شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
جورج ساند: اسم رجل لإثبات الذات ككاتبة غزيرة الإنتاج (2)

البعض يمضون حياتهم في الاستسلام لقدرهم، في حين يختار آخرون الإمساك بزمام مصيرهم. غير أن هذه المهمة تغدو أكثر صعوبة حين تتعلق بامرأة تخوض غمار عالم يحكمه الرجال. ومع ذلك... آثرت بعض النساء المواجهة، ونجحن في كسر محظورات عصرهن. وسواء أكانت أدواتهن الفرشاة أم القلم، أم العلم أم الصوت، فقد بصمن قرنهن بجرأة باهرة بلغت أحيانا حد إثارة الفضائح. فمن أرتيميسيا جينتيليسكي (Artemisia Gentileschi) التي تحدت المجتمع والمحاكم الإيطالية قبل خمسة قرون، إلى جورج ساند التي استبدلت المشد بحرية الكتابة، مروراً بكاميل كلوديل ذات الروح المعذبة، والدقة والعبقرية اللتين تميزت بهما ماري كوري، وصولاً إلى صوت أم كلثوم العابر للحدود... استطاعت هؤلاء النساء تجاوز الأحكام الاجتماعية المسبقة. وفي سلسلة مقالات، نأخذكم في رحلة عبر الزمن للتعرف إلى هؤلاء المتمردات. نستكمل سلسلتنا عن نساء شهيرات لكن متمردات، مع جورج ساند. كان الأدب في القرن التاسع عشر، بشكل أساسي، حكراً على الرجال، غير أن امرأة واحدة رفضت إملاءات عصرها: أمانتين أورور لوسيل دوبان (Amantine Aurore Lucile Dupin)، باسمها المستعار "جورج ساند". لم تتردد في خضخضة الأعراف والموروثات والقوانين؛ فهذه الكاتبة غزيرة الإنتاج، والأم الشجاعة، والعاشقة الشغوفة، عبرت عصرها كالإعصار، رافضة الانصياع والسجن داخل القفص الذهبي للرصانة وما هو مقبول اجتماعياً. الطفولة قضت أورور دوبان (Aurore Dupin) طفولتها في منطقة بيري (Berry)، وتحديداً في قصر نوهان (Nohant)، إلى جانب جَدّةٍ أرستوقراطية ومثقفة وفّرت لها تربيةَ سيدةِ مجتمعٍ رفيعة، ومكّنتها من تحصيل ثقافةٍ استثنائية بالنسبة إلى عصرها. وعلى الرغم من كونها يتيمة الأب وتخلّي والدتها عنها بموجب صفقةٍ دنيئة، عاشت أورور طفولةً سعية في رحاب الطبيعة وبين كتب جَدّتها. بورتريه لجورج ساند، لوحة زيتية على قماش بريشة أوجست شاربنتييه (1838)، ومحفوظ في متحف الحياة الرومانسية في باريس. المعركة من أجل أطفالها وأرضها "الرجال يضعون القوانين، والنساء يصنعن الأعراف." انقلبت حياة جورج ساند رأساً على عقب حين قرّرت الهرب من زواجها التعس مع البارون كازيمير دودوفان (Casimir Dudevant). في ذلك الوقت، كان قانون نابليون صارماً لا يرحم: فالمرأة المتزوجة تُعدّ قاصراً قانوناً؛ أموالها وممتلكاتها، بل وحتى أطفالها، يملُكهم الزوج بحكم القانون. غير أن أورور رفضت الخضوع. وفي عام 1835، خاضت دعوى قضائية مدوّية للمطالبة بالانفصال في الملكية والجسد عن زوجها. وفي قلب هذه المعركة، كان أثمن ما عندها: طفلاها موريس وسولانج، وقصرها نوهان. في القرن التاسع عشر، كانت المطالبة بالطلاق واستعادة الثروة العائلية من جانب امرأة تُعدّ فضيحةً مطلقة. وأمام القضاة، أبدت ساند حزماً قاطعاً وذكاءً قانونياً لافتاً، فكسبت الدعوى واستعادت نوهان وحضانة طفليها في آنٍ واحد. كسب العيش بالقلم: نضال طليعي على الرغم من استعادتها حريتها، كانت ساند تعاني ضائقة مالية خانقة جراء المصاريف القضائية، فبات عليها أن تكسب عيشها من قلمها لإعالة أسرتها. ولتتمكن من نشر كتبها، والتنقل بحرية في باريس دون مرافقة، وحضور العروض المسرحية، والتردد على مكاتب تحرير الصحف، وما إلى ذلك، قررت ارتداء زي رجل (معطفها الرمادي الشهير "الريدنغوت")، وتدخين السيجار، واتخاذ اسم رجل. وهكذا ولدت جورج ساند. كانت تنكب على الكتابة ليلاً، لربما أحياناً لمدّة تصل احياناً إلى أربع عشرة ساعة في اليوم، مواصلةً كتابة الصفحات تلو الصفحات لتسديد تكاليف تعليم طفليها وصيانة قصرها. وتطرقت في رواياتها إلى الى مواضيع جريئة وغير مألوفة في ذلك العصر، كالمرأة والرغبة. وبذلك أصبحت أول امرأة في فرنسا تكسب عيشها من قلمها، معامِلةً عمالقة عصرها كَنُدٍّ لِنُدّ: بلزاك، فلوبير، أو فيكتور هوغو، مما أثار حفيظة هؤلاء. بالنسبة إليها، لم تكن الكتابة مجرد تسلية، بل كانت فعل إيمان: "الفن لأجل الفن عبارة فارغة. الفن لأجل الحقيقة، الفن لأجل الجمال، الفن لأجل الخير، هذه هي الديانة التي أبحث عنها". العاشقة المطلقة: قصة الحب مع شوبان "ليس في الحياة سوى سعادة واحدة: أن تُحِبّ وتُحَبّ". لم تكن جورج ساند تقبل بأنصاف الحلول في شيء، ولا سيما في الحب. كانت عاشقة بلا حدود، تبحث في الشغف عن سموٍّ للروح، حتى لو كلفها ذلك المعاناة وإثارة الفضائح. وبعد علاقة عاصفة ومدمّرة مع الشاعر ألفرد دو موسيه (Alfred de Musset) انتهت بفضيحة مدوية، وبعد علاقات متعددة، عاشت مع شوبان واحدة من أجمل وأكثر قصص الحب تعقيداً في الحقبة الرومانسية. عندما التقيا، كان شوبان مريضاً ومثقلاً بالهموم، في حين كانت ساند، على العكس منه، تفوض بالحيوية. لقد كان حباً من النظرة الأولى. اعتزلا معاً شتاءً في مايوركا، وتحديداً في دير الشارتروز في فالدموسا (Chartreuse de Valldemossa). وفي ذلك المكان الموحش والماطر، وبينما كان شوبان ينفث دماً ويؤلف أجمل مقطوعاته (البريلود - Préludes)، تحولت ساند إلى حبيبة وملهمة وممرضة مخلصة. كانت تسهر على رعاية حبيبها العبقري، وتدير في الوقت عينه شؤون الحياة اليومية، وتكتب رواياتها على ضوء الشموع فيما كان هو يؤلف اجمل مقطوعاته على البيانو. استمرت علاقتهما زهاء تسع سنوات، متأرجحة بين التناغم الفني والنزاعات المؤلمة. ورغم كل خيباتها، ظل الحب المحرك الأساسي لحياتها. إرثٌ من الظلال والأنوار "خيبات الأمل لا تقتل، والأملُ هو ما يبقينا على قيد الحياة". في خريف عمرها، رحلت من كانت تُلقَّب بـ "سيدة نوهان الطيبة"، بعدما اعتزلت في قصرها. وخلّفت وراءها أكثر من سبعين رواية، وآلاف الرسائل، وذكرى امرأة صادقة مع نفسها، عرفت كيف تحوّل معاركها الشخصية والخاصة إلى اعمال أدبية تحاكي الانسان والعالم. رحلت تاركةً يقيناً راسخاً لكل امرأة (ولكل رجل أيضاً) سيسير على خُطاها: الحرية لا تُتفاوَض، بل تُنتَزَع! إقرأ أيضاً حين حملت فنانة من فلورنسا العتيقة ريشتها سلاحًا (1)

