شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
تلة علي الطاهر والحوثيون في صدارة الأحداث

فيما تراوح المفاوضات الإيرانية-الأميركية مكانها وسط تصريحات شديدة اللهجة من الجانبين، شهدت جبهة جنوب لبنان بين إسرائيل وحزب الله هذا الأسبوع تصعيدًا تدريجيًا بلغ ذروته يوم السبت، ما قد ينذر بتطورات يصعب التنبؤ بها خلال الأيام المقبلة. كان الأسبوع المنصرم، بين 10 و16 آب/أغسطس 2026، مرادفًا في جنوب لبنان لتصعيد متدرج بلغ ذروته في السبت الدامي، 15 آب. مشهد يعيد إلى الأذهان ما سبق أن شهده لبنان، مع انتقال مركز ثقل صراع إقليمي إلى بلد صغير، في وقت تحل فيه، على الجبهة الرئيسية في إيران، حدة الكلمات المتبادلة بين المتحاربين الإيرانيين والأميركيين محل حدة الأفعال... حتى الآن. وهكذا، كان جنوب لبنان مسرحًا لتصعيد إسرائيلي متزايد مع توالي أيام الأسبوع. وهي أيضًا المرة الأولى منذ وقف إطلاق النار النسبي في حزيران/يونيو الماضي التي تتحدث فيها إسرائيل عن عمليات نفذها حزب الله ضد جنودها، رغم أن الميليشيا الشيعية لم تتبنَّ هذه العمليات، ولا تزال تتظاهر باحترام الهدنة. واستمر استهداف علي الطاهر طوال الأسبوع بشكل مكثف ومنتظم من جانب الإسرائيليين، وصولًا إلى يوم السبت الذي كان دامياً بصورة خاصة. ففي ذلك اليوم، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه استهدف قياديين بارزين في حزب الله، هما علي فخر الدين في دير الزهراني، وعلي الحاج حسن (من قوة الرضوان النخبوية)، الذي قُتل مع أفراد عائلته في مقر عسكري لحزب الله في أنصار (على تخوم صيدا، أي في موقع متقدم جدًا نحو الشمال). وأسفرت ضربات ذلك اليوم عن مقتل 11 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، وإصابة نحو عشرين آخرين. وفي معرض تبريره لهذه الضربات، أشار الجيش الإسرائيلي إلى عملية استهدفت جنوده في «المنطقة الصفراء» (التي يحتلها في الجنوب)، في منطقة علي الطاهر. ولم يؤكد حزب الله شيئًا، لكنه أصدر السبت بيانًا تضمن تهديدًا بـ«رد مناسب» في حال استمرار الانتهاكات. وتعزز الانطباع بأن تلة علي الطاهر، التي باتت شهيرة، تشكل نقطة عصبية في الصراع، بعد تصريحات أدلى بها السبت رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد قاليباف، كبير المفاوضين، أكد فيها أنه «على اتصال بالمقاتلين في الخطوط الأمامية في علي الطاهر». ولا تكشف هذه التصريحات عن رغبة إيرانية في الإبقاء على هيمنتها على لبنان عبر حزب الله فحسب، بل تدفع أيضًا إلى التساؤل عما إذا كان قاليباف يتحدث عن مقاتلين لبنانيين فقط، أم أن هؤلاء يحظون بمساندة ضباط كبار في الحرس الثوري الإيراني، كما تتردد شائعات منذ بداية هذا الصراع. وإلى أي مدى تبدو إيران مستعدة للذهاب في دعم حزب الله في مواجهة غير متكافئة إلى هذا الحد مع إسرائيل؟ تصعيد كلامي بين حزب الله والولايات المتحدة ومن أبرز أحداث الأسبوع أيضًا التصعيد الكلامي بين عدد من كبار المسؤولين الأميركيين وحزب الله. وقد بلغ هذا التصعيد ذروته مع تصريح للسفير الأميركي ميشال عيسى، الجمعة، شدد فيه، ردًا على سؤال صحافي، على أن عمليات التدمير الإسرائيلية لن تتوقف إلا عندما يسلّم حزب الله سلاحه. ويوم الأحد، أكد مصدر في وزارة الخارجية الأميركية أن حزب الله «يتحمل وحده مسؤولية» الوضع الذي وصل إليه البلد. وقد استدعت تصريحات ميشال عيسى ردًا شبه فوري من الأمين العام للحزب نعيم قاسم، الذي شنّ، في خطاب شديد اللهجة الجمعة، هجومًا على السلطات اللبنانية، متهمًا إياها بالقبول بـ«الإذلال» والانصياع للإملاءات الأميركية والإسرائيلية. وطالبها بـ«التوقف عن مراكمة الإخفاقات»، معتبرًا أن جميع جولات التفاوض مع إسرائيل لم تحقق أي فائدة للبنان. كما أعاد تسليط الضوء على الدور الإيراني، معتبرًا أن اتفاق إسلام آباد وحده (والذي بات اليوم في حكم الميت سريريًا) هو الذي أفضى إلى وقف إطلاق النار في البلاد. وجاء بيان أصدره حزب الله السبت، عقب الضربتين الإسرائيليتين الداميتين، متناغمًا مع هذا الخطاب، إذ أكد أن الرهان على الأميركيين وعلى الضمانات التي يقدمونها يشكل «فشلًا مؤكدًا». كما شهد الأسبوع المنصرم سجالًا بين الإسرائيليين والأميركيين بشأن لبنان. وتجلى ذلك بصورة أساسية في رد أميركي غاضب على تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي أكد أن جيشه «لن ينسحب» من جنوب لبنان. واعتبرت واشنطن أن مثل هذه التصريحات تعرّض المفاوضات بين لبنان والدولة العبرية للخطر. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أوفد ممثله (وصهره) جاريد كوشنر إلى المنطقة. ومن المرتقب أن يتوجه خلال الأيام القليلة المقبلة إلى إسرائيل لإجراء محادثات تتركز على غزة، لكنها قد تتناول أيضًا، على الأرجح، الوضع في لبنان. وشهد الأسبوع المنصرم كذلك جولة قام بها الفريق جوزف كليرفيلد، الذي يرأس لجنة مراقبة وقف إطلاق النار (المبرم في تشرين الثاني/نوفمبر 2024) برئاسة الولايات المتحدة، على عدد من المسؤولين اللبنانيين، وكان يرافقه السفير عيسى. وبحث الضابط الأميركي مع محاوريه المفاوضات الثلاثية، في ضوء زيارة كان قد أجراها إلى إسرائيل في الأسبوع السابق. على الجبهة الأخرى: مضيق هرمز أما على جبهة الصراع الأميركي-الإيراني، فلم تُسجّل تطورات كبرى هذا الأسبوع، لا على مستوى المواجهة المسلحة ولا على صعيد المفاوضات المباشرة (التي لا تزال معدومة)، وذلك قبل أيام قليلة من انتهاء مهلة الستين يومًا المنصوص عليها في الاتفاق الإطاري الذي وقعته الدولتان في إسلام آباد في