النص واجب الإخبار، وتسهيل الادعاء حسب مكان إقامة الضحية، وتعطيل المواد التي تمنح الأسباب التخفيفية، وتجريم كل أشكال العنف ضد النساء، وإنشاء هيئة قضائية متخصصة في كل مراحل التحقيق والمحاكمة، بالإضافة إلى إمكانية حصول الضحية على قرار حماية. فيما يخص محور التعويض، تقترح منظمة كفى إنشاء صندوق خاص لدعم الضحايا يتولى دفع السلفة المقررة للضحية في قرارات المحكمة، ودفع سلفة التعويض أو التعويض الكامل للضحية، بالإضافة إلى تأهيل مرتكبي العنف. استراتيجية وطنية تشير ليلى عواضة «أن الوثيقة التي أعدتها منظمة كفى تُعتبر بمثابة استراتيجية وطنية لحماية النساء والوقاية من العنف». تؤكد أن الوقاية تتمثل بالقضاء على الأسباب البنيوية لهذا العنف، ومن أبرزها قوانين الأحوال الشخصية الطائفية. ومن هنا تأتي أهمية اعتماد قانون موحد للأحوال الشخصية، لا سيما أن القوانين الـ ١٥ الحالية تكرس الظلم ليس فقط بين الرجل والمرأة، بل أيضاً بين النساء أنفسهن، حيث تظل حقوقهن وواجباتهن محكومة بقوانين الأحوال الشخصية للطائفة التي ينتمين إليها».

سوريا: بين التحديات والفرص (٤/٣)
بقلم
سيرجيو صفدي
نُشر

في مقالتينا السابقتين، عرضنا الأصول المتنوعة لسوريا بالإضافة إلى التحديات العديدة. فمنذ سقوط نظام بشار الأسد، دخلت البلاد حقبة جديدة، مع فرص هائلة. تشكيل حكومة جديدة بقيادة أحمد الشرع وإعلان دونالد ترامب عن رفع العقوبات الأمريكية اديا إلى اطلاق إعادة إعمار سوريا. منذ ذلك الحين، بدأت الهبات والاستثمارات ورؤوس الأموال تتدفق إلى البلاد. من المفيد النظر الى القطاعات التي ستستفيد من تدفق الموال هذا، والتأثير الذي يمكن أن يحدثه على التنمية الاقتصادية المستقبلية لسوريا. قطاع الطاقة، أولوية حكومية مع إنتاج الكهرباء المحدود بضع ساعات فقط يومياً، من الضروري للحكومة الجديدة إعادة تأهيل شبكة الطاقة الكهربائية. وقد وقّعت سوريا في هذا الاطار اتفاقية بقيمة 7 مليارات دولار مع شركة يو سي سي القابضة(UCC Holding) ، وهي اتحاد طاقة قطري، لبناء محطات طاقة جديدة تعتمد على الغاز الطبيعي والطاقة الشمسية. يهدف هذا المشروع إلى إنتاج ما يقارب 5000 ميجاواط، أي نصف استهلاك سوريا للكهرباء قبل الحرب. بالإضافة إلى ذلك، خلال القمة السورية السعودية في تموز 2025، تعهدت السعودية بـ 150 مليون دولاراً لمشاريع الطاقة. أخيراً، تخطط شركات أمريكية مثل بيكر هيوز (Baker Hugues)وهنت إنرجي (Hunt Energy)وأرجنت إل إن جي (Argent LNG)لتحديث البنية التحتية للغاز والنفط في سوريا من أجل تحسين استخراج وتكرير المحروقات، مما يعزز استقلالية البلاد في انتاج الطاقة ويمهد الطريق لصادرات محتملة من المحروقات. البنية التحتية، العمود الفقري للتجارة بفضل موقعها الجغرافي المميز، سوريا مؤهلة لتصبح مركزاً تجارياً إقليمياً رئيسياً. لذلك من المهم