شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
ليبيا: فزان، جبهة قتال منسية
بقلم
ريان البصير
نُشر

بينما يتجادل الدبلوماسيون حول مستقبل ليبيا السياسي في قاعات المؤتمرات المكيفة، فإن الهشاشة المستمرة في المنطقة الجنوبية الشاسعة للبلاد تشكل مخاطر كبيرة ليس فقط على ليبيا نفسها، ولكن أيضاً على الدول المجاورة، لا سيما دول الساحل الأفريقي. لقد أصبحت منطقة فزان، التي تغطي ثلث الأراضي الليبية، هوة حقيقية للحوكمة حيث انهارت سلطة الدولة، وتنتشر الجماعات المسلحة، وتعمل الشبكات الإجرامية العابرة للحدود الوطنية بحصانة تامة. ترسم الأرقام صورة كارثية. ففي فزان، يحتاج 67% من الأسر إلى مساعدة إنسانية، وهو أعلى معدل في ليبيا. ويلجأ ما يقرب من نصفهم إلى استراتيجيات بقاء قصوى، ببيع ممتلكاتهم المنتجة أو التخلي عن الرعاية الطبية. ويبلغ معدل بطالة الشباب 52% في بعض المناطق، مما يخلق جيلاً بلا أمل في الاستقرار. وتستمر انقطاعات الكهرباء المزمنة لما يصل إلى 20 ساعة يومياً. ويرتفع معدل وفيات الأمهات، حيث تعمل 73% من المنشآت الصحية بشكل جزئي، مما يجبر النساء على الولادة في المنزل أو السفر لمسافة تصل إلى 150 كم للحصول على الرعاية الأساسية. لكن الأمر لا يقتصر على الإحصائيات: إنه الواقع اليومي لـ 600 ألف شخص تُتجاهل معاناتهم بشكل منهجي. تتعرض مجتمعات التبو والطوارق لتمييز متجذر بعمق، ومُحرومة من الجنسية ووثائق الهوية، مما يستبعدها من الحياة السياسية والفرص الاقتصادية. المنطقة التي تنتج ما يصل إلى 30% من النفط الليبي لا تحصل إلا على جزء ضئيل من الاستثمارات، مما يغذي الاستياء الذي تستغله الجماعات المسلحة بلا ضمير. اعتبار فزان مشكلة بعيدة سيكون خطأً كارثياً في التقدير. هذه المنطقة ضرورية لبقاء ليبيا وتشكل حلقة حاسمة في شبكة الأزمات الممتدة من البحر الأبيض المتوسط إلى القرن الأفريقي. تساهم حقلا الشرارة والفيل، بحد ذاتهما، بشكل كبير في الميزانية الوطنية. إن تعطيل طبقات المياه الجوفية لنهر الصناعي العظيم تحت الصحراء الجنوبية يعني حرمان طرابلس وبنغازي من الماء والكهرباء. الرهان حاسم. خارج الحدود الليبية، أصبحت فزان طريقاً سريعاً حقيقياً لجميع التهديدات المتصورة. الأسلحة التي تمر عبر حدودها المسامية البالغ طولها 2700 كم تغذي صراعات تودي بحياة الآلاف في الساحل. شبكات تهريب الوقود تجني مليارات تُستخدم لتمويل الجماعات الجهادية في النيجر ومالي. الحرب التي تدمر السودان حولت جنوب شرق ليبيا إلى ممر لتعبئة المرتزقة، حيث يتدفق المقاتلون والأسلحة نحو الصراعات في إثيوبيا والصومال. بالنسبة لأوروبا، تشكل منطقة فزان مفترق طرق ونقطة عبور أساسية للهجرة غير الشرعية. تتشكل ديناميكيات الهجرة في فزان من خلال تفاعل معقد للعوامل المحلية والإقليمية والدولية. إذا كان دورها مركزياً، فيجب فهمه في السياق الأوسع لطرق الهجرة وتأثيراتها. تظل فزان، على وجه الخصوص، نقطة الدخول الرئيسية لشبكات الاتجار بالبشر التي تساهم في الأزمات الإنسانية على طول طرق الهجرة في البحر الأبيض المتوسط. من منظور الاتحاد الأفريقي، تمثل فزان نقطة التقاء عدم الاستقرار في منطقة الساحل والهشاشة في شمال أفريقيا، مما يهدد بإطلاق أزمة قد تتجاوز الصراعات الإقليمية الحالية. الخبر السار هو أن الاستقرار ممكن. أما الخبر السيئ فهو أنه يتطلب التخلي عن الأساليب الفاشلة واعتماد حلول شاملة وموجهة محلياً. أولاً، يجب إعادة ترسيخ الحوكمة من خلال تدابير تشريعية ملموسة. تحتاج ليبيا إلى قانون لتنمية الجنوب ينشئ هيئة لاستقرار فزان تتمتع بميزانيات حقيقية وصلاحيات واضحة. يجب أن تتمتع المجالس المحلية بالاستقلال المالي والضمانات الدستورية للتمثيل، بما في ذلك المقاعد البرلمانية والمناصب الوزارية المخصصة للمنطقة. يجب أن تحصل مجتمعات التبو والطوارق أخيراً على الجنسية والوثائق التي حُرموا منها بشكل منهجي. ثانياً، إصلاح قطاع الأمن أمر ملح. يجب أن يوفر برنامج تدريجي لنزع السلاح وإعادة الإدماج بدائل حقيقية لأعضاء الجماعات المسلحة: التدريب المهني والفرص الاقتصادية ومستقبل كريم. تتطلب أمن الحدود عدداً كافياً من الحراس المجندين محلياً والمجهزين بتقنيات حديثة، وليس نقاط تفتيش فاسدة تسهل التهريب الذي من المفترض أن يمنعوه. والأهم من ذلك، تحتاج ليبيا إلى اتفاقيات حدودية ثلاثية مع النيجر وتشاد لدوريات مشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية. ثالثاً، يجب أن تفكك الإنعاش الاقتصادي اقتصاد الحرب. يجب أن يضمن قانون بشأن تقاسم عائدات الموارد الطبيعية إعادة استثمار 20 إلى 25% من إيرادات النفط من الجنوب محلياً وفق صيغ شفافة. يمكن للمناطق الحرة في سبها والكفرة إضفاء الطابع الرسمي على التجارة عبر الحدود، مما يلغي حوافز التهريب. يجب أن تخلق الاستثمارات في