شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
هل في لبنان حكومة واحدة؟
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

السؤال في غاية البساطة. هل في لبنان حكومة واحدة على رأسها نواف سلام أم حكومات عدة، لكلّ منها أجندة خاصة بها، يتحكّم بها هذا الوزير أو ذاك؟ كان طبيعيا أن يحسم نواف سلام الأمر وأن يمنع وزير الدفاع ميشال منسّى من الكلام في الجلسة النيابية التي شهدت تصويتا على قانون العفو بحسناته وسيئاته التي تعبّر أفضل تعبير عن حال لبنان بكل إهتراءاتها وتجاذباتها. لا يدلّ على هذه الإهتراءات اللبنانيّة أكثر من التحالف القائم بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، الذي على رأسه جبران باسيل، صهر الرئيس السابق ميشال عون. وقف هذا التحالف ضدّ قانون العفو وتضامن مع وزير الدفاع الذي أراد أن يعبر عن موقف للجيش اللبناني من قانون العفو، بما ينسف النظام القائم من أساسه وذلك بتصويره الجيش كيانا مستقلا عن مجلس الوزراء. أي أن الجيش يمتلك رأيا خاصا به في موازاة قرار مجلس الوزراء الذي يمثّل السلطة التنفيذية... أو هكذا يفترض. أن يتحدّث وزير الدفاع في جلسة مجلس النواب، كان يعني ذلك أن لبنان صار يمتلك أربع سلطات. السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية... وسلطة اسمها سلطة الجيش اللبناني، بدل أن يكون هذا الجيش في إمرة السلطة التنفيذية ممثلة بمؤسسة مجلس الوزراء مجتمعا ورئاسة الجمهوريّة. هل المطلوب وجود سلطة جديدة في بلد يمرّ في مرحلة أقلّ ما يمكن أن توصف به بأنّها مرحلة مصيرية سيتقررّ في ضوئها هل لبنان بلد قابل للحياة أم لا. ليس صدفة هذا التحالف بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، أي التيار العوني، نسبة إلى ميشال عون الذي كان عهده، بين 2016 و 2022، بمثابة "عهد حزب الله" لا أكثر. وضع ميشال عون، بمشاركة صهره جبران باسيل الدولة اللبنانية بإمرة "حزب الله"، أي بإمرة إيران. جاء ذلك في وقت كان "الحزب" في كلّ وقت معترضا على أي نشاط للجيش اللبناني في الأراضي اللبنانية. كان إعتراضه الأوّل على وجود الجيش اللبناني في جنوب لبنان. من يتذكّر إسقاط مروحية الضابط سامر حنا في جنوب لبنان على يد مقاتل من "الحزب" أطلق سراحه لاحقا. من يتذكّر أنّ ميشال عون برّر قتل الضابط الطيار بقوله "ما الذي كان يفعله (سامر حنا) في جنوب لبنان"؟ فعل ميشال عون ذلك قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية. كان ذلك في مرحلة تقديم أوراق إعتماده لـ"حزب الله"، وهي مرحلة استمرت عشر سنوات، بدأت في 2006. سبقت تلك المرحلة وصوله إلى قصر بعبدا بصفة كونه مرشّح "حزب الله" الذي لا يعترض على أي قرار يتخذه الحزب. يدلّ التحالف بين العونيين و"حزب الله" على انتهازية ليس بعدها انتهازية. كذلك، يدلّ على رهان على نسف حكومة نواف سلام من داخل بغرض واحد هو تعطيل أي تقدّم في المفاوضات الدائرة بين لبنان وإسرائيل. حسنا فعل رئيس مجلس الوزراء عندما قطع الطريق على ميشال منسّى الذي لم يكن أكثر من ضابط متقاعد يمتلك نيات طيبة لا يدرك حجم الأضرار الناجمة عن سوء استخدامها، خصوصا من قبل إيران التي تتحكّم كلّيا بـ"حزب الله". في النهاية، لدى لبنان همّ آخر أكبر بكثير من قانون العفو بكلّ ما فيه من ثغرات. لبنان أمام إمتحان تاريخي يتمثل في كيفية التخلّص من الاحتلال الإسرائيلي. هذا الاحتلال الذي يريد "حزب الله" أن يستمر كي يبرّر إحتفاظه بسلاحه الموجّه، قبل أي شيء، إلى صدور اللبنانيين الآخرين. ما فعله نوّاف سلام كان عملا وطنيّا بإمتياز في وقت لا خيار آخر أمام لبنان غير خيار المفاوضات المباشرة مع وحش إسرائيلي يعمل كلّ من في وسعه من أجل تغيير طبيعة الجنوب اللبناني عن طريق مزيد من التدمير والتفجيرات لقرى وبلدات في تلك المنطقة. من هذا المنطلق، ليس مسموحا للبنان الغرق في متاهات قانون العفو وما شابه ذلك. لا يمتلك البلد، أقلّه في الوقت الحاضر، غير التعاطي مع الواقع المتمثل في أنّ إسرائيل هي المستفيد الوحيد من إحتفاظ "حزب الله" بسلاحه. من يهبّ حاليا إلى نجدة "الحزب" والسعي إلى فكفكة حكومة نواف سلام يضع نفسه في خدمة إسرائيل والإحتلال. كلّ ما عدا ذلك تفاصيل تصبّ كلّها في خدمة المشروع الذي تنادي به "الجمهوريّة الإسلاميّة" والذي من بين أهدافه تحويل لبنان إلى رهينة إيرانيّة في المفاوضات الدائرة بطرق مباشرة أو غير مباشرة بين واشنطن وطهران. معيب أن يضع العونيون وتوابعهم نفسهم مرّة أخرى في خدمة "حزب الله" وإيران. في الواقع، يعتبر مثل هذا التصرّف أكثر من طبيعي لطرف لم يتوقف يوما عن طعن الجيش اللبناني في الظهر. ألم يهرب ميشال عون في تشرين الأوّل – أكتوبر 1990 إلى مقر السفارة الفرنسيّة في بعبدا فيما كان ضباط الجيش وجنوده يواجهون ببسالة الجيش السوري الذي كان يزحف في اتجاه قصر الرئاسة ووزارة الدفاع في اليرزة؟ يسهل من أدخل الجيش السوري إلى قصر بعبدا وإلى وزارة الدفاع في 1990 أن يعمل في 2026 على خدمة المشروع الإيراني في لبنان...