إعادة تأهيل وتحديث البنية التحتية للنقل البري والبحري والجوي لضمان التنقل السلس للأشخاص والبضائع. ولقد وقّعت البلاد اتفاقية بقيمة 800 مليون دولار مع دي بي ورلد (DP World) ، عملاق اللوجستيات الإماراتي، لتوسيع ميناء طرطوس. كما يجري تطوير ميناء اللاذقية، حيث وقّعت الحكومة السورية اتفاقية بقيمة 262 مليون دولار مع سي إم إيه سي جي إم (CMA CGM) لتحديث الميناء. أما بالنسبة لمطار دمشق الدولي، فقد التزمت قطر بتحديثه باستثمار 4 مليارات دولار. أخيراً، تم التوقيع على اتفاقية بقيمة 2 مليار دولار لتطوير خط مترو يربط بين المناطق الشرقية والغربية في العاصمة السورية. الاعمار: كل شيء بحاجة الى إعادة بناء في المنتدى السوري السعودي الذي عقد في شهر تمّوز 2025، تم تخصيص ما يقارب 3 مليارات دولار لقطاعات العقارات والإعمار. وقد أعلنت السعودية، بالشراكة مع شركة خاشقجي القابضة (Khashogshi Holding) وشركة راديانت ستركتشرز(Radiant Structures) ، عن بناء مصنع يستطيع إنتاج أكثر من 6000 طناً من الإسمنت يومياً، وهي الكمية اللازمة لبناء برج سكني من 15 طابقاً. كما تم التوقيع على شراكة بقيمة 2 مليار دولار مع الشركة الإيطالية يوباكوUBAKO لبناء أبراج دمشق;، وهو مجمّع من عشرات الأبراج السكنية العالية، تنافس ناطحات السحاب في نيويورك ودبي. في بلد دمّرته سنوات من الحرب، تواجه سوريا نقصاً حاداً في الوحدات السكنية وهذا النقص سيزداد مع عودة اللاجئين. وهذا التزايد في الطلب على الوحدات السكنية سيخلق تحديات كبيرة تجعل من الضروري اعتماد تخطيط مدني متكامل. فيجب على الحكومة اتباع خطة تطوير دقيقة تجمع، في الوقت عينه، بين البنية التحتية المتطورة والخدمات العامة والوحدات السكنية ضمن مشروع متكامل يفسح في المجال لبناء مساحات سكنية تتلاءم مع متطلبات البلدان الراقية. المقال التالي: التحديث الرقمي والمصرفي

موريس عوّاد، الرجل الذي أعاد إلى اللغة رحمها الأُمّي

رحل موريس عوّاد في 9 كانون الأول/ديسمبر 2019، وبقي استثناءً نادرًا في المشهد الثقافي والأدبي اللبناني. كان شاعرًا متمرّدًا، طُرح اسمه عام 2015 لجائزة نوبل للآداب، ورجلًا أقام علاقة وجودية جذرية مع اللغة الأُمّ، العاميّة اللبنانية، التي جعل منها رايته، وأرضه-المصفوفة، وسبب حياته. وُلد عام 1934 في “لبنان الكبير” الذي كان لا يزال يتلمّس حدوده ومعناه، وكان يحمل في أحشائه ما سيأتي لاحقًا: الاستقلال، العصر الذهبي، ثم العنف والعودة إلى أشكال جديدة من العبودية. غير أنّ ما يهمّ ليس ولادته بقدر ما تهمّ ولادة اللغة فيه. فقد كان يمكن تخيّل أنّه غُمر منذ اللحظة الأولى في “مَشيمة لغوية” لبنانية داخل رحم أُمّه، وسيكتب لاحقًا: «بتزَكَّر سَمِعتْ إمّي عم تبكي وأنا بَعِدني بْبَطْنا.» منذ طفولته في بسلّيم، تشكّل رابط لم ينفصم بينه وبين اللغة التي خرجت