البنية التحتية – الطرق، محطات الطاقة الشمسية، الصناعات الزراعية – 5000 وظيفة على الفور، مع دعم مستهدف للنساء والمجتمعات الأقلية. رابعاً، يجب إعادة الخدمات الأساسية لاستعادة الثقة في الدولة. يمكن للمشاريع سريعة التأثير إعادة تأهيل الطرق، وتحديث أنظمة إمدادات المياه، وضمان تخصيص 25% من الميزانيات الصحية الوطنية للمنشآت في الجنوب. كل يوم تأخير يغذي دورة العنف والنهب. يعزز المقاتلون الأجانب سيطرتهم. وتوسع الشبكات الإجرامية أنشطتها. ويفقد الشباب الأمل وينضمون إلى الميليشيات. يواجه المجتمع الدولي خياراً استراتيجياً حاسماً: إما الاستثمار في استقرار شامل من خلال التزام سياسي – بدلاً من المساعدة المالية، مع الأخذ في الاعتبار وضع ليبيا كدولة ذات دخل مرتفع – أو المخاطرة بالتكلفة الأعلى بكثير لانهيار الدولة مستقبلاً. إن التقاعس يشجع استغلال الفراغات السلطوية من قبل الجهات الإجرامية، مما قد يؤدي إلى أزمات إنسانية وتدخلات عسكرية وانتشار الصراعات الإقليمية. لذلك، من الضروري أن يجعل الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة والأمم المتحدة من فزان أولوية أمنية جماعية تتطلب عملاً منسقاً، بدلاً من أن تكون مجرد شاغل هامشي. يجب على الشركاء الدوليين مواءمة جهودهم مع الأطر التي وضعتها ليبيا، وتقديم خبراتهم الفنية ودعمهم الدبلوماسي للإصلاحات الصعبة. يتطلب هذا الانتقال التحول من التدخلات الفردية إلى برامج تنمية شاملة تستهدف الأسباب الهيكلية العميقة للضعف. وعلى الرغم من أن التحديات التي تواجه فزان كبيرة، إلا أنها ليست مستعصية. فبالإرادة السياسية المستمرة والالتزام بالحوكمة الشاملة، يمكن للمنطقة أن تتحول من عبء أمني إلى ركيزة لليبيا مستقرة ومزدهرة. مع ذلك، تفرض هذه التحولات التخلي عن أوهام الحلول السحرية أو الحلول التي تركز على القوة العسكرية. فالاستقرار الدائم يعتمد على عمل دؤوب لبناء مؤسسات شرعية وتعزيز الفرص الاقتصادية. تاريخياً، عانى سكان فزان من استغلال الموارد والعنف المنهجي، بينما ظلوا مستبعدين من عمليات اتخاذ القرار التي تحدد مستقبلهم. في النهاية، تتجاوز رهانات هذا الالتزام حدود المنطقة؛ فارتباط تعافي الدولة الليبية والأمن في البحر الأبيض المتوسط واستقرار الساحل بمسار فزان لا ينفصم.

حوارات مع الذئاب
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

لا بدّ من قولها صراحة، وبلا مواربة: أحد أوجه العمى المتكرّرة في الديمقراطيات الغربية يكمن في علاقتها بالزمن. فالزمن الديمقراطي — زمن التداول على السلطة، والاستعجال الانتخابي، والولايات المحدودة، والحاجة الدائمة إلى تحقيق نتائج ملموسة ضمن أفق زمني قصير — هو زمن مُجزّأ، متقطّع، مُتكسّر… ومن ثمّ هشّ بطبيعته. إنّه زمن نافد الصبر، يبحث باستمرار عن مخارج، وعن تسويات، وعن استقرارات مؤقتة. وهو يفترض، في تصوّر غائي أقرب إلى النزعة الغنوصية للتاريخ، أنّ هذا الأخير يمكن تطويعه عبر حسن النيّة، والحوار، والعقلانية المشتركة، وأنه يسير حتماً في الاتجاه الصحيح. في المقابل، لا يعزف الزمن التوتاليتاري اللحن ذاته أبداً. فهو ليس متعجّلاً، ولا خطّياً، ولا خاضعاً لاختبار الاقتراع. بل على العكس، هو متحرّر من كل هذه القيود التي يعتبرها عبثية. إنّه زمن طويل، هوسي، أرضيّ، زمن الحفاظ على السلطة بأي ثمن. يشكّل النظام الإيراني إحدى أكثر تجليات هذا الزمن اكتمالاً. فهو يعيش خارج التقويم الديمقراطي، وعلى مسافة شاسعة من المحاسبة الشعبية، بل خارج الزمن الأخلاقي العادي نفسه. يستطيع أن ينتظر، وأن يتراجع، وأن يناور، وأن يماطل بلا حدود. وهو يدرك أن الجوهر ليس الإقناع، بل البقاء. مهما كانت الوسائل. هذه اللامتناظريّة بالذات هي ما تكشفه، مرة جديدة، تردّدات إدارة ترامب حيال طهران، رغمًا عنها. لا يعني ذلك أنّ على ترامب أن «يضرب» إيران، ولا أن يسعى إلى مواجهة عسكرية مباشرة. فذلك لن يكون سوى تقديم ما ينتظره نظام الملالي منذ زمن: خطاب الضحية، والتعبئة القومية، وتقديس السلطة عبر العدو الخارجي. لطالما كان «الشيطان الأكبر» شماعة جاهزة. كما أن ذلك يعني الاستمرار في منطق التنمّر الدولي وفتح صندوق باندورا، مع ما يحمله من خطر انفجار إقليمي شامل. فالقوة بهذا الشكل لم تحلّ يوماً أي مشكلة على المدى الطويل. الخطر يكمن في مكان آخر. في الوهم القائل إن نظاماً قائماً على الازدواجية، والقمع البنيوي، وتصدير العنف أيديولوجياً، يمكن أن يتحوّل عبر الحوار أو الإدماج التدريجي أو وعود الاعتراف الدولي. فمنذ عام 2008 على الأقل، وبصورة أوضح منذ موجة القمع الدموية في الأسابيع الأخيرة، بات جليّاً أن هذا النظام لا يتفاوض إلا لكسب الوقت. وقت لإعادة بناء قواه. وقت لمتابعة برامجه النووية والباليستية. وقت للاستمرار في تمويل وتسليح وتوظيف الميليشيات ضمن منطق إمبريالي