التعيينات العسكرية الأخيرة في إيران تنذر بتصاعد التيار المتشدد

النار المشتعلة تحت الرماد… هذا ما يبدو أن المعسكر الإيراني المتشدد يسعى إلى ترسيخه على أكثر من صعيد في المرحلة الراهنة. على صعيد العمليات العسكرية أولاً… واصلت ميليشيا الحوثيين اليمنية، إحدى أبرز أذرع نظام الملالي في المنطقة، مساء الثلاثاء الحادي عشر من أغسطس، مساعيها التخريبية في منطقة البحر الأحمر وباب المندب، إذ أطلقت ثلاثة صواريخ باليستية على سفينة تجارية يمنية كانت تعبر هذا المضيق. كان الهجوم الحوثي مدمراً بشكل خاص، وأسفر عن سقوط أربعة قتلى من بين أفراد الطاقم، ثلاثة منهم باكستانيون وواحد إندونيسي، فضلاً عن أربعة مصابين. وبحسب وزارة النقل اليمنية، أطلقت الميليشيا الموالية لإيران صاروخاً رابعاً خلال عمليات الإنقاذ، «بهدف رفع عدد الضحايا»، مؤكدةً أن هجمات الحوثيين على السفن التجارية «تهدد إمدادات الغذاء لملايين اليمنيين». وفي توقيت متزامن تقريباً، شنّت القوات الأمريكية المنتشرة في منطقة الخليج هجوماً في مضيق هرمز على سفينة كانت تحاول كسر الحصار البحري الذي تفرضه الولايات المتحدة على الموانئ الإيرانية، حيث فُتح النار على السفينة التي ترفع العلم البنمي. إعادة هيكلة المنظومة العسكرية الإيرانية إلى جانب هذه العمليات العسكرية المتفرقة، تبقى التعيينات الأخيرة في القيادة العليا للحرس الثوري الإسلامي والقوات المسلحة الإيرانية المؤشرَ الأكثر دلالة على أن النار ربما تشتعل فعلاً تحت الرماد. إذ يتضح من التحليلات والتعليقات التي نقلتها وسائل إعلام إيرانية متعددة أن الضباط الستة الذين عُيِّنوا يوم الاثنين في مناصب محورية داخل قيادة الحرس الثوري والقوات المسلحة ينتمون إلى الجناح المتشدد في نظام الملالي. وتشير المصادر ذاتها، التي نقلها الموقع الإخباري اللبناني الجنوبية (القريب من المعارضة الشيعية المناهضة لحزب الله)، إلى أن هذه الترقيات تعكس بوضوح تصلباً في مواقف صانعي القرار الإيرانيين، الذين أقدموا على هذه التعيينات بهدف تعزيز الطابع الهجومي والردعي للنظام. غير أن وزير الدفاع الباكستاني أعلن مساء الثلاثاء أن الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية باتتا على مشارف التوصل إلى اتفاق من شأنه إنهاء النزاع القائم. وجاء هذا التصريح متزامناً مع زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران يوم الثلاثاء. وليست هذه المرة الأولى التي يُعرب فيها المسؤولون الباكستانيون عن تفاؤلهم حيال «وشك» الخروج من الأزمة في المنطقة، بيد أن هذا التفاؤل يترافق منذ أيام مع تراجع ملحوظ في حدة المواقف التي اعتاد الرئيس دونالد ترامب إطلاقها. فقد أكد رئيس البيت الأبيض مراراً خلال الأيام الأخيرة أنه يُؤثر في المرحلة الراهنة التمسك بسلاح الضغوط الاقتصادية القصوى على النظام، بدلاً من إعادة إشعال العمليات العسكرية على نطاق واسع. ومع ذلك، لم يتوانَ الرئيس الأمريكي عن توجيه انتقادات لاذعة مجدداً للمسؤولين الإيرانيين، مؤكداً أن مفاوضي النظام «ماكرون بامتياز، إذ يوافقون على بعض الإجراءات خلال المباحثات، ثم يسارعون إلى التنصل منها علناً أمام وسائل الإعلام». وعلى صعيد مختلف تماماً، أصدرت المحكمة الجنائية في دمشق يوم الثلاثاء أحكاماً بالإعدام بحق الرئيس السوري المخلوع والديكتاتور بشار الأسد وشقيقه ماهر وابن عمه عاطف نجيب، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية والقتل العمد مع سبق الإصرار والترصد. كما قرّرت المحكمة الملاحقةَ القضائية الدولية بحقهم. وقد أشعلت هذه الأحكام موجةً من مظاهر الفرح والابتهاج في العاصمة السورية.

النبي والفيلسوف (3/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وتُقدَّم هنا المحاضرة الأولى، التي تمت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، والتي حملت عنوان “النبي والفيلسوف: هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”، في صيغة مقالة موسعة ومنقحة، منشورة على هيئة سلسلة من عشرة أجزاء. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لفكر ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، يتأسس على ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، وتركيب يجمع بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإن كلاً منهما يبلور مشروعاً فلسفياً متميزاً: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة ( falsafa ) المشائي، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين الأفقين الفكريين، يظل مشروعاهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، ومسار ارتقاء النفس. كما يجسد كل منهما تصوراً مختلفاً للعلاقة بالسياسي، بما يسلط الضوء على طرائق متباينة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة، والقانون، وتنظيم الجماعة. وتمثل هذه المقالة الحلقة الثالثة من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. III - الغنوص بلا مهرب: تدبير البليروما (Pleroma) في «راحة العقل» للكرماني بين القرنين التاسع والحادي عشر، شهد العالم الإسلامي الحضاري ( Islamicate ) ترجمة الفلسفة اليونانية إلى العربية وإعادة تشكيلها، ولا سيما فلسفة أرسطو والأفلاطونيين المحدثين. وقد أفضى ذلك إلى نشوء الفلسفة ( falsafa )، بوصفها تقليداً سعى إلى بناء تفسير عقلاني وبرهاني للواقع ( burhān )، غالباً ما يدمج الميتافيزيقا والكوسمولوجيا وعلم النفس في منظومة موحدة. وفي الوقت نفسه، كانت التيارات الفكرية الشيعية، ولا سيما الإسماعيلية، تطور منظوماتها الميتافيزيقية الخاصة، وهي منظومات بالغة التعقيد. ولم تكن مجرد مذاهب لاهوتية، بل كانت أيضاً كوسمولوجيات فلسفية، غالباً ما انتظمت حول الفيض، وهرمية العقول، والتأويل الرمزي ( ta ʾ wīl ) للوحي. ومن ثم، لم يكن ابن سينا والكرماني يعملان في عالمين منفصلين، بل كانا يستجيبان لبيئة فكرية مشتركة تتداخل فيها الفلسفة واللاهوت والتأويل الباطني. وفي المواجهة بين هذين