شعار Levant Time

نافذة على الكارثة

من يحقّ له أن يكتب مانيفستو؟
بقلم
ريتا باروتا
نُشر
سبتمبر 1, 2026 - 20:32

هذه المقالة هي الثانية في سلسلة من ثلاث مقالات تتتبع المانيفستو بوصفه شكلًا من أشكال الكتابة والتدخل في العالم. توقفت المقالة الأولى عند حق الإعلان، وعند اللحظة التي يكتسب فيها الكلام سلطة بمجرد دخوله إلى المجال العام. هنا ينتقل السؤال إلى ما يحدث عندما يتجاوز هذا الكلام صاحبه ويبدأ بالتحدث باسم جماعة، قبل أن تعود المقالة الثالثة إلى السؤال الذي بدأ منه هذا المسار كله، وإلى ما يبقى من المانيفستو حين تتغير أشكاله ووظائفه. في نهاية المقالة الأولى وصلنا إلى كلمة تبدو، بحروفها الثلاثة، أصغر من كل التاريخ الذي قاد إليها. فكلمة «نحن» تستطيع أن تحمل معها جماعة كاملة إلى داخل الجملة. ما إن يقول المانيفستو «نحن» حتى يتغير حجم الصوت الذي يتكلم. لم يعد صاحبه يعلن موقفًا يخصه وحده. ثمة آخرون دخلوا معه إلى اللغة، بأجسادهم وتجاربهم ومصالحهم واختلافاتهم، سواء شاركوا في كتابة النص أم وجدوا أنفسهم لاحقًا تحت المظلة التي فتحها لهم. لهذا تبدو الـ”نحن” مناسبة جدًا للمانيفستو. فهذا النوع يحب الأصوات الكبيرة والجماعات التي تظهر فجأة في المجال العام وتطالب بأن تُرى وتُسمع، وتصرخ: نحن العمال، نحن الفنانون، نحن المضطهدون، نحن الذين جئنا لإنهاء القديم أو إعلان الجديد... وحين تُكتب الجملة بكل هذه الثقة، يسهل أن ننسى السؤال الأكثر إحراجًا، ذلك الذي يختبئ داخل الضمير نفسه. من هم أولئك الذين يتحدثون؟ ومن سمح لصوت واحد، أو لعدد قليل من الأصوات، بأن يجمعهم داخل كلمة واحدة؟ في المقالة السابقة رأينا أن المانيفستو يستطيع أن يشارك في صناعة الجماعة التي يدّعي التعبير عنها. وتصبح هذه القدرة أكثر حساسية حين ندخل تاريخ المانيفستوات النسوية، لأن كلمة “النساء” نفسها ستتحول، على امتداد القرن العشرين، من أساس يبدو كافيًا لجمع الأصوات إلى ساحة نزاع حول من يظهر داخلها ومن يختفي. ولهذا لن تكون الرحلة هنا تاريخًا متسلسلًا للمانيفستو النسوي. ما يعنينا هو ما يحدث كلما مدّ ضمير الجمع حدوده قليلًا، ثم سمع صوتًا يأتيه من مكان لم ينتبه إليه. ربما يكون تاريخ المانيفستو، حين ننظر إليه من هذه الزاوية، تاريخًا للاعتراض على كلمة “نحن” بقدر ما هو تاريخ لصناعتها. مينا لوي، حين تتقدم الـ«أنتن» إلى الجملة في سنة 1914، كتبت مينا لوي نصًا حمل ببساطة عنوان Feminist Manifesto، وافتتحته بحكم لا يترك مساحة كبيرة للمجاملة: “الحركة النسوية، بصورتها القائمة، غير كافية”. ثم تتوجه إلى النساء أنفسهن، وتصل إلى المكاسب التي بدأت تتيح لهن دخول المهن والعمل لتسألهن سؤالًا قاسيًا: “هل هذا كل ما تردنه؟”. كانت لوي قد اقتربت من أجواء المستقبلية الإيطالية، وكتبت نصوصًا تتفاعل معها وتسخر منها في آن، فيما كان موضوع النساء وموقعهن في المجتمع يتسلل بقوة إلى أعمالها المبكرة. والمفارقة أن هذا المانيفستو، على الرغم من نبرته التي تبدو مصممة كي تصطدم بجمهورها، بقي غير منشور في زمنه ولم يظهر مطبوعًا إلا سنة 1982. قد يبدو ذلك تفصيلًا غريبًا بالنسبة إلى نص ينتمي إلى شكل يقوم أصلًا على الإعلان. هناك مانيفستو يرفع صوته، فيما يبقى لعقود من دون مجال عام يسمعه. وتزداد المفارقة حين ننتبه إلى الطريقة التي يتكلم بها النص نفسه. فالمستقبلية التي اقتربت منها لوي كانت مولعة بـ”نحن”. يدخل مارينيتي وأصحابه اللغة جماعةً مكتملة الثقة، تعرف ما تحب وما تكره وما الذي تريد إلقاءه خارج التاريخ. أما لوي، وهي تستعمل شيئًا من طاقة المانيفستو ونبرته الآمرة، فتوجّه الكلام إلى النساء أكثر مما تستقر داخل «نحن» نسائية