شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الصراع الإيراني - الأميركي: لسنا في عام 2015 إبان عهد أوباما

لقد دفع دونالد ترامب للتو بالقوات الأميركية في عملية واسعة النطاق ضد النظام الإيراني. نحن هنا أمام مواجهة حقيقية وأصيلة، لا هي بالهجوم الصوري ولا بمجرد طلقة تحذير؛ إنّ وجه الشرق الأوسط مقبلٌ على تغيير جذري. وبصريح العبارة، فإن غطرسة «آيات الله» هو الذي سيودي بهم. ومن باب الدلالة، كانت الولايات المتحدة قد وجّهت لإيران، قبل أيام قليلة، إهانةً آثر «آيات الله» التكتم عليها. فخلال المشاورات الأخيرة التي عُقدت الخميس في جنيف برعاية عُمانية، قطع المفاوض الأميركي ستيف ويتكوف المداولات فجأة، وانسحب من الاجتماع بذريعة ارتباطاتٍ لا بد من إتمامها؛ ليتضح لاحقاً أنه توجه بالفعل إلى الضفة الأخرى من بحيرة ليمان للقاء وفدٍ أوكراني. تجرّع السمّ يمكن للمرء أن يتخيل بسهولة حجم الاستياء الذي اعتمر عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني؛ فقد تمّ التعامل مع هذا «السليل» للإمبراطورية الأخمينية، من عهود كورش وداريوس، كما لو كان نكرة. ورغم مرارة الإهانة، آثر رئيس الدبلوماسية الإيرانية كظم غيظه، معلناً إحراز «تقدم جيد» في محادثات وصفها بأنها «واحدة من أطول وأكثر جولاتنا التفاوضية حدة. وأعلن عراقجي أيضاً أن اتصالات جديدة ستتم خلال أقل من أسبوع. وهو ما سارع الوسطاء العمانيون إلى تأكيده، سعياً لتهدئة الأجواء، مشيرين أن المفاوضات ستستأنف على المستوى التقني الأسبوع المقبل في فيينا. إلا أنّ نبرة التفاؤل التي أبداها هؤلاء تتناقض مع الوقائع؛ فمن الواضح أنّ المقترحات الإيرانية قد خيّبت الفريق الأميركي. والدليل على ذلك، قِصَر مدة الجلسة الثانية التي انسحب منها المبعوث الخاص لدونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، تحت ذريعة واهية. الأزمنة تغيّرت لقد جرت المداولات تحت وطأة التهديد بضربة وشيكة، وجاءت تطورات هذا السبت، 28 من شباط، لتؤكد جديّة التهديدات الأميركية. إن الحشد العسكري الأميركي في المنطقة غير مسبوق، إذ يضمّ مجموعتين جو-بحريتين ضاربتين، تقودهما حاملات طائرات، و200 طائرة مقاتلة، وطائرات للتزويد بالوقود جوّاً، فضلاً عن غواصات مزودة بصواريخ توماهوك... ناهيك عن 50 ألف جندي! إننا اليوم بعيدون كل البعد عما كان عليه الوضع بين عامي 2013 و2015 في عهد باراك أوباما، الذي لم يكن يُضمر عداءً مبدئياً حيال إيران. ومن باب الدلالة، فإن جون كيري، الذي خلفَ هيلاري كلينتون في الخارجية عام 2013، سارع فور توليه منصبه إلى إرسال «رسالة لمن يهمه الأمر»، مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لتغيير نهجها تجاه طهران. فقد كانت واشنطن آنذاك مستعدة للاعتراف، فعلياً على الأقل، بشرعية البرنامج النووي الإيراني، والعدول عن شرط تعليق أنشطة تخصيب اليورانيوم؛ وهو المطلب الذي كان يحول دون التوصل إلى أي اتفاق طوال سبع سنوات. وقد آلت تلك المفاوضات حينذاك، في 14 تموز/يوليو 2015، إلى إبرام ما عُرف بـ«خطة العمل الشاملة المشتركة». غير أن تلك لم تكن نهاية المطاف؛ إذ انسحب دونالد ترامب من الاتفاق المذكور خلال ولايته الأولى، ليعود كل شيء إلى نقطة الصفر، ولكن هذه المرة، في ظل حاملات الطائرات! ومع ذلك، تبقى الأعوام الممتدة من 2013 إلى 2015 بمثابة «حقبة مباركة» في ذاكرة المفاوضين الإيرانيين، يوم كانت لهم اليد الطولى؛ فقد أظهروا حينها احترافية وصلابة مكنتهم من حصد النجاح تلو الآخر. آنذاك، كان وزير الخارجية محمد جواد ظريف يتحدث بنبرة واثقة ومسموعة، ولم يكن لنظيره الأميركي جون كيري أن يجرؤ يوماً على ارتكاب «فظاظة» ديبلوماسية تضاهي ما أقدم عليه ويتكوف. ترامب... بوجه «أمير الحرب» لقد أدى التدخل الأميركي صباح يوم السبت إلى قلب الطاولة، ليطلّ دونالد ترامب بمظهر «قائد الحرب». لطالما أسهب المحللون في الحديث عن غرائز «رجل الأعمال» الذي يتجنب الصدام؛ وبصراحة، لم يكن هو نفسه بعيداً عن تعزيز هذا الانطباع. ألم يُوحِ دائماً بتردده في «اجتياز الخطوط الحمر»؟ لكن الصفحة طُويت الآن، وتكشّف الوجه الحقيقي. لقد أتت «الضبابية الاستراتيجية» ثمارها، وما على القادة الإيرانيين اليوم إلا تجرّع مرارتها.