المؤلفين المتقاربين زمنياً، ابن سينا والكرماني، يعتمد كلاهما استراتيجيات لبناء دين فلسفي. فالدين الفلسفي عند ابن سينا هو فلسفته ( falsafa )، أما عند الكرماني فهو التشيع الإسماعيلي. عاش ابن سينا في العالم الفارسي الحضاري، في ظل النفوذ الساماني أولاً ثم البويهي لاحقاً. وكان موسوعي المعرفة، طبيباً ومنطقياً وميتافيزيقياً، وقد شيّد واحدة من أكثر البنى الفلسفية منهجيةً في تاريخ ما قبل الحداثة. وكان هدفه بناء علم عقلي متكامل للوجود: ميتافيزيقا تتمحور حول التمييز بين واجب الوجود ( wājib al-wujūd ) وممكن الوجود؛ وكوسمولوجيا تنتظم من خلال الفيض عن المبدأ الأول؛ وعلم نفس يستطيع فيه العقل الإنساني الارتقاء نحو الاتصال بالعقل الفعّال. ولا يرفض ابن سينا الدين، بل يعيد تأويله. فالنبوة تصبح ترجمة تخييلية للحقائق الفلسفية، فيما تتجه الشعائر والقانون نحو الكمال الأخلاقي والمعرفي للمجتمع. الكرماني والبنية الفلسفية للإسماعيلية كان حميد الدين الكرماني (نحو 996-1021) من أبرز المفكرين والدعاة ( dā ʿ ī ) الإسماعيليين، ونشط خلال مرحلة الترسخ الفكري للخلافة الفاطمية في القاهرة. وتمثل أعماله محاولة متطورة للتوفيق بين الميتافيزيقا الأفلاطونية المحدثة والكوسمولوجيا الإسماعيلية. وطوّر الكرماني ميتافيزيقا منهجية تفسر الواقع من خلال هرمية صارمة للعقول، وتُدرج مجمل الاستدلال الفلسفي ضمن السلطة المطلقة للإمام. ومن السمات الأساسية لفكره الاعتقاد بأن للنص المقدس حقيقة عقلية خفية، أي باطناً ( bāṭin )، وراء صورته الحرفية، أي ظاهره ( ẓāhir ). وبالنسبة إلى الكرماني، يمثل الإمام الدليل الذي لا غنى عنه للوصول إلى هذه الحقيقة الباطنة. ومن ثم، ليست الفلسفة سعياً مستقلاً، بل تخضع لبنية سلطة موحى بها وهرمية. ومع أن العقل يُعد حقيقياً وضرورياً، فإنه يظل مندرجاً في هرمية، ولا يستطيع بلوغ ذروته من دون الإرشاد التعليمي والروحي للإمامة. وفي المقابل، يقدم ابن سينا نموذجاً تتجه فيه الفلسفة نحو استقلال العقل. وعلى الرغم من اختلافهما، تشترك المنظومتان في بنية واحدة: فكلتاهما تبني رؤية كلية للواقع تشمل الكوسمولوجيا وعلم النفس والأخرويات، وتربط اكتساب المعرفة بتحول النفس. وينظم المفكران الكون وفق بنى ميتافيزيقية هرمية، يمزجان فيها البحث العقلي بأفق خلاصي. وبهذا المعنى، يشكل المشروعان “دينين فلسفيين”، وإن انطلقا من نقطتين مختلفتين. فغاية ابن سينا هي إرساء الفلسفة ( falsafa ) بوصفها الدين الفلسفي للعالم الإسلامي الحضاري، أي إنتاج منظومة فلسفية تتصرف كالدين. أما غاية الكرماني فهي إعادة تشكيل التشيع الإسماعيلي في صورة منظومة تتمحور حول دين فلسفي، أي إنتاج منظومة دينية تتصرف كالفلسفة. التوحيد الجذري والعقل الأول يطوّر الكرماني مذهباً بالغ التنقيح في التوحيد، يدفع باللاهوت الفلسفي نحو صيغة قصوى من التنزيه المتعالي. ففي منظومته، لا تُفهم الوحدة الإلهية بمعنى عددي، ولا يمكن إسنادها إلى الله بأي معنى أنطولوجي إيجابي. فالله ليس “واحداً” بالمعنى العددي، ولا “وجوداً”، ولا “عقلاً”، ولا أي كيان متعين. وأي محاولة لإسناد مثل هذه المحمولات إلى الذات الإلهية تمثل، في حد ذاتها، سقوطاً في القصور المفهومي. ومن ثم، فإن الصيغة الأوفى للتوحيد ليست الإثبات، بل التنزيه الجذري: أي نزع جميع الصفات التي تنتمي إلى الوجود المخلوق. غير أن هذا النفي الجذري لا يقود إلى فراغ، بل يفضي إلى إعادة تشكيل ميتافيزيقية دقيقة. فجميع الصفات السامية التي تُنسب عادةً إلى الله، كالوحدة والحقيقة والعلم والوجود، تُنقل، في مذهب الكرماني، إلى أول موجود مخلوق: العقل الأول، أي الكيان الأول المتحقق بالإبداع الإلهي ( ibdā ʿ). أما الذات الإلهية نفسها فتبقى وراء كل إسناد، ووراء اللغة، بل ووراء إمكان الإدراك المفهومي ذاته. وهي، كما يشدد الكرماني، محجوبة ببهاء فعلها الإبداعي نفسه. ويحتل العقل الأول بذلك موقعاً أنطولوجياً فريداً. فهو أول الموجودات، لا يسبقه شيء في مرتبة الخلق، لكنه ليس قائماً بذاته. ووجوده مشتق بالكامل، لا بفعل سببية زمنية، بل بفعل الإبداع الإلهي. وهو ليس جسماً ولا قوةً متجسدة، بل يقع كلياً خارج نطاق الامتداد المادي. وفي الوقت نفسه، هو المحل الذي تصبح فيه جميع المحمولات الإلهية قابلة للتعقل: فهو “الواحد” الحق، و”العالم” الحق، و”الحي” الحق، و”القادر” الحق، بقدر ما يمكن لهذه الصفات أن تظهر داخل نظام الخلق. وبهذا المعنى، لا يلغي التوحيد عند الكرماني الصفات، بل يزيحها من موضع إلى آخر. فليس الله هو الذي يوصف بالوحدة أو العلم أو الوجود، بل العقل الأول، الذي يصبح مرآةً للفيض الإبداعي الإلهي. أما الله فيظل متعالياً على نحو مطلق عن الإثبات والنفي كليهما، بالمعنى اللغوي المألوف. وكما يقول الكرماني، لا تستطيع أي لغة أن تعبّر عما يليق بالذات الإلهية؛ فكل محاولة للإسناد هي، في حد ذاتها، هبوط إلى القصور. حدود المعرفة وهرمية الوجود ويقود ذلك إلى مذهب في القصور المعرفي الجذري. فالذات الإلهية لا يمكن لأي عقل أن يحيط بها، ولا لأي حس أن يدركها. إنها ممتنعة عن الإدراك من حيث المبدأ. وحتى أرفع درجات التأمل العقلي لا تبلغ سوى حدها الخاص، إذ تدرك استحالة الإحاطة بموضوعها. وهكذا تبلغ المعرفة الحقيقية بالله ذروتها لا في الرؤية، بل في الحيرة، أي في إدراك الاستحالة البنيوية للفهم. ومن المفارقة أن هذه الاستحالة المعرفية لا تلغي الميتافيزيقا، بل تزيدها كثافة. فالعقل الأول، بوصفه الفيض الأول، يصبح محور كل ما يليه من مراتب الواقع. ومن خلاله تتكشف سائر مراتب الوجود ضمن هرمية منظمة تمتد من العقل المحض إلى النفس، ثم إلى الطبيعة، وأخيراً إلى العالم المادي. وكل مرتبة هي أثر من آثار الإبداع الإلهي، تتوسطه حجب أنطولوجية تزداد كثافةً كلما ابتعدنا عن المبدأ. وضمن هذه البنية، يدمج الكرماني أيضاً كوسمولوجيا تقوم على التناظر بين النظامين الميتافيزيقي والديني. فالعقل الأول يقابل رمزياً القلم ( al-qalam ) في اللغة المقدسة، فيما تقابل النفس الكلية اللوح ( al-lawḥ ). وتؤسس