لم يتبدّل يوماً. إن الزمن المعتم والجامد للاستبداد هو حليفه، فيما الزمن الديمقراطي فريسته. هنا، يجب رفع أي التباس أخلاقي. فكما أن على بنيامين نتنياهو أن يُحاسَب، عاجلاً أم آجلاً، على الجرائم المرتكبة في غزة، كذلك يجب أن يخضع النظام الإيراني للمساءلة عن القمع المنهجي، المستمر، والواسع الذي يمارسه بحق شعبه. ليست هذه مقارنة سهلة أو كسولة، بل مبدأ: لا يمكن لأي نظام أن يعفي نفسه إلى ما لا نهاية من القانون والعدالة بحجة السيادة أو التعقيد الجيوسياسي. حتى في عالم مفكك، مختزل إلى مناطق نفوذ متروكة لأهواء المهووسين بالعظمة، فإن التخلي عن هذا المبدأ يعني تكريس الفوضى كركيزة تأسيسية للنظام الدولي. وحتى في عالم يشهد تراجعاً عاماً نحو أشكال ما قبل ديمقراطية، بل معادية للديمقراطية، غير آبهة بزمن القانون الدولي ومتطلباته. إن نظام الملالي خارج الزمن بكل معاني الكلمة: خارج الزمن الديمقراطي الذي يحتقره، وخارج الزمن الأخلاقي الذي يدوسه، وخارج الزمن التاريخي نفسه، لأن مشروعه قائم على لاهوت سياسي جامد، أحادي، متخشّب، عاجز عن إنتاج أي شيء سوى العنف والموت كي يستمر. إن المطالبة بأي شيء أقل من رحيله وتفكيك بنيته القمعية والعسكرية بكل تفرعاتها تمثّل خطأً استراتيجياً جسيماً، بل فعلاً من أفعال التواطؤ. لقد أثبتت التجربة ذلك بوضوح قاسٍ مع اتفاق عام 2015 في عهد باراك أوباما: فكرة عودة إيران إلى المجتمع الدولي تحت هذا النظام تحديداً — بدفع من نخبة إيرانية متمركزة في واشنطن بلغت حدّ سوء النيّة — لم تكن مجرد وهم، بل كانت، والأسوأ من ذلك، يوتوبيا مدمّرة. فقد عزّزت سلطة المتشدّدين، وأضعفت قوى التغيير الداخلية، ومنحت النظام الوسائل المالية والسياسية لمواصلة مشروعه الإمبريالي. كم من الدماء أُريقت خلال عقد واحد بسبب هذه الأوهام الساذجة التي تشبّث بها بعض الأسطوريين أو الانتهازيين المنزوعين من أي بوصلة أخلاقية! والأخطر من ذلك، أن مثل هذا التفاوض يشكّل خطيئة أخلاقية فادحة. خيانة صامتة لكل الدم المسفوك؛ ولأولئك الذين نزلوا إلى شوارع إيران لسنوات وهم يعلمون أن ثمن شجاعتهم قد يكون الموت أو التعذيب أو المحو التام. خطيئة سترتد حتماً على أولئك، في الولايات المتحدة أو أوروبا، الذين ما زالوا يزعمون الدفاع عن القيم الإنسانية والديمقراطية، فيما أداروا ظهورهم مراراً في الماضي لمعاناة الشعوب الخاضعة. إذا لم يعد نظام ما قادراً على إدارة شعبه إلا عبر سحقه، فهو فاقد لأي شرعية. فلماذا إعادة ضخّها فيه؟ باسم الواقعية؟ من خلال سياسة العصا والجزرة بلا معايير ثابتة — أي دون أولوية للحياة البشرية وحرية الشعوب — يوجّه ترامب رسالة إضافية متناقضة حول القوة الأميركية: رسالة مفادها أنها في الواقع لا-قوة، تتأرجح تدخلاتها، بلا أي قيم، بين العنف الصرف (اختطاف مادورو، إدارة ملف غرينلاند)، والصمت المتواطئ (غزة)، والوهن (أوكرانيا)، وها هي اليوم تسوية موحلة (إيران). صحيح، وهذه علة بنيوية في النظام الدولي ما بعد 1945، أن «الآلة» الأممية باتت أكثر من أي وقت مضى محصورة في دور المتفرّج المذهول أمام النزاعات والمجازر، مكبّلة إلى ما لا نهاية بتضارب مصالح القوى الكبرى. أما «واجب التدخل» الشهير لبرنار كوشنير، المفترض أن يفعّله؟ وفق أي معايير، وأي آليات، وأي أدوات؟ لغز. الأحادية الأميركية بمعاييرها المزدوجة وأجنداتها المجتزأة؟ التعددية الأوروبية التي انتظرت حتى عام 2026 لتدرج الحرس الثوري، على استحياء، على لوائح العقوبات؟ السؤال ذاته مصدر ارتباك عميق… ومزيد من الفوضى. ومع ذلك، وللبقاء في صلب الواقع العملي، فإن «النقاش» الوحيد الممكن، الوحيد الذي يرقى إلى مستوى الواقع، يجب أن يتمحور حول رحيل خامنئي وجهازه القمعي الواسع، الموتي، المهووس بالاستشهاد، وحول إلغاء ولاية الفقيه، بوصفها المصفوفة الأيديولوجية والمؤسساتية لهذا التوتاليتارية. كرامة ضحايا الأسابيع الأخيرة لا تطلب أقل من ذلك. وكل ما دون ذلك ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل العمى ذاته، وتكرار للتاريخ تحت غطاء الواقعية. بل أكثر من ذلك، سيكون فرصة جديدة للملاّلي وأذرعهم الإقليمية لتحقيق نصر عبثي جديد على طريقة بيروس… على حساب شعوبهم، كما هي العادة. على ترامب ومن يدور في فلكه أن يتذكروا ذلك جيداً. فالوقت الذي تتظاهر إيران بأنها تطلبه ليس وقت إصلاح قط؛ إنه دائماً وقت افتراس، دائماً وقت قنبلة موقوتة. ومن الرياض إلى واشنطن، يحقّ للمرء أن يتساءل إن كان هؤلاء الاستراتيجيون البراغماتيون قد قرأوا يوماً قصة ليلى والذئب، وما تحمله من افتتان قاتل بالحوار مع الذئاب المتنكرة في هيئة جدّات. وهل سمعوا يوماً اللازمة القاتمة لأغنية ليونارد كوهين الوصية You Want It Darker : «مليون شمعة مشتعلة طلباً لمساعدة لم تأتِ أبداً… تريدونها أكثر ظلاماً؛ ونحن نطفئ الشعلة».

