شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
تنبيه، خطر: هل هناك «قنبلة نووية» بين الأشرفية والمتن؟

في قلب إحدى أكثر المناطق كثافة سكانية في لبنان، يتم اليوم تخزين آلاف الأمتار المكعبة من المواد الهيدروكربونية. من أنطلياس إلى الكرنتينا، تصطف صفوف من الخزانات أمام ضاحية عمودية ترتفع إلى 900 متر فوق مستوى سطح البحر، ولكنها تظل، على مرمى حجر، قريبة بشكل خطير. إنه تقارب لا يطاق بين صناعة شديدة الاشتعال وأحياء سكنية مكتظة بالسكان. منظر جوي لعام 2017. منظر جوي لعام 2024 يظهر توسع المشروع. قرب منشآت كورال ويونيغاز من المدينة. اثنتان من صهاريج الغاز الخمسة التابعة لشركة كورال، والتي تشبه تلك التابعة ليونيغاز، وتقع على بعد مسافة قصيرة. حريق خزانات الوقود في الدورة عام 1989، والذي وصف آنذاك بأنه «انفجار نووي»، والذي حجب سماء العاصمة لعدة أيام، بالإضافة إلى انفجار مرفأ بيروت الذي دمر المدينة في 4 آب 2020، لا يبدو أنها كانت كافية لتقديم درس للمسؤولين اللبنانيين. مرة أخرى، يقدم البلد صورة دولة شبحية: حكومة غائبة، ووسائل إعلام متحيزة، ومسؤولون سياسيون مراوغون، ودراسات علمية معدة بعناية لتذويب الحقيقة في ضباب تقني محبط. تنتشر شركات كورال أويل (Coral Oil Co.) وتوتال لبنان (Total Lebanon) وميدكو بتروليوم (Medco Petroleum) للوقود، ويونيغاز (Unigaz) وناتغاز (Natgaz) وغاز أورينت (Gaz Orient) وفينيقيا (Phoenicia) للغاز، على طول ساحل المتن بخزانات وصهاريج لا حصر لها. منذ أن نصت خطة رئيسية في عام 2013 على تفكيك جميع هذه المنشآت، التي أصبحت خطرة في بيئة حضرية الآن، لم يعد بإمكان هذه الشركات سوى صيانة البنية التحتية القائمة، ولكن دون أي توسيع. منشآت جديدة ولكن بشكل مفاجئ، بين الأشرفية والمتن، على الضفة اليمنى لمصب نهر بيروت، تقوم شركة كورال أويل بإنشاء عشرين خزانًا جديدًا للمواد الهيدروكربونية السائلة، والأهم من ذلك، خمسة صهاريج غاز بقطر 8 أمتار وطول 50 مترًا لكل منها. وتتلخص المستندات القانونية المقدمة في ترخيص بناء مصادق عليه من بلدية برج حمود، وترخيص تخزين وقود صادر عام 1931، ووثيقة من وزارة الطاقة والمياه، بالإضافة إلى تقارير صادرة عن معاهد خاصة تشهد بالامتثال للمعايير المعمول بها. إنها وفرة من الحجج الإدارية والتقنية التي تحاول إضفاء الشرعية على إقامة هذا المشروع الإشكالي بوضوح في هذه البيئة. وفقًا لبعض المصادر، تمتلك كورال ترخيصًا من الفئة A1، صالحًا للمواد الهيدروكربونية. ولكن، وفقًا لأحدث المعلومات التي تم جمعها من السلطات المختصة، فإن الشركة حصلت من وزارة الطاقة والمياه على ترخيص من الفئة A2، الذي ينطبق فقط على الزيوت والمنظفات. أما وزارة الصناعة، فلم تمنحها أبدًا ترخيصًا من الفئة A1، رغم أنه إلزامي. ولهذا السبب تحديدًا، يتم الاستشهاد بالترخيص القديم الصادر عام 1931 ومرسوم مجلس الوزراء رقم 9949/2013 لسد هذا النقص. هذا المرسوم، على الرغم من أنه يحظر أي منشأة تخزين جديدة للمواد القابلة للاشتعال في هذه المنطقة، إلا أنه يُفسر على أنه يسمح بتجديد المنشآت القائمة. خطر كبير لذلك يبقى السؤال قائماً: هل يعتبر إضافة حوالي عشرين خزان وقود جديد وخمسة صهاريج غاز تجديدًا حقًا؟ وهل لا يزال ترخيص صادر عام 1931، في وقت كانت فيه المنطقة زراعية، ساري المفعول في الواقع الحضري والديمغرافي الحالي؟ والأهم من ذلك، بينما يحترق الوقود، كما حدث عام 1989، ينفجر الغاز، كما حدث في 4 آب 2020؛ وهو خطر كبير أكده وزير الصناعة الأسبق، فريج صابونجيان. بالنسبة للجان الخبراء المكلفة من قبل كورال، فإن المشروع يأخذ في الاعتبار جميع هوامش السلامة المطلوبة. ومع ذلك، يبقى أن نفهم لماذا لم يتم دمج الخطر الإرهابي في هذه التقييمات، في حين أن هذا العامل يبدو أنه كان وراء الانفجار المزدوج في 4 آب 2020. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن العديد من أكبر الكوارث العالمية قد وقعت في منشآت مطابقة تمامًا لمعايير السلامة. يتعلق الأمر هنا بإضافة حوالي 20 خزانًا جديدًا للمواد الهيدروكربونية السائلة، تمثل حوالي 180 ألف طن إضافي، بالإضافة إلى 5 صهاريج غاز جديدة بسعة إجمالية تقدر بـ 12 ألف متر مكعب، أي حوالي 8 آلاف طن من الغاز. أما مسافات الأمان المطلوبة، فتصل إلى كيلومترات، وفقًا لدراسة مستقلة أجرتها شركة سوكوتيك (Socotec) لمنشآت غاز مماثلة وخطرة بنفس القدر، تديرها شركة يونيغاز (Unigaz) المجاورة. اللوائح هذه المسافات غير متوافقة بشكل واضح مع النسيج الحضري لأحياء الدورة-برج حمود. ولهذا السبب تحديدًا، تم اعتماد المرسوم رقم 9949/2013، الذي يحظر أي منشأة جديدة أو توسعة للغاز أو النفط في هذا القطاع. علاوة على ذلك، واستنادًا إلى المرسوم رقم 8633/2012، تطلب وزارة البيئة صراحةً إجراء دراسة تقييم الأثر البيئي (EIA) التي لم تتم بعد. يخول المرسوم رقم 5509/1994، صحيح، وزارة الطاقة بتصريح أعمال التوسعة دون تدخل وزارة الصناعة، شريطة أن يظل الاستغلال ضمن الإطار المعتمد أصلاً. ولكن في الواقع، يسمح هذا المرسوم بتحديث المنشآت القائمة، وليس توسيعها. والصور الجوية التي تقارن المنشآت قبل عام 2017 بتلك التي بعد هذا التاريخ هي، في هذا الصدد، معبرة. إنها تكشف عن توسع كبير في البنية التحتية. ضرورة الوعي تأسست شركة شل (Shell) في المملكة المتحدة عام 1925، وأُنشئت في لبنان عام 1926، وأصبحت الآن شركة كورال أويل (Coral Oil Company)، وهي تُعد من بين الجهات الفاعلة الأكثر موثوقية في قطاع الطاقة الوطني، وينبغي أن تظل كذلك. في مواجهة سحابة التناقضات والغموض التي تحيط بهذا الملف الحساس، والمسيّس على الأرجح، تبرز حقيقة واحدة: كل واحد منا، سواء كان مؤيدًا أو معارضًا للمشروع، مستفيدًا أو متضررًا، مشاركًا أو غير مبالٍ، قد يندم يومًا ندمًا شديدًا على موقفه أو تقاعسه، إذا ما وقعت مأساة، وحصدت معها شخصًا عزيزًا. لا تهدف هذه التحقيق إلى الإدانة أو التشهير. بل هي موجهة إلى شركة كورال، وشركات الهيدروكربونات الأخرى، والسلطات المختصة لكي تمارس مسؤولياتها بالكامل، وبأقصى درجات الشفافية، لتجنب كارثة جديدة بين الأشرفية والمتن. فالوقاية خير من أن نضطر إلى إعادة عيش آلام 4 آب 2020 التي لا تُحتمل.