حزيران/يونيو. وبالتالي، يبدو الأسبوع المقبل مفتوحًا على جميع الاحتمالات. وفي صلب الاهتمام، مضيق هرمز. فقد انتهى الأسبوع على وعود بالتوصل إلى اتفاق إيراني-عُماني بشأن إدارة المضيق، في تناقض مع التصريحات الحربية الصادرة عن الجانبين. وقد أكد الرئيس الأميركي في أكثر من مناسبة أن المنطقة تخضع بالكامل للسيطرة الأميركية، وأن الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية محكم. من جهتهم، كثّف الإيرانيون تصريحاتهم الاستفزازية تجاه الأميركيين. وكان آخرها، الأحد، تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي أكد أن بلاده لا تعتزم في الوقت الراهن استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة. وهكذا، لا ينفك الإيرانيون يتصرفون كمنتصرين، فيما يواصلون بهدوء قمعهم الداخلي الوحشي من خلال تكثيف عمليات إعدام المعارضين، ولا سيما الشباب وحتى المراهقين. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، الذي لا يزال غائبًا عن الظهور العلني، أجرى الثلاثاء ستة تعيينات رئيسية في الجهازين العسكري والأمني الإيرانيين. وقد اعتبر المراقبون هذه التغييرات تعزيزًا لهيمنة الحرس الثوري الإيراني على المناصب الدفاعية الأساسية، ما يعزز الانطباع بوجود توجه نحو مزيد من التشدد في ظل استمرار التوترات الإقليمية. وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى أن جبهة الحوثيين اليمنيين بقيت نشطة جدًا هذا الأسبوع. فإلى جانب عدة هجمات شنها الحوثيون في البحر الأحمر (تضاف إلى الهجمات الإيرانية على السفن في مضيق هرمز)، وقعت ضربات كبيرة استهدفت مصفاة تابعة لعملاق النفط السعودي أرامكو، فضلًا عن ميناء تسيطر عليه القوات اليمنية الرسمية المدعومة من المملكة العربية السعودية.

تصعيد دموي في جنوب لبنان
بقلم
LevantTime .
نُشر

تزامنت ذكرى عيد انتقال السيدة العذراء، السبت الخامس عشر من أغسطس، مع تصعيد خطير في جنوب لبنان، إذ شنّت الطائرات الحربية الإسرائيلية غارات دامية على بلدتَي الأنصار ودير زهراني في قضاء النبطية، ما أسفر عن سقوط أحد عشر قتيلاً، من بينهم قيادي عسكري رفيع في حزب الله، فضلاً عن نحو عشرين جريحاً. أعلن الجيش الإسرائيلي في وقت متأخر من اليوم ذاته أن هذه الغارات جاءت رداً على هجوم شنّته الميليشيا الموالية لإيران ليل الجمعة ضد وحدة إسرائيلية في منطقة علي الطاهر في محيط النبطية، ما أسفر عن إصابة ثلاثة جنود إسرائيليين، اثنان منهم في حالة خطرة. وعلى إثر هذه العملية، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي فجر السبت غارات مكثفة على تلال علي الطاهر، غير أن الغارة الجوية الأشد فتكاً كانت تلك التي استهدفت بلدة الأنصار، حيث لقي سبعة أشخاص حتفهم. أفادت هيئة الأركان الإسرائيلية (تساهل) في بيان رسمي بأن «قائد» وحدة الرضوان النخبوية التابعة لحزب الله، علي سمير حاج حسن، قد لقي حتفه في الأنصار. وأوضح البيان أن المبنى المستهدف كان مركز قيادة للميليشيا الموالية لإيران، صدرت منه أوامر بتنفيذ الهجوم على الجنود المرابطين على تلة علي الطاهر. وأشار البيان إلى مقتل عدد من مساعدي القيادي الحزب اللهي إلى جانب أفراد من عائلته كانوا متواجدين في مركز القيادة، مؤكداً أن «القيادي القتيل أحاط نفسه بأفراد عائلته واتخذهم دروعاً بشرية». وفي وقت لاحق من يوم السبت، شُنّت غارة على دير زهراني أودت بحياة أربعة أشخاص وأوقعت عدداً من الجرحى. وقد استنكر رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام هذه الغارات الجوية بشدة. وفي المساء، أفادت القناة الإسرائيلية الثانية عشرة بأن تساهل أبلغت سكان شمال إسرائيل عزمها «تنفيذ ضربات في جنوب لبنان خلال ليل السبت، وأنه ستُسمع بالتالي انفجارات» في المنطقة. اتفاقية هرمز تعود إلى الواجهة على الصعيد الإقليمي، أكدت وزارة الخارجية الإيرانية مساء السبت أن اتفاقية مع سلطنة عُمان ستُعلَن قريباً، تهدف إلى تحديد الممرات البحرية المسموح للسفن بسلوكها عبر مضيق هرمز. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن وزارة الخارجية الإيرانية كانت قد صرّحت قبل أيام بأن توقيع اتفاقية مع سلطنة عُمان لا يعني بالضرورة ضمان حرية الملاحة وأمنها في مضيق هرمز. وأعادت مصادر رسمية في طهران التأكيد مساء السبت على أن «على الولايات المتحدة الوفاء بشروط معينة لضمان الأمن في المضيق»! وفي هذا الإطار، تعرّض ناقلتا شحن، إحداهما تعود لشركة إماراتية، لهجمات إيرانية في المنطقة ذاتها خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية. وفي موازاة هذا التوتر المتصاعد في المنطقة جراء عمليات الحرس الثوري الإيراني، تواصلت العمليات العسكرية والقصف يوم السبت في اليمن بين ميليشيا الحوثيين الموالية لإيران والقوات الحكومية اليمنية النظامية، ولا سيما في منطقة مأرب. ثلاثة طيارين إيرانيين قُتلوا في قطر في مارس وختاماً، أعلنت إيران السبت أن ثلاثة طيارين إيرانيين محتجزون في قطر منذ مارس الماضي. وأفادت مصادر إيرانية بأنهم «وقعوا في الأسر حين أُسقطت طائراتهم في المجال الجوي القطري أثناء محاولتهم تنفيذ غارات على قواعد أمريكية». في وقت متأخر من مساء يوم السبت، نفّت وزارة الخارجية القطرية احتجاز أي طيارين إيرانيين، مشيرةً في الوقت ذاته إلى أن فرق الإنقاذ تواصل البحث عن رفات الطيارين. وأوضح المصدر القطري في هذا الشأن أنه جرى التواصل مع السلطات الإيرانية بهدف تسليمها رفات أحد الطيارين، «غير أن إيران لم تستجب لمساعينا»، وفق ما أكدته وزارة الخارجية القطرية.