مريحة. يتقدم ضمير المخاطب إلى الواجهة. هناك «أنتن» يُطلب منهن أن يُعدن النظر في ما تعلمنه عن الزواج والعفة والحب والاعتماد الاقتصادي على الرجال، وأن يشككن في وعود المساواة التي يمكن أن تترك البنية القديمة لحياتهن قائمة تحت أسماء جديدة. نبرة النص عنيفة أحيانًا ومزعجة حتى بمقاييس زمننا، وبعض مقترحاته لا تحتاج إلى الدفاع عنها كي ندرك ما تفعله داخل تاريخ المانيفستو. تأخذ لوي الشكل الذي أتقنت الطليعات الذكورية استعماله وتدخله إلى منطقة لم تعد فيها الجماعة التي يخاطبها النص واثقة من أنها جماعة أصلًا. يصبح الفرق بين “أنتن” و”نحن” فرقًا سياسيًا. فأن تقول لنساء أخريات “أنتن” يعني أن مسافة ما ما زالت قائمة بين المتكلمة ومن تخاطبهن، وأن التحرر نفسه لم يتحول بعد إلى هوية مشتركة يمكن الاحتماء بها. المرأة التي يفترض المانيفستو أنه يخاطبها قد تكون زوجة تؤمن بالزواج الذي يهاجمه، أو امرأة ترى في العفة قيمة، أو أخرى لا تجد نفسها أصلًا في صورة التحرر التي تقترحها لوي. وبذلك تضعنا لوي مبكرًا أمام مشكلة سترافق هذه المقالة. حتى الكلام الذي يريد تحرير جماعة يمكن أن يضع نفسه في موقع من يعرف عنها أكثر مما تعرف هي عن نفسها. ربما لهذا تبدو الـ”أنتن” عند لوي أكثر إثارة من أي “نحن” جاهزة. تحضر الجماعة بوصفها احتمالًا وموضوعًا للمخاطبة، فيما يبقى انتماؤها إلى المشروع الذي يقترحه النص شيئًا يحتاج إلى أن يُصنع. فالمانيفستو هنا يخاطب جمهورًا لم يتشكل بعد بوصفه جماعة متجانسة، ويحاول أن يخلق لدى مخاطَباته رغبة في مغادرة المواقع التي عرفن أنفسهن من خلالها. ومرة أخرى نعود إلى السلطة، لكن من باب آخر. فمن يملك حق أن يقول لامرأة إن الصورة التي اختارتها لنفسها ليست حرة بما يكفي؟ ومن يستطيع أن يرسم لها شكل التحرر ثم يطالبها بأن تتعرف إلى نفسها داخله؟ عندما تكاد امرأة واحدة أن تخترع جماعتها في نيويورك سنة 1967، بدأت فاليري سولاناس بتوزيع SCUM Manifesto. كانت تبيع نسخًا منه بنفسها في شوارع غرينتش فيليج، في صورة بعيدة جدًا عن التنظيم الحزبي الذي كلّف ماركس وإنغلز بكتابة برنامجه، أو عن جماعة فنية تدخل صحيفة كبرى كي تعلن اسمها. أمامنا كاتبة شبه منفردة ونص يتكلم كما لو أن وراءه قوة ثورية مستعدة لتغيير المجتمع. يكفي افتتاح النص لنعرف أن سولاناس لم تدخل المانيفستو بحثًا عن الاعتدال. تبدأ بعبارة تكاد تغلق باب التسوية منذ السطر الأول: “الحياة في هذا المجتمع، في أفضل أحوالها، مملّة إلى حد لا يُطاق، ولا يكاد في المجتمع ما يعني النساء”، ثم تمضي مباشرة إلى إسقاط الحكومة، وإلغاء نظام المال، والوصول إلى أتمتة كاملة، وصولًا إلى أكثر مقترحات النص تطرفًا بشأن الرجال. المجتمع الذي تصفه سولاناس فاسد ومستنفد إلى حد يستوجب تغيير النظام السياسي والاقتصادي والعلاقة بين الجنسين من جذورها. ويتقدم الغضب في الصفحات ليصبح طريقة في الاستيلاء على مساحة الكلام ورفض الشروط التي يُفترض أن تدخل المرأة بموجبها إلى المجال العام. المثير أن اسم SCUM يبدو منذ اللحظة الأولى كأنه اسم جماعة. هناك كيان يستطيع القارئ أن يتخيله، ونساء يمكن أن ينتمين إليه، ومشروع يحمل اسمه. لكن كلما اقتربنا من لحظة الكتابة نفسها يصبح من الصعب العثور على الجماعة المستقرة خلف الاسم. سبق النص الجماعة، وتصرف كما لو أن مجرد تسميتها يمنحها وجودًا كافيًا. ومع سولاناس، يملأ صوت فرد واحد الصفحة، مستعينًا بغضب يمنحه اتساعًا يسمح له بأن يتكلم عن النساء والرجال والمجتمع والمستقبل وكأنه يقف في مركز خريطة يستطيع رؤيتها كاملة. ليس من الضروري أن نحسم الجدل القديم حول مقدار السخرية أو الجدية فيSCUM Manifesto كي نرى ما يضيفه