سياسة حافة الهاوية والمهمشين
بقلم
يوسف معوض
نُشر

ما الفائدة من ضربة يأمر بها ترامب؟ هل سنصدق أنها ستنهي القمع الذي يتعرض له المتظاهرون الإيرانيون؟ في الواقع، لا أحد يستطيع إيقاف هذه الأعمال الانتقامية التي يلحقها الحرس الثوري بمواطنيه. وحتى لو تم التوصل إلى اتفاق في عمان لتجنب عملية عسكرية أمريكية، فلا شيء يشير إلى أن السلام المدني سيتحقق على الفور. في كلتا الحالتين، سواء توصل الملالي إلى تفاهم مخفض مع الولايات المتحدة أم لا، فإن الحركة الاحتجاجية الإيرانية ستكون فريسة لـ "تهدئة" وحشية تطلق الرصاص الحي من مسافة قريبة على المحتجين والمعارضين الآخرين. "سياسة حافة الهاوية" و "سوء التقدير" في عمان، ومنذ يوم الجمعة 6 فبراير، التقى ممثلو دونالد ترامب وممثلو مسعود بيزشكيان، وهما سيدا المفاخرة والادعاء: الأول يتباهى ويتردد في تنفيذ تهديداته، والثاني، الذي يتبنى مواقف متطرفة، طالب بنقل مكان المؤتمر الذي سيقرر مصير الخليج الفارسي من تركيا إلى عمان. إذا كان رئيس الولايات المتحدة لم يعد يفاجئ أحداً بسلوكه المتقلب، فماذا نقول عن نظام الملالي الذي، رغم تدهوره إلى أقصى حد، يستمر في التباهي؟ لقد "تم تفكيك" برنامجهم النووي، كما يقول باتريك وينتور في صحيفة الـ غارديان ، وتم تصفية ثلاثين من قادتهم الكبار بعد 160 ضربة مكثفة، ومع ذلك، يعتقد الإيرانيون أنهم يستطيعون فرض معايير التبادلات وأجندة المفاوضات على المبعوثين الأمريكيين؟ هذه الـ برينكمانشيب التي يمارسونها ببراعة هي استراتيجية حافة الهاوية التي تهدف إلى مواصلة عمل خطير لدفع الخصم إلى التراجع والاستفادة من ذلك. إذا كانوا يلجؤون إلى ذلك، فذلك لأنهم مقتنعون تمامًا بأن ترامب لن يتخذ أي إجراء أبدًا. هذا الاقتناع الراسخ قد يقودهم إلى هلاكهم، وهو أكثر خطورة اللعب على كل شيء أو لا شيء مع تقارب سفن الأسطول الأمريكي نحو مضيق هرمز، نقطة اختناق عبور النفط. يجب على الملالي، الواثقين من حقهم الراسخ والمتمرسين في المفاوضات الشاقة، أن يخشوا أكثر من أي شيء آخر "الـ سوء التقدير "، أي سوء تقدير خطير للبيانات والمصالح المعنية. كونهم مسؤولين على مستوى عالٍ جدًا، فإنهم ليسوا بعيدين عن أن يصبحوا ضحايا لغرورهم الخاص، فهم يعتقدون أن ترامب مخادع سرعان ما يتراجع. النتيجة غير المؤكدة من الأفضل لساكن البيت الأبيض أن يصحح مفاهيم خصومه، فهو الذي بدأ يفقد صبره! لأنه وفقاً لدوائر القيادة الإسرائيلية، كما ذكرت صحيفة الـ هآرتس ، فإن الجمهورية الإسلامية ستنسف المفاوضات المذكورة، بالنظر إلى أنها لم تبدأها إلا لكسب الوقت ومنح برنامجها النووي مهلة. لكن تفكيك هذا الأخير أو "تخفيف" اليورانيوم عالي التخصيب يعني بالنسبة للآيات الله إطلاق النار على أقدامهم. باختصار، يمكن أن تستمر جلسات المحادثات الجارية في عمان لفترة طويلة، كما يمكن أن تتوقف ثم تستأنف. تبدو القضية طويلة وستنتهي بشكل فاشل أو في أحسن الأحوال بحصار بحري. ما لم تكن هناك ضربة إسرائيلية مفاجئة! الويل للمغلوبين لكن المنسيين الكبار والخاسرين الكبار في مشاورات عمان سيبقون المعارضين، فمصيرهم لا يندرج ضمن جدول الأعمال. لقد تحدثنا عن 30 ألف ضحية. رحمهم الله، ولكن ما هو المصير الذي ينتظر 50 ألف معتقل يعيشون في الزنازين؟ بالنسبة لغلام حسين محسني إيجائي، الذي يرأس السلطة القضائية، لا ينبغي للأشخاص المتورطين في المظاهرات أن يتوقعوا " أي تساهل ".

٢١ سنة على اغتيال رفيق الحريري: كيف تغيّر لبنان… ولو كان حيّاً اليوم؟

في 14 شباط 2005 لم يُغتل رجل فقط، بل اهتزّ توازن كامل. اغتيال رفيق الحريري كان نقطة تحوّل في تاريخ لبنان الحديث: لحظة انتقل فيها البلد من وصاية مباشرة إلى صراع داخلي مفتوح على كل الاحتمالات. بعد 21 عاماً، يبدو السؤال أكبر من الذكرى: ماذا تغيّر؟ وأين أصبح لبنان؟ ولو كان الحريري حيّاً اليوم، كيف كان سيتعامل مع الانهيار؟ من الزلزال إلى الانقسام أخرج الاغتيال مئات الآلاف إلى الشارع، وانسحبت القوات السورية، وولد انقسام حاد بين معسكري 14 و8 آذار. لكن التحرّر من الوصاية لم يؤدِّ إلى استقرار، بل إلى مرحلة استقطاب طويل حول السيادة وسلاح حزب الله ودور لبنان الإقليمي. منذ ذلك الحين، صار كل استحقاق داخلي مرتبطاً بتوازنات خارجية، من انتخاب الرئيس إلى تشكيل الحكومات. الاقتصاد: من إعادة الإعمار إلى الانهيار كان الحريري عنوان إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية: بنى وسط بيروت، أعاد وصل لبنان بالعالم، وراهن على الاقتصاد الحر والخدمات. لكن النموذج نفسه استمرّ بعد اغتياله بلا شبكة الأمان السياسية التي كان يوفّرها. تراكم الدين، تأجّلت الإصلاحات، وبقي الاقتصاد ريعياً هشّاً. مع الحرب السورية ثم انتفاضة 2019، انفجر النظام المالي. انهارت العملة، تبخّرت الودائع، وتآكلت الطبقة الوسطى. لم يسقط لبنان فجأة عام 2020، بل كان يسير نحو الهاوية منذ سنوات، لكن من دون شخصية قادرة على فرض تسوية توقف الانحدار. لبنان وسط تحوّلات المنطقة في هذه السنوات، تغيّرت المنطقة جذرياً: صعود إيران، تبدّل أولويات الخليج، تحوّل سوريا إلى ساحة صراع مفتوح. تعمّق ارتباط لبنان بمحور تقوده طهران بقيادة علي خامنئي، وازداد حضوره في النزاعات الإقليمية عبر حزب الله. في المقابل، تراجعت “الحريرية السياسية”، خصوصاً مع ابتعاد سعد الحريري عن المشهد. اختلّ التوازن الوطني، وبدا لبنان أقل قدرة على لعب دور الوسيط وأكثر انخراطاً في صراعات الآخرين. العدالة والذاكرة أُنشئت المحكمة الخاصة بلبنان، وصدر حكم بإدانة أحد المتهمين غيابياً، لكن شعوراً واسعاً بقي بأن العدالة لم تكتمل. اغتيال الحريري لم يكن جريمة فردية، بل بداية مرحلة من العنف السياسي. وبين من يراه رمزاً للأمل والانفتاح، ومن ينتقد نموذجه الاقتصادي، يبقى اغتياله لحظة فاصلة لا يمكن تجاوزها. لو كان حيّاً اليوم… ماذا كان سيفعل؟ السؤال افتراضي، لكن يمكن قراءته عبر أسلوب الرجل. في الاقتصاد: كان سيذهب سريعاً إلى اتفاق واضح مع صندوق النقد الدولي، ويطلق إعادة هيكلة فعلية للمصارف والدين العام. لم يكن من أنصار إدارة الأزمة بالإنكار، بل بعقد تسوية كبيرة: دعم دولي مقابل إصلاحات جدّية في الكهرباء والحوكمة. في العلاقات العربية: كان سيعمل على إعادة وصل لبنان بعمقه الخليجي والدولي، مستفيداً من أي تقارب إيراني–عربي لتخفيف الضغط عن الداخل. قوته كانت في شبكة علاقاته وقدرته على جمع المتناقضين. في ملف السلاح: الأرجح أنّه لم يكن سيختار الصدام المباشر مع حزب الله، بل حواراً تدريجياً حول استراتيجية دفاعية، مع تقوية مؤسسات الدولة اقتصادياً وأمنياً لخفض الحاجة إلى السلاح خارجها. في استعادة الثقة: كان يدرك أن السياسة تحتاج إلى أمل. ربما كان سيطلق مشاريع سريعة التأثير تعطي الناس إشارة بأن الدولة لم تمت بعد. بين الرجل والمرحلة هل كان سينجح؟ لا أحد يملك جواباً قاطعاً. فالمنطقة اليوم أكثر تعقيداً، والدعم الخارجي مشروط بإصلاحات قاسية. لكنه على الأرجح كان سيحاول فرض تسوية كبيرة قبل الوصول إلى هذا الانهيار العميق. بعد 21 عاماً، يبقى السؤال الحقيقي: هل كانت المشكلة في غياب رفيق الحريري، أم في عجز اللبنانيين عن استكمال مشروع الدولة التي حاول بناءها؟ لبنان تغيّر كثيراً منذ 2005: العملة انهارت، التحالفات تبدّلت، والثقة بالدولة تآكلت. لكن الحاجة لم تتغيّر: دولة سيدة، عادلة، قادرة على حماية اقتصادها ومواطنيها. الذكرى ليست حنيناً فقط، بل امتحاناً. فاغتيال الحريري كان لحظة كسر. أما إنقاذ لبنان اليوم، فيحتاج إلى لحظة قرار لا تقلّ شجاعة.

مؤتمر باريس: الجيش يواجه خيارات صعبة (3/3)

قبل أسابيع قليلة من مؤتمر باريس الدولي المقرر عقده في مارس 2026، والذي يهدف إلى حشد الدعم الدولي للجيش اللبناني، يجد قائد الجيش نفسه عند منعطف استراتيجي حاسم. في لبنان الذي تعصف به الشكوك السياسية والإقليمية، فإن كل قرار يتخذ على الأرض أو داخل هيئة الأركان يمكن أن تكون له تداعيات تتجاوز الحدود بكثير، ويؤثر ليس فقط على بقاء المؤسسة العسكرية، بل أيضًا على التصور الدولي لدورها كعامل استقرار على المستوى الوطني. وفقًا للجنرال مارون حتي، فإن الجيش لا يواجه تهديدات خارجية وداخلية فحسب: بل يخضع لـ ضغط متراكم، حيث تتضافر المهام المتعددة، والقرارات السياسية الغامضة، والتوقعات الشعبية لاختبار قدرته على التحمل وتماسكه ومصداقيته. إن الرهان مزدوج: الحفاظ على مصداقيته في سياق داخلي متقلب وإقناع المجتمع الدولي بأن الجيش يظل ركيزة أساسية لا غنى عنها لاستقرار لبنان. التمدد الاستراتيجي والجبهات المتعددة يسلط الجنرال مارون حتي الضوء على «التمدد الاستراتيجي والعملياتي» للجيش. فاليوم، يُطلب من الجيش مراقبة المناطق الجنوبية من لبنان، والتحكم في الحدود، وضمان الأمن الداخلي، ومكافحة الإرهاب، والحد – ضمنيًا أو صريحًا - من أعمال حزب الله، كل ذلك مع توقع مواجهة محتملة مع القوات السورية المعادية للحزب الشيعي. يعكس هذا «التمدد» توترًا عميقًا: ضرورة إدارة جهات فاعلة ذات استراتيجيات متناقضة دون تفويض سياسي واضح و إجماعي ولا وسائل مناسبة. والنتيجة، إذا لم تتم السيطرة على هذا الخطر، قد تكون تشتت المهام، واستنزاف القوة، وإضعاف صورة الجيش؛ وهو سيناريو من شأنه أن يقوض مصداقية القوات في نظر المانحين الدوليين المدعوين للاجتماع في باريس. بالنسبة للجنرال حتي، يمر الحل بثلاثة محاور: تفويض واضح و إجماعي من مجلس الوزراء، وتحديد أولوية صارمة على مستوى المهام، ومواءمة الدعم الدولي مع الأولويات الأساسية. عندما يصبح الجيش بديلاً يواجه الجيش أيضًا خطر الاستغلال السياسي. ففي كثير من الأحيان، استُخدم كبديل للقرارات غير المتخذة بشأن السيادة الوطنية، أو إدارة الأسلحة خارج سيطرة الدولة، أو سياسة الدفاع. هذا الدور الغامض يهدد بشكل مباشر الحياد المؤسسي، ويضعف التماسك الداخلي، ويمكن أن يقوض ثقة الجمهور. في سياق مؤتمر باريس، يأخذ هذا الخطر بعدًا إضافيًا: يجب على المؤسسة أن تُظهر للشركاء الدوليين أن عملها مهني ومحايد وفعال، وليس انعكاسًا لقضايا سياسية داخلية. يصبح التواصل الاستراتيجي الواضح أمرًا حتميًا لتجنب أي تفسير خاطئ لدوره. خيارات مستحيلة تبقى المخاطر الخارجية قائمة. قد تتصاعد الضربات الإسرائيلية المحدودة إلى مواجهة مفتوحة، مما يجبر الجيش على الرد على عجل. السيناريو المخيف هو أن يصبح الجيش كبش فداء إذا فشل الجيش الإسرائيلي في تحقيق نتائج سريعة ضد حزب الله. ولا يزال مثال عام 2006 حيًا في الأذهان: 43 جنديًا قُتلوا في حرب لم يرغب بها الشعب اللبناني. ولكن وراء التهديدات المباشرة، يجب على الجيش أن يواجه تدهورًا خفيًا ولكنه هائل، تغذيه الضغوط الإقليمية والدولية. إن التصعيد الذي يشارك فيه حزب الله وإيران يشكل عاملًا قابلًا للانفجار. أي صراع إقليمي يمكن أن يمتد ويورط حزب الله في مواجهة وجودية، مما يزعزع الاستقرار السياسي الداخلي ويجبر الجيش على خيارات مستحيلة : البقاء على الحياد مع حماية الأراضي، أو التدخل في سيناريو تتعرض فيه شرعيته وأمنه للخطر. هذا التصعيد ليس عسكريًا فحسب : إنه سياسي ونفسي، مع خطر تفكيك المؤسسة إذا افتقرت القرارات الاستراتيجية إلى الوضوح. في الوقت نفسه، يجب على الجيش أن يتعامل مع احتمال فتور المانحين الدوليين، مما يهدد بشكل مباشر قدراته العملياتية. قد يؤثر خفض الدعم أو تعليقه على صيانة المعدات في حالة تشغيلية، والبنى التحتية، والتدريبات، مما يولد قصورًا حرجًا في الحماية والتنقل، ويساهم في تدهور معنوي داخل القوات. في هذا السياق، يعتبر عقد مؤتمر باريس عاملاً رئيسيًا : فهو ليس مجرد فرصة لتعزيز الدعم المادي، ولكنه يمثل أيضًا اختبارًا للثقة السياسية والاستراتيجية. جيش تحت الضغط الداخلي بالإضافة إلى هذه التهديدات الخارجية، يواجه الجيش ضغوطًا أخرى ورثها منذ نشأته :   المركزية المفرطة للقيادة، مما يبطئ اتخاذ القرارات في حالات الأزمات. العبء الزائد للمسؤوليات في الأمن الداخلي، خاصة في مواجهة التوترات الاجتماعية والاقتصادية. نقص المعلومات