النبي والفيلسوف (5/10)
بقلم
وسام سعادة
نُشر

في أبريل/نيسان 2026، ألقى وسام سعادة أربع محاضرات في جامعة بولونيا. وتُقدَّم هنا المحاضرة الأولى، التي أُلقيت بدعوة من البروفيسور جيوفاني جورجيني، وحملت عنوان “النبي والفيلسوف: هرمية المعرفة بين فلسفة ابن سينا والأفلاطونية المحدثة الإسماعيلية عند الكرماني”، في صيغة منقحة وموسعة، منشورة على هيئة سلسلة من عشرة أجزاء. تستكشف هذه السلسلة المشهد الفكري للأفلاطونية المحدثة في الإسلام من خلال قراءة مقارنة لفكر ابن سينا والكرماني. فعلى الرغم من اشتراك المفكرين في أفق أفلاطوني محدث واسع، يتأسس على ميتافيزيقا الفيض، وهرمية الوجود، وتركيب يجمع بين الفكرين الأرسطي والأفلاطوني، فإن كلاً منهما يبلور مشروعاً فلسفياً متميزاً: ابن سينا ضمن تقليد الفلسفة ( falsafa ) المشائي، والكرماني ضمن إطار اللاهوت الإسماعيلي. وعلى الرغم من اختلاف هذين الأفقين الفكريين، يظل مشروعاهما في حوار متواصل حول طبيعة المعرفة، والعلاقة بين العقل والوحي، ومسار ارتقاء النفس. كما يجسد كل منهما تصوراً مختلفاً للعلاقة بالسياسي، بما يسلط الضوء على طرائق متباينة لفهم موقع الفلسفة إزاء السلطة، والقانون، وتنظيم الجماعة. وتمثل هذه المقالة الحلقة الخامسة من هذه السلسلة المؤلفة من عشرة أجزاء. V - بين ما يتعذر التعبير عنه والضرورة: أزمة القاهرة والمنعطف الأنطولوجي يجب فهم وصول حميد الدين الكرماني إلى القاهرة في سياق إحدى أشد الأزمات اللاهوتية والسياسية حدةً في تاريخ الدعوة الإسماعيلية الفاطمية: السنوات الأخيرة من حكم الحاكم بأمر الله (حكم 996-1021م). وقد بلغت هذه الأزمة ذروتها مع “الانشقاق الدرزي”. وكان السبب الأساسي إعلان بعض المحرّضين أن الخليفة الإمام الحاكم لم يكن مجرد “حجة الله” أو “ركن من أركان الملأ الأعلى”، بل التجلي المطلق للألوهية ذاتها. وتاريخياً، ظل موقف الحاكم من هذه الشخصيات متقلباً، وهو موقف متغير لم يؤدِّ إلا إلى مزيد من تغذية النزعة إلى إسقاط أحكام الشريعة داخل الحركة. وقد ذهب هؤلاء المنشقون إلى أنه، ما دامت “نهاية الأزمنة” و“الحقيقة النهائية” قد تحققتا في شخص الحاكم، فإن الشريعة الدينية الظاهرة، بما فيها الصلاة والصيام والحج، قد أصبحت متجاوزة. ومن وجهة نظرهم، لم تعد وساطة الشريعة ضرورية في مواجهة حضور جذري ومباشر. ومن منظور الدعوة الفاطمية الرسمية، مثّل هذا التطور انحرافاً خطيراً. فقد حافظ المذهب الإسماعيلي التقليدي على تمييز ميتافيزيقي صارم: الله متعالٍ تعالياً مطلقاً ومنزّه عن كل إسناد، في حين أن الإمام إنسان مصطفى على نحو فريد، وهو المؤوِّل المخوّل للوحي الإلهي. وأي انهيار لهذا التمييز باتجاه مفاهيم الحلول أو التجلي الإلهي كان يهدد بنية التوحيد الإسماعيلي ذاتها. وفي سياق هذا الانشقاق العقائدي، استُدعي الكرماني إلى القاهرة من قبل المؤسسة المركزية للدعوة الفاطمية. وباعتباره واحداً من أكثر فلاسفة الإسماعيلية عمقاً في عصره، كان مؤهلاً على نحو خاص لمواجهة هذه الأزمة. وفي مواجهة النزعات الناشئة نحو تأليه الحاكم، أعاد الكرماني تأكيد تصور كوني هرمي صارم. ففي نظامه، يظل الله متعالياً تعالياً مطلقاً؛ ومنه يصدر العقل الأول بفعل الإبداع ( ibdā ʿ)، ثم تتبعه هرمية منظمة من العقول والمبادئ الكونية. وضمن هذه البنية، لا يمكن لأي شخصية بشرية، بما فيها الإمام، أن تحتل مرتبة الألوهية أو الحلول. ويظل الإمام سلطة معرفية وتأويلية أساسية، ولكن ضمن النظام المخلوق حصراً. ولا يمكن فصل فكر الكرماني عن مهمة ثلاثية وعن توتر يتجلى على ثلاثة مستويات. أولاً، سعى إلى ترسيخ الإسماعيلية الفاطمية بوصفها إسلاماً مؤسسياً متجذراً في تقليد فقهي راسخ، وهو مشروع أسهمت أعمال القاضي النعمان إسهاماً مركزياً في تشكيله. ثانياً، أراد أن يجعل الإسماعيلية، في آن واحد، حركة دعوية ناشطة داخل حدود الإمبراطورية وخارجها، وديناً إمبراطورياً. وثالثاً، سعى إلى تقديم الإسماعيلية بوصفها ديناً فلسفياً، وعلمياً بحسب معايير ذلك العصر، متجذراً بعمق في كوسمولوجيا زمانه وعلم الفلك فيه. ويطرح كل ذلك سؤالاً مركزياً: كيف يمكن لعقيدة باطنية أن تحكم دولة ظاهرية، وكيف يمكن، في المقابل، لإمبراطورية مرئية أن تقوم على ميتافيزيقا غير مرئية؟ بالنسبة إلى مفكر كالكرماني، تكمن الإجابة في نظرية المطابقة بين النظامين السماوي والأرضي: فكل ما في العالم الأعلى له نظير في العالم الأدنى. وهكذا تعكس بنية الإمامة الهرمية الكونية. راحة العقل في تصحيحه للنموذج الأفلاطوني المحدث السابق الذي ورثه عن السجستاني، أزال الكرماني حتى أدنى أوجه النقص من العالم الأعلى. وكان يسعى بذلك إلى جعل الحياة الأرضية منسجمة مع شكل من أشكال الوفاق ( concordia )، أي تناغم يقوم على “راحة العقل”. وتتحقق هذه الحال عندما يدرك العقل أن العقل الأول هو أول مُبدَع وأول موجود؛ وأن إبداعه يصدر عن مصدر محجوب أزلاً وبلا نهاية؛ وأن كل بحث فيما يقع “وراءه” ممتنع منعاً قاطعاً؛ وأن ما يقع “دونه” عاقل (ʿ āqil ) ومعقول ( ma