من فم أُمّه. تلك اللغة الأولى — اللبنانية المحكية — أصبحت منزله الأول، المنزل الوحيد الذي لم يتصدّع. وقال ببساطة: «لغتي هي لغة أمّي». لم تكن هذه جملة شاعرية، بل حقيقة جسدية، ذاكرة مُجسّدة تسبق الوعي وتؤسّس له. وفق مقاربة لاكانية، تشكّل اللغة الأمّ المرآة الأولى للذات، خصوصًا أنّ صورة الأب كانت غائبة. هناك إقصاء لاسم الأب، عنيف وغائب، إلى حدّ أن موريس، المولود خوري، “يتبنّى” اسم عوّاد ثم يذهب أبعد، فيُعيد صوغ نفسه باسم موريس كفرغريب. هكذا يُستبدَل اسم الأب باسم الاقتلاع والغربة، ويمكن في هذا السياق فهم إصراره على توطين اللغة كمرساة تمنع التلاشي. حياته بأكملها — ميتم غزير، العودة إلى القرية، سنوات المطبعة، القراءات الفرنسية، الترددات الرهبانية، الفقر الكريم، ليالي الكتابة — كانت تدور حول مركز واحد: ألا يبتعد يومًا عن اللغة التي وُلِد منها. بالنسبة له، الكتابة ليست انفصالًا عن الجسد، بل امتداد له. يقول: «لَمّا بِكْتُب، بْحِسّ كإنّي عم داعِب جِسِم.» والجسد الذي يداعبه ليس سوى جسد اللغة الأمّ. اللغة-المصفوفة: المكان الذي يسبق الكلام لا يرى الجميع في العاميّة اللبنانية سوى لهجة. أمّا موريس عوّاد، فكان يراها رحمًا. لم يعتبرها درجة أدنى أو لغة ناقصة، بل مصفوفة يولد فيها المعنى من جديد، مكانًا تعود إليه الكلمة لتتجذّر. القاف تُستبدل بالهمزة أو تُمحى. الهاء النهائية تُقصّ لأنها لا تُلفظ. القواعد تتراجع أمام النفس. لم يكن ذلك نزعة فلكلورية ولا مشروعًا لغويًا مغلقًا، بل عودة إلى اللغة قبل المدرسة، قبل السلطة، قبل الفصحى، قبل الأب. حين ترجم الأمير الصغير والعهد الجديد إلى اللبنانية، لم يكن “يبسّط” النص، بل كان يُعيده إلى الرحم، إلى حرارة الصوت ورعشة الجسد. ولو كان ليونارد كوهين عربيًا، لكان قال إن الكلمة تصبح جسدًا؛ غير أنّ عوّاد لم يحتج إلى من يرشده إلى مكان التجسّد، فقد عرفه منذ كان في بطن أُمّه. الولادة اللغوية: تقليد، قطيعة، واستمرارية كان موريس عوّاد يتحرّك بين عوالم عديدة: التقليد الشفهي، الفكر المسيحي، الشعر العربي، التأثيرات اللاتينية والفرنسية، آثار الحرب. لم يفصل بينها، بل حملها كلّها. لكنه رفض أن تُختزل العاميّة في الفولكلور، ورفض أن تكون الفصحى وحدها حاملة المقدّس. بذلك، صنع حداثة داخل التقليد. لم يكن يوازن بين قطبين، بل كان يحلّ صراعًا داخليًا: انتصار لغة الأمّ على لغة المدرسة. الانسجام التام: اللغة، الوطن، والنضال كل شيء كان متصلًا عند موريس عوّاد. قد يبدو رجلًا استعراضيًا، فوضويًا، شهوانيًا لغويًا، لكنه كان منسجمًا تمامًا. اللغة نفسها التي كتب بها قصائد الحب كتب بها بيانات الغضب، وأغاني الوطن، ونصوص الحرية. كان مدافعًا عن السيادة، ومناصرًا لحقوق الإنسان. لم يكن تابعًا لأحد؛ كان يعتبر أنّ الدفاع عن اللغة-المصفوفة هو ذاته الدفاع