الاستخباراتية والمعدات، مما يحد من سرعة الاستجابة وأمن القوات. فقدان السيطرة على السرد العام، مما يعرض المؤسسة لانتقادات داخلية ودولية. كل هذه الضغوط المتراكمة قد تكون أخطر من هزيمة عسكرية تقليدية، لأنها تقوض تماسك الجيش وانضباطه ومصداقيته حتى قبل نشوب صراع. الحفاظ على الجيش قبل القتال بالنسبة للجنرال حتي، فإن بقاء الجيش اليوم لا يعتمد على الانتصار في ساحة المعركة بقدر ما يعتمد على القدرة على مقاومة التآكل المؤسسي والسياسي. يجب على القائد العام أن يتوقع الأزمات، ويحمي تماسك قواته، ويحافظ على معنويات المؤسسة ومصداقيتها، مع رفض الولايات غير الممولة أو الغامضة سياسيًا. يصبح كل قرار أو خطة أو اتصال بمثابة رافعة استراتيجية، حاسمة لإقناع الشركاء الدوليين بفعالية وموثوقية المؤسسة. بين عامي 2026 و 2030، لن يكون التحدي الذي يواجه الجيش اللبناني هو هزيمة خصم فحسب، بل الحفاظ على المؤسسة نفسها. وهناك ثلاثة شروط أساسية: 1.    وضوح سياسي كامل مع تفويض يُقر بالإجماع، وهو شرط لا غنى عنه للعمل. 2.    تحديد أولويات على مستوى المهام لتجنب «التمدد» الاستراتيجي والعملياتي. 3.    تواصل استراتيجي محدد جيدًا للتحكم في الخطاب على المستويين الداخلي والخارجي. بدون هذه الشروط، قد يفقد الجيش دوره كعامل استقرار وطني، ويرى وحدته ومصداقيته تتآكل تحت وطأة التآكل المؤسسي والغموض السياسي — وهو خطر يجب أن يأخذه مؤتمر باريس 2026 في الاعتبار. تحدي وجودي يتضح مما سبق أن تحليل معضلات قائد الجيش يسلط الضوء على حقيقة أساسية : إن التهديد الأخطر ليس هزيمة عسكرية، بل التآكل التدريجي للمؤسسة. كل صراع، وكل حادث، أو ضغط سياسي يعمل بمثابة «زلزال» صغير، يكشف عن التشققات العميقة التي تهدد تماسك ومصداقية المؤسسة العسكرية. بين المهام الموسعة بدون تفويض واضح، والاستغلال السياسي، ومخاطر التصعيد الإقليمي، وإرهاق المانحين الدوليين، يجد الجيش نفسه محكومًا بجمباز استراتيجي دائم : الحفاظ على حياده مع البقاء مستعدًا، والحفاظ على الوحدة مع توقع الانقسامات المحتملة، وإقناع الجمهور والشركاء الدوليين مع إدارة الضغوط الداخلية. هذه التعقيدات تتجاوز بكثير الإطار الكلاسيكي للحرب التقليدية : إنه تحدٍ مؤسسي ووجودي. يشكل مؤتمر باريس 2026 لحظة حاسمة. إنه فرصة واختبار في آن واحد. وتستند الثقة الدولية إلى تصور أن المؤسسة يمكنها إتقان مهامها دون أن تصبح أداة للانقسامات السياسية الداخلية أو المناورات الإقليمية. وهذا أحد التحديات الرئيسية التي سيتعين على قائدها مواجهتها. ولتحقيق ذلك، يجب أن تُمنح كل فرص النجاح. بين عامي 2026 و 2030، لن يتعين على الجيش اللبناني الدفاع عن الأراضي الوطنية فحسب: بل سيتعين عليه الدفاع عن سبب وجوده نفسه. ويعتمد بقاؤه ودوره كعامل استقرار على خيارات سياسية واضحة، وانضباط مؤسسي، ورؤية استراتيجية — وهي معايير لا يمكن ضمانها إلا من خلال قيادة حازمة ودعم إجماعي , داخليًا ودوليًا. في هذا السياق، لن يكون مؤتمر باريس مجرد اجتماع دبلوماسي، بل سيكشف عن قدرة لبنان على الحفاظ على آخر ركائزه الاستقرار في مواجهة عدم اليقين والأزمات متعددة الأبعاد.

انهيار البيتكوين: نهاية عالم العملات المشفرة؟ (2/2)

في الجزء الأول، استعرضنا تطور البيتكوين منذ نشأته وحتى انهياره الحالي. في هذا الجزء، نفصّل البدائل ودور السلطات العامة. العملات المستقرة: من سهولة التداول للأفراد إلى مخاطر النظام المالي إذا كان البيتكوين هو رائد عالم العملات الرقمية، فإن العملات المستقرة هي شريان حياته. بدأت العملات المستقرة كأداة بسيطة: وسيلة للمتداولين الأفراد للتنقل بين العملات الرقمية والدولار دون مغادرة النظام. لقد وعدت بالاستقرار في عالم متقلب. لكن العملات المستقرة تطورت. واليوم، تمثل إحدى أهم نقاط الضعف النظامية -والتي لا تحظى بالتقدير الكافي- في التمويل الرقمي. لم تعد العملات المستقرة مجرد أدوات تداول للأفراد. أصبحت هذه العملات الآن: طبقات تسوية مركزية لتداول العملات الرقمية، تُستخدم على نطاق واسع في تدفقات العملات الرقمية عبر الحدود، وتزداد أهميتها في إدارة السيولة المؤسسية، كما أنها تُعدّ من كبار حائزي الاحتياطيات في أدوات حكومية قصيرة الأجل. في الواقع، أصبحت هذه العملات أدوات نقدية خاصة تعمل على هامش النظام التقليدي - طبقة مصرفية موازية غير منظمة أو شبه منظمة. وهذا يخلق تناقضًا جوهريًا: وعدت العملات الرقمية بالتخلص من الوسطاء ومخاطر الائتمان. أما العملات المستقرة فتعيد إدخالهم. لا تكون العملة المستقرة "مستقرة" إلا إذا: كانت الاحتياطيات (عادةً سندات الخزانة الأمريكية) حقيقية، سائلة، ومفصولة بشكل صحيح، كانت الحوكمة قوية، كانت آليات الاسترداد تعمل تحت الضغط، استمرت الثقة. في اللحظة التي تنهار فيها الثقة، قد تواجه العملة المستقرة ما يشبه إلى حد كبير سحبًا جماعيًا للودائع - ولكن بدون تأمين على الودائع، وبدون جهة إقراض أخيرة، وغالبًا بشفافية محدودة في الوقت الفعلي. في اللحظة التي تنهار فيها الثقة، قد تواجه العملة المستقرة ما يشبه إلى حد كبير سحبًا جماعيًا للودائع من البنوك - باستثناء غياب تأمين الودائع، وغياب جهة إقراض أخيرة، وغالبًا بشفافية محدودة في الوقت الفعلي. عندما تتذبذب العملات المستقرة، لا يقتصر الأمر على انخفاض سوق العملات الرقمية، بل قد يصبح السوق مختلاً وظيفياً، لأن أصل التسوية الأساسي نفسه غير مستقر. لهذا السبب، لا تُعدّ العملات المستقرة مجرد مشكلة عابرة، بل هي أحد الأسباب الرئيسية لهشاشة سوق العملات الرقمية. قد لا يكون الحدث النظامي القادم في سوق العملات الرقمية مجرد انهيار للبيتكوين، بل قد يكون ضغطاً على العملات المستقرة يمتد ليشمل كل شيء آخر. مشكلة الاستراتيجية/الاستراتيجية الجزئية: عندما يتحول اليقين إلى رافعة مالية ثمة خط صدع آخر أقل وضوحاً ولكنه قد يكون أكثر زعزعة للاستقرار: الرافعة المالية للشركات المرتبطة بالبيتكوين. لقد حوّلت بعض الشركات، مثل شركة Strategy Inc. (المدرجة في