توترات سياسية متواصلة على خلفية جمود عسكري

تتعمق الخلافات بين الأمريكيين والإسرائيليين بشأن لبنان يوماً بعد يوم، في ظل تصريحات المسؤولين الإسرائيليين التي تزداد ابتعاداً عن الالتزامات التي قُطعت خلال المفاوضات المباشرة مع اللبنانيين، ولا سيما منذ توقيع الإطار الاتفاقي بين الطرفين في يونيو الماضي. وفي هذا السياق، استدعت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، القائلة بأن الجيش لن ينسحب من الجزء المحتل من الجنوب، ردّاً حاداً من وزارة الخارجية الأمريكية يوم الخميس، إذ اعتبرت أن هذه التصريحات تتناقض مع الالتزامات المنصوص عليها في الإطار الاتفاقي. في غضون ذلك، تواصلت الغارات الإسرائيلية التدميرية دون هوادة على جنوب لبنان طوال يوم الخميس. وبحسب قناة MTV، يستعد الإسرائيليون أيضاً لتفجير الأنفاق التي حفرها حزب الله في تلة علي الطاهر، حيث شيّد الإيرانيون على مرّ السنين شبكة أنفاق جوفية هائلة تمتد لمئات الكيلومترات، إلى جانب بنية تحتية عسكرية متطورة، كان الغرض منها تمهيد الطريق لهجوم حزب الله على منطقة الجليل. على الصعيد السياسي، تميّز يوم الخميس بتصريح لرئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، انتقد فيه «الموقف غير المنطقي» للدولة العبرية، على الرغم من بدء تطبيق الإطار الاتفاقي على أرض الواقع. كما أبدى استياءه من حذف تغريدة أولى كتبها بهذا المعنى على حسابه في منصة X، مما اضطره إلى إعادة نشرها. يندرج هذا الموقف الإسرائيلي المتصلب في سياق انتخابات أكتوبر المقبل. والتصعيد الميداني لا يقتصر على لبنان وحده؛ ففي يوم الخميس، وقع اغتيال جديد في غزة، رغم المطالب الأمريكية المتكررة بالتهدئة. وفي القطاع، أردى الجيش الإسرائيلي فلسطينيَّين، من بينهم أحد قادة الشرطة، بالقرب من خان يونس، واصفاً الضحية بأنه «إرهابي» كان يمثّل «تهديداً» لجنوده. كما تتواصل الاضطرابات في الضفة الغربية، حيث اعتُقل الصحفي الفلسطيني محمد عوض قرب رام الله بذريعة عمله لصالح حركة حماس. وقد أدان حتى السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي «الإرهاب البشع» الذي يمارسه المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية. تصريحات متشددة وهدنة هشة مع إيران على الجبهة الإيرانية، تتواصل حدة الخطاب المتعلق بالسيطرة على مضيق هرمز، الذي بات في صلب هذا الصراع الأمريكي-الإيراني. وإذا كان الميدان لم يشهد بعد أي تصعيد فعلي بين الطرفين، فإن الخطاب قد اشتعل إثر تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اليوم السابق، حين أعلن أن الولايات المتحدة تمتلك «سيطرة تامة» على المضيق، وتفرض «حصاراً محكماً» على الموانئ الإيرانية. وقد كان ذلك كافياً لإثارة موجة من ردود الفعل الإيرانية الغاضبة. إذ ندّد الجيش الإيراني يوم الخميس بـ«أكاذيب» ترامب، وقال إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم قيادة خاتم الأنبياء المركزية، في تصريحات نقلتها وكالة فرانس برس: «الادعاءات الأمريكية الكاذبة بأن السفن تعبر مضيق هرمز بصورة طبيعية (...) ليست سوى أكاذيب ومحض اختلاق». وأضاف أن المضيق يظل «تحت إدارة الجمهورية الإسلامية وسيطرتها الكاملة، ولم يكن بمقدور أي سفينة تجارية أو ناقلة نفط الملاحة فيه بأمان دون إذن القوات المسلحة الإيرانية القوية وإشرافها، ولن يكون ذلك ممكناً في المستقبل». وكان مسؤول إيراني رفيع آخر قد نفى في وقت سابق تصريحات الرئيس الأمريكي، إذ أكد حسين طائب، قائد قوات الباسيج شبه العسكرية التابعة للحرس الثوري، قائلاً: «اليوم ترون أن مضيق هرمز يخضع لإدارة الجمهورية الإسلامية وسيطرتها، وأن بلادنا تسير في مسارها بأمان تام». من جهته، كتب وزير الخارجية عباس عراقجي، الخميس، على حسابه في منصة إكس، أن الولايات المتحدة أجرت "حسابات خاطئة" نابعة من إخفاقات استخباراتية. في تصريح آخر يُعدّ استفزازاً جديداً، أكد النائب الإيراني بهنام سعيدي، عضو لجنة الأمن القومي، أن السفن الإسرائيلية والسفن العسكرية الأمريكية ستُمنع من المرور عبر المضيق. غير أنه لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أن الهدنة على وشك الانهيار، إذ يبدو أن هذا النزاع بات يراوح مكانه. ولا يُفوّت الإيرانيون أي فرصة للمطالبة برسوم مرور في المضيق، وآخر هذه المطالبات جاءت على خلفية الكارثة البيئية الناجمة عن التسرب النفطي قبالة سواحل عُمان، الذي يُرجَّح أنه نتيجة ضربة استهدفت ناقلة نفط، وامتدت تداعياته لتطال السواحل الإيرانية، مما دفع السلطات الإيرانية إلى المطالبة بتعويضات عن هذه الأضرار. وبينما يبدو أن الهدوء النسبي على الجبهة الأمريكية الإيرانية لا يزال صامداً، فإن الحال يختلف مع الحوثيين اليمنيين، حلفاء إيران، الذين أعلنوا مسؤوليتهم عن شنّ هجوم بطائرات مسيّرة استهدف مصفاة تابعة لعملاق النفط السعودي أرامكو في ساعات المساء، دون أن يصدر أي ردّ فعل أمريكي يُذكر. وتجدر الإشارة إلى أنه، وفقاً لقناة العربية السعودية، أجرى وزير الدفاع السعودي، الخميس، محادثات مع وفد عراقي حول العلاقات في المجالين العسكري والدفاعي. فهل ثمة صلة محتملة بالاتفاق الذي أبرمته المملكة العربية السعودية مع باكستان وتركيا في مجال الدفاع المشترك الأسبوع الماضي؟ في كل الأحوال، يُمثّل هذا اللقاء أول اجتماع من نوعه عقب الهجمات التي شُنّت على المملكة انطلاقاً من الأراضي العراقية.