إلى سؤالنا. يكفي أن الاسم موجود وأن الصوت يتكلم بثقة كافية كي يبدأ القارئ بتخيّل من يقف وراءه. يتحول غضب سولاناس إلى قوة في ذاته. فالنساء اللواتي طُلب منهن تاريخيًا أن يشرحن ألمهن بلغة معقولة ومهذبة يجدن في المانيفستو مساحة تستطيع فيها المبالغة والعدائية أن تؤديا وظيفة سياسية. لا تطلب سولاناس الإذن لكي تكون مقنعة، ولا تبذل جهدًا كي تبدو جديرة بالقبول داخل نظام الكلام الذي تهاجمه. صوتها يفرض نفسه بحجمه. لكن الحجم لا يحل مشكلة التمثيل. كلما كبر الصوت ازداد عدد الأشخاص الذين قد يجدون أنفسهم موضوعًا لكلامه من دون أن يكونوا شركاء فيه. ومن هذه الزاوية يعيدSCUM طرح السؤال البديهي. هل يستطيع الفرد أن يعلن جماعة إلى الوجود؟ وإذا استطاع، متى يصبح هذا الاختراع مساحة سياسية يلتقي فيها آخرون، ومتى يصبح طريقة لاستعارة أصواتهم؟ حين تُصنع «نحن» في غرفة في نيويورك سنة 1969، أصدرت جماعة ريدستوكينغز (Redstockings) المانيفستو الخاص بها. كان النص ابن لحظة صعود حركة تحرير النساء في الولايات المتحدة، واتخذ موقفًا حادًا يرى النساء جماعة مضطهدة داخل نظام يقوم على سيادة الرجال. صدر المانيفستو باسم الجماعة نفسها، ودعا النساء إلى الاتحاد في صراع مشترك. لكن الـ”نحن” التي تظهر هنا لا تأتي من الصفحة وحدها. كانت تُبنى أيضًا في ممارسة أصبحت مركزية في ذلك الجناح من الحركة النسوية، هي جلسات رفع الوعي (consciousness-raising sessions). كانت النساء يجتمعن في شقق وغرف صغيرة ويتحدثن عن الزواج والجنس والعمل والأمومة والجمال والخوف وتوزيع الأعمال المنزلية، وعن تفاصيل ربما بدت لكل واحدة منهن قبل ذلك جزءًا من قصتها الخاصة. ثم تبدأ القصص بالتشابه، وتظهر أنماط يصعب تجاهلها. امرأة تعتقد أن مشكلتها مع زوجها تخص علاقتها به، فتسمع امرأة أخرى تروي تجربة تشبهها. ثالثة تتحدث عن شعورها بالفشل، ثم تبدأ المجموعة في رؤية الشروط الاجتماعية التي تجعل هذا الفشل يتكرر عند عدد كبير منهن. ما بدا فرديًا يكتسب شكلًا جماعيًا، وما عاشته كل امرأة بوصفه ألمًا خاصًا صار يُقرأ داخل علاقة أوسع بالقوة. هكذا ارتبط رفع الوعي عند ريدستوكينغز بإنتاج معرفة سياسية من الخبرة اليومية نفسها. قد يكون هذا أحد أكثر المشاهد دلالة في تاريخ الـ”نحن”. تتكون الجماعة أثناء الكلام، حين تضع النساء تجاربهن إلى جانب بعضها وتبدأ الأنماط المشتركة بالظهور. لا يعني ذلك أن التجارب متطابقة أو أن الغرفة تحل كل الاختلافات، لكن الـ”نحن” تبدأ بالتشكل حين تكتشف النساء أن ما عُزل طويلًا داخل الحياة الشخصية يرتبط ببنى تتجاوز الفرد. وهنا يصبح الضمير أكثر قوة مما كان عند لوي أو سولاناس. لم تعد هناك كاتبة واحدة تخاطب النساء أو اسم جماعة يكاد النص أن يخترعه. هناك حركة، ونساء يجتمعن، وممارسة تنتج لغة مشتركة، ثم يأتي المانيفستو ليمنح هذه اللغة صيغة عامة. ولهذا كانت عبارة “النساء” قادرة على حمل وزن سياسي هائل في تلك اللحظة. فإذا كانت المعاناة التي ظنت كل واحدة أنها تخصها تتكرر عند الأخريات، يصبح من الممكن فهم النساء كجماعة لها موقع مشترك داخل بنية السلطة. وعندها تستطيع “نحن النساء” أن تحول الشكوى المتفرقة إلى تحليل، والتحليل إلى قدرة على التنظيم. لكن كل نجاح في صناعة “نحن” يخلق سؤالًا حول حدودها. فالخبرة الشخصية التي تدخل الغرفة لا تأتي من فراغ. كل امرأة تدخل معها أيضًا لونها وطبقتها وموقعها الاجتماعي وجنسانيتها وعلاقتها بالعمل والدولة والعائلة. وما يمكن أن يبدو مشتركًا حين نركز على علاقة النساء بالرجال قد يتغير كثيرًا حين تدخل إلى الصورة علاقات أخرى بالقوة. وإذا كانت التجربة مصدرًا للمعرفة السياسية، يصبح من الضروري أن نسأل عن التجارب التي وصلت إلى الغرفة أصلًا، وعن النساء اللواتي امتلكن الوقت والمكان واللغة والحضور كي تصبح تجاربهن جزءًا من تعريف ما تعنيه «تجربة النساء». لكن، أيّ نساء؟ في سنة 1977 ظهر نص لا يحمل كلمة “مانيفستو” في عنوانه أصلًا. حمل اسم The Combahee River Collective Statement، وكتبته جماعة من النسويات السوداوات اللواتي كن يجتمعن منذ 1974 ويعملن سياسيًا داخل مجموعتهن وفي تحالفات مع حركات تقدمية أخرى. ومع ذلك يقوم النص بالكثير مما تعلمنا أن نتوقعه من المانيفستو. يعلن موقعًا، ويسمّي أنظمة القوة التي يريد مواجهتها، ويحدد جماعةً تتكلم، ويقترح فهمًا للعالم قادرًا على توجيه العمل السياسي. منذ البداية تعرّف الجماعة نفسها باعتبارها تجمعًا لنسويات سوداوات. وهذه الصفة الإضافية تغيّر جغرافيا “نحن النساء” كلها. فالنساء السوداوات لا يدخلن التجربة السياسية من موقع واحد يمكن اختزاله في اضطهادهن كنساء. العنصرية والتمييز الجنسي والطبقة والهيمنة الجندرية تعمل معًا في إنتاج شروط حياتهن، ولهذا صاغ بيان كومباهي فهمًا للأنظمة المتشابكة للقمع قبل أن تصبح لغة “التقاطعية” واسعة التداول بالصورة التي نعرفها اليوم. المهم في هذه اللحظة أن السؤال لا يطلب توسيع كلمة «النساء» بإضافة مجموعة نسيناها إلى القائمة. المشكلة تقع في الطريقة التي صُنعت بها الفئة نفسها. فعندما تُقدَّم تجربة بعض النساء باعتبارها التجربة النسائية، يمكن لنساء أخريات أن يظهرن داخل الخطاب بالاسم ويختفين منه في المضمون. حين تقول امرأة سوداء للحركة النسوية إن «نحن النساء» لا تصف تجربتها كاملة، فهي تكشف أن الجماعة التي اعتبرت نفسها شاملة بنت هذا الشمول انطلاقًا من مواقع محددة، ثم نسيت أن تسميها. وفي الوقت نفسه، كان على نساء كومباهي أن يتعاملن مع جماعات أخرى تستطيع أن تقول «نحن السود» فيما يختفي داخلها اضطهاد النساء، أو «نحن اليسار» فيما تتراجع العنصرية واللامساواة الجندرية إلى مرتبة أسئلة ثانوية. هكذا تجد المرأة السوداء نفسها أمام أكثر من ضمير جمع يعدها بالانتماء، ثم يطلب منها في كثير من الأحيان أن تقسّم تجربتها كي تستطيع الدخول إليه. ربما لهذا تبدو مساهمة كومباهي حاسمة في تاريخ الـ”نحن”. فهي لا تستبدل جماعة نقية بأخرى أكثر نقاءً. ما تكشفه هو استحالة البراءة في ضمير الجمع. كل «نحن» تُبنى من مكان، وتحمل تاريخًا، وتضيء بعض العلاقات بالقوة أكثر مما تضيء غيرها. من هنا يمكن أن نقول إن تاريخ المانيفستو هو أيضًا تاريخ اعتراضات على ضمير الجمع. كل مرة ينجح فيها ضمير في جمع أشخاص تحت اسم واحد، يظهر احتمال أن يأتي صوت من داخله ويسأل عن ثمن هذا الجمع. وقد يبدو الاعتراض تهديدًا لوحدة الحركة، لكنه يجبر الجماعة على رؤية ما كانت تعتبره بديهيًا في صورتها عن نفسها. وعندها يصبح السؤال متصلًا بالطريقة التي يمكن بها بناء جمع يعرف أن حدوده ليست طبيعية ولا أبدية، وأن الأشخاص الذين يحملهم اسمه لن يعيشوا بالضرورة علاقات القوة بالطريقة نفسها. ماذا لو لم تحتج “نحن” إلى أصل مشترك؟ حين نشرت دونا هاراواي عام 1985 النص الذي سيُعرف لاحقًا على نطاق واسع باسم A Cyborg Manifesto، كانت تكتب داخل لحظة أصبح فيها البحث عن وحدة نسوية مستقرة أكثر صعوبة. وقد وصفت بنفسها أزمة الهوية السياسية التي عاشتها أجزاء من اليسار والنسوية في الولايات المتحدة، وتوقفت عند إمكان آخر للعمل المشترك يقوم على التحالف و«الألفة» أو التقارب السياسي عوضًا عن البحث المستمر عن هوية واحدة تجمع الجميع. نُشر النص أصلًا في Socialist Review سنة 1985. ان “السايبورغ” عند هاراواي كائن هجين تختلط فيه الحدود التي اعتدنا استعمالها لترتيب