بورصة ناسداك تحت الرمز: MSTR)، نفسها فعلياً إلى شركات قابضة للبيتكوين تعتمد على الرافعة المالية. فهي تقترض، وتصدر أسهماً، وتُهيكل سندات قابلة للتحويل، وتموّل عمليات الاستحواذ على البيتكوين على نطاق واسع. في الأسواق الصاعدة، قد يبدو هذا ذكاءً خارقاً، أما في الأسواق الهابطة، فقد يصبح خطيراً. يُثير هذا الهيكل عدة مخاطر: الاعتماد على السعر إذا كان النموذج يعتمد على ارتفاع أسعار البيتكوين لتمويل عمليات الشراء المستقبلية أو الحفاظ على علاوات التقييم، فإن أي انخفاض مستمر في الأسعار قد يُقلب الآلية رأسًا على عقب. مخاطر إعادة التمويل الديون ليست مجانية. حتى مع وجود آجال استحقاق متفاوتة، فإن ارتفاع أسعار الفائدة أو انخفاض قيمة الأسهم قد يجعل عمليات جمع رأس المال في المستقبل أكثر تكلفة أو مستحيلة. تأثيرات ردود الفعل على السوق حتى في حال عدم وجود تصفية قسرية فورية، فإن الضغط المطول قد يُحوّل "صاحب اليد العليا" إلى بائع كامن. يبدأ السوق في تسعير هذه المخاطر، مما يُؤدي إلى تدهور المعنويات. باختصار: ما يُصوَّر غالبًا على أنه قناعة مؤسسية قد يتصرف، تحت الضغط، كرافعة مالية نظامية. اليوم، تمتلك شركة Strategy Inc. ما يقارب 713,500 بيتكوين بمتوسط ​​تكلفة اقتناء يقارب 76,000 دولار أمريكي للبيتكوين الواحد. وهذا يجعلها واحدة من أكبر مالكي البيتكوين بقيمة سوقية تبلغ 54 مليار دولار أمريكي. وبالتالي، تتكبد الشركة خسارة غير محققة تُقدر بنحو 21%، أو ما يقارب 11.4 مليار دولار أمريكي، بينما تبلغ قيمتها السوقية حوالي 38 مليار دولار أمريكي. هذا الأمر بالغ الأهمية لأن الرافعة المالية هي ما يحوّل التقلبات إلى عدوى. يستطيع البيتكوين الصمود أمام التقلبات، بينما يُعاني النظام البيئي للعملات الرقمية بشكل عام من الرافعة المالية، لا سيما عندما تكون متعددة الطبقات: الرافعة المالية للأفراد، والرافعة المالية للمشتقات، والهياكل المؤسسية، والهندسة المالية للشركات. يصبح الانهيار أكثر من مجرد تصحيح سعري، بل يتحول إلى انهيار آلي. العملات الرقمية: الدولة لا تخسر حرب المال، بل تُعيد تنظيمها. كان الوعد الأيديولوجي للعملات الرقمية هو الحرية النقدية: المال خارج الدولة. لكن التاريخ نادرًا ما ينتهي كما يُريد أصحاب الأيديولوجيات. الدولة لا تختفي، بل تتكيف. قد لا يكون المنافس الحقيقي طويل الأمد للعملات الرقمية اللامركزية هو العملة الورقية كما نعرفها، بل قد يكون المال الرقمي الذي تُسيطر عليه الدولة، وهو أسرع وأكثر كفاءة وأكثر قابلية للتنفيذ. هنا تبرز أهمية الصين، ليس لأنها "معادية للعملات المشفرة" من الناحية الأخلاقية، بل لأنها تتمتع بتماسك استراتيجي. لم تكتفِ بكين بتنظيم العملات المشفرة، بل سعت إلى تحييدها: حظر تداولها وتعدينها، وتضييق الخناق على منصات التداول، وفي الوقت نفسه، تسريع وتيرة البدائل التي تسيطر عليها الدولة. كما مضت الصين قُدماً في: بنية تحتية للدفع الفوري، أنظمة مالية رقمية متكاملة، واليوان الرقمي (e-CNY). الرسالة الأساسية استراتيجية: المال سيادة. لم يكن السماح بأنظمة نقدية خاصة موازية، قادرة على إضعاف ضوابط رأس المال، وتقويض الرقابة الحكومية، أو تآكل أدوات السياسة العامة، مقبولاً قط. يُبرز نهج الصين حقيقةً جوهرية: قد يكون المستقبل رقميًا، لكنه قد لا يكون لا مركزيًا. هذا الأمر بالغ الأهمية لأن الخطاب السائد حول العملات المشفرة غالبًا ما يفترض مسارًا أحادي الاتجاه: من العملات الورقية إلى اللامركزية. لكن الواقع العالمي قد يكون ذا شقين: عملات رقمية مُنظَّمة ومتوافقة مع الأنظمة الحكومية، وعملات مشفرة غير خاضعة للرقابة تعمل بالتوازي، وغالبًا ما تُهمَّش. مع بناء الدول لشبكات رقمية، تفقد العملات المشفرة إحدى مزاياها في السوق الجماهيري: كفاءة المعاملات. إذا وفرت الأنظمة الرقمية الحكومية تسوية فورية، ومدفوعات منخفضة التكلفة، وتكاملًا واسع النطاق، فإن فائدة العملات المشفرة ستتقلص، ليقتصر استخدامها في الغالب على المضاربة والاستخدامات الأيديولوجية المتخصصة. بازل والبنوك: سقف التبني الذي قلّما يُتحدث عنه يفترض جزء كبير من حلم العملات الرقمية، لا سيما في أكثر التوقعات المؤسسية تفاؤلاً، أن البنوك والنظام المالي الخاضع للتنظيم سيخصصان في نهاية المطاف مبالغ كبيرة للعملات الرقمية. لكن قواعد رأس المال التنظيمي تُشكل قيدًا قويًا على هذه الرؤية. فعندما يفرض المنظمون أوزان مخاطر عالية جدًا، لا تستطيع البنوك زيادة انكشافها دون استهلاك رأس مال هائل. وبغض النظر عن مدى تفاؤل أي مسؤول تنفيذي في البنك، فإن واقع الميزانية العمومية محسوم حسابيًا. هذا يعني أن السيناريو المُروّج له على نطاق واسع - "ستشتري البنوك البيتكوين وتُطلق دورة فائقة جديدة" - ليس مجرد سرد أو عاطفة، بل هو مسألة تتعلق بالهيكل التنظيمي. وهذا الهيكل، في العديد من الأنظمة القضائية، لا يزال مُقيّدًا. بعبارة أخرى: قد يكون النظام المصرفي قادرًا على تقديم منتجات العملات الرقمية للعملاء، لكن تبني البنوك على نطاق واسع في ميزانياتها العمومية ليس مضمونًا على الإطلاق. هذا سبب آخر يجعل "جدار الأموال المؤسسية" مُبالغًا فيه. فبعض المؤسسات قادرة على الشراء، بينما يُعاني الكثير منها من قيود هيكلية. تركيز الحفظ: مشكلة نقطة الضعف الوحيدة كان وعد العملات الرقمية هو اللامركزية. لكن إضفاء الطابع المؤسسي على العملات الرقمية غالبًا ما أدى إلى عكس ذلك: التركيز. تتطلب صناديق المؤشرات المتداولة والمنتجات الخاضعة للتنظيم ترتيبات حفظ. ويميل الحفظ إلى التركز في أيدي عدد قليل من مزودي البنية التحتية المهيمنين. في أوقات الرخاء، يكون هذا فعالًا ومنخفض التكلفة. أما في أوقات الأزمات، فيؤدي إلى هشاشة النظام. يخلق هيكل الحفظ المركز خطر "نقطة الضعف الوحيدة" - سواء كان هذا الفشل تقنيًا أو قانونيًا أو تنظيميًا أو سياسيًا. حتى لو كان احتمال حدوث مثل هذا الحدث منخفضًا، فإن العواقب وخيمة. لقد تعلمت المؤسسات المالية التقليدية هذا الدرس مرارًا وتكرارًا. فكلما زاد تركيز النظام حول العقد الحرجة، زادت هشاشته ليس بسبب التقلبات العادية، بل بسبب الأحداث الاستثنائية. لا تزال أسواق العملات الرقمية شديدة الحساسية لمثل هذه المخاطر النادرة. الثقة ليست اقتصادية فحسب، بل هي مؤسسية أيضًا. إذا اهتزت الثقة في بنية الحفظ أو التسوية، فقد ينتشر تأثيرها إلى ما هو أبعد من مجرد السعر. ما الذي ينهار فعلاً: العملات الرقمية، أم الأوهام المحيطة بها؟ في هذه المرحلة، يصبح من الضروري التمييز بين البيتكوين وعالم العملات الرقمية. البيتكوين بروتوكول. يستمر في العمل بغض النظر عن السعر. وهو مقاوم للرقابة، ويعمل بكفاءة، ويتمتع بمرونة تقنية عالية. وجوده غير مهدد بالانهيار. لكن عالم العملات الرقمية - أي النظام البيئي الأوسع من الرموز، والمنصات ذات الرافعة المالية، ومخططات العائد، والحوكمة المبهمة، والبنى غير المستقرة - كان دائماً أكثر هشاشة. بُني جزء كبير منه خلال حقبة السيولة الرخيصة والمضاربة المفرطة. العديد من المشاريع ليس لها هدف اقتصادي مستدام خارج أسواق الصعود، وقد فقدت العديد من العملات الرقمية الصغيرة ما بين 70 و90% من قيمتها في الأشهر القليلة الماضية، بما في ذلك العملات ذات الطابع السياسي التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة مثل "عملة ترامب الرسمية". الانهيار ليس بالضرورة نهاية البيتكوين. قد يكون نهاية مرحلة - عملية تطهير. تشمل الأوهام التي تتلاشى الآن ما يلي: وهم وجود حد أدنى مؤسسي دائم وفرت صناديق المؤشرات المتداولة إمكانية الوصول، وليس بالضرورة قناعة تامة. وهم أن اللامركزية تقضي على المخاطر قد تُزيل بعض الوسطاء، لكنها تُدخل نقاط ضعف جديدة، خاصةً عندما يُنشئ النظام البيئي نقاط اختناق مركزية مثل منصات التداول ومصدري العملات المستقرة. وهم أن العملات المشفرة خارجة عن الدورات الاقتصادية الكلية لا تزال عملة البيتكوين حساسة للسيولة وترتبط بشكل متزايد بأنظمة المخاطر. وهم أن التكنولوجيا تُلغي الاقتصاد لا تزال الرافعة المالية وتكاليف التمويل وهياكل الاستحقاق ودورات الثقة سارية. لهذا السبب، تبدو الفترة الحالية أكثر من مجرد "انخفاض عابر". إنها مواجهة مع الحقائق الهيكلية، وقد تُشير إلى نهاية حلم العملات المشفرة كما تم تصوره في الأصل. درس الصين: قد يكون مستقبل المال رقميًا، لكنه ليس مجانيًا. غالبًا ما يُصوَّر حظر الصين للعملات المشفرة في الخطاب الغربي على أنه تجاوز استبدادي. لكن سواء أعجب المرء بهذا النموذج أو انتقده، فإن نهج الصين يكشف عن وضوح استراتيجيما افتقده الغرب. تعتبر الصين المال بنية تحتية سيادية. لا تُفوّض سيادتها إلى شبكات لا مركزية. بينما احتفت مجتمعات العملات الرقمية باللامركزية باعتبارها حتمية، أنشأت بكين بنيةً منافسة: نظامًا بيئيًا للمدفوعات الرقمية فوريًا ومتكاملًا وقابلًا للتحكم. النتيجة عميقة: إذا نشرت الدول العملات الرقمية وأنظمة الدفع الفوري على نطاق واسع، فسيتعين على العملات الرقمية تبرير وجودها ليس باعتبارها "مستقبل المدفوعات"، بل كشيء آخر: أصل للمضاربة، مخزن قيمة متخصص، بديل أيديولوجي، أو نظام موازٍ لمن يرفضون سيطرة الدولة. لكن هذا ليس تبنيًا جماهيريًا كما تخيله المتحمسون الأوائل للعملات الرقمية. قد يكون المستقبل الحقيقي عالمًا من المال الرقمي مع إنفاذ حكومي أقوى، لا أضعف. إذن... هل هذه هي النهاية؟ أُعلن عن موت البيتكوين مرات أكثر من أي أصل آخر في التاريخ المالي الحديث. وفي كل مرة، عاد - غالبًا أقوى. لذا، فإن إعلان "النهاية" سابق لأوانه. إذن... هل هذه هي النهاية؟ لكن اعتبار هذا الانهيار مجرد دورة اقتصادية يُعدّ تبسيطًا مفرطًا. ما يُميّز هذه الدورة عن فترات الركود السابقة هو هيكلها. كانت دورات العملات الرقمية السابقة مدفوعةً بشكل أساسي بالمضاربة الفردية وتبنيها المحدود من قِبل مستثمرين مُلِمّين بالتكنولوجيا وذوي دوافع أيديولوجية. أما الدورة الأخيرة، فقد تجلّت من خلال مشاركة المؤسسات وتبنيها على نطاق واسع من قِبل المستثمرين العالميين. ونتيجةً لذلك، يُهدّد الانهيار الحالي بترك آثار نفسية أعمق وأكثر ديمومة على المستثمرين، مما قد يُقوّض النظرة إلى العملات الرقمية كأداة مشروعة لتنويع المحافظ الاستثمارية. ما نشهده اليوم يُمكن وصفه بشكل أدقّ بأنه مرحلة نضج. تميّزت بدايات عصر العملات الرقمية بالأيديولوجيا والتجارب الرائدة والتبني الشعبي. أما مرحلة ما بعد عام 2020، فقد تميّزت بوفرة السيولة والمضاربة المفرطة والتمويل المُعتمد على الرافعة المالية. وتمّ تأطير الدورة الأخيرة، التي بدأت في عام 2023، على أنها دورة تبني واسع النطاق وتأسيس مؤسسي. هذه المرحلة تقترب من نهايتها. يُجبر النظام البيئي للعملات المشفرة على النضوج بفعل تشديد السيولة، وزيادة القيود التنظيمية، وصعود العملات الرقمية التي تسيطر عليها الدول، وتزايد الإدراك بأن إضفاء الطابع المؤسسي عليها واعتمادها على نطاق واسع لم يُلغِ طبيعتها المضاربية. قد لا تكون العملات المشفرة نفسها هي التي تنتهي، بل طبقة الوهم التي أحاطت بها: وهم وجود شبكة أمان مؤسسية دائمة، وهم اعتبار العملات المستقرة نقدًا خاليًا من المخاطر، وهم اللامركزية دون هشاشة، وهم وجود مسار مباشر من صناديق المؤشرات المتداولة إلى التبني الحقيقي، ووهم قدرة الأصول الرقمية على الإفلات من تقلبات الاقتصاد الكلي، ودورات السيولة، والرافعة المالية، وسيادة الدولة. تدخل العملات المشفرة عالمًا أكثر قسوة، عالمًا يتشكل بفعل التشرذم الجيوسياسي، وتشديد القيود المالية، وتسارع وتيرة البنية التحتية الرقمية التي تسيطر عليها الدول. قد ينجو البيتكوين، وربما سينجو بالفعل. يبقى أن نرى ما إذا كان سيصل يومًا ما إلى مستويات قياسية جديدة. لكن عالم العملات المشفرة لن يصمد بشكله الحالي. بالنسبة للمستثمرين، الدرس بسيط وخالد: في عالم العملات الرقمية، كما هو الحال في أي نظام مالي، ما يبدو كأرضية رابحة في الأوقات الجيدة غالباً ما يتحول إلى فخ في الأوقات العصيبة.