النبي والفيلسوف (4/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وتُقدَّم هنا المحاضرة الأولى، التي تمت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، والتي حملت عنوان “النبي والفيلسوف: هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”، في صيغة منقحة وموسعة، منشورة على هيئة سلسلة من عشرة أجزاء. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لفكر ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، يتأسس على ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، وتركيب يجمع بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإن كلاً منهما يبلور مشروعاً فلسفياً متميزاً: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة ( falsafa ) المشائي، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين الأفقين الفكريين، يظل مشروعاهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، ومسار ارتقاء النفس. كما يجسد كل منهما تصوراً مختلفاً للعلاقة بالسياسي، بما يسلط الضوء على طرائق متباينة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة، والقانون، وتنظيم الجماعة. وتمثل هذه المقالة الحلقة الرابعة من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. IV - لا مكان للصناديق السوداء: ابن سينا وعلمنة المشروع الإسماعيلي نشأ ابن سينا وهو يستمع إلى الدعاة الإسماعيليين الذين كانوا يترددون على منزل أسرته في بخارى. وكان أبوه وأخوه من أتباع الدعوة الإسماعيلية، وكثيراً ما كانا يناقشان فلسفتها، ولا سيما الصيغة السجستانية القائمة على ثنائية العقل والنفس. وفي حين سعى الكرماني إلى تجاوز هذه الثنائية من خلال تكييف منظومة العقول العشرة الفارابية مع تصوره لإله متعالٍ على نحو مطلق ومستعصٍ على الإدراك، سعى ابن سينا إلى تجاوز كل من استحالة معرفة الله وثنائية العقل والنفس معاً. بالنسبة إلى ابن سينا، يشكل المنطق الأداة الأساسية للخلاص. فهو يرى أن كمال النفس يكمن في كمال العقل: فأن يعقل الإنسان بنية الكون بكاملها يعني أن يبلغ الغاية القصوى للوجود الإنساني. وقد ذهب إلى أن العقل بالقوة يستطيع بلوغ الاتصال بالعقل الفعال من خلال الجمع بين المنطق الصوري والحدس العقلي ( ḥads )، من دون الحاجة إلى وسيط حي كالإمام. وإضافة إلى ذلك، مع أن ابن سينا يؤكد بساطة الله ووحدانيته، فإنه يرى أن العقل الأول قادر على تعقل المبدع، وأنه يتعقله بالفعل. بل إن عملية الفيض بأسرها في النظام السينوي تنطلق من فعل معرفة العقل الأول لعلته. وضمن هذا الإطار، يصبح الله “معقولاً”، وهو تصور كان الكرماني سيعدّه قريباً على نحو خطير من الشرك، لما ينطوي عليه من تهديد لتعالي الذات الإلهية المطلق واستعصائها على الإدراك. لقد ورث ابن سينا قدراً كبيراً من “المشروع الفلسفي الإسماعيلي”. ففكرة أن الوجود ليس فوضى، بل سلّم صاعد من العقول، تشكل أحد الأعمدة الأساسية للمشروع الإسماعيلي، ولا سيما لدى السجستاني والنسفي. وقد أخذ ابن سينا هذه الهرمية وحوّلها من “مراتب دعوية” أو “رموز عرفانية” إلى ضرورات منطقية. وعنده، يشكل نظام العقول العشرة في آنٍ واحد “علماً طبيعياً” و“ميتافيزيقا”، على نحو شبيه بالكرماني الذي تصبح لديه “الطبيعة” نفسها “ميتافيزيقا”. يتمحور المشروع الإسماعيلي حول “خلاص النفس” بالمعرفة، وقد وضع ابن سينا هذا المحور في صميم فلسفته. فبحثه في “النفس” ليس مجرد بحث طبي أو بيولوجي، بل هو دراسة لـ“اغتراب النفس” وصراعها من أجل العودة إلى عالمها السماوي، كما يتجلى في قصيدته الشهيرة، العينية في النفس. وهذا “الحنين الكوني” يمثل صدى مباشراً للروحانية الإسماعيلية التي نشأ في أجوائها. وفي نهاية المطاف، قام ابن سينا بـ“علمنة” المشروع الإسماعيلي. فقد أخذ الهيكل الأساسي للميتافيزيقا الإسماعيلية، بما فيه العقول والنفوس والأفلاك والمراتب، ونزع عنه الطابع السري والحصري المرتبط بالإمام، وجعله متاحاً لكل عقل بشري يمتلك الحدس العقلي والمنطق. واستبدل بالتأويل الباطني ( ta ʾ wīl ) البرهان الأرسطي ( burhān ). لكنه، إذ فعل ذلك، كان يؤسس بطريقته الخاصة “ديناً فلسفياً” جديداً، أكثر ثقة بذاته وأكثر رسوخاً من الناحية الاستراتيجية حتى من مشروع الفارابي. كان الفارابي ينظر إلى النبي أساساً من زاوية سياسية، فيراه “الرئيس الأول” الذي يستخدم ملكة التخيل لترجمة الحقائق الفلسفية المجردة إلى لغة يمكن للجمهور إدراكها. أما ابن سينا، فذهب إلى أن النبي يمتلك “حدساً عقلياً” استثنائياً ( ḥads )، يتيح له الاتصال بالعقل الفعال على نحو فوري، من دون الحاجة إلى المرور بالدراسة الاستدلالية. ومن خلال تأطير النبوة بوصفها ملكة عقلية طبيعية، وإن كانت نادرة، أدخل ابن سينا “الدين” فعلياً في مجال “العلم”. وهكذا أعيدت صياغة الدين بوصفه فرعاً متخصصاً من علم النفس، وأصبح الفيلسوف المرجع النهائي في الحكم على صحته. وفي هذا الإطار، لم