عن الوطن-الأمّ. هكذا يتقاطع مع سعيد عقل وكمال الحاج. مع عقل، يشاركه الجرأة على رفع العاميّة إلى مرتبة الأدب، ومع الحاج يشاركه الإيمان بأنّ اللغة عماد الوجود. لكن الفارق جوهري: كمال الحاج، الفيلسوف التلميذ لبيرغسون، بقي مؤمنًا بأنّ العربية هي الحاملة للروح. أمّا عوّاد، فترك اللغة الموروثة ليعانق لغة التربة، لغة القرى والمطابخ والأمهات. الحاج روحنَ الأمة؛ عوّاد جسّدها. الأول كتب للوعي؛ الثاني كتب للنفس. وعوّاد دفع القومية اللبنانية إلى أقصاها: البلد ليس فكرة — هو لغة خرجت من الرحم. كازانتزاكيس وإخوة لغات الرحم هذا الفعل المصفوفي يضع موريس عوّاد في أسرة عالمية من الكتّاب الذين أعادوا اللغة إلى جسدها: كازانتزاكيس حرّر الديموطقي، لوركا أعاد القشتالية إلى أندلس الدويندي، جويس فجّر الإنكليزية ليُمرّر دبلن، باسوليني رفع الرومانية المحكية إلى مرتبة الملحمة، درويش أعاد القرية إلى الفصحى، وثيودوراكس ضخّ دم الريمباتيكو في الموسيقى الحديثة. كلهم فعلوا ما فعله عوّاد هنا: أعادوا إلى اللغة رحمها، ليلها، حبّتها، وجُرحها. لغة الأمّ، لغة المدرسة: قراءة لاكانية قال عوّاد يومًا: «اللبنانيّة لغة الأمّ؛ العربية لغة المدارس». الأولى تُضمّد وتُحيط، الثانية تُهذّب وتُراقب. الأولى حرية؛ الثانية نظام. هذا هو اللالانغ عند لاكان. وقد قال عوّاد بطريقة لا تُنسى: «إيدي مْغَمَّسِة باللّغة اللّبنانيّي مِتل الجْنين برحِم إمّو.» بكلمة واحدة: اللغة رحم. وليست “أداة”. وعندما يقول إنه لم يبك في حياته سوى مرتين — عند وفاة أمه وعند وفاة عاصي الرحباني — فهو يربط تلقائيًا بين المصفوفتين: الرحم البيولوجي والرحم الموسيقي للبنان. هذا ما كان رولان بارت ليسمّيه حبّة الصوت: ليس الكلمة، بل كثافتها. العمل: إنجاب لبنان بلغته السبعة والخمسون كتابًا التي تركها — شعر، مسرح، رواية، ترجمة، ليتورجيا — ليست “أجناسًا”، بل عودات متكررة إلى العالم الأول. ترجمة العهد الجديد إلى اللبنانية تعني أن “الكلام” يجب أن يعود صوتًا قبل أن يعود معنى. وتلبنين الأمير الصغير هو طلب للعالم كي يولد من جديد في فم طفلٍ من هنا. لم يكن يسعى إلى العالمية، بل كان يصنعها من المحليّ الأكثر حميمية: من الرحم الأول. شاعر المصفوفة لم يكن موريس عوّاد يريد أن يعطي لبنان لغة جديدة، ولا كان مشروعه هوية ضيقة. كان يريد فقط أن يعيد اللغة إلى أحشاء الأرض — إلى رحمٍ ما، سواء كان رحم أمه أو رحم الحجر. كان يعطي اللغة أرضًا-رحمًا: مكانًا للولادة. في بلد يتفتت يومًا بعد يوم — حدود، مؤسسات، هويات، ثقافة — ذكّر عوّاد بأن الشيء الوحيد الذي لا يسقط هو ما يعود إلى البداية: لغة الأمّ. الوطن قد يخسر سيادته ورموزه وجيشه وأحلامه، لكنه يبقى ما دامت لغته-الرحم تبقى. ولهذا السبب، اليوم كما الأمس، يبقى الرجل الذي أعاد إلى اللغة رحمها الأُمّي.