ترامب يستعيد العراق من إيران...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

حين نتعمّق في تطورات الوضع العراقي منذ ربيع العام 2003، تاريخ سقوط نظام صدّام حسين البعثي – العائلي نتيجة حرب أميركيّة شنتها الولايات المتحدة، يمكن، عندئذ، فهم موقف محدّد اتخذه الرئيس دونالد ترامب. إنّه موقف سلبي، من عودة نوري المالكي إلى موقع رئيس الوزراء الذي اضطر إلى التخلي عنه في العام 2014. لا يتعلّق الأمر بسياسي عراقي بحدّ ذاته، مقدار ما يتعلّق برمزية نوري المالكي من جهة وقرار أميركي باستعادة العراق من إيران من جهة أخرى. يُفترض فهم الموقف الأميركي من خلال التراجع الإيراني في المنطقة. يوجد واقع يتمثّل في خسارة "الجمهوريّة الإسلاميّة" كلّ الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة، بما في ذلك حرب جنوب لبنان وحرب المحافظة على النظام العلوي في سوريا. إذا وضعنا جانبا الحوثيين في اليمن وسيطرتهم على معظم الشمال في ذلك البلد، بما في ذلك صنعاء وميناء الحديدة، لم يبق لإيران ورقة ضغط حقيقية غير العراق. ما الذي يمنع الولايات المتحدة من استعادة العراق من إيران بعدما سلمته لها على صحن من فضّة قبل 23 عاما؟ يبدو أن ترامب يريد الإنتقام من الفشل الأميركي الذي كانت وراءه إدارة جورج بوش الابن. إنّه فشل مدوّ لإدارة أميركيّة قرّرت إجتياح العراق من دون التخطيط لمرحلة ما بعد سقوط نظام صدّام حسين وما يترتب على ذلك. لم تدرك إدارة بوش الإبن أنّّ الأحزاب والميليشيات المذهبية الموالية لإيران لا يمكن أن تصنع أنظمة ديموقراطية تكون مثالا يحتذي به دول المنطقة. في النهاية، لا يمكن للنظام العراقي الذي قام بعد 2003 سوى أن يدفع قسما كبيرا من العراقيين إلى الترحّم على النظام الدموي المتخلّف الذي كان على رأسه صدّام حسين. لم يترك صدّام خطأ إلّا وارتكبه منذ احتكاره السلطة صيف العام 1979... عندما تخلّص من سلفه احمد حسن البكر ومن كلّ من كان لديه أدنى شك بولائه لشخصه! على الرغم من ذلك، يوجد حاليا من يترحّم على صدّام حسين الذي لم يكتف بخوض حرب السنوات الثماني مع إيران التي اعتقدت أنّه سيكون لقمة سهلة. في الواقع، وقع صدّام، بإعلانه شنّ حرب على "الجمهوريّة الإسلامية"، في الفخّ الإيراني نظرا إلى أن زعيم البلد آية الله الخميني كان يبحث في العام 1980 عن عدو خارجي يستنهض بواسطته الإيرانيين الذين تجمع بينهم العصبيّة الوطنيّة. مرّت الأيام وما لبث صدّام أن إرتكب خطأ مميتا آخر عندما اجتاح الكويت صيف العام 1990. لم يكن ذلك سببا كافيا كي يقرّر جورج بوش الإبن تسليم العراق إلى إيران، متذرعا باحداث الحادي عشر من أيلول – سبتمبر 2001 التي كان وراءها تنظيم "القاعدة"، على رأسه أسامة بن لادن. لكن منطق اللامنطق الذي اتبعته إدارة جورج بوش الإبن أخذها إلى العراق، علما أنّ ليس ما يربط بين صدّام حسين واسامة بن لادن. كان منطقيا ذهاب أميركا إلى ملاحقة "القاعدة" في أفغانستان حيث كان يقيم أسامة بن لادن. في المقابل، كان من غير المنطقي الذهاب إلى العراق، في رهان كلّف الولايات المتحدة الكثير. هل يريد ترامب في 2026 تصحيح المسار الخاطئ لمرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من أيلول – سبتمبر 2001؟ من هذا المنطلق، منطلق اجتياح العراق في حرب لم يكن فيها سوى منتصر واحد هو إيران، يقرّر دونالد ترامب الإنتهاء من المشروع التوسّعي الإيراني. كان الاجتياح الأميركي للعراق الإنطلاقة الجديدة للمشروع. لذلك ليس امام ترامب من أجل تحقيق هدفه سوى استعادة العراق من إيران. ذلك هو مغزى الإعتراض على أن يكون نوري المالكي رئيسا للوزراء، أي الرجل الأقوى في العراق في ضوء النظام الذي يتحكم بالبلد منذ زلزال العام 2003 والدستور الذي انتجه. لا مزاح مع دونالد ترامب منذ مزّق الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني خلال ولايته الرئاسيّة الأولى. كان ذلك في العام 2018. استتبع ذلك بإغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني. حصل الإغتيال في بغداد وليس في مكان آخر مطلع العام 2020. لم يكن سليماني شخصية هامشيّة، بل كان الحاكم الفعلي للعراق الذي لا يقبل أي جدل عندما يصدر أمرا معيّنا. يتبيّن كلّ يوم أكثر، أنّ دونالد ترامب ليس باراك أوباما الذي عقد في عام 2010 صفقة مع إيران أبقت نوري المالكي في موقع رئيس الوزراء على الرغم من أنّ الكتلة النيابية الأكبر، نتيجة انتخابات أجريت في تلك