ʿ qūl ) في آن واحد؛ وأن الإمامة هي الصورة الأرضية لهذا النظام من العقول؛ وأنها تمثل الصلة بنور هذه العقول، لا تجلياً للمحجوب الذي لا يتجلى أبداً. واقترن ذلك، لدى الكرماني، بمحاولة لمنع أي شكل من أشكال الاستقلال الفكري الذي قد يدفع العقل إلى ادعاء الاكتفاء الذاتي، بدلاً من أن يتواضع لتلقي تعاليم الإمام، الذي يمتلك وحده مفتاح التأويل الباطني. كما شدد على توازن صارم بين الباطن والظاهر، وبين العرفان الفلسفي والفقه، وبين شكلي العبادة: العقلية والعملية. من القاهرة إلى ألموت تمثل فترة الحاكم بأمر الله (386-411هـ / 996-1021م) اللحظة “الحرجة” أو “الدرامية” في التاريخ الإسماعيلي. فقد كشفت عن التصدعات الكامنة بين الأبعاد المتعددة للمشروع الإسماعيلي. وعندما اختفى الحاكم بأمر الله في ظروف غامضة ذات ليلة من سنة 411هـ، انهار “الجسر” الذي كان الكرماني يحاول تدعيمه. ورفض قسم من الدعوة، ولا سيما في بلاد الشام، الاعتقاد بأن الحاكم قد مات، ورأى في اختفائه “غيبة”. وأدى ذلك إلى نشوء الجماعة الدرزية، التي انفصلت كلياً عن الإطار الإمبراطوري الفاطمي. وأثبت ذلك أن البعد “الإمبراطوري” لم يعد قادراً على احتواء الدعوة “الثورية”. واضطر الخلفاء الذين أتوا بعد الحاكم، الظاهر ثم المستنصر، إلى تبني نهج شديد المحافظة من أجل الحفاظ على العرش. وهمّشوا الأبعاد الكونية والفلسفية “الخطرة” التي كادت تطيح بالدولة، وركزوا بدلاً منها على الأشكال التقليدية للحكم الإمبراطوري. وبعد ذلك بقليل، وجد دعاة فارس وخراسان، ومن بينهم ناصر خسرو (1004-نحو 1088م)، أنفسهم أمام فجوة هائلة. ففي الوقت الذي كانوا يبشرون بإمام كوني سيغيّر مجرى التاريخ، كانوا يرون بلاط القاهرة يغرق في الصراعات الصغيرة بين الوزراء وحرس القصر. وأفضى هذا التوتر في نهاية المطاف إلى الانشقاق الكبير: الصراع النزاري المستعلي. وجاء الانفصال النهائي مع صعود حسن الصباح وتأسيس دولة ألموت. فقد رأى الإسماعيليون الشرقيون، أي النزاريون، أن المركز الفاطمي في القاهرة قد استبدل بروحه الثورية مظاهر إمبراطورية راكدة، فقطعوا صلاتهم بالخلافة القاهرية. وفي جبال فارس الوعرة، انفصلت “الدعوة الثورية” أخيراً عن “البعد الإمبراطوري”. وحولت ألموت المشروع الإسماعيلي إلى شبكة لامركزية من الحصون ذات الطابع العسكري، واستبدلت بالفقه الرسمي للقاهرة عقيدة التعليم، أي التعليم القائم على سلطة الإمام. ومثّل هذا التحول الانتصار النهائي لروح “الهادي”، المقاتلة والسرية والمشحونة بكثافة فلسفية، على البنى السياسية المتآكلة التي كان الكرماني قد أمل يوماً في إنقاذها. من تعذر التعبير إلى الضرورة يكشف المسار الفكري للدعوة الإسماعيلية عن مفارقة لافتة: فقد اتسم الانتقال من القاهرة إلى ألموت بتحول من اللاهوت التنزيهي الجذري إلى إطار أنطولوجي سيناوي. وقد تمسك المفكرون الفاطميون الأوائل، مثل السجستاني والكرماني، بلاهوت تنزيهي صارم. فقد رأوا أن المبدع ( al-Mubdi ʿ) متعالٍ في “غيريته” إلى حد أنه يتجاوز الوجود واللاوجود معاً. وكان الهدف من هذا “النفي المزدوج” حماية التوحيد من أي تشبيه بشري أو مادي، ووضع الإلهي خارج متناول اللغة والمنطق. أما في مرحلة ألموت، التي اتسمت بإعلان “القيامة” ( Qiyāma )، وهو الحدث التحولي الذي أُعلن في ألموت سنة 1164م ومنح الأولوية للجوهر الروحي للحقيقة على المتطلبات الشكلية للشريعة، ثم شهدت لاحقاً مزيداً من التطوير على يد نصير الدين الطوسي (1201-1274م)، فقد تبنّى الفكر الإسماعيلي لغة “واجب الوجود” ( wājib al-wujūd ). ومع تحول الميتافيزيقا السينوية إلى مرجعية للفلسفة العليا في القرنين الثاني عشر والثالث عشر، تبنى مفكرو ألموت هذه المقولات سعياً إلى إضفاء مزيد من الصرامة الفكرية على منظومتهم. وفي حين كانت الأفلاطونية المحدثة لدى الكرماني نظاماً كثيفاً ونخبوياً، احتاجت دولة ألموت المحاصرة إلى أساس ميتافيزيقي أكثر مباشرة. ومن خلال تبني مفهوم “واجب الوجود”، ربط لاهوت ألموت النظام الكوني على نحو أوثق بالتعليم القائم على سلطة الإمام، موفراً بذلك أساساً أنطولوجياً ثابتاً لجماعة تعيش في حال من الثورة الدائمة. وعندما دمّر المغول بقيادة هولاكو خان ألموت سنة 1256م، استسلم الطوسي إلى جانب الإمام الأخير، ركن الدين خورشاه. وسرعان ما أصبح أحد كبار مستشاري هولاكو، وأسهم في إنشاء مرصد مراغة. ومنذ ذلك الحين، اتجهت مؤلفات الطوسي العلنية نحو التشيع الاثني عشري. فوضع كتاب “تجريد الاعتقاد” ( Tajrīd al-I ʿ tiqād )، الذي أصبح أحد النصوص الأساسية في علم الكلام الاثني عشري. ومن المفارقات أن تنظيم الكرماني للعالم المعقول في مؤلفه الأبرز، “راحة العقل” ( Rāḥat al- ʿ Aql )، ربما كان أعمق أثراً في الموحدين الدروز منه في أي جماعة أخرى. فعلى الرغم من أن مهمته في القاهرة كانت تهدف في الأصل إلى دحض الآباء المؤسسين لهذه الجماعة، أصبحت صرامة تصوره الكوني الأساس الفكري نفسه الذي أقاموا عليه بناءهم العقائدي. (ملاحظة : تُرجم هذا النص عن اللغة الإنجليزية.)