انهيار البيتكوين: نهاية عالم العملات المشفرة؟ (1/2)

من ذروتها التاريخية عند 126,000 دولار وصولاً إلى إغلاقها الأخير عند حوالي 69,000 دولار، فقدت البيتكوين - الرمز الأيقوني للعملات المشفرة - ما يقرب من 45% من قيمتها، مما محا حوالي 1100 مليار دولار من الثروة الاسمية للمستثمرين. الانهيار الحالي للبيتكوين ليس مجرد حلقة إضافية من التقلبات. إنه يمثل اختباراً حقيقياً لمقاومة بنية العملات المشفرة بأكملها: الاعتقاد بأن صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) قد خلقت طلباً مؤسسياً دائماً، والفرضية القائلة بأن العملات المستقرة (stablecoins) هي مكافئات نقدية خالية من المخاطر، وصعود ديون الشركات المتخفية في شكل قناعة طويلة الأجل، والحقيقة الواضحة بشكل متزايد أن الدول - الصين في المقدمة، ومن المؤكد أن تتبعها دول أخرى - تنوي استعادة السيطرة على العملات الرقمية. ما ينهار اليوم قد لا يكون العملات المشفرة نفسها، بل هو كل الأوهام التي غذت مرحلتها الأكثر نشوة. ولدت البيتكوين في ظل الأزمة المالية لعام 2008، في وقت تضررت فيه الثقة في البنوك والبنوك المركزية والنخب السياسية بشكل عميق. كان وعدها التأسيسي جذرياً بقدر ما هو أنيق: شبكة نقدية لامركزية، تحكمها الشيفرة بدلاً من المؤسسات، قادرة على العمل دون سلطة مركزية. شكل من أشكال المال يهرب من سيطرة الدول. نظام لا يتطلب أي إذن. قبل المضي قدماً، يجب تحديد حقيقتين أساسيتين بوضوح بشأن «العملات المشفرة»، لأن الجهل بهما يؤدي حتماً إلى أخطاء في التحليل. أولاً، معظم العملات المشفرة، بطبيعتها، هي خطوط رمز رقمي ذات عرض محدود تماماً وطلب محتمل غير محدود. هذه اللامساواة تكفي لتفسير سلوك أسعارها المتطرف. عندما يصبح إجماع المستثمرين صعودياً، يمكن أن تصل الأسعار إلى مستويات مذهلة دون أي منطق سوى عدم التوازن بين عرض ثابت وطلب متزايد. عندما ينقلب الشعور، تنعكس العملية بنفس العنف. وبالتالي، فإن دورات أسعار العملات المشفرة ليست شذوذاً: إنها هيكلية. ثانياً - وبشكل أكثر جوهرية - العملات المشفرة ليست عملات بالمعنى القانوني أو الاقتصادي أو السياسي للكلمة. تصدر العملات من قبل الدول ذات السيادة. وهي تشكل، بطبيعتها، مطالبة على الأمة المصدرة، مضمونة بقوتها الضريبية، ومفروضة بموجب القانون، ومسجلة في احتكار الإصدار. وينبع الحق في سك العملة مباشرة من احتكار الدولة للضرائب. وبالتالي، فإن العملة ليست مجرد أداة اقتصادية؛ إنها تعبير عن السيادة. لا تملك العملات المشفرة أياً من هذه الخصائص. لا تصدرها أي دولة. لا تشكل ديناً لأي سلطة سيادية أو مؤسسية. لا تدعمها أي قوة ضريبية قادرة على استقرار الطلب في أوقات الأزمات. إنها كائنات رقمية - نادرة بطبيعتها، ولكنها تفتقر إلى أي ضمان سيادي. هذا التمييز ليس فلسفياً؛ إنه هيكلي. ويصبح حاسماً عندما يستقر التقلب. لسنوات عديدة، ظلت البيتكوين والأصول المشفرة تجربة هامشية. فضول. ثقافة فرعية نوقشت بحماسة شبه لاهوتية من قبل التقنيين والرواد، بينما اعتبرتها المالية التقليدية في أفضل الأحوال أدوات، وفي أسوأ الأحوال عمليات احتيال. لم يتوقف شخصيات بارزة مثل جيمي ديمون أو وارن بافيت عن التحذير من أن العملات المشفرة ستنتهي بشكل سيء للمستثمرين. ثم جاءت نقطة التحول في عالم ما بعد عام 2020. السياسات النقدية شديدة التساهل، أسعار الفائدة الصفرية أو شبه الصفرية، وسيل من السيولة العالمية فعلت بالعملات المشفرة ما فعلته بالعديد من فئات الأصول الأخرى: لقد حولت فكرة إلى معاملة، ثم المعاملة إلى صناعة. أصبحت البيتكوين معياراً. إيثيريوم، نظاماً بيئياً. تضاعفت الرموز. انفجرت منصات التداول. أصبح الرفع المالي أمراً شائعاً. ازدهرت المشتقات. هرعت رؤوس الأموال الاستثمارية إلى «الويب 3». وانتشرت المضاربة بالتجزئة على مستوى العالم. ومع ذلك، ظهر الرفيق الحتمي لكل جنون مضاربة: الفائض، الاحتيال، الانهيار، والعدوى. اليوم، نشهد مرة أخرى انهياراً. موجة جديدة من التصفية القسرية. سلسلة جديدة من العناوين التي تعلن للمرة المئة عن «موت البيتكوين». ولكن هذه المرة، يبدو شيء مختلفاً. يأتي هذا الانهيار بعد ما قُدّم على أنه أكبر إضفاء شرعية مؤسسية في تاريخ العملات المشفرة. كان من المفترض أن يؤدي التبني المؤسسي للبيتكوين وتقنين صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) إلى إنشاء أرضية هيكلية. وكان من المفترض أن تؤدي تنظيم العملات المستقرة إلى تطهير النظام البيئي. وكان من المفترض أن تؤكد خزائن الشركات الدور الاستراتيجي طويل الأجل للبيتكوين. ومع ذلك، انهارت الأسعار. لذا لم تعد المسألة مجرد معرفة سبب انخفاض البيتكوين. السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت مجال العملات المشفرة يمر بتصحيح دوري جديد - أم أنه يدخل مرحلة من التساؤلات الهيكلية الأكثر عمقاً. أسطورة «الذهب الرقمي» تُختبر مرة أخرى إن السرد الأكثر فعالية للبيتكوين هو أيضاً الأكثر هشاشة: سرد الذهب الرقمي. التشابه جذاب. مثل الذهب، البيتكوين نادرة - عرضها محدود بالتصميم. مثل الذهب، ليست ديناً لأي حكومة. مثل الذهب، من المفترض أن تحمي من انخفاض قيمة العملة والانحرافات السياسية. من الناحية النظرية، يجب أن تزدهر عندما تتآكل الثقة في العملات الورقية. في الممارسة العملية، ومع ذلك، تصرفت البيتكوين أكثر بكثير كأصل ذي بيتا مرتفع بدلاً من ملاذ آمن - وغالباً ما تتطور كبديل رافعة مالية عالية للشهية العالمية للمخاطر. عندما