يعد الفيلسوف بحاجة إلى politeia ، كما عند الفارابي، ولا إلى دعوة إمبراطورية، كما في الإسماعيلية، لكي يبلغ الخلاص. بل يتحول الخلاص إلى حدث داخلي معرفي: “عودة” النفس المغتربة إلى مصدرها بقوة العقل الذاتية. وبالنسبة إلى ابن سينا، إذا كان للفلسفة أن تحل محل الإمام أو الدعوة بوصفها مصدر الحقيقة النهائية، فلا بد لها من أن تكون مكتفية بذاتها. فقد أراد إثبات وجود الله بالمنطق وحده، من دون الاستناد إلى “الآيات” أو “الوحي” أو حتى إلى العالم المادي وحركته. أما إله الكرماني فهو “غيب الغيوب”، المتعالي عن الوجود واللاوجود. وينشأ عن ذلك “فاصل” لا يستطيع أن يجسره إلا الإمام أو تعليم سري ( ta ʿ līm ). أما ابن سينا، فلا يترك مجالاً للصناديق السوداء: فالكون لديه شفاف بالكامل أمام العقل. ومن خلال إثبات وجود الله بوصفه ضرورة منطقية، جعل ابن سينا من الممكن، نظرياً، أن يفهم العقل البشري سلسلة الوجود بأكملها. برهان الصدّيقين يُعد “برهان الصدّيقين” واحداً من أكثر البراهين على وجود الله دقة وتأثيراً في تاريخ الفلسفة الإسلامية. وقد صاغه ابن سينا وسمّاه في كتابه الإشارات والتنبيهات، وميّزه صراحة عن الحجج الكلامية السابقة لدى المتكلمين، التي تعتمد على حدوث العالم، وكذلك عن حجج الفلاسفة الطبيعيين القائمة على الحركة والعلية الفيزيائية. وكان طموح ابن سينا أن يبني برهاناً لا ينطلق من العالم بوصفه معلولاً، بل من الوجود نفسه بما هو وجود. وغالباً ما يُربط الأفق القرآني لهذا البرهان بالآية: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 53) إلى جانب التأكيد أن شهادة الله تكفي برهاناً. وتميز القراءات الكلاسيكية بين نمطين من البرهنة: برهان الآفاق، الذي يستدل على الخالق انطلاقاً من المخلوقات، وبرهان الصدّيقين، الذي ينتقل مباشرة من الوجود نفسه إلى واجب الوجود، من دون المرور بالموجودات الممكنة أو بالحركة الكونية. الوجود الواجب والوجود الممكن في صميم برهان ابن سينا يكمن التمييز الأنطولوجي بين الوجود الواجب والوجود الممكن. فالموجودات التي نشاهدها ممكنة: توجد ثم تزول، مما يدل على أن وجودها ليس قائماً بذاته، بل يحتاج إلى مرجّح يرجح كفة الوجود على العدم. ولو كان كل موجود ممكن يحتاج إلى موجود ممكن آخر إلى ما لا نهاية، لما أمكن تثبيت أي وجود فعلي. ومن ثم، لا يمكن للتسلسل اللانهائي للعلل أن يشكل بنية تفسيرية مكتملة. فلا بد لسلسلة الإمكان أن تنتهي إلى موجود واجب الوجود بذاته، تكون ماهيته عين وجوده. وهذا الموجود هو واجب الوجود، الله. ويتعزز هذا الانتقال الميتافيزيقي بأطروحة ابن سينا الشهيرة القائلة إن الوجود عَرَض (ʿ araḍ ) يطرأ على الماهية. ففي الموجودات الممكنة، تكون الماهيات في ذاتها متساوية النسبة إلى الوجود والعدم، ومن ثم يكون الوجود شيئاً يُمنح لها من خارجها. ويتيح هذا التمييز المفهومي لابن سينا بلورة شكل جذري من التبعية الأنطولوجية: فالماهيات “تتلقى” الوجود من واجب الوجود، الذي وحده يوجد بذاته. وهكذا يتألف العالم من ماهيات تنتظر الوجود، في حين أن الله وجود محض بلا ماهية. وفي هذا الإطار، يكون الله واهب الوجود، ويصبح الوجود “فيضاً” ميتافيزيقياً يُمنح للماهيات التي لولاه لظلت غارقة في العدم. غير أن ابن رشد وجّه نقداً حاداً إلى هذه العقيدة، رافضاً القول إن الوجود عَرَض يُضاف إلى الماهية. ففي نظره، هذا الفصل مفهومي محض ولا حقيقة له خارج الذهن. والسؤال عن الكيفية التي “يلتحق” بها الوجود بالماهية هو، من وجهة نظره، خطأ في المقولات: فلا شيء يوجد قبل الوجود بحيث يمكن للوجود أن يُضاف إليه. وخلافاً لابن سينا، يؤكد ابن رشد أن وجود الشيء مطابق لماهيته في الواقع. ومن ثم، فإن نقده لجعل الوجود عَرَضاً عند ابن سينا يمثل دفاعاً عن الوحدة الأنطولوجية في مواجهة ما رآه تجريداً لا ضرورة له. الفيض وهرمية العقول يمتد هذا النقاش إلى علم الكون من خلال عقيدة الفيض التي يفسرها ابن سينا وابن رشد على نحو مختلف. ويصوغ ابن سينا المبدأ القائل إن “الواحد لا يصدر عنه إلا واحد”. فمن واجب الوجود يصدر العقل الأول، الذي ينتج بدوره بنية ثلاثية من خلال تعقله لذاته: معرفته بالمبدأ الأول، ومعرفته بذاته بوصفه واجباً، ومعرفته بذاته بوصفه ممكناً. وتتواصل هذه السلسلة عبر هرمية من عشرة عقول، تنتهي بالعقل الفعال، الذي يدبر العالم ما تحت القمر. وتدمج هذه البنية الكونية الميتافيزيقا بعلم الفلك: إذ يرتبط بكل فلك سماوي عقل ونفس. وتتولى نفس كل فلك مسؤولية حركته، التي لا تُفهم على نحو ميكانيكي، بل بوصفها شكلاً من أشكال الشوق أو التطلع إلى الكمال. وهكذا يصبح الكون بأسره هرمية من العقول والنفوس والأجسام قابلة للإدراك العقلي. أما ابن رشد، فيعيد توجيه هذا النظام الميتافيزيقي نحو إطار أرسطي أكثر صرامة. فهو يرفض الحاجة إلى تعدد العقول الوسيطة، ويعيد تأكيد أولوية الحركة الفيزيائية بوصفها نقطة انطلاق للبرهان. وتستند براهينه