العالم، بين الإنسان والآلة، والطبيعي والمصنوع، والجسد والتكنولوجيا. لكن أهميته بالنسبة إلى سؤالنا تظهر في رفضه قصة الأصل النقي أو الجوهراني. غالبًا ما تحب الجماعات السياسية أن تتخيل أن أفرادها كانوا، في مكان عميق من هوياتهم، جماعةً قبل أن تفرقهم السلطة، وكأن التحرر يقتضي إزالة ما حدث لاحقًا كي نعود إلى وحدة أصلية كانت موجودة طوال الوقت. السايبورغ يزعج هذا الخيال، لأنه يبدأ من التركيب، ومن الحدود غير المستقرة، ومن الهوية الجزئية. ومن هنا تأتي واحدة من أجمل إمكانات النص سياسيًا. يستطيع الأشخاص أن يعملوا معًا من دون الحاجة إلى إثبات أنهم متشابهون في الأصل، وأن يبنوا تحالفًا من مواقع مختلفة من دون أن يذيب أحدهم اختلاف الآخر كي تصبح كلمة “نحن” ممكنة. تصف هاراواي هذا الاحتمال في عبارتها الشهيرة “الألفة لا الهوية”، حيث يصبح التحالف ناتجًا عن اختيار سياسي وعلاقات ومصالح ومقاومات مشتركة، فيما تبقى الهويات جزئية ومتناقضة. بالنسبة إلى المانيفستو، تكاد هذه الحركة تقلب تاريخ ضمير الجمع على نفسه. فقد يصبح من الممكن تخيل “نحن” لا تحتاج إلى الادعاء بأنها جسد واحد. وعليه تصبح الجماعة أقرب إلى ترتيب سياسي مؤقت بين ذوات تعرف أنها جزئية، اختارت أن تلتقي حول شيء من دون أن تحول اللقاء إلى قصة عن أصل مشترك أو هوية صافية. تأتي قوة الـ”نحن” هنا من معرفتها بأنها لن تستطيع قول كل شيء عن أعضائها. وهذا لا يجعل السياسة أسهل. فالتحالف يحتاج إلى التفاوض، والاختلاف لا يختفي بمجرد إعلان احترامه، كما أن غياب هوية واحدة لا يلغي تفاوت القوة داخل الجماعة. لكن ما نطلبه من ضمير الجمع يتغير، ويصبح أقرب إلى اتفاق على العمل معًا مع إبقاء الاختلاف ظاهرًا، عوض أن يحمل وعدًا بالتشابه الكامل. فالمشكلة لم تعد في العثور على “نحن” صحيحة نهائيًا تستطيع أن تضم الجميع من دون احتكاك أو اعتراض. ما تكشفه هذه النصوص هو أن ضمير الجمع نفسه ممارسة سياسية، لأنه يجمع أشخاصًا كي يصبح الفعل المشترك ممكنًا، ويرسم في اللحظة نفسها حدود هذا الجمع. والحدود لا تبقى صامتة طويلًا. قد يأتي منها من يقول إن التجربة التي سُمّيت مشتركة لم تكن تجربته، أو يكتشف أفراد الجماعة أن الاسم الذي منحهم قوة في لحظة ما بدأ يخفي اختلافات صار من الضروري رؤيتها. وقد يبقى الاسم ويتغير معناه، أو ينشأ تحالف لا يطلب من أفراده أن يصبحوا نسخًا متشابهة كي يتمكنوا من العمل معًا. ربما تأتي قوة “نحن” السياسية من قدرتها على إبقاء إمكان الفعل المشترك مفتوحًا مع إبقاء الاختلاف ظاهرًا أيضًا. فالاسم الجماعي يصبح أكثر خطورة حين يتحول من مساحة للقاء إلى سلطة تصادر حق أفراده في تعريف أنفسهم. والمانيفستو، بحكم ميله إلى الجمل الكبيرة والإعلانات الواثقة، يجعل هذا التوتر مرئيًا بصورة خاصة. فهو يتكلم كما لو أن شيئًا أصبح واضحًا بما يكفي كي يُعلن، ثم تأتي السياسة من داخل هذا الوضوح نفسه وتفتح الأسئلة من جديد. لهذا يحمل كل “نحن” مانيفستيّ في داخله احتمال ظهور صوت عند حدوده يقول لمن يتحدثون باسمه إنهم لا يتحدثون باسمه. وقد يكون ظهور هذا الصوت واحدًا من الأشياء التي تمنع الجماعة من تحويل وحدتها إلى صمت. لكن هذا يقودنا إلى معضلة أخرى. فقد استطاع المانيفستو أن يغيّر شكله، وأن يسخر من قواعده، وأن يصدر عن فرد أو جماعة، وأن يخاطب “أنتن” أو يتكلم بصوت «نحن»، بل وأن يتخيل تحالفًا لا يحتاج إلى هوية متجانسة. فما الذي يبقي النص مانيفستو أصلًا؟ وهنا نعود في المقالة الثالثة إلى الكتاب الصغير الذي بدأ منه هذا المسار، إلى إيريني باييخو ومانيفستو القراءة، لنسأل ماذا يحدث حين تحمل كلمة «مانيفستو» نصًا يريد أن يعتني بشيء أكثر مما يريد تحطيمه.