السنة، كانت كتلة أياد علاوي المقبول عربياً بشكل عام. استبعدت إيران أياد علاوي الذي كان من حقه الدستوري أن يكون رئيسا للوزراء وقتذاك. طبيعي في العام 2026 بحث العراق عن رئيس جديد للوزراء يعكس الواقع الجديد في المنطقة. طبيعي أكثر أن يكون رئيس الوزراء الجديد من نوع مختلف أبعد ما يكون عن نوري المالكي وتعصّبه المذهبي أو محمّد شياع السوداني. لم يستطع السوداني يوما أن يكون رئيسا للوزراء على مسافة واحدة من جميع العراقيين، بغض النظر عن مذهبهم وطائفتهم وقوميتهم. بمعنى أن التطورات في المنطقة تفرض خروج العراق من الهيمنة الإيرانيّة، تماما مثلما خرجت سوريا منها نهاية العام 2024. هل كثير على العراق أن يكون فيه رئيس للوزراء لكلّ العراقيين من عرب واكراد وتركمان وشيعة وسنّة وما بقي من مسيحيين وأزيديين الخ...؟ هل وجود رئيس للوزراء في هذا المستوى بات حلما عراقيا؟ قد لا يكون الحلم بعيدا، خصوصا إذا استكمل دونالد ترامب مهمة التخلص من وضع اليد الإيرانية على العراق، وإذا تذكّر أنّ الذين يحكمون العراق حاليا ما كانوا ليصلوا إلى حيث هم لولا الدبابة الأميركيّة؟

البحر الأحمر، الخليج والقرن الأفريقي: التوسع الإقليمي للصراع السوداني (2/4)

تحليل تحليلي للحرب في السودان، التي أدت منذ عام 2023 إلى سقوط عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، مع تكلفة بشرية مدمرة بشكل خاص في دارفور، حيث اتخذ العنف الجماعي والحصار والنزوح القسري بعدًا يصفه العديد من الفاعلين الدوليين الآن بأنه إبادة جماعية. إن تحليل الحرب السودانية وفقًا لمعايير حرب محصورة في المجال الإقليمي الوطني سيكون بمثابة شذوذ، نظرًا لأن جغرافيا البلاد تفرض نفسها كعامل هيكلي. فالسودان، كدولة مطلة على البحر الأحمر، وملاصقة للقرن الأفريقي، ويقع على مقربة مباشرة من شبه الجزيرة العربية، يحتل موقعًا استراتيجيًا يجعله عرضة بشكل خاص لإسقاطات القوة الإقليمية. على مدى عقد من الزمان، عاد البحر الأحمر ليصبح ساحة منافسة نشطة. تتراكب فيه الطرق التجارية، الأمن البحري، التحكم في تدفقات الهجرة، الموانئ، القواعد العسكرية واللوجستية. صراع اليمن، على سبيل المثال، هو أحد أبرز تعبيرات ذلك. وكذلك أزمة السودان. في هذا الفضاء الضيق ولكن الحاسم، تبلورت تدريجياً المنافسة المتزايدة بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، والتي طالما أخفتها بلاغة التنسيق الاستراتيجي. السودان هو أحد المسارح التي تتخذ فيها هذه المنافسة شكلاً وحشيًا بشكل خاص. لقد فضلت الإمارات نهجًا غير مباشر، يعتمد على الشبكات، والجهات الفاعلة المسلحة غير الحكومية، والدوائر الاقتصادية الموازية، والمراكز اللوجستية. الاتهامات المتكررة بدعم قوات الدعم السريع، والتي تنفيها أبوظبي رسميًا، تندرج في هذا المنطق. يشكل تجارة الذهب السوداني، والطرق التي تمر عبر تشاد وشرق ليبيا، والوصول إلى أسواق البنية التحتية الخليجية، مجموعة متماسكة تسمح لقوات الدعم السريع بالحفاظ على جهودها الحربية على الرغم من العقوبات والإدانة الدولية. لا يهدف هذا النهج بالضرورة إلى النصر العسكري لقوات الدعم السريع، بل إلى قدرتها على الصمود، والبقاء فاعلًا لا غنى عنه، ومنع أي استقرار لا يمر عبر شبكاتها. وهكذا، تصبح الحرب أداة تأثير ووسيلة للتأثير على البنية الإقليمية دون التعرض المباشر. على العكس من ذلك، تفضل الرياض منطقًا أكثر تقليدية للاستقرار الحكومي. ويهدف دعم الجيش السوداني، الذي يتم غالبًا بالتنسيق مع مصر، إلى احتواء انهيار دولة مطلة على البحر الأحمر، وتأمين الممرات البحرية، والحد من تدفقات الهجرة غير المنضبطة، ومنع استقرار حالة من الفوضى الدائمة قبالة السواحل السعودية - لأن القاهرة تدعم أيضًا القوات المسلحة السودانية بهدف الحفاظ على سيطرة حكومية في الجنوب في مواجهة ديناميكيات التفتت المسلح والتدخلات المتنافسة - وخاصة الإماراتية والإيرانية - التي قد تهدد أمن النيل والتوازن الاستراتيجي الإقليمي. بؤرة إقليمية متفاقمة لكن إذا كان هذا النهج أقل مرونة وأكثر مؤسسية، فإنه أيضًا أكثر تكلفة سياسيًا. وهكذا، فإن التباين بين هذين المذهبين يغذي بشكل مباشر تفاقم الصراع. يصبح كل طرف سوداني قناة محلية لمنطق إقليمي مميز، دون أن يكون لأي من الرعاة مصلحة في انتصار واضح قد يعيد تشكيل التوازن العام. يصبح الصراع السوداني بذلك ملفًا للإدارة، وليس مشكلة يجب حلها. نوع من بؤرة إقليمية