
تصعيد الحوثيين ضد مصفاة نفط سعودية وميناء المخا اليمني


أبدت إدارة ترامب خلال الأسبوع الماضي سلبيةً مثيرةً للقلق وغير معهودة، إزاء اعتداءات الجناح المتشدد في النظام الإيراني وأذرعه (وما يبديه من غطرسة)، سواءً في مضيق هرمز أو على الجبهة التي فتحتها ميليشيا الحوثيين اليمنية الموالية لإيران ضد المملكة العربية السعودية. وفي هذا السياق جاء هذا الأسبوع إبرامُ ميثاق الدفاع المشترك الذي جمع المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا، والذي يُنظر إليه بوصفه نوعاً من حلف ناتو سني في مواجهة إيران.
لعل أبرز ما طبع الأسبوع الماضي في منطقة الشرق الأوسط صورةٌ بعينها: ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وهم يوقعون يوم الجمعة في مكة المكرمة - ذات الرمزية العالية - ميثاقَ الدفاع المشترك.
يصعب ألا يُرى في هذا الميثاق تحالفاً للقوى السنية في مواجهة نظام الملالي، الذي أنهكته الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة، غير أنه لا يزال يمتلك قدرةً على الإيذاء لا يستهان بها، تجلّت في هجماته على جيرانه العرب، فضلاً عن السلوك العدواني لأذرعه.
جاء التوقيع على هذا الميثاق الدفاعي الثلاثي متزامناً مع تصعيد الجبهة اليمنية ضد المملكة العربية السعودية في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، ومع الحصار الذي تسعى ميليشيا الحوثيين الموالية لإيران إلى فرضه على الموانئ السعودية.

باتت هذه التحالف الجديد أولويةً للدول الموقِّعة أيضاً، لأن الحليف الأمريكي يبدو راغباً في إيجاد مخرج لا يكون مُخزياً بشكل مُفرط، يتيح له الانسحاب الكامل من الصراع مع إيران وصون مصالحه الخاصة.
إن تأكد هذا الانسحاب الأمريكي الذي يلوح في الأفق فعلياً على أرض الواقع - وهذا ما لا يزال بحاجة إلى إثبات في المرحلة الراهنة - فذلك يعني أن إدارة ترامب تكون قد رفعت الراية البيضاء عملياً أمام النظام الإيراني، وأن جناحه المتشدد سيحظى بكل الحرية لاستعادة عافيته وإعادة بناء منظومته العسكرية وبنيته التحتية، الاقتصادية منها، وقبل كل شيء النووية والصاروخية الباليستية.
أبعاد ميثاق الدفاع
بالعودة إلى الميثاق الدفاعي الثلاثي، فهو يحمل رسائل في اتجاهات متعددة.
سارعت أنقرة إلى التأكيد على أن هذا التحالف ليس موجهاً ضد أحد، كما شدد الرياض على أنه لا صلة له بأي طموح نووي - ذلك أن باكستان دولة نووية، وأن وزير الطاقة الأمريكي كان قد أعلن مؤخراً عن اتفاق وشيك مع المملكة في مجال الطاقة النووية المدنية، وهو ما اشترطه الرئيس الأمريكي بتحقيق السلام مع إسرائيل.
ينبغي رصد مسار هذا التحالف التاريخي عن كثب في الأسابيع والأشهر القادمة، لا سيما أن الموقّعين يتحدثون عن «الردع»: بأي وسائل، وفي مواجهة من؟
أكد الموقّعون الثلاثة أيضاً أن الانضمام إلى الميثاق مفتوح أمام دول أخرى. وقد أفادت وكالة فرانس برس بأن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أعلن يوم السبت أن مصر قد تنضم قريباً إلى هذا التحالف الجديد.
لا أفق لإعادة فتح مضيق هرمز
جاء التوقيع على الميثاق يوم الجمعة في ختام أسبوع من الهدنة، أو بالأحرى من الخمول الأمريكي على الصعيد العسكري. ولم يحُل ذلك دون مواصلة نظام الملالي وحليفه اليمني الحوثيين اعتداءاتهم.

