

لم يكن اجتماع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مع وفد «إعلاميون من أجل الحرية» مناسبة بروتوكولية ولا مساحة لنقل مواقف معلنة، بل شكّل حدثًا سياسيًا قائمًا بذاته، تتجاوز أهميته مضمون الكلام إلى ما يكشفه عن طريقة تفكير الرئاسة، وأولوياتها، وحدود الاشتباك الذي تختاره في هذه المرحلة. فالأهم في الاجتماع ليس «ماذا قال الرئيس»، بل لماذا قاله، وكيف، ولمن.
أولًا: الاجتماع كفعل سياسي لا كلقاء إعلامي
اختيار وفد إعلامي، لا حزبي ولا دبلوماسي، يعكس قرارًا واعيًا بإدارة الوضع السياسي عبر الرأي العام مباشرة. الرئاسة هنا لا تخاطب خصمًا بعينه، بل تخاطب بيئة مشبعة بالتسريبات والشائعات، وتتعامل مع الإعلام باعتباره شريكًا في صناعة المناخ السياسي، لا مجرد ناقل.
بهذا المعنى، الاجتماع يشي بأن الرئاسة تعتبر أن معركتها الأساسية اليوم ليست مع فريق سياسي محدد، بل مع منطق الفوضى المعلوماتية الذي يسبق أي نقاش وطني جدي.
ثانيًا: تفكيك الرواية بدل الردّ عليها
أبرز ما حمله الاجتماع هو الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق الهجوم المفاهيمي. لم تسعَ الرئاسة إلى نفي الاتهامات المتداولة فحسب، بل عملت على تفكيك بنيتها: كيف تُصنع؟ ولماذا تُطلق؟ وما الغاية السياسية منها؟
هذا الأسلوب يدل على أن الرئاسة تدرك أن الخطر لا يكمن في الاتهام ذاته، بل في تحوّله إلى «حقيقة متداولة» بفعل التكرار. لذلك، جاء الاجتماع ليكسر الحلقة، لا ليغذّيها.
ثالثًا: إعادة تعريف موقع الرئاسة في ملف السلاح
ما يشي به الاجتماع هو أن الرئاسة تسعى إلى نزع الطابع الفئوي عن ملف السلاح. فهي لا تضع نفسها في مواجهة مباشرة مع حزب الله، ولا في موقع التغطية عليه، بل في موقع المرجعية الدستورية التي تُعيد الملف إلى مساره الطبيعي: مسار الدولة.
هذا التموضع ليس حيادًا، بل محاولة لامتلاك الملف بدل التنازع عليه. الرئاسة تقول ضمنيًا: هذا ليس ملف تفاوض بين أطراف، بل قرار سيادي يُدار ضمن مؤسسات الدولة وبإيقاعها.
رابعًا: الواقعية الاستراتيجية بدل الشعبوية الوطنية
من خلال الاجتماع، يظهر أن الرئاسة تعتمد مقاربة جديدة للصراع مع إسرائيل، تقوم على فصل الموقف المبدئي عن آلية المواجهة. فالعدو يبقى عدوًا، والاحتلال واقعًا، لكن طريقة التعاطي لا تُبنى على الانفعال، بل على حسابات القدرة والاستدامة.
هذا التحول يُفهم على أنه رفض لتحويل الحرب إلى هوية سياسية، وإصرار على إبقائها خيارًا أخيرًا، لا أداة داخلية لتثبيت النفوذ أو كسب الشرعية.
خامسًا: التفاوض كأداة سيادية لا كتنازل
ما رشح عن الاجتماع يوحي بأن الرئاسة لا ترى في التفاوض ضعفًا، بل أداة من أدوات السيادة عندما تُدار من موقع الدولة. الإشارات إلى آليات تفاوضية وتقنية تعكس رغبة في سحب الملف من التداول الإيديولوجي وإعادته إلى الحقل المهني–الدبلوماسي.
وهنا، يبرز توجّه واضح لفصل «التفاوض باسم الدولة» عن «المساومة باسم الداخل»، وهو فصل ضروري لإعادة الاعتبار إلى مفهوم المصلحة الوطنية العليا.
سادسًا: الجيش كضامن شامل لا كأداة جزئية
الاجتماع كرّس رؤية تعتبر الجيش العمود الفقري لأي مسار سيادي، لا مجرد مؤسسة أمنية. الإصرار على دوره المتعدد—من الأمن إلى مكافحة الإرهاب—يعكس محاولة لتحصينه سياسيًا، ومنع اختزاله في ملف واحد قد يحوّله إلى طرف في الصراع بدل أن يبقى حكمًا وضامنًا.
بهذا، تضع الرئاسة الجيش في موقع فوق الاصطفافات، ما يقطع الطريق على محاولات استهدافه داخليًا أو خارجيًا.
سابعًا: الإعلام بين الشراكة والمساءلة
اختتام الاجتماع بنقاش حول الإعلام ليس تفصيلًا. الرئاسة تُحمّل الإعلام مسؤولية مزدوجة:
• شريك في حماية الحقيقة
• ومحاسَب عندما يتحول إلى أداة تضليل
هذا الطرح يعكس فهمًا بأن السيادة لا تُستهدف فقط بالسلاح، بل بالمعلومة، وأن الفوضى الإعلامية قد تكون أخطر من الخصم الخارجي.
في النهاية اجتماع بعبدا لم يكن استعراض مواقف، بل محاولة لتثبيت منهج حكم يقوم على ثلاث ركائز:
1. الدولة مرجعية لا طرف
2. الواقعية السياسية بديلاً عن الشعبوية
3. الحقيقة أساس الشرعية
بهذا المعنى، يمكن القول إن الرئاسة لم تُصدر «مواقف»، بل رسمت إطار اشتباك جديد: اشتباك مع الفوضى، لا مع المكوّنات، ومع الروايات، لا مع الأشخاص.
وهي رسالة تقول بوضوح: من يريد منازلة الدولة، فليفعل ذلك في العلن وبالوقائع، لا في الكواليس وبالشائعات