صراع السرديتين، أو «حين تدق الساعة السنّية»

«كفى!» هكذا هتفت ثلاث دول اجتمعت في مكة المكرمة في السابع من آب الماضي. فتركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية، وهي ثلاث قوى تتكامل في ما بينها، أنشأت للتو ما يشبه «حلف ناتو سنيًا»، قد لا تتردد دول أخرى تبحث عن حماية عسكرية أو مظلة دبلوماسية في الانضمام إليه. وقد أحدث الإعلان عن توقيع هذا الحلف، بطبيعة الحال، وقع الصاعقة. ويكفي متابعة الصحافة السعودية خلال الأيام الأخيرة لإدراك التحول في نبرتها حيال ملالي طهران. فقد ولّى الزمن الذي كانت فيه الرياض، عاصمة المملكة السعودية، تتجرّع الإهانات وتتحمل بصبر واستكانة الاستفزازات الإيرانية، مفضلةً الحل السلمي للنزاعات مع المعتدين عليها. الحجة الدامغة! ما كان لطهران أن تتمادى في هذا النهج العدائي والمتغطرس تجاه جيرانها من الدول العربية، لولا القضية الفلسطينية التي رفعتها عاليًا، وهي قضية مقدسة طالما وفرت لها نوعًا من الحصانة. فلا يمكن إنكار أن إيران وذراعها، حزب الله، هما اللذان واصلا بلا كلل الصراع ضد إسرائيل ومشروعها التوسعي. فمن يستطيع إنكار ذلك، في حين لم تفعل الدول العربية، السنية في معظمها، سوى تجرّع الهزائم المتتالية على الأرض في أعوام 1948 و1956 و1967 وما تلاها؟ بل إن هذه الدول لم تكن لتعارض تطبيع علاقاتها مع تل أبيب، لو أن هذه الأخيرة أبدت استعدادًا لتقديم بعض التنازلات التي تتيح لها، على الأقل، حفظ ماء الوجه. وفي المقابل تمامًا، يقف العالم الشيعي، سواء في إيران أو في بلاد الشام . ألم يُحتفَ بحسن نصرالله عام 2006 كما لو كان صلاح الدين جديدًا، من قبل «شارع عربي» امتد من بلاد ما بين النهرين إلى المحيط الأطلسي؟ ألم يُقال إنه أجبر الجيش الإسرائيلي على التراجع؟ لقد كان هو، ولا أحد سواه، من أعاد للإسلام عزته، بحسب هذا التصور. وهو بذلك كان يخطّ، بدماء مقاتليه، سردية مضادة تعيد الاعتبار إلى طائفته الشيعية. سردية الحروب الصليبية وخطاب «المقاومة» إن تاريخ القرون الوسطى لا يسقط أبدًا بالتقادم في ذاكرة شعوبنا. ولنتذكر أن السردية العربية الشائعة، المستندة إلى مؤرخي ذلك العصر، ابن الأثير وابن القلانسي وابن العربي، تحمّل الفاطميين الشيعة مسؤولية سقوط الأراضي المقدسة والقدس في أيدي الصليبيين في أواخر القرن الحادي عشر (1). وهذه الرواية الراسخة في الأذهان تلوم الفاطميين، بصورة غير مباشرة، على محاولتهم الاستفادة من الغزو الفرنجي لإضعاف الأتراك السلاجقة (2). وفي السياق نفسه، لم يُغفل هؤلاء المؤرخون الثلاثة التأكيد على أن الرد السني، بقيادة قادة أمثال زنكي ونور الدين وصلاح الدين، ثم المماليك، هو الذي أسقط في القرن الثالث عشر آخر المعاقل الفرنجية وأعادها إلى أيدي المسلمين! وهذه هي السردية التي سادت لاحقًا، وحملتها الأيديولوجيا العثمانية طوال أربعة قرون، ثم تبنتها القومية العربية بوصفها رواية جامعة. إلى أن ظهر الخميني يومًا على مسرح الشرق الأوسط، معلنًا أن إسرائيل يجب أن تُمحى من على وجه الأرض! ودخل نظام ولاية الفقيه في صراع لا هوادة فيه مع الإسرائيليين، تخللته بعض النجاحات التي لم يتوقف عن التفاخر بها! نحن إذًا أمام سرديتين متنافستين، تحاول الثانية منهما دحض الأولى. ففي مواجهة ماضٍ غير مجيد، بات في وسع «الفاطمية السياسية» أن تطرح حاضرًا مشرقًا منسوجًا من البطولة والتضحية! وجعل حزب الله، مدعومًا من السلطات الإيرانية، من هذه السردية لازمةً يكررها باستمرار عبر وسائل الإعلام. حلف في مكة! نعم، ولكن ماذا يمكن أن ينتج عنه؟ ينبغي دائمًا أخذ الشارع العربي على محمل الجد، ولا سيما أنه سريع الانجراف وراء الأوهام. وفي الوقت الراهن، لا بد أنه يشعر بالارتياح إزاء عودة الصعود السني، إذ إنه، منذ عبد الناصر وياسر عرفات وصدام حسين، لم يعرف زعيمًا قادرًا على حشد الجماهير وإلهاب حماستها. فقد افتقد صورة البطل، في وقت كان فيه المعسكر الشيعي قادرًا على تعداد سلسلة من «شهداء القضية»، من قاسم سليماني إلى حسن نصرالله. وهكذا، شهد هذا الشارع السني، المعروف بحيويته، تراجعًا على مدى عقود. ثم جاء السابع من آب، فإذا بموازين قوى جديدة تبدأ بالتبلور في مكة، بعدما خرجت سوريا من محور «الممانعة»، فيما بقيت مصر على الحياد، وربما في موقع المترقب. لكن هل سيبقى الحلف الموقع في مكة، أقدس مدن الإسلام، حبرًا على ورق، شأنه شأن تحالفات كثيرة قصيرة العمر حفلت بها صفحات تاريخنا المعاصر؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال، أوضح أحد المراقبين أن الأمر لا يتعلق بإعادة تشكيل «جبهة سنية دينية، بل بإعادة تأكيد دور قوى وطنية سنية تسعى إلى استعادة زمام المبادرة الاستراتيجية في مواجهة إيران»، وكذلك في مواجهة إسرائيل. صحيح أنه، إذا سارت الأمور كما هو مخطط لها، فقد نشهد عملية «إعادة تطييف»، لكنها ستظل ذات طابع جيوسياسي. فحتى لو وفّر المذهب السني العمق التاريخي والاجتماعي لهذا التحالف بين دول ذات سيادة، فإن المصالح المدروسة لهذه الدول ستظل تتقدم على الأيديولوجيا الدينية وعلى التضامن الذي تفرضه هذه الأخيرة. فماذا يمكن أن نتوقع إذًا؟ ربما سردية جديدة للخلاف القديم نفسه بين أنصار الأرثوذكسية السنية وأنصار الاعتراض الشيعي! (3) 1- اتهام ينبغي، عند التمعن فيه، التخفيف من حدته. 2- عشية وصول الصليبيين، كان صراع ضارٍ يدور بين السلاجقة السنة والفاطميين الشيعة للسيطرة على المجال العربي-الإسلامي. 3- هشام جعيط، «الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر»، غاليمار، 1989.

من هرمز إلى لبنان، لا تزال علامات الاستفهام قائمة

تنتهي الهدنة التي استمرت ستين يوماً بين الولايات المتحدة وإيران بعد ثلاثة أيام، دون أي إشارة رسمية إلى نوايا الطرفين. لا تزال قنوات الاتصال بين طهران وواشنطن مقطوعة، غير أن الوسطاء، ولا سيما باكستان، يبذلون جهوداً حثيثة للحصول على تمديد وقف إطلاق النار المنصوص عليه في مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية التي أُبرمت في منتصف يونيو الماضي. ويبدو أن الطرفين مستعدان لتمديد الهدنة، دون أن يكون هذا التمديد المحتمل، في المرحلة الراهنة، مشروطاً بأي شروط بعينها، وفق ما أفادت به مصادر إعلامية متعددة متطابقة. وبذلك، يُرجَّح أن يستمر الوضع الإقليمي الراهن على ما هو عليه، إذ يتعذر تحديد ما قد يدفع الطرفين إلى استئناف الحوار في ظل تصاعد حدة الخطاب من الجانبين. وترى واشنطن أن الحصار البحري المفروض على الجمهورية الإسلامية بدأ يُؤتي ثماره، فيما تعتقد طهران أن مواصلة تعطيل حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز ستُرغم الولايات المتحدة على التراجع عن الشروط التي تفرضها على الجمهورية الإسلامية، التي تواجه في المقابل تهديدات بفرض عقوبات اقتصادية جديدة. ومن المرتقب الإعلان عن هذه العقوبات الأسبوع المقبل، وفق ما صرّح به وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، مشيراً إلى أنها «ستُضاف إلى الحصار البحري المفروض». وأعلن في مقابلة تلفزيونية قائلاً: «ستكون مزيجاً من عزل اقتصادي لم يشهد العالم له مثيلاً، ومواصلة الحصار في مضيق هرمز الذي سيحول دون دخول أي شيء إلى الموانئ الإيرانية أو خروجه منها»، دون أن يُفصح عن مزيد من التفاصيل حول الإجراءات المزمع اتخاذها. ويعود هذا الضغط جزئياً إلى استمرار هجمات الحرس الثوري الإيراني على السفن العابرة للممر الآمن الذي يُؤمّنه الأمريكيون في هرمز، فضلاً عن الهجمات المتواصلة التي يشنّها الحوثيون الموالون لإيران على منشآت سعودية. وفي الوقت ذاته، تحافظ الولايات المتحدة على حضور ميداني مكثّف، إذ تتجه حاملة الطائرات USS George Washington، المتمركزة في المحيط الهادئ، نحو الشرق الأوسط، لتحلّ محل USS Abraham Lincoln المنتشرة منذ أواخر يناير الماضي. وقد كشفت عن هذه المعلومات وكالة أسوشيتد برس نقلاً عن بيان القوات البحرية الأمريكية، موضحةً أن هذا إعادة الانتشار جاءت على خلفية تقارير تشير إلى مشكلات تتعلق بالصحة النفسية والإمدادات يعانيها العسكريون على متن USS Abraham Lincoln. غموض في لبنان على الصعيد اللبناني، هيمن على المشهد اليوم تصريح أدلى به السفير الأمريكي ميشيل عيسى بشأن الوجود الإسرائيلي في جنوب لبنان. وعقب لقائه برئيس مجلس النواب نبيه بري، لم يتردد الدبلوماسي في التأكيد، رداً على سؤال، بأن العمليات العسكرية الإسرائيلية، بما فيها تفجير المنازل والبنى التحتية المدنية، لن تتوقف إلا حين يُسلّم حزب الله أسلحته. ولبنان المنخرط في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، يضع كشرط رئيسي لإحراز تقدم في هذه المفاوضات وقفَ عمليات الهدم الجارية (التي أدانها رئيس الحكومة نواف سلام يوم الخميس) وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً من جنوب البلاد، فيما لم يُحدَّد بعد موعد الجولة الثامنة. وقد أكد ميشيل عيسى ذلك، مطمئناً في الوقت نفسه بأن الجولة ستُعقد. وكان تاريخ الثاني من سبتمبر قد طُرح عقب الجولة السابعة التي انعقدت في روما، غير أنه كان بحاجة إلى تأكيد. وثمة عوامل أخرى تُعقّد مسيرة الحوار، من بينها مسألة المناطق التجريبية التي لا تزال موضع نقاش، ولا سيما مع مسؤولي القيادة المركزية الأمريكية ومسؤول لجنة مراقبة الهدنة الجنرال جوزيف كليرفيلد، الذي يواصل منذ الأربعاء إجراء مباحثات رسمية في لبنان. كان قد توجّه برفقة السيد عيسى إلى لقاءات مع نبيه بري ثم نواف سلام. وبحسب السفير الأمريكي، لا تزال المشاورات جارية لتحديد الدولة التي ستُكلَّف - من بين تلك التي جرى اختيارها في روما - بمهمة التحقق من أن