هجوم اسرائيلي-أمريكي على ايران: الهدف، "ازالة نظام الملالي"

كان الشعب الإيراني، ومعه شعوب أخرى في منطقة المشرق، ينتظر منذ عقود هذا اليوم الحاسم. فالغارات الجوية المكثفة التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل فجر السبت 28 شباط/فبراير لا تبدو مجرد ضربة عابرة ومحدودة زمانًا ومكانًا، بل توحي بأنها تمهيد لهجوم شامل وجذري، عسكريًا وسياسيًا، ضد نظام الملالي الحاكم في طهران. هذا ما يستشفّ من اتساع رقعة الغارات الأميركية–الإسرائيلية وحجمها، ولا سيما من الخطاب المتلفز والمذاع الذي ألقاه الرئيس الأميركي صباحًا (ويرجّح أنه سُجّل مساء الجمعة). وبصراحته المعهودة، رسم الرئيس دونالد ترامب من البيت الأبيض الخطوط العريضة للعملية التي أطلقت عليها إسرائيل اسم “درع يهوذا” في إشارة إلى حماية إلهية. وفي امتداد لمواقفه الصارمة والحادة التي عبّر عنها في الأيام الأخيرة حيال النظام الإيراني، وخصوصًا خلال خطابه عن حال الاتحاد، أعلن ترامب في رسالته المتلفزة أن الولايات المتحدة أطلقت هجومًا «واسع النطاق» على إيران، مؤكدًا أن العملية “ستتواصل لمنع إيران من تشكيل تهديد لأميركا”. ولإبراز البعد الجيوستراتيجي للهجوم، شدد الرئيس الأميركي على أن “وكلاء إيران لن يشكلوا بعد اليوم أي تهديد للمنطقة”، في إشارة واضحة إلى أذرع الحرس الثوري الإيراني في لبنان (عبر حزب الله) والعراق واليمن. وفي ما يخص لبنان، ذكّر ترامب – في سابقة لرئيس أميركي – بأن حلفاء إيران هم من نفذوا الهجوم على قوات المارينز الأميركية في بيروت عام 1983، مشيرًا إلى أن العملية التي دبّرها نظام الملالي أوقعت 241 قتيلًا في صفوف الجنود الأميركيين. وكان ترامب واضحًا بصورة لافتة في تحديد أهداف هجوم 28 شباط/فبراير، إذ قال: “سنُدمّر الصواريخ الإيرانية، وسنسحق القوة البحرية الإيرانية. أدعو الحرس الثوري إلى إلقاء السلاح، فإن فعلوا سيكونون في أمان، وإلا فسنُدمّرهم”. وأضاف مخاطبًا النظام: “ألقوا السلاح، وستنالون العدالة”. بمعنى آخر، يطالب الرئيس الأميركي باستسلام كامل للنظام، ما يعني عمليًا سقوطه والقضاء عليه، وبالتالي إعادة رسم المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط بصورة جذرية. وفي رسالة مباشرة إلى الشعب الإيراني، قال ترامب: “ساعة تحرركم باتت قريبة”. وهي رسالة تلقفها سريعًا سكان منطقة الأحواز في جنوب غربي إيران، ذات الغالبية العربية، فسارعوا قبل ظهر اليوم نفسه إلى إعلان تمرد ضد السلطة المركزية “الفارسية” للملالي. من جهته، لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أقل وضوحًا، إذ أكد خلال مؤتمر صحافي أن الهدف الإسرائيلي هو إحداث تغيير في النظام في طهران، من دون مواربة. توسّع العمليات العسكرية وفي مؤشر إلى أن الهجوم ليس محدودًا أو ظرفيًا، لم تقتصر الغارات الجوية على طهران، بل شملت مدنًا كبرى عدة، يُرجّح أنها استهدفت منظومات الدفاع الجوي والصواريخ بعيدة المدى. ومن بين المدن المستهدفة: قم، تبريز، كرمنشاه، أصفهان، خرم آباد، كرج وغرم دره. وردًا على ذلك، أطلق الحرس الثوري قرابة ثلاثين صاروخًا بالستيًا باتجاه شمال إسرائيل وتل أبيب والقدس. واللافت أن الصواريخ الإيرانية طالت أيضًا، وإن على نطاق محدود، كلًا من قطر والكويت والبحرين وأبوظبي ودبي والأردن وحتى الرياض. وبررت طهران هذه الضربات بأنها استهدفت قواعد أميركية، علمًا أن هذه القواعد كانت قد أُخليت قبل أيام عدة من قبل الجيش الأميركي. موقف الدولة اللبنانية وفيما كانت العمليات العسكرية الأميركية–الإسرائيلية مستمرة ضد نظام طهران، أصدر كل من رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام بيانين منفصلين شددا فيهما صراحة على ضرورة إبقاء لبنان بعيدًا كليًا عن أتون الصراع، في رفض واضح لأي محاولة من حزب الله للانخراط في المعركة الدائرة. بدوره، أكد وزير الخارجية جو رجي الموقف ذاته، معلنًا بوضوح: “مصلحة لبنان يجب أن تعلو فوق أي اعتبار آخر… حياد، حياد، حياد”.