على وجود الله إلى الطبيعة نفسها: دليل العناية، الذي ينطلق من ملاحظة انتظام العالم وملاءمته للحياة، ودليل الاختراع، الذي يشير إلى التعقيد المنظم للكائنات الحية، وهو ما لا يمكن تفسيره بالمصادفة وحدها. أما العلة القصوى فهي المحرّك الذي لا يتحرك، ويُستدل عليه من واقع الحركة الأزلية في السماوات. التصور الكوني عند ابن سينا والإسماعيليين ضمن هذا المشهد الفكري الأوسع، تصبح عقيدة العقول العشرة بنية مشتركة، وإن كانت موضع خلاف، بين الفكر السينوي والفكر الإسماعيلي. ويفترض كلا النظامين أن التعالي الإلهي يستلزم وساطة: فالله لا يدبر العالم مباشرة، بل عبر هرمية من العقول المفارقة. كما يربط كلاهما العدد عشرة ببنية كونية مكتملة، يتولى فيها العقل العاشر، أي العقل الفعال، تدبير العالم ما تحت القمر. وبهذا المعنى، يكون التصور الكوني ميتافيزيقياً ومعرفياً في آنٍ واحد: فهو يفسر بنية الكون وشروط المعرفة الإنسانية معاً. ويظهر تقارب آخر في دور العقل الفعال بوصفه وسيطاً بين المعقول والإدراك الإنساني. فهو مصدر الصور، والمبدأ الذي يُخرج العقل البشري من القوة إلى الفعل، والشرط الذي تقوم عليه المعرفة الفلسفية. وعند ابن سينا، يظل الوصول إلى هذا العقل متاحاً للفيلسوف من خلال الحدس العقلي. أما في الفكر الإسماعيلي، ولا سيما لدى حميد الدين الكرماني، فيرتبط هذا الوصول بنيوياً بشخص الإمام، الذي يجسد معناه وينقله ضمن نظام هرمي للمعرفة. وما يتكشف من هذا الإطار المقارن ليس مجرد خلاف حول براهين وجود الله، بل تباين أعمق يتعلق ببنية الواقع ذاتها: هل الوجود في جوهره قياسي أم مطابق؟ وهل الوساطة ضرورة ميتافيزيقية أم بناء تأويلي؟ وهل تبلغ الفلسفة ذروتها في حدس عقلي مستقل أم في نظام هرمي منظم للمعنى الموحى به؟ (ملاحظة: تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

الأنثروبولوجيا أمام مرآتها
بقلم
يقظان التقي
نُشر

لم يكن ممتعاً لعلماء الأنثروبولوجيا عندما تم تصنيف تخصصهم كبؤرة لـ "التفكير الجماعي السياسي السيئ"، وبأن "الحياد العلمي"، هو في أفضل الأحوال وهم، وفي أسوأ الأحوال، إملاء سياسي." لقد غضبوا جداً من "تقرير حالة المنح الدراسية في العلوم الإنسانية والعلوم الإنسانية الاجتماعية"، الذي كفلته جامعة "فاندربيلت" و"جامعة واشنطن" في سانت لويس من خلال تقرير أعده عشرة علماء، والذي صدر أخيراً عن علم الأنثروبولوجيا كمثال على مجال يرى تدهوراً واسع النطاق في المعايير العلمية، جنباً إلى جنب مع مناخ فكري سيئ يتم فيه قمع ومعاقبة الاختلاف المعقول في الرأي حول الموضوعات المثيرة للجدل سياسياً. فماذا يبقى من العلم عندما يصبح الخلاف حول المنهج نفسه خاضعاً للضغط السياسي والأخلاقي والهوياتي في الأنثروبولوجيا؟، واحدة من فروع الدراسات الحديثة بالمعنى الزمني، لأنها علم قديم نسبياً، بل إنها من الحقول التي اكتسبت حضوراً متزايداً في البحث المعاصر، خصوصاً عند تقاطع التاريخ والسياسة والمجتمع والثقافة. فالأنثروبولوجيا السياسية تحديداً توسعت من دراسة السلطة والمؤسسات إلى دراسة الدولة، والقومية، والهوية، والمواطنة، والعنف، والذاكرة الجماعية، والدين، والممارسات اليومية للسلطة، وأصبحت أكثر انفتاحاً على التاريخ والعلوم السياسية والفلسفة السياسية. كما أن مؤسسات وبرامج أكاديمية معاصرة تقدم الأنثروبولوجيا والسياسة بوصفهما مجالاً بينياً لفهم الثقافات والسياسات والشؤون الدولية بأبعادها التاريخية والاجتماعية والثقافية، إلى جمع وتأويل وقائع متأتية من أقاليم العالم. في 2023، ألغت الجمعية الأنثروبولوجية الأميركية والجمعية الكندية للأنثروبولوجيا جلسة بعنوان Let's Talk About Sex, Baby: Why Biological Sex Remains a Necessary Analytic Category in Anthropology . وبررت الجمعيتان القرار بالسلامة والكرامة و"النزاهة العلمية"، وقالتا إن الجلسة تقوم على افتراضات تعتبر الجنس والنوع الاجتماعي ثنائيين بصورة مبسطة لكن اللافت أن القرار نفسه أثار اعتراضاً من جهات معنية بحرية التعبير الأكاديمي، بينها PEN America وFIRE، اللتان اعتبرتا أن إلغاء الجلسة بسبب «الضرر» يطرح مشكلة تتعلق بحرية النقاش. فهل يجوز لمؤسسة علمية أن ترفض سؤالاً علمياً، لأنها ترى أن بعض الإجابات المحتملة عنه مؤذية لأحكام بلا سند ، على ضوء فرضية لا تؤخذ في الاعتبار الفيزياء، وبالتالي ربط التعقيد الفيزيائي بالتعقيد البيولوجي والتعقيد الأنثروبولوجي. هذا الانشغال بمعرفة تخمينية أعاد في العام 2026 طرح نقاشات حادة في إطار أزمة أوسع تتعلق بالتسييس والمعايير العلمية وإعادة تركيب مراحلها التي تحمل الكثير من الانفصالات النظرية عن فلسفة القرن السابق. تأتي هذه الهجمات من قوى سياسية تدعو إلى قراءة بيولوجية للعالم، وفي الجهة المقابلة، تستخدم قوى سياسية أخرى خطاباً بيولوجياً واجتماعياً يعيد تفسير الفوارق البشرية باعتبارها معطيات طبيعية ثابتة( المليارديرات عباقرة يستحقون