

في مقالٍ أول خُصِّص لرصد أوضاع مسيحيي الشرق، قدّمنا صورةً ديموغرافية واجتماعية قاتمة للمجتمعات المسيحية في سوريا. أما هذا الجزء الثاني، فيستعرض الرهانات الروحية والثقافية والتاريخية التي تواجهها.
في تعليق على تقرير مؤسسة L’Œuvre d’Orient حول المجتمعات المسيحية في سوريا، والذي أُنجز في صيف ٢٠٢٥ (راجع المقال السابق)، سلّط المطران هيوغ دي ويلمون، مدير الجمعية، الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه الجمعيات الأهلية والخيرية المسيحية لصالح المجتمع السوري ككل، لا سيما في مجالات المصالحة، وتمكين المرأة، والتعليم.
وجاء في التقرير: «إنَّ التعددية الدينية والإثنية هي إحدى ثروات سوريا. ومع ذلك، فبعد نصف قرنٍ من الديكتاتورية، وأربعة عشر عاماً من الحرب، وأعمال عنف طائفية في مرحلة ما بعد الأسد، يبدو جلياً أنَّ هذا التنوع الديني والإثني في سوريا بات يعاني هشاشةً شديدة ويواجه تهديداتٍ حقيقية».
ويعلّق المطران دي ويلمون قائلاً: «فضلاً عن ذلك، تؤكد تقارير أممية عديدة على الرهان المحوري الذي تمثله حماية الأقليات في ضمان الاستقرار ومنع النزاعات. إلّا أنَّه يتبيّن أنَّ المساعدات وآليات الحماية الحالية على المستويين الأوروبي والدولي لا تراعي بشكل كافٍ مدى هشاشة هذا النسيج المتكامل وضعفه».
ويتابع مدير "مؤسسة L’Œuvre d’Orient: «نطمح بشكل خاص إلى إنشاء صندوق مخصّص لدعم التنوع الإثني والديني، وإرساء منصة وطنية للحوار بين مختلف المكوّنات. كما يمكن لهذه الأدوات الوطنية والدولية المختلفة أن تحظى بدعم وكالات أممية وأوروبية متنوعة. فبعيداً عن تكريس الطائفية، من شأن هذه المبادرات أن تساهم في دعم الانتقال السياسي وترسيخ وجود هذه الأقليات في صلب مجتمعاتها، ضماناً لاستقرار البلاد وتعزيزاً لاحترام حقوق الإنسان للجميع».
التنوع والذاكرة الثقافية
ويضيف مدير المنظمة غير الحكومية: «إنَّ هذه المسألة تمسّ توازن الشرق الأوسط وتنوعه وذاكرته الثقافية، كما أنها تضع أوروبا أمام مسؤوليتها التاريخية. إنَّ وجود هذه المجتمعات هو ضمانة للتعددية والديمقراطية؛ فبدون دعمٍ مكثّف، ستُغلق المدارس، ويهجر الشباب أوطانهم، وتتشتت العائلات، لتتهاوى هذه الفسيفساء الدينية. ومن شأن تخصيص يوم عالمي أن يسلط الضوء على أزمة صامتة، ويقدّم دعماً ملموساً للمؤسسات التعليمية والصحية، ويعيد بناء الجسور بين الشرق والغرب».
وبالنسبة لفنسان جيلو، ممثل المنظمة في لبنان وسوريا والأردن، فإنَّ هذا التراجع في أعداد المسيحيين ليس مجرد معطى ديموغرافي عابر، بل هو «صدعٌ تاريخي وثقافي ذو أبعاد لاهوتية».
وبعبارة أخرى، فإنَّ هذا التراجع يُنبئ بشيءٍ عن حضور الله في التاريخ. واستحضاراً لتعبير البابا بندكتس السادس عشر، نحن أمام «تصحّر روحي» في مهد المسيحية، واستبدال حقيقة عن الإنسان بأخرى. إنَّ غياب يسوع على المستوى الاجتماعي ليس أمراً حيادياً؛ فهو يعني غياب تلك الطريقة الخاصة التي أحبَّ بها الله العالم في يسوع، وغياب معرفة الذات التي أسبغها هذا الإله على الإنسان، وبالتالي انهيار رؤية أنثروبولوجية بأكملها. إنه المعادل الشرقي لـ«موت الله» في الغرب، وفقدانٌ لا يُعوَّض لحقيقةٍ عن الإنسان لا يمكن لأي فكر آخر أن يحلّ مكانها.