انفجار و صخب: يونغبلود في أقصى طاقته
بقلم
ياسمينا قمير
نُشر

عيون محددة بالأسود، نقية، عاصفة، متناقضة. جميلة لدرجة الغرق فيها. دومينيك هاريسون، المعروف بيونجبلاد، ينطلق على المسرح ويصرخ بفنيته الوحشية بكل رئتيه. حياة من الغضب، والاتساع، والثقة بالنفس المكتسبة، والتي أصبحت الآن ساحرة. كل إيماءة منه هي وميض؛ كل حركة منه حريق. إنه لا يؤدي أغانيه. بل يتركها تتفجر نارًا. تشتعل الحفرة بمجرد ظهوره. أصوات الجهير تدوي كالرعد. ابنتي وصديقتها تقفان بعيدًا بعض الشيء، وأنا في الخلف. كل اهتزاز في الهواء يخترقنا. ثم يظهر فجأة. جسد منحوت تحت الأضواء، حضور حيواني، عيون زرقاء مكحلة كالعاصفة. يونجبلاد يقتحم المسرح، إنه نار جامحة. سيجارة بين أصابعه، سيشعلها لاحقًا، وبالفعل الحرارة لا تُطاق. حضوره أسدي. كل إيماءة، كل حركة تجرف كل شيء في طريقها. إنه لا يغني فقط: إنه يستهلك الهواء، والجمهور، والليل. بين إمضائين fucking-signature يطربان آذاننا بطريقة الروك أند رول، تنفجر وقاحته. تختفي الحدود بين المسرح والجمهور. نحن في قلب عاصفته. كثافة فورية في ساحتنا التي سخّنها حتى الغليان فريق "باليه رويال" الكاليفورني، تتوالى أغاني دومينيك. "هالو هيفن"، "ذا فيونيرال"، "لابسيك لولاباي"، "لو لايف"، "تشينجز"... لم أشهد مثل هذا المشهد منذ تلك التي كانت تقدمها لنا شاشاتنا البيروتية الصغيرة، عندما كانت تعمل حسب توفر التيار الكهربائي، في التسعينيات. العرض الموسيقي ليونجبلاد خام وحقيقي. روك بديل، لمحات بانك، ترانيم تردد كالأيمان. تنهش القيثارات. تدق الإيقاعات. الكتابة المعلنة هي مزيج حساس من الغضب، والضعف المقبول عوضًا عن كونه مختارًا. جمالية مميزة الجمهور مبتهج. حولنا، شباب رائع. من المراهق إلى الأربعيني، كل منهم اهتم بمظهره. أزياء سوداء، ألسنة لهب المسرح التي تضيء مكياجًا يقترب من القوطي، قليل أو كثير من تيم بيرتون بنسخة الروك البديل، وهذا أمر حتمي بحكم هوية نجمنا. إنه ليس مغنيًا خجولًا بل أسد؛ يمكننا كتابة ذلك. انتماؤه للروك مؤكد: أصداء نيرفانا، ديفيد بوي، وخاصة أوزي أوزبورن، تأثير مركزي على هويته الفنية. أغنية "Changes" تحتل بعدًا مركزيًا ليونجبلاد. أيضًا، في الأول من فبراير من هذا العام، فاز دومينيك بجائزة جرامي لأفضل أداء روك عن إعادته الحية لهذا العنوان الأخير، وهو أداء لـ "بلاك سابث" مخصص لأوزبورن نفسه. خارج المسرح، يوجه هاريسون طاقته نحو الملاكمة. يشارك على إنستغرام لحظات من التمارين الحية، وكلابه، ولحظات من القرب مع جمهوره. يطلب المعجبون المزيد لأن معبودهم حقيقي. صوت للجيل الجديد يونجبلاد ليس مجرد مؤدي. في الثامنة والعشرين من عمره، هو مرآة للشباب. ضعيف ولكنه قوي، بدون تزييف ولكنه دائمًا جيد وسخي. يتناول الصحة العقلية، الحرية وقبول الذات كمحرك يسمح بالوجود دون مساومة. كل حفلة من حفلاته هي تجربة مشتركة. في أكتوبر الماضي في باريس، لحظة إقامة هذا الحفل، كانت الطاقة خامًا والحرية ملموسة. كان التزام LGBTQ+ واضحًا بشكل طبيعي، بدون مبالغة. ومنذ ذلك الحين، أعلن دومينيك علنًا أمام جمهوره دعمه للشعب الإيراني المذبوح. إنه أحد الفنانين القلائل الذين يحملون صوت هذا الشباب الحر والمستنير، الذي يضحي به اليوم. بجانبي، ابنتي وصديقتها مكهربتان، حرفيًا. تغنيان كل كلمة. نحن نهتز معًا، جسدًا وروحًا، تعبرنا نفس الموجة. لقد خلق هذا الحفل العابر للأجيال دفئًا منشطًا. شخصية دومينيك المميزة، وفنيته الموسيقية الوحشية أربكتني. إنه فنان يكسر القواعد واليقينيات ويجسد ما يؤمن به بطريقة ساحرة. يحرق ويمحو الحدود الباهتة للبرود الصوتي المحيط، الذي غالبًا ما يكون معايرًا. يونجبلاد ليس مجرد مغني. إنه محفز للعواطف، نار تستهلك وتضيء في آن واحد. شكرًا لابنتي التي سمح حبها ومساعدتها الثمينان بكتابة هذا المقال الملتهب.