هذه التناظرات موازاةً بين هرمية الوجود وهرمية الوحي، بما يتيح قراءة الكوسمولوجيا بوصفها نظاماً رمزياً منظماً. وخلافاً للفيضية الأفلاطونية المحدثة الصارمة في صورتها الخطية الخالصة، لا يتبنى الكرماني سلسلة بسيطة تتوالد فيها العقول واحداً من واحد. بل يقترح آلية أكثر تعقيداً من الانكشاف الانعكاسي والمركب، تنبثق فيها عقول متعددة من خلال علاقات منظمة من الاشتقاق والتناظر. ويتيح ذلك بناء هرمية متعددة المستويات من عشرة عقول، تنتهي بالعقل العاشر، المرتبط بالعالم ما دون القمر وبتدبير الصورة في المادة. وعلى المستوى الإنساني، تنعكس هذه البنية الميتافيزيقية في تنظيم المعرفة والسلطة داخل الدعوة الإسماعيلية. فمراتب الحجة ( ḥujja ) والداعي ( dā ʿ ī ) والمأذون ( ma ʾ dhūn ) تعكس درجات متفاوتة من القدرة على الوصول إلى الحقيقة، تقابل درجات القرب من النظام المعقول. ومن ثم، لا تكون المعرفة فرديةً خالصة قط، بل تتوسطها بنيوياً تربية هرمية تقوم على التدرج في التلقّي. أما المادة، في المقابل، فتمثل أدنى مراتب التعين الأنطولوجي: قابليةً محضة مجردة من المعقولية، تقع في أبعد نقطة عن الإبداع النوراني للعقل الأول. وبين هذين القطبين، ينكشف الكون بأسره بوصفه هبوطاً متدرجاً من الإبداع إلى التشتت المادي، يقابله صعود عكسي نحو إعادة التكامل بواسطة المعرفة. وتنبثق من هذه المنظومة رؤية ميتافيزيقية شديدة التنظيم، يكون فيها التعالي الإلهي مطلقاً، في حين يجري تعقيل انكشاف فعلها الإبداعي بالكامل. فالذات الإلهية ممتنعة عن الإدراك، لكن آثارها قابلة للتعقل بالكامل من خلال هرمية محكمة الصياغة من العقول والنفوس والتناظرات الكونية. وبهذا المعنى، لا يبني الكرماني مجرد لاهوت، بل كوسمولوجيا فلسفية متكاملة تتشابك فيها الميتافيزيقا والإبستيمولوجيا والهرمية الدينية على نحو لا ينفصم. الإبداع: ما وراء الفيض والخلق يعفي الكرماني نفسه من تقديم برهان على وجود الله، لأن هذا «غيب الغيوب» لا يمكن وصفه لا بالوجود ولا بالعدم؛ فالصفات والأسماء لا تنتمي، في الحقيقة، إلا إلى العقل الأول، أي أول موجود مخلوق. غير أن الفيلسوف الإسماعيلي يصوغ العلاقة بين المبدع (الله) والمبدَع الأول ( al-Mubda ʿ al-Awwal ) بوصفها علاقة لا هي فيضية ولا خلقية بالمعنى المألوف، بل هي علاقة إبداع ( ibdā ʿ)، يظل سرها عصياً على الإدراك بالنسبة إلى الجميع، بما في ذلك العقل الأول نفسه. وفي هذا السياق، لا يختلف الكرماني عن سلفه أبي يعقوب السجستاني (ت. بعد 971 م)، أحد رواد الفلسفة ذات المنحى الإسماعيلي، إلا في أن النفي المزدوج عند السجستاني ظل مندرجاً ضمن السيناريو الفيضي الأفلاطوني المحدث. السجستاني والثنائية العمودية بين العقل والنفس يمثل السجستاني لحظةً محورية في تطور الفكر الإسماعيلي، وهي مرحلة امتزج فيها الغنوص الفلسفي امتزاجاً لا ينفصم بمبادئ الأفلاطونية المحدثة والفيثاغورية المحدثة. وكان السجستاني داعياً بارزاً نشط في منطقتي خراسان وسجستان، وطرح لاهوتاً جذرياً في التنزيه، معرّفاً الله بأنه “مبدع المبدعات” ( Mubdi ʿ al-mubdi ʿ āt )، أي المبدأ الأول المتعالي على جميع الثنائيات الأنطولوجية. غير أن هرمية الفيض عند السجستاني، تحت مظلة هذا التنزيه المطلق، كانت تقوم، على نحو مفارق، على «ثنائية عمودية» أساسية. ففي منظومته، ينبثق عن العقل الكلي، وهو المبدَع الأول أو اللوغوس، النفس الكلية (sophia)، ومنها تفيض لاحقاً القوى التي تدبر العالم المادي. غير أن هذا البناء الثنائي خضع لنقد منهجي صارم لدى حميد الدين الكرماني. فقد رأى الكرماني أن القول بأن عقلاً كاملاً، هو المبدَع الأول، يمكن أن يُنتج كياناً “أدنى” مثل النفس من خلال عملية شوق أو نقص، أمر لا يستقيم فلسفياً. وسعى إلى إبعاد الميتافيزيقا الإسماعيلية عن أي إيحاء بـ”الصيرورة” أو «السعي» من شأنه أن يمس، ولو من غير قصد، بالطبيعة المطلقة للخالق. ولذلك استبدل الكرماني ثنائية العقل والنفس بمنظومة متطورة من عشرة عقول مفارقة. اتبع السجستاني الأفلاطونية المحدثة في بنيتها كاملةً: الله المحجوب، ثم العقل، ثم النفس. والنفس عنده في حركة دائمة وشوق مستمر إلى الكمال الذي يمثله الله. أما الكرماني فانحرف عن هذه الثلاثية بتبنيه منظومة الفارابي للعقول العشرة. وبذلك لم يعد العالم السماوي متمحوراً حول ثنائية العقل والنفس، أي اللوغوس وصوفيا. ففي حين اعتبر السجستاني النفس جوهراً متميزاً عن العقل، في حال من النقص تسعى إلى استكمال ذاتها من خلال الفيض الآتي من الله، وزّع الكرماني الكمال على جميع مراتب العقول العشرة. من النفس الكلية إلى العقول العشرة في هذه الكوسمولوجيا المعدّلة، تُجرَّد «النفس الكلية» من منزلتها بوصفها مرتبة كونية ثانية قائمة بذاتها. ويحل محلها “العقل الثاني” الذي، خلافاً للنفس الساعية إلى الاستكمال في نموذج السجستاني، يمثل كياناً ذا كمال ثابت وتحقق تام. وبتحويل النفس إلى عقل، أقام الكرماني هرمية سماوية أكثر استقراراً، متحررةً من “عدم الاكتمال” الملازم للنفس الأفلاطونية المحدثة. ولم يكن هذا التحول مجرد تنقيح ميتافيزيقي، بل كان أيضاً ضرورة بنيوية لمشروع الكرماني الأوسع: مذهب المطابقة ( taṭbīq ). فمن خلال توسيع العالم السماوي ليأخذ بنية عشرية، استطاع إقامة مطابقة دقيقة بين العالم الكوني، أي العقول العشرة، والعالم الإنساني، أي المراتب العشر للهرمية الدينية، والعالم البيولوجي، أي الحواس العشر الداخلية والخارجية. وبالنسبة إلى الكرماني، وفّرت هرمية العقول العشرة التعقيد الضروري لتفسير تقاطع النظام الكوني والكون الفيزيائي والمهمة الأرضية للدعوة. جرعة مشائية في الأفلاطونية المحدثة وهكذا يمكن القول، إلى حد ما، إن الكرماني أعاد حقن أفلاطونيته المحدثة بجرعة مشائية. وقد فعل ذلك باستخدام مخطط الفارابي للعقول العشرة، الذي كان يتألف عند الفارابي من العقل الأول (الله) والأفلاك التسعة. أما عند الكرماني، فقد أصبح العقل الأول “المبدَع من الله”، ولم يكن الله نفسه قط. وهذا العقل الأول هو الجدير بصفات الجلال