ثرواتهم، والفقراء كضعفاء وُلدوا ليكونوا فقراء) ، ويشكك في كثير من المكتسبات التي أنتجتها العلوم الاجتماعية حول العرق والجندر والطبقة والسلطة. ليست المشكلة أن العلوم الاجتماعية «يسارية» أو «يمينية»، بل أن حدود ما يمكن أن يُسأل عنه علمياً بدأت تتحدد أحياناً قبل إجراء البحث، والأنثروبولوجيا نشأت أصلاً لتفكك ما يبدو طبيعياً وبديهياً. لكنها قد تقع اليوم في خطر تحويل بعض نتائجها النظرية إلى مسلمات لا يجوز مساءلتها، أي أنها تنتقل من نقد البديهيات إلى إنتاج بديهيات جديدة . فتأتي العلوم الاجتماعية لتزعزع هذا النظام القائم عن العلاقات الاجتماعية والتمييزات، وتهز هذه العلوم خطابات السلطة. لذا، يجب إسكاتها، أو أنها تصيب العدالة الاجتماعية، لكن ماذا لو أصبحت العدالة الاجتماعية نفسها معياراً لقبول المعرفة؟ تقرير يعلن أزمة في العلوم الإنسانية ، وتصبح الأنثروبولوجيا نموذجاً للنزاع ، مثال إلغاء جلسة الجنس البيولوجي للإنسان، والسؤال هل نحن أمام تسييس للعلم أمام تصحيح علمي مشروع؟ إنها مهمة تبدو شاقة، علماً أن المطالبة بحياد علمي هي بالنسبة للباحث، إنكار لعلاقته بالعالم، وقد تصل حتى إلى شكل من أشكال سوء النية. ومن ناحية أخرى، الموضوعية هي مبدأ أساسي للعلم يجب تعزيزها باستمرار من خلال إجراءات ومبادئ تسمح بالبحث عن الحقيقة. كانت الهجمات في الولايات المتحدة، موجهة أولاً ضد العلوم الاجتماعية، قبل أن تستهدف أيضًا علوم المناخ والميكروبيولوجيا وحتى اللقاحات. في أوروبا، تتعرض دراسات الجندر للهجوم منذ فترة طويلة في دول مثل هنغاريا. في فرنسا، كان تدخل وزيرة التعليم العالي فريديريك فيدال في عام 2021، إلى تحقيق في بعض مجالات الدراسات النقدية. وبدا من المهم تسليط الضوء على البروتوكولات والمبادئ التي تشر عن العمل العلمي الذي لا يعتمد على حياد الباحث، بل على موضوعية منهجه، و تحت أي ظروف يمكن أن تتحدى ما يبدو بديهيًا، أي أن تكون نقدية حقًا. فلا ينبغي للسياسة أن تحدد ما هو صحيح علمياً، كما لا ينبغي للعلم أن يدعي أنه يعيش خارج السياسة والمجتمع؟ تقول جوليا ايليشار أستاذة أنثروبولوجيا في برينستون، "لقد استخدموا الذكاء الاصطناعي لمسح مجموعات كبيرة من النصوص بشكلٍ أصبح طريقة شائعة بشكل متزايد في العديد من العلوم الاجتماعية". وأكدت أن تدريس علم الجنسين سيكون "بمثابة تحويل قسم علم الفلك إلى قسم لعلم التنجيم" . إنها قراءة متباينة في وقت تتعرض فيه الأكاديمية لهجوم غير مسبوق، فهي بحاجة إلى خبراء علاقات عامة يمكنهم بيع قيمة التعليم العالي للجماهير. بدلاً من ذلك، لا يزال معظم الأكاديميين يفعلون ويقولون أشياء في حدود غير مفهومة ، ومعهم رؤساء الجامعات الذين يتعثرون في جلسات استماعهم، وكذلك خبراء الصحة العامة في تصاريحهم المتناقضة، ومراكز الفكر، التي تجادل في محاولة إعادة بناء الثقة وترتيب الاعتراضات على ما يقوم عليه الفكر النظري لأنثروبولوجيا تصف نفسها أنها تطويرية. تنسب كلمة "حياد" في البحث إلى ماكس ويبر. لكنها كانت خلطات من كتاب "العالم والسياسي" بلون، 1959، وتم جمعها في عام 1959 من قبل ريمون أرون بهدف إقصاء العلوم الاجتماعية الماركسية. نظرية أخرى مهمة في بناء هذه الموضوعية العلمية هي نظرية الانعكاسية لبيار بورديو 1930-2002) ، أكد فيها أن الباحث في العلوم الاجتماعية يتعرض لتحيزات. فالأنثروبولوجيا لم تكن يوماً علماً «محايداً» بالمعنى الفيزيائي أو الرياضي، والباحث يدخل الميدان بثقافته، ولغته، وموقعه الاجتماعي، وأسئلته المسبقة. والسبب الأكثر شيوعاً لانعدام الثقة في الأوساط الأكاديمية هو "الأجندة السياسية"، يليها مباشرة "التكلفة" وتصور أن الشهادات لم تعد تُعد الخريجين لسوق العمل. لقد أمضى الأكاديميون سنوات في إقراض مصداقيتهم المؤسسية لمشاريع سياسية متنوعة. والآن هم مفلسون من حيث السمعة. إذا لم يصلحوا الضرر، والعديد من المؤسسات ستصبح مفلسة مالياً أيضاً. ذلك، أن العلم الموضوعي لا ينفصل عن مجتمع ديمقراطي يخضع لنفس المتطلبات النقدية للموضوعية والسياق. فالعلم هو مشروع جماعي، يتطلب، لتعريف ما يُعتبر معرفة، نوعًا من الديمقراطية. وتُعتبر إحدى الانتقادات الموجهة إلى الجامعات راهناً، في أن حرية التعبير تتعرض للهجوم، وتستهدف هذه الاتهامات إقصاء الليبرالية الفكرية التي أدت إلى عدم الرقابة، بل إلى وضع حدود محاطة بالقانون، تمنع التصريحات المعادية للديمقراطية، العنصرية أو الميسوجينية، التي تهدف هذه الانتقادات إلى إعادة شرعنتها. هؤلاء هم نفس الأشخاص الذين، دون خوف من التناقض، يهاجمون الحريات الأكاديمية، بسياسة مناهضة تهدف إلى السيطرة أو إسكات العلماء، وكل من يعمل على الدفاع عن الحريات والحقوق في مجالات العدالة، والصحافة أو ثقافة محررة، في خدمة للمنفعة العامة والخير العام ، تعمل من أجل عالم قابل للعيش لأكبر عدد ممكن من الناس. فالعلم لا يموت عندما يكون مسيّساً، يموت عندما يصبح غير قابل للتصحيح.