من يحقّ له أن يكتب مانيفستو؟
بقلم
ريتا باروتا
نُشر
أغسطس 25, 2026 - 11:16

هذه المقالة هي الأولى في سلسلة من ثلاث مقالات تتتبع المانيفستو بوصفه شكلًا من أشكال الكتابة والتدخل في العالم. تبدأ من تاريخ الإعلان والسلطة التي يمنحها لمن يكتبه، ثم تنتقل في المقالة الثانية إلى النزاع على ضمير “نحن”، قبل أن تصل في الثالثة إلى سؤال مختلف قليلًا، يتعلق بما يفعله المانيفستو حين لا يكون معنيًا بهدم العالم، وإنما بحماية شيء فيه أو بتذكيرنا بما يستحق العناية. بدأ الأمر من كتاب صغير، مانيفستو القراءة لإيريني باييخو، ومن ملاحظة كتبها قارئٌ شَعرَ أن العنوان وعده بما لم يجده. كان ينتظر نصًا ينظّر للقراءة والكتاب والمكتبة، ربما على الطريقة التي نعرفها عند ألبرتو مانغويل، فإذا به أمام صفحات حميمة ومشهدية، تعود إلى ذكريات القراءة والمدارس والمكتبات والكتب الأولى، وتقول أحيانًا ما يشعر به كثيرون. كان اعتراضه في جوهره واضحًا: أين النظرية؟ أين البحث؟ أين الرأي الجديد الذي يبرر وضع كلمة كبيرة مثل “مانيفستو” على الغلاف؟ يمكن بالطبع أن نختلف حول كتاب باييخو، وأن نراه جميلًا أو عابرًا، وأن نسأل عمّا يضيفه فعلًا إلى مكتبة واسعة من الكتب التي تناولت القراءة وعلاقتنا بالكتب. غير أن الاعتراض نفسه أخذني إلى مكان بدا أكثر إثارة من الكتاب الذي أثاره. فما الذي وعدتنا به كلمة “مانيفستو” أصلًا؟ ومتى أصبح لدينا هذا اليقين بشأن ما ينبغي أن يحتويه النص كي يستحقها؟ ومن أين أتت تحديدًا صورة المانيفستو التي تجعلنا نتوقع منه النظرية أو البرنامج أو القطيعة أو الجديد؟ للكلمة حضور ثقافي قوي إلى درجة يصعب معها سماعها من دون أن يصاحبها شيء من الصخب. ارتبط المانيفستو في المخيلة الحديثة بجماعة قررت أن تعلن عن نفسها، أو ببرنامج يريد أن يغيّر العالم، أو بعدوّ حان وقت تسميته، أو بلغة لا تتردد كثيرًا قبل أن تخبرنا بما يجب أن يسقط وما ينبغي أن يولد مكانه. وقد يمر في الذاكرة البيان الشيوعي ، أو صخب الطليعات الفنية في مطلع القرن العشرين، أو تلك الـ”نحن” الواثقة بنفسها وهي تدخل الجملة كما يدخل شخص غرفة يعرف مسبقًا أنه يريد إعادة ترتيبها كلها. يكاد يبدو أحيانًا أن المانيفستو لا يطمئننا إلى اسمه ما لم نسمع في مكان ما من صفحاته قبضة تضرب الطاولة. لكن الاقتراب قليلًا من تاريخه يكشف صيغة كتابية أكثر عصيانًا على هذه الصورة مما نتصور. لم تولد الكلمة بين أيدي الثوار وحدهم، ولم تبقَ طويلًا في حوزة السياسة، كما أنها لم تحافظ على شكل واحد عندما استولت عليها الحركات الفنية والطليعية، ثم الحركات النسوية والمناهضة للفاشية وغيرها. كلما وصلت إلى جماعة جديدة، بدا كأن الجماعة تمدّها قليلًا في اتجاه حاجتها وتضيف إلى معنى المانيفستو وظيفة لم تكن بالضرورة واضحة في استعمالاته السابقة. ولهذا ربما يجدر بنا قبل أن نعود في نهاية هذه السلسلة إلى باييخو، أن نعود قليلًا إلى الوراء، إلى زمن لم تكن فيه كلمة مانيفستو مرادفة للثورة بعد. فالسؤال الذي يسكن تاريخها قد لا يبدأ من «ما هو المانيفستو؟» بقدر ما يبدأ من مسألة أخرى أشد اتصالًا بالسلطة حول من يملك حقّ الإعلان. في البدء كان الإعلان تأتي كلمة manifesto من الإيطالية ومن فعل manifestare ، وتحمل في أصلها معنى الإظهار، اي أن تجعل أمرًا ما أو موقفًا، مرئيًا ومعلومًا. في الاستعمال الأوروبي الحديث المبكر، كانت تشير إلى تصريح علني يوضّح دوافع فعل وقع أو يعلن أسباب فعل سيقع، وحين دخلت الإنجليزية في القرن السابع عشر احتفظت إلى حد كبير بالمعنى نفسه، وهو أن يُخرج صاحب الموقف نيته إلى العلن وأن يجعلها معروفة أمام الآخرين. من الناحية اللغوية، تبدو الحركة بسيطة. هناك شيء موجود في الداخل، في قرار أو نية أو موقف، ثم يُدفع به إلى الخارج، إلى المساحة المشتركة، فيصبح ظاهرًا. لكن السياسة تظهر فور أن نسأل عن شروط هذا الظهور، لنسأل من كان يستطيع أصلًا أن يجعل قراره شأنًا عامًا؟ ومن كان يملك الورق والمطبعة والمنبر والشرعية التي تجعل الناس يتلقون إعلانًا ما بوصفه كلامًا جديرًا بأن يُسمع؟ في المراحل المبكرة من هذا التاريخ، نجد الحكام والدول والمؤسسات الدينية والقانونية. هناك مانيفستوات ملكية تشرح أسباب حرب أو نزاع، أو تعلن موقف دولة من أخرى، أو تمنح القرار السياسي صيغة عامة يمكن تداوله من خلالها. ويحفظ فهرس مكتبة فولجر، على سبيل المثال، مانيفستو صدر باسم الملك تشارلز الثاني سنة 1672 ضد الولايات العامة للمقاطعات المتحدة. لا تشبه هذه الوثيقة كثيرًا الصورة الرومانسية التي ستنشأ لاحقًا عن المتمرّد الذي يطبع بيانه ليلًا ثم يوزعه على الناس، لكونها تنتمي إلى عالم السيادة والدبلوماسية، إلى لحظة يكون فيها الإعلان واحدًا من الأساليب التي تجعل السلطة قرارها حاضرًا أمام الآخرين. ولا يعني ذلك أن المانيفستو كان ملكيًا ثم غيّر ولاءه والتحق فجأة بالثورة. كانت الإعلانات والمنشورات تتحرك منذ وقت مبكر في قلب السجالات الدينية والقانونية والسياسية، فيما كان المجال العام الأوروبي نفسه يتسع مع انتشار الطباعة وتزايد القراء وتكاثر الجهات التي تريد أن تُسمع. الأهم أن العلاقة بين الإعلان والسلطة بدأت مع الحداثة السياسية تتغير. فالشكل الذي خدم في إظهار إرادة صاحب السلطة أصبح متاحًا أيضًا لمن يريد أن ينازعه على حق الكلام والتسمية والتمثيل. وهذا التحوّل مهم لأن ترتيب العلاقة بين الكلام والقوة يتبدل معه. فالحاكم في الصورة الأكثر مباشرة، يعلن لأنه يملك سلطة تسبق كلامه وتمنحه ثقله. أما المانيفستو السياسي الحديث فسوف يجرّب مسارًا آخر، حين يتقدم إلى الكلام أولًا ويحاول من خلال هذا الكلام نفسه، انتزاع موقع لم يكن مضمونًا له قبل أن يعلنه. يمكن اعتبار هذه اللحظة بداية الحياة الحديثة للمانيفستو، حين لا يعود الإعلان مجرد أثر لسلطة موجودة، ويصبح في الوقت نفسه إحدى الوسائل التي تُصنع بها سلطة الكلام. 1848، حين تبحث جماعة عن صوتها يصعب عبور تاريخ المانيفستو من دون الوقوف ولو مرة، عند البيان الشيوعي. لا تأتي أهميته هنا من كونه أشهر مانيفستو سياسي في العصر الحديث فقط، وإنما من كونه رسّخ صورة ستظل ملازمة للمانيفستو طويلًا، حيث يلتقي تفسير العالم بتحديد القوى المتصارعة داخله، وتظهر جماعة ترى لنفسها مصلحة تاريخية ويحاول النص أن يمنح هذه المصلحة وضوحًا واتجاهًا سياسيًا. صدرت النسخة الأولى سنة 1848، لكن الحكاية بدأت قبل ذلك. ففي مؤتمر “رابطة الشيوعيين” الذي انعقد في لندن في أواخر 1847، كُلّف كارل ماركس وفريدريك إنغلز بصياغة برنامج نظري وعملي للحزب، ثم أُعد النص بالألمانية وأُرسل إلى الطباعة في لندن مطلع العام التالي. يبدو أصل الشرعية في هذه الحالة واضحًا: هناك تنظيم قائم يعرف أنه يريد نصًا يعلن رؤيته، فيختار شخصين ليقوما بصياغتها. للوهلة الأولى تبدو العلاقة مستقرة، اي انه هنالك من جماعة، ومشروع سياسي، وقراءة للصراع، ثم يأتي نص يضع هذه العناصر في صيغة قادرة على مواجهة العالم. وقد يكون هذا أحد أسباب قوة الأثر الذي تركه البيان الشيوعي في خيالنا عن المانيفستو، لانه يربط تفسير الواقع بإرادة تغييره، ويكتب كما لو أن الفكرة لا تصل إلى