والبهاء وأسمائهما؛ بل إنه، في منطق الكرماني، لا يوجد هنا أي خوف من الشرك [الإشراك]، وإنما يقع الشرك تحديداً عند الخروج عن هذا التمييز. من محورية النفس إلى محورية العقل يمثل الانتقال من ثلاثية الله-العقل-النفس إلى عشرية الفارابي تحولاً أساسياً من “محورية النفس” إلى “محورية العقل”. وكان الفارابي قد صمم هذه العشرية في الأصل للتوفيق بين الفيزياء الأرسطية، أي الأفلاك السماوية، والميتافيزيقا. وأدرك الكرماني ضرورة هذا الاتساق المشائي، ولا سيما من خلال جعل العقل (ʿ aql ) أسمى أشكال الوجود، والابتعاد عن بليروما منقسمة بين ثنائية اللوغوس وصوفيا. غير أن الكرماني حافظ على حد لاهوتي حاسم: فقد قيّد صلاحيات هذا العقل. فالعقل الأول لا يستطيع أن يعقل المبدع ( al-mubdi ʿ) أو أن يحيط به، إذ يظل المبدع سراً مطلقاً. كما وصل الكرماني هذه البنية الفلسفية بالعقيدة الإسماعيلية من خلال تأكيده أن البشر لا يستطيعون الاعتماد على عقولهم وحدها؛ بل يظلون محتاجين إلى التعليم ( ta ʿ līm )، أي التعليم المرجعي للإمام، لكي يهتدوا إلى هذه الحقائق. فالإطار الأرسطي يوفر المنطق، لكن الإمام يوفر سبيل الوصول. (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

في الاصولية الدينيّة: رقصة الموت (1)

الانتصار الاسرائيلي في حرب حزيران، واحتلال قطاع غزة مجدداً، أزاح كابوس النظام المصري عن جماعة الاخوان المسلمين، بعد صراع فجّرته حادثة اغتيال الزعيم جمال عبد الناصر، في منشية الاسكندرية عام ١٩٥٤، وقتها اتّهمت السلطات المصرية "الجماعة" بتدبير المؤامرة، وشنّت حملة اعتقالات واسعة، شملت أبرز القادة ومنهم سید قطب، المنظر الأول لفلسفة الاسلام السياسي في السلطة. بعد عقدٍ من الزمن، وبوصول عبد السلام عارف للرئاسة في العراق، نجح في الوساطة للقيادي سيد قطب وتم الافراج عنه، إلا أن الأمر لم ينتهِ بالمصالحة، وقبض عليه مجدداً بتهمة انشاء تنظيم سري لإسقاط النظام المصري بالقوة، وصدر بحقه حكم الاعدام، إلا أنه رفض الاسترحام لتخفيف الحكم، وهكذا تم شنقه في 29 / آب / اوغست من عام 1966. بعد اشهر من هذا الحدث، احتلّت اسرائيل قطاع غزة مرة ثانية. لقد كانت هزيمة النظام المصري، عنواناً لاستنهاض جماعة الاخوان المسلمين في المدن الفلسطينية، وتحديداً في الاراضي المحتلة الجديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة حيث نشطت "الجماعة "، بصفتها حركة دعوية تستهدف إصلاح الفرد والمجتمع، وبنت شبكة مساجد ومدارس وجمعيات خيرية ولم تطرح أي برنامج سياسي للناس سوى الدعوة للإصلاح والعودة للدين وفق المنظور والتفسير الذي تتبناه. في الوقت نفسه، اتّجهت الحركة الوطنية الفلسطينية لنظرية الكفاح المسلح طريقاً التحرير فلسطين، من داخلها وعبر الحدود من دول الطوق، أي مصر والاردن وسوريا ولبنان. وعلى الرغم من سيطرة الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية على المشهد العام والتأييد الشعبي الذي حصلت عليه في الشرق الاوسط عموماً، إلا أن الجماعة الاسلامية كانت مثابرة على عملها البطيء، مستفيدة من سياسة غض النظر الاسرائيلية، التي وصلت إلى حد الاستحصال على تراخيص من جيش الاحتلال لعمل ونشاط مؤسساتها. لقد اعتمدت "الجماعة " في نشاطها الدعوي على اولوية بناء الفرد والمجتمع وفق منظور اسلامي خاص، وتفسير للتعامل مع جيش الاحتلال، لا يتطلب أي مواجهة، كما تدعو لها قوى الحركة الوطنية العلمانية اليسارية والقومية، وبهذا شكلت بيئة خاصة بها معزولة عن غالبية المجتمع الفلسطيني، كما صارت ملاذ آمن لمن لا يريد تحمّل تبعات المواجهة المسلحة والعنيفة التي تمارسها الفصائل التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. ولذلك لم يظهر في خطابها العام، وسلوك قادتها وعناصرها ما يضعها في خانة مواجهة الاحتلال، وعلى هذا المنوال راكمت نفوذها بشكل بطيء وتدريجي. مضت عشرون عاماً طوّرت الجماعة آليات عملها الداخلي بهدوء وسلامة، وراكمت رصيدها في العمل المنظم النخبوي والدؤوب، بمساعدة كبيرة من تنظيمات جماعة الاخوان الدولية وكذلك مارست نوعاً من المشاركات الفردية للراغبين في القتال في المعارك الكبرى التي خاضتها منظمة التحرير، لكن عبر هياكل عسكرية لا صلة لها بالجماعة مثل "جيش التحرير الفلسطيني" او "قوات العاصفة" او أسماء لا تُلزِم جماعة الاخوان بأي مسؤولية مباشرة عن مشاركة افراد منها في أي معركة مهما كانت كبيرة او صغيرة. واستمر هذا الحال إلى لحظة انفجار "انتفاضة الحجارة " - عام ١٩٨٧ حيث بدأت مشاركتها المباشرة والمعلنة لكن بعيداً عن القيادة الوطنية الموحدة للانتفاضة. في هذا الحدث الكبير، أطلقت "جماعة الاخوان" تنظيمها الجديد تحت مسمى "حركة المقاومة الاسلامية" "حماس "، ولاحقاً شكّلت جناح العسكري المعروف "بكتائب عز الدين القسام". وهو اول تحوّل من حركة دعويّة، اجتماعيّة إلى حركة سياسة مستقلّة، تحفر مجرى خاص وجديد بعيداً عن الحركة الوطنية العلمانية. من هنا تبدأ إشكالية جديدة أمام الفلسطينيين، من خلال صعود مركز له تشخيص مختلف تماماً لنظام المصلحة الفلسطينية، ومتعارض كلياًّ مع الاتجاه المركزي الذي مثلته منظمة التحرير خلال اربعة عقود. وأن مسائل الخلاف ليست محدودة، بل تشمل قضايا الخلاف كل كبيرة وصغيرة وعلى هذا بدأ الانشقاق الكبير في إنتاج السياسات المعبرة عن نظام المصلحة الفلسطينية، وهو انشقاق أعمق من أي انشقاقات شهدتها الحركة الوطنية الفلسطينية، حيث طالت سكين التفرقة المجتمع الفلسطيني نفسه، عموديّاً ووصلت بأسرع وقت إلى نقاباته واتحاداته وهيئاته الشعبية في كل مكان، ولم يحدث ان وصلت لجنة نقابية على مستوى طلاب في الجامعات إلى صيغة عمل نقابية مشتركة. ذلك ليس لعدم توفر قدرة على الاتفاق وانما لعدم وجود سياسة تسمح بالاتفاق على برنامج نقابي بسيط على الرغم من عشرات المحاولات للحوار وإنتاج ما يمكن الاتفاق عليه، لكن سرعان ما يتبخر على قاعدة الخلاف حول الجهة المخوّلة بإنتاج نظام المصلحة الفلسطينية. الانعطافة الحاسمة خلال السنوات الخمس التي فصلت بين إعلان «اتفاق