ماذا لو كنا نبدأ من المكان الخطأ؟
بقلم
حسام العيد
نُشر

ثمة فكرة تكاد تتحول اليوم إلى مسلّمة في الحياة السياسية اللبنانية. فكلما جرى الحديث عن استعادة الدولة، أو عن مستقبل حزب الله، أو عن إعادة بناء التوازن الوطني، ينتهي النقاش، عاجلاً أم آجلاً، إلى السؤال نفسه: كيف نبني حالة شيعية مستقلة؟ يصعب الاعتراض على هذا السؤال. فهو يبدو منطقياً، بل بديهياً. فمن الطبيعي أن يحتاج أي مشروع وطني إلى حضور شيعي مستقل، وأن ينتهي احتكار أي جهة لتمثيل طائفة كاملة. لكن أكثر الأفكار خطراً ليست تلك التي تبدو خاطئة، بل تلك التي تبدو بديهية إلى درجة أننا نتوقف عن مساءلتها. ماذا لو كان السؤال نفسه هو المشكلة؟ ماذا لو لم يكن الطريق إلى الدولة يمر عبر بناء حالة شيعية، بل العكس تماماً؟ ماذا لو كانت الحالة الشيعية المستقلة، بكل ما تمثله من تنوع واستقلالية، ليست نقطة البداية، بل إحدى النتائج الطبيعية لنجاح مشروع وطني حقيقي؟ فعندما تصبح الأولوية هي إنتاج شخصيات شيعية، أو جمعها، أو الاستثمار فيها، أو تحويلها إلى عنوان المرحلة، ينتقل مركز الثقل، من دون أن نشعر، من الدولة إلى الطائفة. وتصبح السياسة، مرة جديدة، محاولة لإعادة ترتيب التوازنات داخل جماعة واحدة، بدلاً من إعادة تعريف العلاقة بين جميع اللبنانيين ودولتهم. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التفكير. فنحن نقول إننا نريد تجاوز النظام الطائفي، لكننا نبدأ مشروعنا السياسي من داخل الطائفة. ونقول إننا نريد بناء دولة المواطنين، لكننا نفتش أولاً عن ممثلين للطوائف. ونقول إننا نريد إخراج اللبنانيين من منطق الجماعات، لكننا نطلب من كل جماعة أن تنتج ممثلها الجديد قبل أن يبدأ المشروع الوطني. ربما لا يكون هذا تناقضاً مقصوداً، لكنه يستحق المراجعة. فحزب الله لم يصبح ما هو عليه لأنه احتكر التمثيل السياسي للطائفة الشيعية فقط. لقد بنى، على مدى عقود، منظومة متكاملة من القوة العسكرية، والخدمات الاجتماعية، والمؤسسات، والسردية الدينية، والعلاقات الإقليمية. وهذه المنظومة لا تواجه بإنتاج منظومة طائفية أخرى أكثر اعتدالاً، بل ببناء دولة تصبح هي المرجعية الطبيعية للأمن، والخدمة، والاقتصاد، والعدالة، والانتماء. ولهذا، فإن السؤال ليس إن كنا بحاجة إلى شخصيات شيعية مستقلة. نحن بحاجة إليها بالتأكيد. لكن السؤال هو: أين نضعها؟ هل نضعها في قلب مشروع شيعي جديد؟ أم في قلب مشروع لبناني جديد؟ الفرق بين الخيارين ليس شكلياً. ففي الأول، تصبح هذه الشخصيات مسؤولة عن تغيير طائفة بأكملها، وهو حمل لا يستطيع أحد أن يحمله. أما في الثاني، فإنها تصبح شريكاً في بناء بيئة وطنية قادرة على جذب اللبنانيين جميعاً، ومن بينهم الشيعة. وربما هنا يكمن الخطأ الأكثر شيوعاً في مقاربة هذه المرحلة. فبدلاً من الاستثمار في البيئة التي تُنتج القيادات، نستثمر في القيادات نفسها. وبدلاً من بناء المؤسسات والتنظيمات والشبكات المحلية والجامعات والنقابات والبلديات، نبحث عن الوجوه التي يمكن أن تختصر كل هذا العمل الطويل. لكن السياسة لا تعمل بهذه الطريقة. فالقيادات ليست بداية المشاريع، بل إحدى نتائجها. وما لم توجد البيئة التي تمنحها الشرعية والقدرة على الاستمرار، تبقى الشخصيات أكبر من قواعدها، وأكبر من الأدوات المتاحة لها، وأكبر من النتائج التي تستطيع تحقيقها. ولهذا، لم يعد السؤال الأكثر إلحاحاً هو: كيف نبني حالة شيعية مستقلة؟ أصبح السؤال الأهم هو: كيف نبني مشروعاً وطنياً يشعر المواطن الشيعي، كما المواطن السني والمسيحي والدرزي، أنه بيئته السياسية الطبيعية؟ فعندما ننجح في ذلك، لن نحتاج إلى صناعة شخصيات شيعية. ستظهر من تلقاء نفسها.