مدمرة صاروخية تُجري دورياتها في منطقة عمليات الأسطول الأمريكي الخامس في الخليج. (سنتكوم)
وقد شنّ الحرس الثوري الإيراني (الباسداران) هجوماً في نهاية الأسبوع على ناقلة نفط تابعة للإمارات العربية المتحدة في مضيق هرمز، وفي غضون الأربع والعشرين ساعة الأخيرة، شنّ الحوثيون أولاً هجوماً على منشأة تكرير تابعة لأرامكو في المملكة العربية السعودية، ثم أطلقوا يوم السبت صواريخ وطائرات مسيّرة عدة مرات باتجاه منطقة ميناء المخا اليمني، مستهدفين المنشآت الميناوية والبنى التحتية المدنية على حدٍّ سواء، من مساكن ومستشفيات وغيرها.
وأسفر هذا القصف، وفق حصيلة أولية، عن سقوط سبعة قتلى وخمسة وثلاثين جريحاً. وفي وقت متأخر من مساء السبت، استأنف الحوثيون قصفهم العنيف على منطقة ميناء المخا.
وتجدر الإشارة إلى أن الهجمات التي شُنّت خلال هذا الأسبوع على ناقلة النفط الإماراتية، ومصفاة أرامكو السعودية، ومواقع السلطة اليمنية الحليفة للمملكة العربية السعودية، لم تستدعِ أي ردّ فعل أمريكي.
أما المفاوضات التي كان من المقرر استئنافها يوم الاثنين، كما أعلن الرئيس دونالد ترامب، في مقابل إلغاء عملية عسكرية أمريكية ضد إيران، فلم تجرِ قطّ، إذ رفض الإيرانيون أي تواصل مع الإدارة الأمريكية!
الشروط الإيرانية المقدَّمة لواشنطن
وفيما يتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز بصورة افتراضية، أكد الحرس الثوري الإيراني في نهاية الأسبوع أن ذلك لا يرتبط باتفاق مع عُمان، بل يستلزم قبول الولايات المتحدة لشروطه، مُحيلاً بذلك الكرة إلى ملعب واشنطن التي ترفض فرض أي رسوم على المرور البحري.
وتضمّنت الشروط الإيرانية المُعلنة يوم الجمعة: وقف جميع «التهديدات والإهانات الموجَّهة لإيران» (!)، وإنهاء جميع الحروب على مختلف الجبهات بما فيها لبنان، ورفع الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، وانسحاب جميع القوات الأمريكية من محيط إيران، ودفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها جراء هذه الحرب، وإلغاء جميع العقوبات، وتحرير الأصول الإيرانية المجمَّدة.

شابتان إيرانيتان تتناولان المثلجات أمام المصوّر خلال مهرجان عرض للأزياء، في مشهد لافت في طهران حيث يستمتع السكان بأجواء وقف إطلاق النار. (مرتضى نيكوبازل/NurPhoto عبر AFP)
ويُعزى استمرار هذا الخطاب التصعيدي دون أي تغيير، على الأرجح، إلى أن التهديدات الأمريكية بقيت حبراً على ورق طوال الأسبوع، على الرغم من الهجمات الإيرانية المباشرة أو عبر الوكلاء على السفن في المضيق، التي بلغت ستة هجمات على الأقل، دون أي ردّ من الجانب العسكري الأمريكي.
وفي هذا السياق، أفادت القناة 13 الإسرائيلية بأن قائد القيادة المركزية الأمريكية، الذي يزور إسرائيل منذ نهاية الأسبوع، نقل إلى الحكومة الإسرائيلية رسالةً مفادها أن واشنطن تأمل في أن تُوقف الدولة العبرية عملياتها العسكرية في إيران ولبنان وغزة.
وأكد المسؤولون الإسرائيليون في ردّهم أن إسرائيل لن تتردد في مهاجمة النظام الإيراني مباشرةً إذا استأنف بناء ترسانته النووية والباليستية.
وختاماً لهذا الملف الإقليمي، تجدر الإشارة إلى أن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي عاد إلى الواجهة ثلاث مرات يوم السبت؛ إذ عقد اجتماعاً مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وعيّن محمد باقر ذو القدر مستشاراً سياسياً، قبل أن يُعيّن محسن رضائي، المخضرم في حرب العراق والرئيس الأسبق للحرس الثوري، ممثلاً له في المجلس الأعلى للأمن القومي.
المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في طريق مسدود
كذلك شهد هذا الأسبوع تطورات لافتة على الجبهة اللبنانية؛ إذ جرى على مدى ثلاثة أيام، من الثلاثاء إلى الخميس، الجولة السابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، للمرة الثانية في روما (في مقر السفارة الأمريكية) لا في واشنطن.
لم تكن المرحلة السابعة لتبدأ في ظروف جيدة أصلاً، في ضوء التصريحات الإسرائيلية، ولا سيما تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، التي توحي بغياب أي نية حقيقية للانسحاب من لبنان.