كلّ عناصر الهزيمة الإيرانيّة... مجتمعة!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

لو كانت الأمور طبيعية بين أميركا وإسرائيل من جهة و"الجمهوريّة الإسلاميّة" الإيرانيّة من جهة أخرى، لما كانت الحاجة إلى كلّ هذا الوقت وكل هذه التجاذبات من أجل الوصول إلى اتفاق بين الأطراف الثلاثة، التي هي في واقع الحال مجرد طرفين اثنين. في النهاية، لا يمكن الفصل بين أميركا وإسرائيل في ما يتعلّق بالقضايا الأساسية، أي بسلسلة ما هو مطلوب من إيران، إن في شأن ملفها النووي أو الصواريخ الباليستية والمنصات... أو الأذرع التي يتحكّم بها "الحرس الثوري" خارج الأراضي الإيرانية. لو كانت الأمور طبيعية، لكانت إيران تصرّفت مثلما تصرّفت المانيا أو اليابان في نهاية الحرب العالميّة الثانية حين استسلمتا أمام الإميركيين وحلفائهم الأوروبيين. هكذا كسبت المانيا نفسها، كذلك اليابان. احتاجت اليابان إلى قنبلة نوويّة ثانية ألقيت على ناغازاكي، بعد قنبلة أولى على هيروشيما، كي تفهم معنى التصميم الأميركي على الحاق هزيمة ساحقة بها. خلّصت الهزيمة العسكريّة البلدين من نظامين مستبدين جعلا كلّا منهما يشكّل خطرا على محيطه، بل على العالم كلّه... مكنت الهزيمة المانيا من التقاط أنفاسها واستعادة مكانتها في أوروبا والعالم، فيما تحول إقتصاد اليابان إلى أحد الأهمّ في العالم. حصل ذلك بعدما اقتنعت اليابان بأن لا جدوى من مواجهة عسكريّة مع الولايات المتحدة... ما زالت "الجمهوريّة الإسلاميّة" ترفض الإعتراف بهزيمتها. مثل هذا الإعتراف سيمكنها من استعادة دورها في المنطقة والعالم وسيمكن الشعوب الإيرانية من الإنتماء مجددا إلى ثقافة الحياة. وجدت هذه الشعوب نفسها مجبرة على التخلي عن ثقافة الحياة بمجرد انتصار آية الله الخميني على نظام الشاه بحسناته وسيئاته في 1979. لا تزال "الجمهوريّة الإسلاميّة" تعتبر أنّ لديها أوراقها في المنطقة وأنّها تستطيع خوض مفاوضات من الندّ للندّ مع "الشيطان الأكبر" الأميركي، وبالتالي للوصول إلى تفاهمات مع إسرائيل، من نوع تلك التفاهمات التي مهدت للإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في العام 2000... أو "قواعد الإشتباك" التي بقي معمول بها حتّى يوم قرّر "حزب الله" شن "حرب اسناد غزّة". إلى ذلك، ما زالت إيران ترى في العراق ورقة إيرانيّة. كذلك، ترى ورقة في "حزب الله" في لبنان أو "جماعة انصار الله" (الحوثيون) في اليمن. لا يدرك الوفد الإيراني، الذي فاوض الأميركيين في جنيف بوساطة عُمانية ومباشرة في بعض الأحيان، أنّّه يتحدّث لغة آكل عليها الدهر وشرب في ضوء ما شهدته المنطقة من احداث وتطورات منذ هجوم "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. إلى الآن ما زالت القيادة الإيرانيّة، على رأسها "المرشد" علي خامنئي تعيش في الماضي، في مرحلة ما قبل "طوفان الأقصى". تعتقد أنّ في الإمكان الأخذ والردّ في ما يخصّ البرنامج النووي الإيراني. يحدث ذلك، في حين المطلوب الإنتهاء من كلّ ما له علاقة بالبرنامج النووي لطهران. لا مجال لأي مماطلة في حال كان مطلوبا التوصّل إلى تفاهم يؤدي إلى تفادي حرب جديدة على "الجمهوريّة الإسلاميّة". ما ينطبق على البرنامج النووي ينطبق على الصواريخ الباليستية ومنصاتها. كذلك على الأذرع الإيرانيّة في العراق ولبنان واليمن. أكثر من ذلك، ذهبت إيران إلى محاولة إغراء دونالد ترامب بفتح السوق الإيرانيّة أمام شركات النفط والغاز الأميركيّة. لا يوجد استيعاب في طهران لمفهوم البلد الآمن أمام الإستثمارات. أي شركة أميركيّة سترسل موظفيها إلى بلد يستطيع جعل المواطنين الأميركيين الموجودين فيه رهائن بين ليلة وضحاها؟ الحاجة إلى انقلاب إيراني على كلّ المستويات من أجل التوصل إلى تفاهمات مع أميركا. إلى اشعار آخر، لا قدرة لدى النظام في طهران القيام بمثل هذا الإنقلاب. لا قدرة له على ذلك نظرا إلى آنّ ليس في طهران، باستثناء قلّة صامتة، من يستطيع استيعاب معنى ما حدث في المنطقة منذ "طوفان الأقصى" وأبعاده. لا يوجد من يفهم ماذا يعني وجود قرار أميركي يقضي بليّ الذراع الإيرانيّة وذلك منذ تمزيق ترامب للإتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني الذي تم التوصل إليه مع إدارة باراك أوباما صيف 2015. مزّق الرئيس الأميركي في اثناء وجوده في البيت الأبيض، للمرّة الأولى، الاتفاق في 2018 . ما لبث أن أمر باغتيال قاسم سليماني، الذي يمكن وصفه بأنّّه أهمّ شخصية إيرانية، بعد "المرشد". لم يذهب ترامب إلى كراكاس لإعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من أجل تأديب رئيس دولة عصى أوامره أو لأنّّه أقام علاقات وثيقة مع كوبا. لا يمكن اعتبار اعتقال مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك سوى جزء من عملية قصقصة لأجنحة "الجمهوريّة الإسلاميّة" في مختلف انحاء العالم. من الصعب تفادي مواجهة عسكرية أميركية – إيرانية، من المرجح أن تشارك فيها إسرائيل، في ظلّ وجود عقلين ونهجين لا يمكن الجمع بينهما. يقوم العقل والنهج الإيراني على فكرة أنّه لم يتغيّر شيء في المنطقة وأنّه يكفي التلويح لترامب بالإستثمارات في إيران كي تصبح هناك هوة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. ينمّ الأسلوب الإيراني في التفاوض عن فكر ساذج يرفض الإعتراف بالهزيمة. لا يعبّر عن هذه الهزيمة أكثر من خروج إيران من سوريا. أين كانت سوريا وأين صارت بعد فرار بشّار الأسد إلى موسكو؟ باتت كلّ عناصر الهزيمة الإيرانية مجتمعة. مكمن الجرأة الإعتراف بالهزيمة. بعد ذلك يمكن الحديث عن مفاوضات بين جانبين يمتلك كلّ منهما أوراقه... هذا إذا كانت هناك أوراق إيرانية. لدى الحديث عن أوراق قوة، من الضروري الإشارة إلى الوضع الداخلي في إيران. قبل فشل نظام "الوليّ الفقيه" في الخارج، فشل في إيران بداية. في ذلك مكمن ضعفه قبل أي شيء آخر...