الحرس الثوري يلوّح بالانتقال إلى "الهجوم"

نحن اليوم أبعد ما نكون عن تلك التصريحات التي تعمّدت إشاعة تفاؤل (زائف)، وساقها كبار المسؤولين الباكستانيين والقادة الأمريكيون بشأن "اتصالات إيجابية" مع المفاوضين الإيرانيين، وشبه حتمية التوصل إلى اتفاق بين طرفي الصراع. صحيح أن الرئيس دونالد ترامب علَّق الغارات الجوية التي تستهدف مواقع "الحرس الثوري الإسلامي" وبناه التحتية ومخازنه، غير أن نظام الملالي يتصرف على عكس ذلك تماماً؛ إذ يبدو جلياً أنه يقتنص هذه الاستراحة لالتقاط أنفاسه، وإعادة ترتيب صفوفه، وترميم ترسانته الهجومية قدر المستطاع، بالتوازي مع نقل "الجبهة" والعمليات العسكرية إلى أرض طرف ثالث، ألا وهي اليمن. وفي هذا الإطار، كثفت ميليشيا الحوثي اليمنية الموالية لطهران هجماتها خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية على السعودية، وعلى المواقع والمراكز الحيوية التابعة للحكومة اليمنية المدعومة من الرياض والمعترف بها دولياً. ففي صبيحة يوم الأربعاء 12 آب وظهيرته، عاود الحوثيون قصف ميناء المخا الخاضع للجيش اليمني، إلى جانب مواقع أخرى للقوات الحكومية. ورداً على ذلك، قصفَت القوات الحكومية اليمنية بالمدفعية الثقيلة تجمعات الحوثيين ومواقعهم على جبهة مأرب، بينما استهدفت طائرات مسيّرة الآليات العسكرية والتحصينات التابعة للميليشيا الموالية لإيران في تعز. وأفاد مسؤول يمني رفيع بعد ظهر الأربعاء بأن "عشرات العناصر من ميليشيا الحوثي سقطوا بين قتيل وجريح خلال هذه العمليات الممتدة على جبهات عدة". كما أفادت قناة "الحدث" بـ"مقتل 84 عنصراً من الميليشيا خلال ستة أيام، من بينهم 28 قيادياً". يُشار إلى أنه في وقت متأخر من مساء الثلاثاء، أطلق الحوثيون صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه قوات سعودية في مأرب. كما أكدت الميليشيا الموالية لإيران استهدافها مستودعات أسلحة وذخيرة، فضلاً عن مراكز قيادة سعودية. حرب نفسية بالتوازي مع نقل التوتر العسكري إلى الميدان اليمني، تأخذ الحرب النفسية بين طرفي النزاع منحى تصاعدياً. فقد وصف الرئيس دونالد ترامب القادة الإيرانيين مرة جديدة بـ"الكذابين" و"المخادعين"، مؤكداً انعدام ثقته بنظام الملالي. وأضاف ترامب أن "الحرس الثوري بات منهكاً، وقد مُني بضربات موجعة ولاذ بالفرار". وشدد رئيس البيت الأبيض على أنه من المستحيل أن يُسمح للجمهورية الإسلامية بـ"لعب دور معكّر الصفو في الشرق الأوسط"، مؤكداً أن "إيران لم تعد مُستبدّ المنطقة". في المقابل، جاءت تصريحات "الحرس الثوري" أكثر هجومية وتصعيداً؛ إذ نفى وجود أي محادثات جارية مع الأمريكيين بشأن تمديد وقف إطلاق النار، معتبراً أنه "لا يوجد وقف لإطلاق النار أصلاً حتى يجري الحديث عن تمديده". وكان مستشار قائد "الحرس الثوري" أكثر وضوحاً في كشف النوايا الإيرانية، في انعكاس يرجح تمدد التشدد داخل قيادة الجمهورية الإسلامية عقب التعيينات الأخيرة التي شملت ستة ضباط كبار في مناصب عسكرية وأمنية مفصلية؛ إذ أعلن صراحة أن "الحرس الثوري انتقل من العقيدة الدفاعية إلى الهجومية، وعليه التأهب لخوض عمليات على أراضٍ أجنبية". وموضحاً أبعاد هذا التموضع الجديد، أضاف: "أحد الخيارات المطروحة هو إطالة أمد هذه الحرب حتى الولاية الرئاسية المقبلة (في الولايات المتحدة) لاستنزافهم (...) فالأهداف الاقتصادية عبر العالم سهلة التدمير". وختم بالقول: "إن ما ننتجه يومياً من الصواريخ يتجاوز ما نطلقه منها في اليوم الواحد". الاتحاد الأوروبي و26 دولة يطالبون بإيقاف الإعدامات في إيران وبينما كان المسؤول الرفيع في "الحرس الثوري" يكشف عن هذه "الإستراتيجية الهجومية" الجديدة، أعلنت وزارة الداخلية الكويتية بعد ظهر الأربعاء أن جهاز أمن الدولة أجهض "مخططاً إرهابياً كان يستهدف بنى تحتية حيوية في البلاد". وبالتوازي مع ذلك، وفي سياق نقل التوتر إلى ساحات أُخرى، صرّح قائد "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري"، إسماعيل قاآني، خلال زيارة له إلى بغداد الأربعاء، بأن قرار الحكومة العراقية الجديدة القاضي بحصر السلاح بيد الدولة "يشكّل طعنة في ظهر إيران". وبحسب المعلومات، فإن المسؤول الإيراني طلب من الميليشيات العراقية الموالية للجمهورية الإسلامية التصدي لهذه السياسة التي تعتمدها السلطة الحاكمة في بغداد. تُجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي وستاً وعشرين دولة أخرى أصدروا بياناً مشتركاً طالبوا فيه نظام الملالي بالوقف الفوري لإعدام الشباب والمواطنين الإيرانيين الذين شاركوا في التظاهرات الأخيرة في مدن ومناطق عدة عبر الجمهورية الإسلامية.