أوسلو» وتأسيس حركة حماس، بشعاراتها التي استحضرت، في بعض جوانبها، منطلقات حركة فتح الأولى، وقع الحدث الجديد بمثابة زلزال سياسي غير مسبوق في الحالة الفلسطينية، على المستوى الشعبي والفصائلي، وداخل النخب السياسية والفكرية أيضاً. فقد عجزت القيادة الفلسطينية الرسمية عن تقديم تحليل سياسي مقنع يفسّر دوافع إبرام الاتفاق، على المستويين الدولي والإقليمي، كما لم تنجح في شرح الدور الذي يمكن أن يؤديه «اتفاق أوسلو» في تلبية الاحتياجات والأولويات الملحّة للفلسطينيين في الوطن والشتات. لذلك انقسم الموقف الفلسطيني العام بين مؤيد ومعارض. ويمكن القول إن جانباً مهماً من التأييد داخل حركة فتح استند إلى الثقة الكبيرة التي كان يحظى بها الرئيس ياسر عرفات، أكثر مما استند إلى شرح طبيعة هذه الانعطافة وأهميتها، ودورها المفترض في تصحيح مسار النضال الوطني. كان جوهر الانعطافة، كما قدمتها القيادة الفلسطينية، هو العودة إلى جغرافية الوطن، وبناء كيان فلسطيني معترف به دولياً، باعتباره خطوة في طريق الاستقلال؛ الأمر الذي كان يفترض انتقال الحركة الوطنية من مرحلة حركة التحرر المسلحة إلى مرحلة الحركة الاستقلالية، التي تعتمد بصورة أساسية النضال السياسي والسلمي، وتتخلى عن العنف المسلح باعتباره وسيلة للعمل الوطني. وهذا ما أعلنه الرئيس عرفات ووقّع على التزاماته في الوثائق التي ارتبطت بالاتفاق. ومن هنا، لم يكن غريباً أن تعتبر قوى المعارضة القومية واليسارية داخل منظمة التحرير اتفاق أوسلو خروجاً على مبادئ الثورة وتراجعاً عن أهدافها. وفي هذا المناخ وجدت حركة حماس ضالتها السياسية، وذهبت أبعد من ذلك في توصيف الاتفاق، فاعتبرته خيانة وطنية ودينية، انطلاقاً من التصور الإخواني لفلسطين باعتبارها أرضاً إسلامية موقوفة، لا يملك أحد حق التنازل عن أي جزء منها. وعلى هذا الأساس، أصبح إسقاط اتفاق أوسلو محوراً أساسياً في البرنامج السياسي لحماس، وبدا أن كل ما عداه يأتي في مرتبة لاحقة. إلا أن الممارسة السياسية للحركة كشفت، منذ وقت مبكر، عن مسارين متوازيين: الأول، الاستفادة القصوى من النتائج التي أتاحها الاتفاق على الأرض، وفي مقدمتها عودة آلاف الفلسطينيين إلى الوطن، وقيام هامش واسع من الحريات السياسية والعمل العلني، وإمكانية بناء مؤسسات حزبية وتنظيمية بعيداً عن سلطة الاحتلال المباشرة، فضلاً عن الاستفادة من الخدمات التي وفرتها مؤسسات السلطة الوطنية في مجالات الصحة والتعليم وسائر المؤسسات والهيئات العامة. وقد تعاملت الحركة مع هذه المكاسب باعتبارها حقوقاً فلسطينية مكتسبة، لا باعتبارها نتائج مباشرة لاتفاق أوسلو. وفي السياق نفسه، انتقلت حماس تدريجياً من موقف ديني كان يحرّم المشاركة في الانتخابات البلدية والتشريعية والرئاسية، إلى موقف يجيز المشاركة فيها عندما أصبحت نتائجها السياسية والتنظيمية تخدم مصالح الحركة وتمنحها حضوراً مؤسسياً وشعبياً أوسع. أما المسار الثاني، فتمثل في استمرار تخوين القيادة السياسية التي أنتجت اتفاق أوسلو، مع إبقاء قنوات الحوار معها مفتوحة عند الحاجة، بهدف تحقيق المزيد من المكاسب السياسية والتنظيمية، مستفيدة من سياسة الاحتواء التي اعتمدها الرئيس الراحل ياسر عرفات، والتي أبقت أبواب السلطة مفتوحة أمام مشاركة حماس، من دون اشتراطات سياسية قاسية. وقد تجاوزت السلطة، في مراحل مختلفة، شرط وقف العنف بصورة حاسمة، رغم أن الالتزام بنبذ العنف كان جزءاً أساسياً من الالتزامات الفلسطينية التي قامت عليها عملية الاعتراف الدولي بالسلطة الوطنية. وفي المقابل، استمرت العمليات المسلحة، وخصوصاً العمليات الانتحارية، في توقيتات سياسية شديدة الحساسية؛ إذ كانت تأتي أحياناً عشية الانتخابات الإسرائيلية، أو بالتزامن مع زيارات الموفدين الدوليين، الأمر الذي جعلها عاملاً مؤثراً في السياسة الإسرائيلية وفي صعود القوى الأكثر تشدداً. ومن هنا بدأت تظهر في الخطاب السياسي والإعلامي الإسرائيلي فكرة مفادها أن العمليات التي تنفذها حماس تمنح القيادات الإسرائيلية المتشددة، مثل أرييل شارون وبنيامين نتنياهو، فرصة سياسية جديدة، وتعيد ترتيب أولويات المجتمع الإسرائيلي حول الأمن والعنف بدلاً من التسوية السياسية. وهكذا بدأ التطرف الديني الفلسطيني يؤدي، بصورة غير مباشرة، دوراً في تغذية التطرف الإسرائيلي، والعكس صحيح. وتحولت الأصولية الدينية، من خلال حركة حماس، من مجرد خطاب دعوي وأيديولوجي إلى تنظيم سياسي وعسكري قادر على التأثير المباشر في مسار الصراع، ودفع الحالة الفلسطينية مجدداً نحو مربع العنف المسلح. ولم يتوقف تأثير ذلك عند حدود الحركة الإسلامية، بل ساهمت أجواء العنف المتصاعد في إعادة تنشيط نزعات مسلحة لدى بعض التيارات القومية واليسارية، كما امتد تأثيرها إلى بعض الكوادر القيادية في حركة فتح، وإلى اتجاهات واسعة بين أنصار الحركة وتنظيماتها في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهكذا تهيأت البيئة السياسية والاجتماعية التي سبقت الانتفاضة الثانية، والتي سرعان ما تخلت عن نموذج الانتفاضة الأولى القائم على العصيان الشعبي والمقاومة المدنية، وانتقلت إلى مواجهة مسلحة مفتوحة، شاركت فيها قوى فلسطينية متعددة. وبذلك لم تعد الانتفاضة الثانية مجرد امتداد للانتفاضة الأولى، بل تحولت تدريجياً إلى نموذج مختلف في أدواته ونتائجه، حيث تداخل العنف الفلسطيني المسلح مع العنف الإسرائيلي العسكري والاستيطاني، ودخل الطرفان في دائرة تصعيد متبادل كان الشعب الفلسطيني هو الخاسر الأكبر فيها، بعدما دفع أثماناً باهظة من الأرواح والممتلكات، وتراجعت فرص التسوية السياسية، وتعززت في الجانب الإسرائيلي القوى التي ترى في القوة العسكرية والاستيطان بديلاً عن التسوية. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فقد بدأت مرحلة أوسلو باعتبارها محاولة للانتقال من منطق الثورة إلى منطق الدولة، لكنها انتهت، خلال سنوات قليلة، إلى إعادة إنتاج منطق الصراع المسلح، وإن بأشكال وأدوات جديدة، الأمر الذي فتح الطريق أمام مرحلة أكثر قسوة في التاريخ الفلسطيني الإسرائيلي.