تُبدي السلطات الكنسيّة المسيحيّة حساسيّةً بالغة إزاء هذا التهديد الذي يتربّص بالتعدديّة. وتعقيباً على هذه المعطيات، يقول المطران جاك مراد، رئيس أساقفة حمص للسريان الكاثوليك: «إن التنوّع الديني والإثني لطالما وُجد في سوريا، ولا يمكننا أن نتخيّل وطناً لا يشبه وطننا». ويضيف المطران، في معرض تأمّله في تداعيات وصول تنظيم هيئة تحرير الشام الأصولي إلى السلطة: «لم يكن السوريون يوماً متمسّكين بإسلامٍ تقليديٍّ»، خاصة وأنَّ المناخ الاجتماعي والثقافي الذي عاش فيه المسيحيون لعقود من الزمن قد تغيّر.
«لنعد إلى أرض الواقع»
يقول فنسان جيلو: «لنعد إلى أرض الواقع؛ إنَّ ١٨ مليون يورو لتمويل ألف مشروع ليس بالمبلغ الطائل. فاليوم، يعتمد الدعم بشكل شبه حصري على مانحين غربيين من القطاع الخاص عبر المنظمات المنضوية تحت لواء روآكو* (ROACO)، وهو أمرٌ غير كافٍ على الإطلاق»
ويضيف: «لقد آن الأوان لكي يتحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته ويتحرّك بشكل ملموس لصالح المكوّنات الإثنية والدينية في هذه المنطقة من العالم، والتي بات وجودها اليوم على المحك. فبدون دعمٍ مكثّف، ستنهار الفسيفساء الدينية. إنَّ وجود هذه المجتمعات هو ضمانة للتعددية والديمقراطية في عالمنا؛ ومن شأن تخصيص يوم عالمي أن يسلط الضوء على هذه الأزمة الصامتة، ويقدّم دعماً ملموساً للمؤسسات التعليمية والصحية، ويعيد بناء الجسور بين الشرق والغرب. إننا ندعو إلى تحرّكٍ فوري، ليس من أجل الحفاظ على ماضٍ جامد، بل للإبقاء على حضورٍ حيّ يساهم منذ ألفي عام في توازن الشرق الأوسط».
ويشدد جيلو قائلاً: «إنَّ هذه المجتمعات المسيحية هي شاهدٌ لا يُستبدل على المسيحية المبكرة. فالأماكن المقدسة هنا؛ هنا مشى يسوع ورسله. صور وصيدا، اللتان تقعان اليوم في لبنان، ذُكرتا في الأناجيل؛ والقديس بولس اهتدى على طريق دمشق؛ والقديس بطرس توجّه إلى أنطاكيا؛ والأردن يضم الموقع الذي تعمّد فيه يسوع على يد يوحنا المعمدان. ومع ذلك، نشهد مسيحيي هذه المناطق وهم يحزمون حقائبهم للرحيل. وهو أمر مرفوض. طبعاً، رحيل المسيحيين لا يمسُّ حقيقة قيامة المسيح، ولكن ألا يُعدّ حرمان هذه المجتمعات من الوصول إلى أماكنها المقدسة صدعاً لاهوتياً بحد ذاته؟ فضلاً عن ذلك، فإنَّ رحيلهم ليس خسارة لهم فحسب، بل لنا نحن الغربيين أيضاً؛ لأنَّ جزءاً من جذورنا وحضارتنا، بهويتها الثقافية والحضارية والدينية، يمتدُّ إلى هنا. وهي خسارة للمسلمين أيضاً. لذا، يجب مساعدة دول الشرق الأوسط في الحفاظ على فسيفسائها».
ترسيخ الأقليات
ويخلص فنسان جيلو إلى القول: «بناءً على ما تقدّم، توصيL’Œuvre d’Orient بالإسراع في إرساء آليات لدعم المصالحة وتحقيق عدالةٍ تلائم جميع السوريين. كما توصي بوضع آليات دولية وتمويلية لضمان إعادة إعمار شاملة، فضلاً عن حشد المجتمع الدولي بشكل مستدام لتعزيز التنوع الإثني والديني في سوريا».
ويختم جيلو حديثه بالقول: «إنَّ هذه المبادرات، وبعيداً عن تكريس الطائفية، من شأنها أن تساهم في دعم عملية الانتقال السياسي وترسيخ هذه الأقليات في صلب المجتمعات التي تعيش فيها، ضماناً لاستقرار البلاد وتعزيزاً لاحترام حقوق الإنسان للجميع».
*روآكو (ROACO): رابطة المؤسسات المعنية بمساعدة الكنائس الشرقية، وتضم منظمات مثل Aide à l’Église en détresse، وMiséreor، والبعثة البابوية، وL’Œuvre d’Orient.
اقرأ في الموضوع ذاته:
سوريا و«التصحّر الروحي»: قراءة في المشهد القاتم (1/2)