العمل الذي تضطلع به القوات المسلحة اللبنانية في المناطق التجريبية يسير وفق أحكام الاتفاق اللبناني-الإسرائيلي المبرم في يونيو الماضي. غير أنه يبدو أن المفاوضات تسير بخطى متسارعة لضمان استئناف المحادثات اللبنانية-الإسرائيلية في المواعيد المحددة. وإذا كان ميشال عيسى قد أشاد بالتقدم المحرز حتى الآن، فإن حزب الله لا يزال يتمسك بموقفه الرافض لها. أما أمينه العام نعيم قاسم، المنفصل كالعادة عن الواقع، فقد عاد يوم الجمعة لشنّ هجماته على السلطات في خطاب ألقاه بمناسبة الاحتفال بـ«انتصار» (!) حزبه في حرب عام 2006 التي خلّفت دماراً واسعاً في لبنان. وفي هذا الخطاب المكرور، سمح لنفسه مجدداً بتهديد الدولة، مؤكداً أن «غضب» جماعته «قد يتفجر في أي لحظة»…

بين حلف مكة ومحور الهند–الإمارات–إسرائيل: أين يقف لبنان العربي؟

لم يعد الشرق الأوسط يعيش فقط مرحلة إعادة ترتيب للتحالفات، بل يبدو أنه يدخل مرحلة إعادة تعريف لمفهوم الأمن الإقليمي نفسه. فبعد عقود كان فيها النظام العربي يتحرك، ولو بصورة هشة، ضمن أطر جامعة مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، بدأت تظهر اليوم ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة تتجاوز الحدود العربية، وتجمع دولاً عربية وإسلامية مع قوى إقليمية ودولية على أساس المصالح الاستراتيجية لا على أساس الهوية وحدها. في هذا السياق، يبرز ما عُرف بـ”اتفاق مكة” الذي وقّعته السعودية وتركيا وباكستان في 7 آب 2026، والذي يقوم على مبدأ أن الاعتداء على دولة من الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً. وهو مفهوم يقترب في لغته من مبدأ الدفاع الجماعي في المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي، وإن كان من المبكر جداً اعتباره “ناتو إسلامياً” مكتمل الأركان. أهمية الاتفاق لا تأتي فقط من الدول الثلاث، وإنما من مكوناتها: السعودية بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي، وتركيا بثقلها العسكري وعضويتها في الناتو، وباكستان باعتبارها دولة نووية. وهذا البعد النووي هو الذي يعطي الاتفاق، ولو نظرياً، وزناً استراتيجياً يتجاوز مجرد التعاون العسكري التقليدي. لكن في المقابل، فإن العلاقة بين هذا الاتفاق وحلف شمال الأطلسي ليست علاقة اندماج أو تبعية. تركيا ما زالت عضواً في الناتو، والناتو نفسه أكد في قمته في أنقرة في تموز الماضي التزامه بالدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة. كما أن الحلف يطوّر في الوقت نفسه تعاوناً أمنياً متزايداً مع دول الخليج، بينها الإمارات وقطر والبحرين والكويت. وهنا تبدأ الصورة الأكثر تعقيداً. في الجهة الأخرى، تتبلور شبكة مختلفة من العلاقات تجمع الإمارات والهند وإسرائيل، مع امتدادات نحو اليونان وقبرص. ولا بد من الدقة هنا: لا يوجد حتى الآن حلف عسكري رسمي رباعي يضم الإمارات والهند وإسرائيل واليونان بالمفهوم التقليدي. الموجود هو شبكة متزايدة من الشراكات الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب أفكار إسرائيلية معلنة لبناء محور يمتد من الهند مروراً بالإمارات وصولاً إلى اليونان وقبرص. وتكمن أهمية هذا المحور في أنه لا يقوم على الدين أو الهوية، بل على المصالح: التجارة، التكنولوجيا، الأمن، الطاقة، الممرات البحرية، والربط بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا. ومن هنا يمكن فهم التنافس حول الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، أو IMEC، الذي كان يفترض أن يربط الهند بالخليج ثم إسرائيل وأوروبا. إلا أن الحروب والانقسامات الإقليمية جعلت مستقبل هذا المشروع أكثر تعقيداً، فيما بدأت السعودية تبحث عن مسارات يمكن أن تتجاوز إسرائيل. هل نحن أمام انقسام عربي؟ نعم، ولكن ليس بالمعنى التقليدي لكلمة “انقسام”. الأدق أن نقول إننا أمام انتقال من نظام عربي واحد، ولو شكلياً، إلى منظومة من المحاور المتنافسة والمتقاطعة. السعودية لم تعد تريد أن تعتمد على مظلة أمنية واحدة. والإمارات اختارت منذ سنوات بناء علاقات استراتيجية واسعة مع الولايات المتحدة والهند وإسرائيل. تركيا تتحرك في الوقت نفسه داخل الناتو وخارجه، وتبني لنفسها دوراً إقليمياً مستقلاً. باكستان تضيف إلى المعادلة وزنها العسكري والنووي. والهند تتحرك بمنطق قوة كبرى تبحث عن موقعها في النظام العالمي الجديد. وهذا يعني أن الدول العربية لم تعد تتحرك بالضرورة ككتلة واحدة. لكن الأخطر هو أن يتحول هذا التعدد في التحالفات إلى اصطفاف عربي–عربي، بحيث يصبح العرب أطرافاً في محاور متعارضة بدلاً من أن يكونوا أصحاب مشروع إقليمي مستقل. وهنا يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحاً. أين لبنان؟ لبنان ليس السعودية، ولا الإمارات، ولا تركيا، ولا الهند. لبنان دولة صغيرة، ذات موقع جغرافي شديد الحساسية، ومجتمع متعدد الطوائف، واقتصاد يحتاج إلى العالم العربي والغرب معاً. ولهذا فإن السؤال: “مع أي حلف سيكون لبنان؟” قد يكون السؤال الخطأ. السؤال الصحيح هو: كيف يحافظ لبنان على هويته ومصالحه الوطنية في عالم تتحول فيه التحالفات إلى شبكات متداخلة؟ الدستور اللبناني يعطي الإجابة المبدئية. فمقدمة الدستور تقول بوضوح إن لبنان “عربي الهوية والانتماء”، وإنه عضو مؤسس وعامل في جامعة الدول العربية وملتزم مواثيقها، كما تؤكد انتماءه إلى العالمين العربي والدولي. هذه ليست عبارة شعرية في مقدمة الدستور. إنها جزء من هوية الدولة. لكن “عروبة لبنان” لا تعني أن يصبح لبنان طرفاً في أي محور عربي مهما كانت سياساته. كما أن الانتماء العربي لا يعني الدخول في مواجهة مع تركيا أو إيران أو الغرب أو أي دولة أخرى. العروبة اللبنانية يجب أن تكون إطار انتماء، لا أداة اصطفاف عسكري. وهذا تحديداً ما يجعل لبنان في حاجة اليوم إلى سياسة مختلفة: لا سياسة المحاور، ولا سياسة العزلة، بل سياسة الحياد الإيجابي والانفتاح المتوازن. هل من المبكر تحديد الموقف؟ نعم، من المبكر أن يعلن لبنان انضمامه إلى أي محور أمني جديد. بل سيكون من الخطأ أن يفعل ذلك الآن. فحتى “اتفاق مكة” نفسه ما زال في مرحلة التأسيس، وتفاصيل تطبيقه وآليات الدفاع المشترك ومدى تحوله إلى منظومة عسكرية متكاملة لم تتضح بعد. أما المحور المقابل، فهو ليس حلفاً عسكرياً رسمياً حتى الآن، بل شبكة من الشراكات والمصالح الاستراتيجية. لذلك فإن لبنان إذا اتخذ موقفاً مبكراً ونهائياً، قد يجد نفسه بعد أشهر أو سنوات في موقع لا يتناسب مع مصالحه. والأهم أن لبنان لا يملك ترف الدخول في سباق المحاور. فهو لا يزال يعالج أزماته الداخلية، ويحتاج إلى استعادة الثقة الدولية والعربية، وإعادة بناء اقتصاده، وتعزيز الجيش والمؤسسات الشرعية. ماذا يجب أن يفعل لبنان؟ أولاً، أن يعلن بوضوح أن قراره الأمني والعسكري هو قرار الدولة اللبنانية وحدها. فلا يمكن للبنان أن يكون دولة ذات سيادة بينما تتحدد خياراته الأمنية من خارج مؤسساته الدستورية. ثانياً، أن يتمسك بعلاقاته العربية، لا سيما مع السعودية ودول الخليج، من دون أن يتحول ذلك إلى التزام بمحور عسكري. ثالثاً، أن يحافظ على علاقاته مع تركيا، وأوروبا، والولايات المتحدة، والهند، ودول الخليج، وأن يرفض وضع نفسه أمام خيار “هذا أو ذاك”. رابعاً، أن يعيد تعريف “الحياد” بطريقة عملية. فالحياد لا يعني أن يكون لبنان بلا موقف من القضايا العربية أو الفلسطينية أو من القانون الدولي. بل يعني ألا يكون ساحة حرب أو منصة عسكرية لأي محور إقليمي. خامساً، أن يستعيد لبنان موقعه العربي من خلال الدولة، لا من خلال الأحزاب أو التنظيمات المسلحة. وهنا تكمن المسألة الأساسية. إذا كان لبنان يريد فعلاً أن يتمسك بمقولة “لبنان عربي الهوية والانتماء”، فعليه أن يعيد بناء علاقته بالعالم العربي من بوابة الدولة اللبنانية، لا من بوابة أي طائفة أو حزب. لبنان لا يحتاج إلى حلف جديد قد يكون أكبر خطأ يرتكبه لبنان في المرحلة المقبلة هو البحث عن “مظلة خارجية” تحميه. لبنان يحتاج أولاً إلى مظلة داخلية: الدستور، الجيش، المؤسسات، القضاء، والشرعية. وبعدها يستطيع أن يبني شبكة علاقات خارجية واسعة. فالتحالفات الإقليمية تتغير. السعودية يمكن أن تتقارب مع تركيا وباكستان اليوم، والإمارات يمكن أن تعمق شراكتها مع الهند وإسرائيل، وقد تتغير هذه الاصطفافات غداً. أما لبنان، إذا ربط مستقبله بمحور واحد، فسيدفع ثمن تبدل التحالفات. لذلك يجب أن تكون قاعدة السياسة اللبنانية الجديدة: نحن عرب، لكننا لسنا جزءاً من صراع عربي–عربي. نحن منفتحون على الشرق والغرب، لكننا لسنا تابعين لأي محور. نحن مع الأمن الإقليمي، لكن أمن لبنان يقرره لبنان. إن العالم العربي نفسه يتغير. وربما لم تعد جامعة الدول العربية وحدها قادرة على إنتاج منظومة أمن إقليمي. وقد تكون المرحلة المقبلة مرحلة أحلاف متعددة: عربية، إسلامية، اقتصادية، بحرية، تكنولوجية وأمنية. لكن وسط هذه التحولات، يستطيع لبنان أن يلعب دوراً مختلفاً: أن يكون جسراً لا خندقاً، دولة حوار لا دولة مواجهة، وعضواً عربياً مستقلاً لا تابعاً لمحور. وهذا هو المعنى الحقيقي لعبارة “لبنان عربي الهوية والانتماء”. ليست دعوة إلى اختيار محور ضد محور، بل دعوة إلى استعادة لبنان لموقعه الطبيعي: دولة عربية ذات سيادة، تنفتح على الجميع، ولا تسمح لأحد بأن يقرر عنها أين تقف ومتى تحارب ولماذا. وفي زمن تتشكل فيه الأحلاف من جديد، قد يكون أقوى موقف يستطيع لبنان اتخاذه هو ألا يتسرع في اختيار حلف، بل أن يختار أولاً الدولة. ثم، عندما تتضح الخريطة الجديدة للمنطقة، يستطيع لبنان أن يحدد شراكاته على أساس مصلحة لبنان أولاً، وعروبته ثانياً، وسيادته فوق كل اعتبار.