متفاقمة. تضاف إلى هذه المنافسة الإقليمية طبقة أكثر سرية ولكنها حاسمة: طبقة روسيا والصين. صحيح أن لا موسكو ولا بكين تلعبان دور الراعي المباشر للصراع السوداني. لكن تأثيرهما يمارس في مكان آخر، في خلفية النظام الدولي، من خلال تهيئة الظروف لتفاقم دائم. تتبنى روسيا موقفًا انتهازيًا. فدون الانخراط بشكل مباشر، تستفيد من إضعاف الإطار المعياري الدولي. كل عرقلة في مجلس الأمن، كل عقوبة مخففة، كل نقاش قانوني بدون ترجمة عملية يساهم في إرساء سابقة لنظام دولي غير قادر على إحداث تأثيرات ملزمة. من جانبها، تفضل الصين نهجًا صامتًا واقتصاديًا. يظل السودان بالنسبة لبكين مجال اهتمام طويل الأمد، سواء لموارده أو لموقعه على الطرق البحرية التي تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا. والتزامًا بمبدأ عدم التدخل، تتجنب الصين أي إدانة سياسية قوية وتتكيف مع الوضع الراهن المتنازع عليه طالما أن مصالحها الأساسية ليست مهددة بشكل مباشر. هذا الموقف الروسي الصيني يحيد أي منظور لضغط دولي حقيقي. وهكذا، تظل الأوصاف القانونية، بما في ذلك وصف الإبادة الجماعية المعترف به من قبل الولايات المتحدة، دون ترجمة عملية. القانون الدولي موجود، لكنه لم يعد يحدث تحولًا استراتيجيًا. مرحبًا بكم في الفوضى العالمية للقرن الحادي والعشرين. اقرأ أيضًا حول نفس الموضوع انهيار السودان: الحرب من أجل الحرب (1/4) المقال التالي - إيران وحربها غير المباشرة في السودان (3/4)

لقمان سليم: نضال الكلمة في مواجهة السلاح

لم يكن لقمان سليم معارضاً بالمعنى التقليدي، ولا مناضلاً حزبياً يسعى إلى سلطة أو موقع. كان، في جوهر تجربته، مثقفاً قرر أن يدفع ثمن كلمته كاملة، وأن يواجه منظومة القهر لا من خارجها بل من داخل بيئتها، وفي قلب سرديتها، وباللغة التي حاولت احتكارها. لذلك بدا اغتياله، منذ لحظته الأولى، اغتيالاً للمعنى قبل أن يكون جريمة جسدية، ورسالة سياسية قبل أن يكون تصفية شخصية. ولد لقمان سليم في بيئة شيعية، لم ينفصل عنها يوماً، لكنه رفض أن تتحول إلى قفص أيديولوجي أو إلى هوية مغلقة. منذ بداياته الفكرية، أدرك أن الخطر الحقيقي على أي جماعة لا يأتي من الخارج بقدر ما يأتي من مصادرة حقها في النقد، ومن تحويلها إلى كتلة صماء تُدار بالخوف والولاء القسري. من هنا، لم يكن خلافه مع «حزب الله» خلافاً سياسياً عابراً، بل صداماً وجودياً بين من يرى السياسة مجالاً مفتوحاً للنقاش والمساءلة، ومن يراها عقيدة مغلقة محروسة بالسلاح. أسّس لقمان سليم مع شقيقته رشا «دار الجديد», ومع زوجته مونيكا بورغمان «أمم للتوثيق والأبحاث»، واضعاً الذاكرة في قلب معركته. فهم مبكراً أن السيطرة لا تُمارس فقط عبر القوة العسكرية، بل أيضاً عبر التحكم بالسرديات، ومحو الوقائع غير المرغوبة، وإعادة كتابة التاريخ بما يخدم الحاضر السلطوي. لذلك عمل على توثيق الحرب الأهلية، والانتهاكات، والاغتيالات، لا من باب النبش في الماضي، بل من باب حماية المستقبل من تكرار العنف نفسه تحت عناوين مختلفة، واهمها المصالحة مع الذاكرة. كان لقمان سليم استثناءً في مشهد ثقافي لبناني اعتاد المواربة. لم يختبئ خلف لغة رمادية، ولم يساير المزاج العام، ولم يبحث عن تسويات لفظية. قال بوضوح إن السلاح خارج الدولة كارثة وطنية، وإن ربط مصير لبنان بمشروع إقليمي تقوده إيران هو انتحار سياسي، وإن تحويل الطائفة الشيعية إلى «طائفة مقاومة» مصادرة لحق أفرادها في الاختلاف. هذه المواقف، في بيئة تُدار بمنطق التخوين والتكفير السياسي، جعلته هدفاً دائماً للتهديد والتشهير، قبل أن يصبح هدفاً للاغتيال. في هذا الإطار، لم يكن اهتمام لقمان سليم بالسياسة التنظيمية ترفاً ولا خروجاً عن دوره الثقافي، بل كان جزءاً من إدراكه لحدود الكلمة وحدها، وحاجتها إلى إطار جماعي يحميها ويحوّلها إلى مسار. من هنا جاء تأسيسه ائتلاف الديمقراطيين اللبنانيين، بوصفه محاولة لبناء معارضة ديمقراطية سيادية عابرة للطوائف، ترفض منطق السلاح كما ترفض منطق الزبائنية، وتربط فكرة الدولة بالعدالة والمساءلة لا بالمحاصصة. وبعد اغتياله، لم يتحوّل الائتلاف إلى ذكرى رمزية، بل دخل مرحلة اختبار صعبة منذ أن تولّيت رئاسة الائتلاف، حيث جرى العمل على تثبيت هذا الخيار السياسي كفعل منظّم لا كشعار أخلاقي فقط. من موقع الرئاسة، سعيت إلى تحويل الإرث الفكري الذي مثّله لقمان سليم إلى برنامج سياسي واضح: خطاب سيادي ديمقراطي لا يساوم على مسألة