المنطقة تدخل في وقت مقتطع؛ وطهران تعيد تنظيم قيادتها

يبدو أن المنطقة قد دخلت في "استراحة" طويلة، أو وقت مقتطع، قد يمتد حتى الاستحقاقين الانتخابيين المرتقبين في الخريف المقبل، في إسرائيل ثم في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من استمرار بؤر التوتر المتنقلة هنا وهناك، فإنها تبقى، حتى الساعة، تحت السيطرة. وفي هذا السياق، تأتي بداية الأسبوع امتداداً للمشهد السياسي والعسكري الذي طبع الأسبوع الماضي، بغياب أي مواقف تصعيدية، سواء من الجانب الأميركي أو الإسرائيلي. يأتي ذلك في وقت لا تزال فيه تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يوم الأحد بشأن إيران، تغذي التكهنات حول احتمال حدوث تحول في استراتيجية واشنطن. وحدها طهران، التي المنخرطة في عملية إعادة هيكلة داخلية، خرقت هذه التهدئة بتوجيه رد مباشر على الرئيس الأميركي. وكان ترامب قد شبّه المواجهة المحتدمة مع الجمهورية الإسلامية بـ"لعبة شطرنج"، وذلك خلال مقابلة أجراها الأحد مع موقع "أكسيوس" الأميركي، بعدما استبعد خيار اللجوء إلى القوة العسكرية لإرغام طهران على إعادة فتح مضيق هرمز. ترامب يرفع النبرة غير أنه، وللمرة الأولى منذ نحو عشرة أيام، استأنف الرئيس ترامب يوم الاثنين هجماته الإعلامية ضد السلطة الإيرانية، مؤكداً أنه يعتزم مطالبة نظام الملالي بتعويض "عائلات المتظاهرين الذين قُتلوا على مدى الأعوام الخمسين الماضية". وذهب رئيس البيت الأبيض إلى أبعد من ذلك في هذا الإطار، مشيراً إلى أن "إيران يجب أن تتحمل المسؤولية عن الأضرار والقتلى الذين سقطوا بين صفوف السكان في لبنان وسوريا واليمن وغزة". ويأتي موقف الرئيس الأميركي في هذا الصدد رداً واضحاً على موقف الحرس الثوري الإيراني، الذي وضع ستة شروط أمام الأميركيين لإعادة فتح مضيق هرمز، من بينها على وجه الخصوص دفع واشنطن تعويضات لإيران عن الأضرار التي نجمت عن القصف الأميركي. ولم يتأخر الرد الإيراني الذي جاء بقالب تهكمي على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، إذ أشار إلى أن الإيرانيين "لاعبو شطرنج محترفون". وهي طريقة للقول أن الكلمة الأخيرة في هذا الصراع ستكون للجمهورية الإسلامية، فيما كانت التكهنات ناشطة، يوم الاثنين، حول تداعيات هذا التغيير في المقاربة الأميركية، بعدما تخلت واشنطن في الوقت الراهن عن الخيار العسكري ضد إيران لمصلحة زيادة الضغوط الاقتصادية. ومع تركيزها على الضغوط الاقتصادية، هل تراهن الولايات المتحدة على انفجار داخلي في الجمهورية الإسلامية؟ أم تحاول تهدئة الأجواء لتفادي خضات داخلية قبل الانتخابات النصفية في تشرين الثاني؟ أم تسعى لكسب الوقت بانتظار إعادة بناء مخزوناتها من السلاح والذخيرة؟ أسئلة كثيرة غذّت التحليلات السياسية والإعلامية يوم الاثنين. غير أن المؤكد، في المقابل، هو تعثر المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، وتأخر ولادة الاتفاق الإيراني-العُماني حول إدارة مضيق هرمز، والذي صُوِّر الخميس الماضي كأنه بات وشيكاً. وفي اتصال هاتفي الاثنين، تناول وزيرا الخارجية الإيراني والباكستاني مختلف القضايا، باستثناء المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، التي تجري عبر وساطة إسلام أباد. يبقى الثابت الوحيد تجدد الصراع في اليمن، مع انخراط الميليشيات الحوثية الموالية لإيران مجدداً وبشكل كامل في الحرب ضد القوات الحكومية اليمنية والسعودية. وهي مواجهة تُحسب على حساب المواجهة الأوسع التي تخوضها إيران مع دول المنطقة التي تستضيف قواعد أميركية، في محاولة لفرض نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها. ستة تعيينات وازنة في طهران وإذا كانت الأسلحة قد صمتت بشكل عام، فإن طهران تستغل حالة "لا حرب ولا سلم" التي تخيم على المنطقة لإعادة تنظيم مجلسها القيادي، لا سيما العسكري. ووفق وسائل إعلام إيرانية وعربية عدة، عيّن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، أحمد وحيدي قائداً للحرس الثوري الإسلامي (الباسدران). كما شملت التعيينات خمسة آخرين في مناصب عسكرية مفصلية: علي عبد اللهي رئيساً لأركان القوات المسلحة، كيوومرث حيدري نائباً لرئيس أركان القوات المسلحة، مصطفى إيزدي نائباً للقائد العام للحرس الثوري، علي عظمائي قائداً للقوة البحرية للحرس الثوري، وحسين طائب رئيسًا لقوات البسيج. وكانت طهران قد عينت محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي خلفاً لمحمد باقر ذو القدر. غير أن السؤال الأبرز يكمن في ما إذا كانت إعادة الهيكلة هذه ستترافق مع إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية، في وقت تهدد فيه إسرائيل بضرب الجمهورية الإسلامية إذا ما أعادت بناء ترسانتها النووية والباليستية. طهران تراهن على الانكفاء الأميركي وفي الوقت الراهن، تراهن طهران، على ما يبدو، على الانكفاء الاستراتيجي الأميركي، إضافة إلى الخلافات المستمرة بين واشنطن وتل أبيب، لاستعادة توازنها الميداني. وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية عدة، فإن العلاقة بين دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ليست في أفضل أحوالها. إذ تُفضل واشنطن الحلول السياسية، وترغب في انسحاب إسرائيلي من غزة ولبنان، كما تريد من تل أبيب كبح تهديداتها ضد إيران، وفق تلك المصادر التي أشارت إلى أن قائد القيادة المركزية الأميركية ("سنتكوم")، الأميرال براد كوبر، نقل رسالة بهذا المعنى إلى السلطات الإسرائيلية. غير أن تل أبيب رفضت هذه المطالب الثلاثة، معترضةً، على وجه الخصوص، على الخطة الأميركية لغزة. وينسحب الأمر نفسه على لبنان؛ حيث يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية في الجزء الذي يسيطر عليه جنوب البلاد، فيما يخيم الغموض على الجولة الثامنة من المحادثات المباشرة المرتقبة في بداية أيلول المقبل في روما. وكان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد ناقش هذا الملف يوم الاثنين مع رئيس الوفد اللبناني سيمون كرم. ووفق معلومات عدة، فإن قضية الخريطة التي نشرتها وزارة الخارجية الإسرائيلية يوم الأحد على منصة "إكس" – قبل أن تسحبها – والتي أظهرت جزءاً من جنوب لبنان كأنه مقتطع لصالح إسرائيل، ستكون مدار بحث في اللقاء اللبناني-الإسرائيلي المقبل، لا سيما أن بيروت تتمسك بانسحاب إسرائيلي كامل وتدريجي من الجزء الجنوبي للبلاد.