وإن كان السبب غير المُعلن يكمن في تشدد الخطاب استعداداً للانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في أكتوبر، ورغبة نتنياهو في التحلل من كل ما من شأنه إغضاب الرأي العام وحلفائه من التيار المتشدد، فإن السبب الرسمي المُعلن هو الخشية من أن يستعيد حزب الله قدراته العسكرية في المناطق المُخلاة.
كل ما تسرّب من محادثات روما يشير إلى غياب أي تقدم ملموس، وانعدام أي إجراءات عملية جديدة، في حين كان الهدف الرئيسي للوفد اللبناني تحديد مناطق نموذجية جديدة للانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني (وفقاً للاتفاق الإطاري الموقع في يونيو).
لدرجة أن الجولة المقبلة من المحادثات، المقررة مطلع سبتمبر، باتت في مهب الريح.
وكان يمكن القول إن كل شيء ضاع (أو كاد)، لولا معلومة نشرتها وكالة رويترز يوم الجمعة، نقلاً عن «مسؤول لبناني» لم تكشف عن هويته. وبحسب هذا المسؤول، فإن لبنان وإسرائيل «اتفقا على قائمة مختصرة بالدول القادرة على إرسال قوات للتحقق من نزع سلاح حزب الله».
ولم يُفصح عن أسماء الدول الواردة في القائمة، غير أن الوكالة أشارت إلى أن القرار النهائي يعود إلى الولايات المتحدة.

في غضون ذلك، شهد جنوب لبنان تصعيداً حقيقياً خلال الأيام الأخيرة. ويواصل حزب الله التظاهر بالالتزام بوقف إطلاق النار، إلا أنه يبدو أنه استأنف عملياته بصورة غير رسمية. ويشهد على ذلك انفجار وقع في بلدة الطيبة أسفر هذا الأسبوع عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة آخرين.
وهذا هو الانفجار الثاني في غضون أيام قليلة. ولم تتأخر الاستجابة الإسرائيلية؛ إذ أصدر الجيش الإسرائيلي، للمرة الأولى منذ أسابيع، أمراً بإخلاء بلدة لبنانية جنوبية، هي بلدة المنصوري في منطقة صور، التي تعرضت منذ ذلك الحين لقصف شبه متواصل.
والهجمات الإسرائيلية التي لم تتوقف فعلياً في أي وقت، تتصاعد حدتها يوماً بعد يوم، ولا سيما في محيط ما يُقدَّم على أنه مجمع عسكري كبير لحزب الله على تلة علي الطاهر.
والأكثر إثارة للقلق أن التوغلات الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية تستأنف نشاطها. وأبرزها هذا الأسبوع التوغل المتصاعد في منطقة قرية زوطر الشرقية، على مقربة من إحدى المناطق النموذجية التي أُخليت في يوليو وانتشر فيها الجيش اللبناني، وهي زوطر الغربية. ونتيجة ذلك، باتت القوتان على مسافة خطيرة إحداهما من الأخرى في الأيام الأخيرة، في وقت أُصيب فيه جندي لبناني بنيران إسرائيلية في المنصوري بينما كان يحاول إعادة فتح طريق.