تكون الأسواق هادئة وتوفر السيولة، ترتفع البيتكوين. عندما تضيق الظروف المالية، ويزداد التقلب، ويقوم النظام العالمي بتخفيض ديونه، فإنها تنخفض - غالباً بعنف. هذه الملاحظة ليست أيديولوجية؛ إنها تستند إلى مراقبة الأسعار. وهذا التمييز حاسم. مفهوم «الذهب الرقمي» ليس مجرد شعار تسويقي: إنه أساس منطق التخصيص المؤسسي. إذا كانت البيتكوين أصلاً متنوعاً، فإن لها مكاناً إلى جانب الذهب. وإذا كانت أصلاً خطراً، فإنها تنتمي إلى عالم الأسهم التكنولوجية والرهانات المضاربة. الآثار المترتبة على المحفظة أساسية. يذكرنا الانهيار الأخير بحقيقة لا مفر منها: يظل مصير البيتكوين مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بظروف السيولة العالمية. في عالم يتسم بندرة السيولة، هذا عائق كبير. وهم التبني المؤسسي: لماذا لا وجود لـ «أرضية صناديق المؤشرات المتداولة» إحدى القناعات الأكثر انتشاراً في العامين الماضيين هي: أن البيتكوين تم تبنيها الآن من قبل المؤسسات، وبالتالي لديها أرضية. تم الترحيب بالموافقة على إطلاق صناديق المؤشرات المتداولة الفورية للبيتكوين كخطوة تاريخية. وصول للجمهور الواسع. أطر تنظيمية. شرعية من وول ستريت. قناة مباشرة تربط حسابات الوساطة، المستشارين الماليين، والمحافظ المؤسسية بالتعرض للبيتكوين. كانت القصة بسيطة: ستجلب صناديق المؤشرات المتداولة طلباً دائماً. «جدار من رأس المال». دعم هيكلي تحت السوق. ومع ذلك، كشف الانهيار عن حقيقة تم تجاهلها أو إساءة فهمها على نطاق واسع: ليست كل التدفقات إلى صناديق المؤشرات المتداولة متساوية في القيمة. جزء كبير من رأس المال المستثمر في صناديق البيتكوين المتداولة لم يدخلها بدافع القناعة طويلة الأجل. بل دخلها لأنه كان يُدفَع له مقابل ذلك. بعبارة أخرى: عن طريق المراجحة. عندما يظهر شذوذ في السعر - على سبيل المثال، فرق مربح بين التعرض الفوري عبر صندوق المؤشرات المتداولة وسوق العقود الآجلة - يستغل بعض الفاعلين المؤسسيين ذلك بشكل آلي. صناديق التحوط ومكاتب التداول لا تحتاج إلى الإيمان؛ إنها تحتاج إلى فارق. عندما يكون هذا الفارق جذاباً، ينشرون رؤوس الأموال. وعندما يضيق، ينسحبون. هذا ليس تبنياً. هذه سيولة مستأجرة. لكن السيولة المستأجرة تتصرف بشكل مختلف تماماً عن رأس المال القائم على القناعة. رأس المال القائم على القناعة مستقر؛ يمتص التقلبات؛ يشتري في أوقات الخوف. رأس المال القائم على المراجحة معاملاتي؛ يخرج دون عاطفة؛ يبيع عندما تتغير المعادلات. لهذا السبب، فإن فكرة «الأرضية المؤسسية» قد تكون مضللة للغاية. فالهيكل نفسه لصناديق المؤشرات المتداولة يمكن أن يعطي وهم طلب طويل الأجل، في حين أن جزءاً من هذا الطلب يتم تغطيته ميكانيكياً في أماكن أخرى. قد تكون المؤسسات نفسها التي تظهر كمشترين في إحصائيات تدفق صناديق المؤشرات المتداولة، بائعين في أسواق العقود الآجلة في الوقت نفسه. قد يكون صافي التعرض الاقتصادي شبه معدوم. ببساطة: جزء من رؤوس الأموال التي تم تقديمها على أنها مؤسسية لم تكن رهانًا على مستقبل البيتكوين. عندما تختفي العائدات، تنهار هذه الاستراتيجيات. وعندما تنهار، تولد ضغط بيع حقيقياً - لأن صناديق المؤشرات المتداولة ليست مجرد مفاهيم مجردة. تنتقل عمليات الاسترداد إلى السوق الأساسي. هذا هو السبب في أن الانهيار يمكن أن يحدث حتى في عصر «المأسسة». المأسسة لا تعني التبني. يمكن أن تكون، جزئياً، مجرد مراجحة متطورة للسيولة. الدرس المستفاد - بشكل مؤلم - هو أن «جدار رأس المال» الشهير لم يكن جداراً، بل كان عقد إيجار سيولة. مفارقة تخفيضات أسعار الفائدة لماذا قد يؤدي بنك الاحتياطي الفيدرالي المتساهل إلى مبيعات وليس مشتريات: تؤكد الحكمة التقليدية أن تخفيضات أسعار الفائدة مواتية للأصول الخطرة - وبالتالي للبيتكوين. في العديد من أنظمة السوق، هذا المنطق صحيح. أسعار الفائدة المنخفضة تدعم السيولة، وتضعف الدولار، وتشجع على تحمل المخاطر. لطالما اعتبر أنصار البيتكوين تحول بنك الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير إشارة للارتفاع التالي. لكن الهيكل الحالي للسوق يقدم آلية غير بديهية. عندما يعتمد التعرض المؤسسي بشكل كبير على استراتيجيات الفروقات والتحوط، يمكن أن ينعكس تأثير السياسة النقدية. يمكن أن يؤدي تغيير توقعات أسعار الفائدة إلى ضغط بعض فروقات العائد، وتقليل جاذبية استراتيجيات Carry Trade، وتحفيز مديري المخاطر على فك صفقاتهم. بالإضافة إلى ذلك، غالباً ما يأتي التوجه التيسيري في سياق تدهور الاقتصاد الكلي - تباطؤ النمو، وتصاعد مخاطر الركود، والتوترات المالية - مما يقلل من الشهية للمضاربة ويؤدي إلى حركات واسعة النطاق لخفض الرافعة المالية. وبالتالي، فإن الإشارة النقدية نفسها التي قد تدعم الأسهم في سيناريو «الهبوط الناعم» يمكن أن تسرع المبيعات في العملات المشفرة إذا أدت إلى تفكيك الهياكل المؤسسية القائمة على العائد والرافعة المالية. لهذا السبب، فإن النموذج المبسّط «انخفاض أسعار الفائدة = ارتفاع البيتكوين» أصبح أقل أهمية. لم تعد البيتكوين مجرد أصل روائي؛ لقد أصبحت أصلاً منظماً، مدمجاً في آليات الأسواق الحديثة: صناديق المؤشرات المتداولة، العقود الآجلة، الخيارات، التمويل، والمراكز المدعومة بالرافعة المالية. في مثل هذه البيئة، يعتمد تطور الأسعار بشكل أقل على الأيديولوجيا وأكثر على الميكانيكا. المقال التالي: انهيار البيتكوين: نهاية عالم الكريبتو؟ (2/2) من التمرد النقدي إلى خيبة الأمل المؤسسية