السلاح، ولا ينزلق إلى الشعبوية، ويواجه الانهيار اللبناني من زاوية بناء الدولة لا إدارة الخراب. اغتيال لقمان سليم لم يكن نهاية مسار، بل لحظة كاشفة. كشف حجم العنف الكامن في النظام غير المعلن الذي يحكم لبنان، وكشف أيضاً هشاشة الدولة وعجزها عن حماية مواطنيها المختلفين. لكنه كشف، في الوقت نفسه، أن محاولات إسكات الصوت لا تُلغي الفكرة، بل تضعها أمام مسؤولية الاستمرار بأدوات جديدة، سياسية وتنظيمية هذه المرة، كما حاول الائتلاف أن يفعل في مرحلة ما بعد الاغتيال. في نضاله، لم يكن لقمان سليم صوتاً نخبوياً معزولاً، بل حاول باستمرار كسر الفجوة بين الفكر والسياسة، بين الثقافة والمجتمع. لم يخاطب الغرب بحثاً عن شرعية، ولم يستخدم لغة استعلائية تجاه بيئته، بل واجهها من داخلها، وباسم حقها في أن تكون أكثر من مجرد خزان بشري لمشاريع الآخرين. وهذا ما جعل معركته أشد إيلاماً لخصومه: لأنه سحب منهم ادعاء التمثيل الحصري، وفضح هشاشة خطابهم عندما يُواجه بالحجة لا بالشعارات. اليوم، بعد سنوات على اغتياله، لا يمكن اختزال لقمان سليم في صورة ضحية أو شهيد فقط. قيمته الحقيقية تكمن في النموذج الذي قدّمه: نموذج المثقف الذي لا يساوم، والذي لا يفصل الأخلاق عن السياسة، والذي يرفض أن يكون شاهداً صامتاً على انهيار وطنه. ترك لنا إرثاً ثقيلاً، لا في الكتب والأرشيف فقط، بل في السؤال الذي لا يزال مطروحاً: هل يمكن بناء دولة في ظل سلاح خارجها؟ وهل يمكن حماية التعددية في ظل الخوف؟ وهل يمكن للذاكرة أن تكون شكلاً من أشكال المقاومة؟ ربما لم ينتصر لقمان سليم في حياته، لكن نضاله جعل الهزيمة أصعب، وجعل الصمت مستحيلاً، وترك جرحاً مفتوحاً في سردية القوة، جرحاً لا تداويه كل محاولات الإنكار. وهذا، في حد ذاته، شكل من أشكال الانتصار.

نسيب لحود، « الخاسر النبيل »
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

قبل أربعة عشر عاماً، في الأول من شباط 2012، غيّب الموت النائب والوزير السابق نسيب لحّود. في زمنٍ باتت فيه الشعبوية تفتك بالعالم، وكان لبنان، مرة أخرى، يبدو كأنه سبق الجميع إلى هذه الموجة الكاسحة، يحسن بنا أن نستعيد ذكرى رجلٍ حمل، على مدى العقود الثلاثة الماضية، رؤيةً أخرى وممارسةً أخرى للسياسة. وذلك تحديداً في أرضٍ تميل فيها الغرائز الجماعية إلى تفضيل نموذجٍ شديد التعيّن: زعيمٍ تاريخيٍ متحمّس، أو ثعلبٍ نفعيٍّ مُحبطٍ يرتدي أسمال الطائفية، على حساب رجال دولةٍ هادئين يمتلكون أفكاراً حديثة ورؤيةً عميقة واستراتيجية للشأن العام. في كل مكان، في العالم القديم كما في العالم الجديد، بات نمطٌ من القيادة التقليدية، القائم على الخوف والانغلاق والنزعة الإثنية الهويّاتية، يتفوّق على خطاب الانفتاح والاعتدال والالتزام بالقيم التي قامت عليها فكرة كرامة الإنسان وفكرة المجتمع الدولي المسكون بمثل نظامٍ دولي لا يقوم على القوة الغاشمة، بل على التضامن والعدالة والقانون والسلام. كم يبدو كل ذلك اليوم شديد اليوتوبية! في بلد الأرز، تبدو الردّة أكثر فجاجة، بفعل أشكال الولاء ما قبل الدولتي، من العشائرية والإقطاع السياسي إلى الميليشياوية الثيوقراطية، مع جرعةٍ لازمة من العصبية الجماعاتية لتهدئة الهواجس الوجودية لدى الجميع. الازدواجية سيدة المشهد في كل مكان، حتى في صفوف أولئك الذين يدّعون، ببراءةٍ ملائكية، الحداثة والتقدمية، فيما لا يفعلون سوى إعادة إنتاج البنى المعتادة نفسها، تحت خطاباتٍ إصلاحيةٍ زائفة، أي تقاليدَ الانغلاق المتيبّسة في تصلّب المحسوبية، بما تحمله من إرثٍ عريقٍ من الفساد والرذائل والأكاذيب. المظهر لا يصنع الراهب؛ فكيف يصنع رجل دولة؟ والثرثرة السياسية ما زال أمامها عمرٌ طويل. في هذا الليل السياسي الطويل، الطويل جداً، بعيداً عن أن تتلاشى شخصية نسيب لحّود بين أشباح الذاكرة، تظل صورته، بهدوئه وبصيرته واتزانه وصرامته وحسّه المؤسساتي وسمته وأناقة حضوره ونبله، تشعّ بقوة، كأنها تُري الطريق. لأن نسيب لحّود لم يكن مسؤولاً سياسياً كسائر السياسيين. كان من أولئك النادرين جداً الذين مثّلوا نموذجاً ومشروعاً للمستقبل. وهذه مغامرة شبه مستحيلة في بلدٍ يفضّل أن يستسلم لواقعيةٍ سياسيةٍ سينكية، تُسقط عن كل من يرفض الخلط بين السياسة والمكر، وبين القوة والعنف، وبين الدولة ومحاكاتها، تهمةَ السذاجة واللاواقعية. ومع ذلك، لم يكن نسيب لحّود حالماً. ولم يكن ريمون إدّه، ولا ألبير مخيبر، ولا فؤاد بطرس، ولا سمير فرنجية، ولا حسن الرفاعي، ولا ميشال الخوري، على سبيل المثال لا الحصر. علّته الأساسية؟ أنه خرج عن «القواعد السياسية» التي ورثها لبنان من تفكك الدولة، ومن الحرب، ومن ثقافة العبودية الطوعية للأقوى أو للأكثر قدرة على الشراء. لذلك لم يكن بحاجة إلى بريقٍ استعراضي أو إلى احتلال الفضاء العام بالصوت، ولا إلى جموعٍ متعطّشةٍ لأن تهب نفسها جسداً وروحاً لتعويض عطبٍ مرضيٍّ في الحاجة إلى السلطة والاعتراف. كان حضوراً كثيفاً، لا اجتياح فيه؛ وسلطةً لا تسعى إلى فرض ذاتها، لأنها لم تكن بحاجة إلى إثبات شيء. قيمه كانت تتحدث عنه. نظرته إلى الإنسان، وطموحه إلى استعادة الدولة، وفهمه للقيادة على أنها خدمةٌ للمواطن لا سيطرةٌ عليه، جعلت منه قائداً طبيعياً. لم يكن بحاجة إلى بناء شرعيته على وقائع حرب أو على أمجادٍ تافهةٍ ملوّثةٍ بالدماء. ومن المفيد التذكير بذلك اليوم، فيما لا يزال الماضي وشياطينه يسمّمان الخطاب السياسي في لبنان، كأن لا طريق إلى السلطة إلا عبر ذاكراتٍ متشظّيةٍ ومفكّكة. نعم، كان نسيب لحّود من تلك الفصيلة النادرة من الرجال الذين لم تكن السياسة عندهم مسرحاً، بل انضباطاً داخلياً: هيئةً، ووقاراً، بل وحتى تحفّظاً. وفي مواجهة ذكورةٍ صاخبةٍ ووضعياتٍ قتالية، كان يمضي في طريقه: جعل من الاتزان قوة، ومن البطء فضيلة، ومن الدقة أخلاقاً. كان يزن كل كلمةٍ بوعي الثقل والمسؤولية. في الحقيقة، كان يحترم الحقل السياسي لأنه كان يحترم الآخرين. وكان يحترم وطنه: هشاشته، توازناته المتقلّبة، تعدديته غير القابلة للاختزال، سيادته، حرياته. علّمته تجربة الحرب، باكراً، أن لبنان لا ينجو برجالٍ متعجّلين، ولا برجالٍ مخمورين باليقينيات، ولا ببائعي الوطن الضعفاء القابلين للشراء؛ ولا برجالٍ يظنون أنهم تجسيد القدر. كان لبنان، لكي يثبت، بحاجةٍ إلى حكّامٍ أكثر من قادة، وإلى حرّاسٍ أكثر من فاتحين. كان بحاجة إلى دولةٍ تعرف أن تقول «لا»، حتى داخل معسكراتها، وإلى رئاسةٍ جامعة، قادرةٍ على الحكم والتحكيم بقوة الدستور، بلا نوباتٍ هستيرية ولا صراعاتِ نفوذ. بهذا المعنى، كان نسيب لحّود رجل دولةٍ بالمعنى الكامل، شبه الكلاسيكي للكلمة. كان من أقليةٍ في لبنان تفكر بالسيادة بلا هستيريا، وبالإصلاح بلا ضغينة، وبالهوية بلا انغلاق. لم تكن لبنانيته تعويذةً ولا صنماً. كانت توازناً بالغ الدقة بين الحرية والنظام، بين التنوع والوحدة، بين الانفتاح العربي والاستقلال الوطني. لبنانية ناضجة، محرَّرة من العقد والأوهام، من الحُمّى التي نخرت الكيان لعقود، حتى أوصلته إلى التدمير والاستعباد والعار… كاد معها يختفي. من هنا، فإن “فشله” السياسي، إن صح هذا المصطلح، ليس فشل رجلٍ وحسب. إنه فشل «النظام» الذي اختار، عند كل منعطفٍ حاسم، الإصغاء إلى صفّارات الإغواء بدل صوت العقل. وكيف يمكن أن يكون غير ذلك في بلدٍ لطالما فضّل التعبئة العاطفية على البناء المؤسساتي، حيث كانت القوة، ممزوجةً بالنفاق، هي الوسيلة التي تسمح لكل جماعة، ومن خلفها لكل فرد، بأن يوجد في وجه آخر متخيَّل أو حقيقي؟ لم يُقصَ نسيب لحّود لأنه افتقر إلى البصيرة. ببساطة، امتلك منها ما يفوق قدرة طبقةٍ سياسيةٍ كانت قد دخلت بالفعل في استقالتها الأخلاقية. قد يبدو، من بعيد، وكأنه ينتمي إلى زمنٍ آخر. لكنه، في الحقيقة، شديد الراهنية. في زمن الانهيار الشامل، وتفكك الدولة، وافتراس المؤسسات بمنطقٍ ما دون الدولة أو بمنطقٍ افتراسي، نفتقده لأنه لم يقدّم حلولاً سحرية، بل بوصلة: أخلاق قرار، فكرة صارمة للخدمة العامة، معايير. لبنان اليوم يعاني عجزاً في الطباع والقيم. هذا هو الداء المزمن. ونسـيب لحّود كان من تلك السلالة النادرة التي جعلت السياسة مسألة طبعٍ قبل أن تكون مسألة تقنية: انسجاماً بين ما نفكر به، وما نقوله، وما نفعله. وبعبارة أخرى: وفاءً للذات ليس نرجسياً ولا مرضياً، بل مؤسِّساً. قيل كثيراً بعد رحيله إنه كان «الرئيس الذي لم ينله لبنان». وهذا صحيح. لكن الأمر أشد فداحة من ذلك. لقد كان نوع الرئيس الذي أخاف الجميع: العصابات، وأمراء الحرب، وأتباع السياسة الرخيصة، و«الواقعيين» الكبار الذين يفضّلون، بداعي الملاءمة، تتويج الرداءة. وربما هنا تكمن مسؤوليتنا الجماعية الأثقل. يبقى من نسيب لحّود هذا الدرس الصامت، شبه القاسي: درس رجلٍ فضّل الخسارة على خيانة فكرته عن الدولة. في بلدٍ يربح فيه المرء غالباً عبر التنكّر لذاته، يظلّ درس «الخاسر المهيب» يزعج. ولحسن الحظ… كذلك يجب أن يكون.