صمود اوكرانيا يحبط رهانات بوتين
بقلم
روجيه بركه
نُشر

تدخل الحرب في أوكرانيا، التي اندلعت بالغزو الروسي في 24 فبراير 2022، عامها الخامس. كان الهدف الأولي لهجوم موسكو هو الإطاحة بالدولة الأوكرانية في غضون أيام قليلة، لكنه واجه مقاومة شرسة من الأوكرانيين وتعبئة هائلة من الغرب لمساعدتهم. لقد تسبب أسوأ صراع على الأراضي الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية في مقتل وإصابة مئات الآلاف، بينما اتجه ملايين اللاجئين الأوكرانيين نحو المنفى. بمناسبة الذكرى الرابعة لاندلاع هذا الصراع، ليفانت تايم أجرت مقابلة مع قسطنطين سيغوف، فيلسوف ومدير مركز الدراسات الأوروبية في جامعة موهيلا في كييف ودار النشر دوخ إي ليترا (الروح والرسالة). «بعد أربع سنوات من بداية الغزو الروسي واسع النطاق، أول ملاحظة هي أن أوكرانيا صمدت، ولم تتراجع على الإطلاق»، يؤكد السيد سيغوف على الفور. «لقد انتصرت حتى في معركة كييف، بينما قبل أربع سنوات بالضبط، في 24 فبراير 2002، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقتنعًا بأن هذه المعركة ستحسم في ثلاثة أيام»، يؤكد، مرددًا تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الذي كان يستقبل رؤساء الدول والحكومات من الدول الحليفة لأوكرانيا في كييف. «كل ما عانته أوكرانيا يجب ألا يُترك، ولا يُنسى، ولا يُخون»، صرح السيد زيلينسكي في خطاب للأمة. ويذكر السيد سيغوف أن أوكرانيا تقاوم منذ اثني عشر عامًا، منذ ضم روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014. «أوكرانيا لا تدافع عن أراضيها فقط، بل تدافع عن مبدأ مطبق بشكل خاص اليوم في الشرق الأوسط، ولدى جيراننا الأوروبيين، وهو أن الحدود يجب ألا تتغير بالقوة والعنف». لكن هذه المرونة مهددة بتغير السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا وحلفاء الناتو. صحيح أن قادة دول مجموعة السبع، بمن فيهم دونالد ترامب، أكدوا الثلاثاء الماضي "دعمهم الثابت لأوكرانيا"، بينما حث حوالي ثلاثين من قادة الدول الحليفة لكييف روسيا على قبول "وقف إطلاق نار كامل وغير مشروط". من جانبها، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم الثلاثاء 24 فبراير قراراً يؤكد دعمها لكييف وسلامتها الإقليمية: تم تبني النص بـ107 أصوات مؤيدة، و12 معارضاً، و51 امتناعاً عن التصويت... بما في ذلك الولايات المتحدة، لأن النص يؤكد "الالتزام الراسخ بسيادة أوكرانيا واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية داخل حدودها المعترف بها دولياً". لا يرغب الأمريكيون في الإشارة إلى «سلامة أوكرانيا الإقليمية والقانون الدولي لتجنب الضغط على مفاوضات السلام الجارية». معركة استقلال أوروبا قبل عام، بعد شهر من عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، دفعت الولايات المتحدة بموافقة مجلس الأمن، وبدعم روسي، قرارًا يطالب بسلام سريع، ولكن دون ذكر سلامة أراضي أوكرانيا، مما أثار استياء حلفاء كييف الأوروبيين. أشاد السفير الروسي فاسيلي نيبينزيا بالجهود الدبلوماسية للرئيس ترامب، مؤكداً أن روسيا شاركت "بحسن نية" في المفاوضات. وكان نفس فاسيلي نيبينزيا حاضراً في اجتماع المجلس في 24 فبراير 2022. وكان يدافع بشدة عن نوايا بلاده الحسنة بينما كان 150 ألف جندي روسي يتجمعون على حدود أوكرانيا، قبل أن يقاطعه نظيره الأوكراني، وهو يبكي بعد أن أبلغته حكومته بأن الجيش الروسي اخترق الجبهة... عندما سُئل عن التعليق على هذا الواقع الجديد، أي الجفاف التام للمساعدات المالية والعسكرية في عهد بايدن، يذكّر السيد سيغوف بأن الاستطلاعات تظهر أن غالبية الأمريكيين يرغبون في دعم أوكرانيا بشكل أكبر. وهو عامل، خاصة عشية انتخابات الكونغرس الأمريكي، يجب أن يؤخذ على محمل الجد من قبل إدارة ترامب. وهكذا تعول كييف على الأشهر القادمة التي ستكون حاسمة. ويشير السيد سيغوف أيضاً إلى الدور «الحاسم» للعقوبات الاقتصادية: «الأهم هو حرمان روسيا من قدرتها على الإيذاء. وإذا حددت أوروبا هذا الهدف بوضوح، فسيصبح الحل ممكناً». وأضاف: «يمكن القول بشكل عام إن المعركة من أجل استقلال أوكرانيا، اليوم، أصبحت معركة من أجل استقلال أوروبا. الاستقلال عن الغاز والنفط الروسي، ولكن أيضاً عن السيطرة الأمريكية. وبهذا المعنى، لفترة طويلة، أوكرانيا وأوروبا والدول