مركزية اللغة السريانية في التقاليد المارونية: تراث حيّ (3/7)

تغدو اللغة، بصفتها حاملاً للثقافة الوطنية، أداةً للتحرر - كما لدى يوهان فيخته وكارول فويتيوا - بل وسبب وجود حقيقي، بحسب شارل مالك. فهي تشكل الوعي الوطني، وتضمن التماسك في مواجهة الهيمنة العسكرية أو الثقافية، وتسمح ببناء المستقبل عبر التجذر في موروث الماضي. وإذا كان يوهان غوتفريد فون هردر قد سلّط الضوء على دور اللغة في تشكيل الهوية الثقافية، فإن يوهان غوتليب فيخته توسع في هذا الطرح بربطه مباشرة بمفهوم الأمة. وما قَصَده بـ"الفولكستوم" (الروح أو الثقافة الوطنية) (1) نشأ كأداة للمقاومة في وجه الهيمنة الفرنسية. وعلى المبدأ نفسه، عمل كارول فويتيوا - البابا يوحنا بولس الثاني لاحقاً - على تشجيع استخدام اللغة البولندية في المسرح، للحفاظ على روح شعبه تحت الهيمنة السوفياتية. في المقابل، سلك مفكرو المشرق المسيحيون مساراً مختلفاً؛ إذ اختاروا الانخراط في النهضة العربية، متخلين تدريجياً عن لغتهم الأم، وبالتالي عن ذاكرتهم التاريخية. وهذه الإسهامات الاستثنائية التي قدموها للنهضة وصفتها بات ياعور بـ"رقصة البجعة الأخيرة" (2) ، إذ جاء هذا الالتزام على حساب تجديد موروثهم الخاص. ويذهب الفيلسوف المسيحي الأرثوذكسي شارل مالك إلى أبعد من ذلك، واضعاً اللغة السريانية في صلب سبب وجود الموارنة. ففي رأيه، تُشكّل اللغة "الظاهرة الأكثر أهمية في الحضارات"، لكونها تحدد الانتماء، وتؤسس الهوية، وتبني الأمة (3) . ويشير مالك إلى أنّ التراث السرياني يحظى بالاعتراف والاهتمام والاحترام، ويُدرس ويُدَرّس في المؤسسات الجامعية في روسيا وأوروبا وأميركا، حيث تُخصص له أطروحات عديدة. ومن بين كل المكونات السريانية في الشرق، وحدهم الموارنة يمتلكون مؤسسات ثقافية وجامعية قادرة على تدريس هذا التراث العريق على أرضهم بالذات. سبب وجود هذا التراث من هذا المنطلق، يوجه شارل مالك تحذيراً صريحاً إلى الموارنة. فالمطلوب في رأيه ليس دراسة هذا التراث على الطريقة الغربية، أي من منظور تاريخي ونظري بحت بدافع الفضول الفكري الخاص بالنخب. فهذه اللغة لم تُوجد لِتُحنَّط في المتاحف كأنها مقتنيات أثرية، بل يجب أن تظل حية على مقاعد الدراسة وفي الكنائس، وأن تُلهم الإنتاج الأدبي والمسرحي فمهمتها هي "ربط الموارنة ربطهم بشكل حي على المستويين الثقافي والروحي، بحضارات الشرق القديم وجالياتهم الناشطة في بلاد الانتشار (4) . وكان مالك يتساءل: "من أحق من الموارنة باحتضان هذه اللغة واحتراِمها وإجلالها وتثمِينها ودراستها وإحيائها؟ لقد وُهبت لهم، وهي حية في صلب جوهرهم، وهم المسؤولون الأوائل عنها" (5) . إن صمود اللغة السريانية واستمرارها، خلافاً لمعظم لغات الشرق القديم، يضعنا أمام سؤال وجودي عن الغاية من هذا التراث وسبب وجوده. وإلى جانب دورها في ربط الموارنة بجذورهم الشرقية وبأبناء جالياتهم في بلاد الانتشار، يرى مالك أن السريانية تمنحهم ميزة استثنائية تجعلهم الشعب الأكثر قرباً من العرب واليهود في آن واحد. فهم كتبوا وترجموا بلغة العرب، في حين أن لغتهم السريانية تنتمي - كالعبرية - إلى الأسرة السامية الشمالية، ما يجعلها لغات شقيقة تربطها صلات عميقة. يضاف إلى ذلك أن الليتورجيا السريانية لدى الموارنة وفكرهم اللاهوتي يظلان على وفاء وثيق لنصوص العهد القديم وقيمه، وبالتالي للتراث اليهودي. ويوضح شارل مالك أن "اللغة هي الظاهرة الثقافية الأهم، لأنها بمعناها الأكثر عمقاً هي الحياة نفسها، فهي التي تحدد الجذور والأصول والتراث" (6) . خلل بنيوي ما الذي مَكَّن لغة الموارنة من الصمود عبر كل هذه القرون لتصل إلينا، رغم كل التحديات؟ أهي المصادفة أم القدر، أم الحماية التي وفرتها لهم عزلة الجبل؟ يرفض الفيلسوف المسيحي شارل مالك هذه التفسيرات الظرفية المحضة. فالمؤمن، كما يقول، يرى بإيمانه "العناية الإلهية خلف كل شيء، وفوق كل شيء، وأمام كل شيء" (7) ؛ وهي عناية تعمل حتى عندما تظل إرادتها غامضة، فيؤمن بها المسيحي ويبقى واثقاً في انتظار تجليها. ويتساءل الفيلسوف: لماذا بقي الموارنة متمسكين بتراثهم السرياني عبر كل هذه القرون؟ وإذ كان يرفض مبدئياً فكرة الصدفة، فهو يسعى إلى فهم معنى هذا الصمود وما تدبره العناية الإلهية في الحقيقة. وكان يتساءل: "إذا كان الله موجوداً، وإذا كانت عنايته موجودة، أليس من المشروع أن نتساءل عما يعنيه بقاء الموارنة وتراثهم السرياني القديم، وما الغاية من ذلك في هذا الزمن بالذات وفي هذه المنطقة تحديداً؟" (8) . ويرى شارل مالك أن أرض المشرق هذه تعاني خللاً بنيوياً، فيشبه المنطقة بكرسي ثلاثي القوائم لا يستند إلا إلى قاعدتين: العرب والعبرانيين. ولإعادة التوازن، لا بد من وجود مكون ثالث. ومن هنا، يجب أن يوجد الموارنة لا كمجرد طائفة مندمجة في أحد الكيانين، بل كمكون مستقل له هويته الخاصة وتراثه التاريخي والثقافي والروحي واللغوي (9) . لقد أثبتت التقاليد المارونية حضورها مع مجمع خلقيدونية لتصون لغتها السريانية خلال مسار انفتاحها على العالم. ويرى الفيلسوف الروم الأرثوذكسي الكبير شارل مالك أنه يتوجب عليها الحفاظ على هذه الهوية اللغوية للمساهمة في التقارب بين الشعوب وبناء السلام. (1) - يوهان غوتليب فيخته، خطابات إلى الأمة الألمانيّة (1808)، منشورات كيسنجر، 2017. (2) - بات ياعور، مسيحيّو الشرق بين الجهاد والذمة (القرن 7 - 20) ، باريس، سيرف، 2007؛ و أفول المسيحية الشرقية في ظل الإسلام ، سيرف، 1996. (3) - شارل مالك، رسالتان إلى الموارنة ، الكسليك، جامعة الروح القدس، 2010. (4) - المصدر نفسه. (5) - المصدر نفسه. (6) - المصدر نفسه. (7) - المصدر نفسه. (8) - المصدر نفسه. (9) - المصدر نفسه. اقرأ أيضاً في الموضوع نفسه مركزية اللغة السريانية في التقاليد المارونية: دور البطاركة (2/7) مركزية اللغة السريانية في التراث الماروني (1/7)