الديمقراطية بشكل عام في نفس القارب». وعي حقيقي «في الوقت الحالي، نشهد وعيًا حقيقيًا. أعتقد أنه كان واضحًا خلال مؤتمر ميونيخ للأمن، أن الدول الاسكندنافية، ومعها ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بالطبع، حساسة لهذا النهج. ولكن هناك تأخير فظيع في اتخاذ القرارات، وخاصة تلك المتعلقة بـ«أسطول الأشباح الروسي»، وهي ناقلات النفط التي تستخدمها روسيا سرًا لتصدير نفطها على الرغم من العقوبات الدولية». «ولكن لسوء الحظ، لا تزال هناك تمويلات تأتي من دول الاتحاد الأوروبي. على سبيل المثال لا الحصر، المجر بقيادة أوربان وسلوفاكيا اللتان لم تختارا أن تكونا على الجانب الصحيح من التاريخ والعدالة». على صعيد آخر، يذكّر السيد سيغوف بالخبرة التي اكتسبها الأوكرانيون بفضل تصميمهم: «منذ الغزو، كان الأوكرانيون مبدعين للغاية، فقد استخدموا الطائرات بدون طيار التي ساعدت بشكل كبير في وقف المعتدي، وحتى في بعض الأماكن على إجباره على التراجع، كما في أوبلاست خاركيف (المنطقة الإدارية)». ولكنه يذكر أيضًا أن البلاد «تدفع ثمنًا باهظًا: فالمستشفيات تستقبل عددًا كبيرًا من الرجال والنساء المصابين بجروح خطيرة، وهي مأساة حقيقية تُعاش يوميًا». «لذلك من الواضح أن ما ينقص بشدة هو المساعدات العسكرية الضخمة، التي تم اتخاذ قرار بشأنها ولكنها تتأخر في الإرسال». يضيف السيد سيغوف في هذا السياق، بلمسة من المرارة: «هناك بالفعل عدم تناسق عندما نعلم أن كوريا الشمالية، دون أن تمتلك اقتصادًا مثل ألمانيا أو فرنسا، تزود روسيا بكمية من الذخيرة أكبر مما يرسله الاتحاد الأوروبي إلى أوكرانيا. لذلك، أعتقد أن ما ينقص وراء كل ذلك هو إرادة سياسية حقيقية وقرار استراتيجي حاسم». سلام مستحيل يذكر الأكاديمي تصريح بوتين: «روسيا ليس لها حدود»، قبل أن يقتبس من أورويل: «إنهم قادرون تمامًا على وضع حذائهم على وجه أي إنسان من أي جنسية». «لذلك، نحن نشهد بالفعل حرب إبادة جماعية، وفقًا لجميع المعايير التي وضعها كبار الحقوقيين في نورنبرغ وبعدها. هذا المصطلح صاغه رافائيل ليمكين، وهو نفسه محامٍ درس في جامعة لفيف». ويتابع: «وفقًا لهذه المعايير، تظهر فكرة محو أمة، وثقافتها، وهويتها، ووسائل العدوان المنهجي ضد المدنيين، بما في ذلك البرد، وبجميع الوسائل غير الإنسانية» يؤكد السيد سيغوف أنه لا توجد إرادة سياسية من الجانب الروسي لإنهاء العدوان: «لا ينبغي البحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة (…). في رأيي، لن تنتهي الحرب إلا عندما لا يملك بوتين موارد لمواصلتها». في الواقع، أكد الكرملين يوم الثلاثاء 24 فبراير أن "أهداف (روسيا لم تتحقق) بعد"، مضيفًا: "لهذا السبب تستمر العملية العسكرية الخاصة (الاسم الذي أطلقته روسيا على الغزو) في أوكرانيا". وقد رأى فلاديمير بوتين بدوره أن الغربيين، الذين يسلحون ويمولون أوكرانيا، لم يتمكنوا "من إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا في ساحة المعركة". تضارب المصالح موسكو، التي تحتل حوالي 20% من أوكرانيا، تواصل تقدمًا بطيئًا ولكن مستمرًا على الجبهة. ويشن الروس بانتظام ضربات ضخمة بالطائرات المسيرة والصواريخ، التي دمرت شبكة الطاقة الأوكرانية، مما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي والتدفئة في منتصف شتاء جليدي. بالقرب من الجبهة، تحولت مدن بأكملها إلى أنقاض، ويقدر تقرير دولي صدر يوم الاثنين الماضي، 23 فبراير، تكلفة إعادة إعمار أوكرانيا على مدى العقد المقبل بأكثر من 500 مليار يورو. جرت عدة جولات من المفاوضات في الأسابيع الأخيرة. تضغط واشنطن لإنهاء الحرب على أساس خطتها، التي كشف عنها أواخر عام 2025، والتي تمنح تنازلات ضخمة للروس مقابل ضمانات أمنية أمريكية لأوكرانيا. تطالب موسكو بالفعل بأن تسحب القوات الأوكرانية من المناطق التي لا تزال تسيطر عليها في دونباس، وأن تتخلى بذلك للروس عن هذا الحوض الصناعي الكبير في شرق أوكرانيا... وهو ما ترفضه كييف، خاصة وأن الضمانات الأمريكية غامضة للغاية. يمثل الأمريكيون في المحادثات ستيف ويتكوف، المستشار المقرب لترامب، وصهر الرئيس، جاريد كوشنر. يُنتقد تعيين المفاوضين الاثنين في واشنطن وأوروبا، لما يمثله من تضارب في المصالح. خاصة وأن مقربين من ترامب، سواء في أوكرانيا أو غزة، سيكونون المستفيدين الأوائل من نتائج السلام.

سيادة غير قابلة للتجزئة في لبنان منقسم

ألقى نعيم قاسم العديد من الخطابات على مر السنين. وكان خطابه الأخير، الذي ألقاه بمناسبة ذكرى "قادة حزب الله الشهداء"، ليس مبتكرًا بشكل خاص، ولكنه كان كاشفًا. فقد كان مزيجًا من الرثاء والوعظ والتحذير، وكان متوقعًا تمامًا. استُحضر الشهداء، وأُكِّد على الإيمان، ونُدد بإسرائيل، وأُشيد بإيران، وأُبلغت الحكومة اللبنانية بلطف أنها مسؤولة عن كل شيء، وفي الوقت نفسه لا يحق لها اتخاذ قرارات تُذكر. إنها معادلة غريبة: يطالب حزب الله الدولة بالدفاع عن سيادتها، شريطة ألا تُصر الدولة على امتلاكها. حجة قاسم الأساسية بسيطة: احترم لبنان وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، بينما لم تفعل إسرائيل ذلك. لذلك، يجب على الحكومة اللبنانية مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية. حتى الآن، يبدو الأمر منطقيًا. ولكن بعد ذلك يأتي التلاعب: فبينما تُحث الحكومة على التصرف كسلطة سيادية تجاه إسرائيل، تُحذر في الوقت نفسه من التصرف كسلطة سيادية تجاه أسلحة حزب الله. يبدو أن السيادة غير قابلة للتجزئة، إلا عندما تصل إلى الضاحية. صُمِّم الخطاب على أنه دفاع عن الكرامة. زعم قاسم أن نزع السلاح استسلام، وأن المساعدات الدولية إذلال، وأن الضغط لتركيز الأسلحة في يد الدولة مؤامرة خارجية. يكاد المرء يتوقع الخطوة المنطقية التالية: أن الدستور اللبناني نفسه مؤامرة إمبريالية ما لم يُفسَّر من قِبَل المكتب السياسي لحزب الله. يُقال لنا إن الأسلحة مقدسة، موروثة من دماء الشهداء. إن مناقشتها إهانة للموتى، والتشكيك فيها مغازلة للتعاون. إنها خطوة ذكية. بتقديس الترسانة، يحاول حزب الله إبعادها عن السياسة تمامًا. لم تعد الأسلحة خيارًا استراتيجيًا، بل أصبحت وصية دينية. المشكلة أن لبنان ليس مزارًا، بل جمهورية مفلسة ذات بنية تحتية متداعية وشعب يتمنى فقط النجاة من العقد القادم. يُصر قاسم على أن حزب الله لا يريد الحرب. بالطبع لا. حزب الله لا يريد الحرب أبدًا. إنها ببساطة تجد نفسها مجاورة لدولة أخرى بشكل دائم. لا تسعى إلى التصعيد، بل تحتفظ فقط بحقها في تحديد متى يكون التصعيد ضروريًا. لا تقوض الدولة، بل تعمل جنبًا إلى جنب معها، وفوقها عند الاقتضاء. ويؤكدون لنا أن هذا ليس تناقضًا، بل هو "منطق المقاومة". المفارقة تكاد تكون مسرحية. يطالب حزب الله الحكومة اللبنانية بإنفاذ وقف إطلاق النار ضد إسرائيل، بينما يجادل في الوقت نفسه بأن على الحكومة التوقف عن "هوسها" بنزع السلاح. بعبارة أخرى: أيتها الحكومة، مارسي سلطتكِ، ولكن ليس علينا. كما يطمئن الحزب قاعدته بأن إيران قوية، وأن "المحور" متماسك، وأن الجبهات الإقليمية مترابطة. يهدف هذا إلى بث الثقة، ولكنه يؤكد أيضًا الحقيقة الواضحة: أن العقيدة الأمنية اللبنانية ليست لبنانية خالصة، بل تتقلب تبعًا لمفاوضات طهران وحساباتها وأولوياتها الإقليمية. يبدو أن السيادة تكون في أوج قوتها عندما تُمنح للطرف الآخر. ثم هناك المشهد الاقتصادي. "لا نريد مساعدات مشروطة"، هكذا صرّح قاسم. يُعجب المرء بنقاء هذا الموقف. ففي نهاية المطاف، حقق لبنان نجاحًا باهرًا دون شروط. ومن المعروف أن المستثمرين ينجذبون إلى الدول التي يُحدد فيها السلام والحرب من قِبل جهات خارجة عن المؤسسات الرسمية. وتزدهر الأسواق عندما يكون التصعيد مسألة تقدير حزبي. وتزدهر إعادة الإعمار عندما يكون التسلسل القيادي اختياريًا. لكن الحقيقة أقل رومانسية. لا يمكن لأي دولة أن تُعيد بناء نفسها بينما يحتفظ هيكل عسكري موازٍ بحق النقض على توجهها الاستراتيجي. ولا يمكن لأي جيش أن يتطور إلى مؤسسة وطنية ذات مصداقية إذا كان عليه أن يتعايش مع منظمة مسلحة تحتفظ بحقها في الالتفاف عليه. ولا يمكن لأي سيادة أن تكون مقنعة إذا طُبقت بشكل انتقائي. ومع ذلك، كانت هناك مناورة واحدة كاشفة بشكل خاص في خطاب قاسم: إصراره على أنه لا يُسمح للمنتقدين "بالعودة" والتشكيك في قرار حزب الله جرّ لبنان إلى الحرب. ووفقًا لهذا المنطق، يُعاد ضبط التاريخ لحظة توقيع وقف إطلاق النار. يتلاشى الماضي. وتُصبح الحرب ملفًا مغلقًا. تُصبح الخسائر البشرية مجرد هوامش مؤسفة. هذا ليس تفكيرًا سياسيًا، بل هو نسيان مؤسسي. قد يُنهي وقف إطلاق النار الأعمال العدائية مع إسرائيل، لكنه لا يُعفي حزب الله من مسؤوليته تجاه الشعب اللبناني. فقد قرر الحزب من جانب واحد فتح جبهة قتال، دون استشارة البرلمان، ودون الحصول على موافقة مجلس الوزراء، ودون استشارة ملايين اللبنانيين الذين سيدفعون الثمن باهظًا من منازل مدمرة، وبنية تحتية مُشلّة، ومصادر رزق مفقودة، ونزوح متجدد. لا يُمكن الادعاء بالدفاع عن السيادة مع حرمان المواطنين من حق تقييم تكلفة هذا الدفاع. لم تبدأ الحرب من فراغ، ولم تؤثر على خريطة مجردة، بل أثرت على اللبنانيين أولًا وقبل كل شيء. إذا أراد حزب الله التحدث بلغة الدولة، فعليه أن يتبنى لغة السيادة.المسؤولية. توقيع وقف إطلاق النار ليس طقساً مقدساً. فهو لا يمحو عواقب القرارات المتخذة دون تفويض وطني. التاريخ لا يتوقف لمجرد أن طرفاً ما يفضل عدم مراجعته. تستند رواية حزب الله إلى حيلة واحدة دائمة: تقديم نفسه حامياً للدولة بينما يمنعها من أن تصبح كياناً موحداً. عندما تنتهك إسرائيل، يُلقى اللوم على الحكومة. عندما تتردد الحكومة، يُشكك في شجاعتها. عندما تفكر الحكومة في توطيد سلطتها، تُتهم بالاستسلام. في كلتا الحالتين، ينتصر حزب الله. وفي حال الفشل، تخسر الدولة. إن أكثر ما يلفت الانتباه في خطاب قاسم ليس الخطاب المتعلق بإسرائيل، بل القلق من النقاش الداخلي. لم تعد ساحة المعركة الحقيقية هي الحدود الجنوبية، بل مفهوم الدولة اللبنانية نفسها. مسألة الأسلحة لا تتعلق بخيانة الشهداء أو التخلي عن فلسطين، بل تتعلق بما إذا كان لبنان سيعمل يوماً ما ككيان سياسي واحد بدلاً من تعايش تفاوضي بين المؤسسات والميليشيات. يحب حزب الله تصوير الخيار على أنه مقاومة مقابل استسلام. هذا التقسيم الثنائي مُريح، ولكنه خاطئ. الخيار الحقيقي هو بين دولة يحكمها القانون ودولة يحكمها استثناء دائم. بين استراتيجية دفاعية تتبناها الجمهورية وعقيدة يتبناها حزب. بين المساءلة والتقديس. واختتم قاسم حديثه مطمئناً: حزب الله صبور. لا يسعى للحرب. ينتظر الدولة لتؤدي واجباتها. قد يظن المرء هذا كرماً. لكن الصبر، حين يقترن باحتكار التصعيد، ليس فضيلة بقدر ما هو أداة. لبنان لا يحتاج إلى مزيد من المحاضرات عن الكرامة من أولئك الذين يصرون على امتلاك مفتاحها الوحيد. إنه يحتاج إلى حكومة تحكم بلا تحفظات، وجيش يقود دون تفاوض، وسيادة لا تتطلب موافقة رجال الدين. إذا كان حزب الله يؤمن حقاً بمسؤولية الدولة، فعليه أخيراً أن يفعل ما لا يُتصور: أن يسمح للدولة بأن تكون ذات سيادة - لا في الخطابات، بل في الواقع. أي شيء أقل من ذلك ليس مقاومة، بل مجرد بروفة.