تمامها إلا حين تصبح قادرة على تحريك شيء خارج الصفحة. غير أن العلاقة بين الكاتب والجماعة التي يتكلم باسمها أكثر تعقيدًا. فماركس وإنغلز ليسا “عمّال العالم”، ولا يفترض النص أن ملايين العمال جلسوا حول الطاولة نفسها وأملوا عليهما عباراته. إنهما يكتبان من داخل مشروع سياسي يرى نفسه جزءًا من الحركة العمالية، وفي الوقت نفسه يمنح نفسه قدرة على قراءة اتجاه الصراع وفهم المصلحة التاريخية للطبقة التي يريد تنظيمها. ومن هذه المسافة الصغيرة بين من يكتب ومن يتحدث باسمهم ينشأ توتر سيعود مرارًا في تاريخ المانيفستو. فحين تتحدث باسم جماعة، لا تكتفي بإعطائها صوتًا لانك تسمح لنفسك أيضًا بأن تحدد ما الذي يجمعها، وما الذي يؤذيها، وكيف ينبغي فهم وضعها، وربما ما الذي يفترض بها أن تفعله للخروج منه. لهذا لا تكون الـ”نحن” في المانيفستو ضميرًا لغويًا محايدًا. إنها موقع يُبنى داخل النص، وغالبًا ما تحمل معها ادعاءً ما بالتمثيل. لكن البيان الشيوعي يضيف إلى ذلك حركة أكثر إثارة. فالجماعة التي يناديها موجودة اجتماعيًا، من دون أن تكون قد اكتملت سياسيًا بالصورة التي يطمح إليها النص. العمال موزعون في أمكنة مختلفة، وتختلف شروط حياتهم، بينما يتكرر الاستغلال الذي يربط تجاربهم على نحو قد لا يكون ظاهرًا لهم دائمًا. المانيفستو يريد لهذه الكثرة أن تدرك نفسها بوصفها قوة ذات مصلحة مشتركة؛ وحين يصل إلى دعوته الأشهر لاتحاد عمال العالم، يكون قد انتقل من وصف ما هو موجود إلى مخاطبة احتمال سياسي لم يكتمل بعد. كأن النص يقول لجماعة متفرقة إن بينها من الروابط أكثر مما تسمح لها حياتها اليومية بأن ترى، وإن بوسعها، إذا رأت نفسها بطريقة أخرى، أن تصبح شيئًا آخر أيضًا. هنا تظهر واحدة من أكثر خصائص المانيفستو إثارة، إذ قد تكون هناك “نحن” موجودة أصلًا تكتب بيانها، وقد يكون البيان نفسه المساحة التي تبدأ فيها هذه الـ”نحن” باكتشاف صورتها أو حتى بصناعتها. وفي هذه الحالة، يصبح المانيفستو جزءًا من العملية التي تعيد الجماعة عبرها تخيّل نفسها، وتسمية ما يجمع أفرادها، وصياغة ما يمكن أن تصبحه سياسيًا. ومن هنا يمكن القول إن ثمة «نحن» تكتب المانيفستو، وثمة مانيفستوات تكتب الـ«نحن». غير أن هذه القدرة تمنح فعل الإعلان وجهًا أكثر التباسًا، لأن من يتقدم ليجعل جماعة مرئية في اللغة يشارك أيضًا في تحديد صورتها، وفي ترتيب تجربتها، وتسمية مصالحها، واقتراح الطريقة التي قد ترى نفسها من خلالها. وقد يساعد ذلك الجماعة على إدراك قوتها، لكنه يمنح من يصوغ خطابها موقعًا يتجاوز مجرد نقل صوتها. وهكذا يحمل المانيفستو في داخله توترًا سيعود معنا لاحقًا، بين قدرته على منح الجماعة لغة تستطيع أن تتعرف إلى نفسها من خلالها، والسلطة التي يمارسها من يتولى صياغة هذه اللغة باسمها. وستزداد هذه المسألة تعقيدًا كلما تقدمنا في تاريخ هذا الشكل. حين اكتشف الفنانون متعة الإعلان مع مطلع القرن العشرين حدث ما يشبه الانفجار. السياسة لم تعد وحدها مفتونة بالمانيفستو، إذ اكتشفت الحركات الفنية الناشئة أن إعلان الثورة على الحكومة لا يفوق، بالضرورة، متعة إعلان الثورة على الفن نفسه. دخلت كلمة “مانيفستو” بقوة إلى معجم الطليعات الأوروبية، وظهرت في قلب المستقبلية والدادائية والسوريالية والفورتيسية وغيرها من الحركات التي كانت تولد وتنقسم وتعيد تعريف نفسها بوتيرة متسارعة. وقد رافق هذا الحضور رغبة واضحة لدى هذه الحركات في أن تمنح ممارساتها الفنية لغة تعلن بها موقعها، وتشرح علاقتها بما سبقها، وتحدد ما تريد تغييره في صلة الفن بالجمهور والحياة اليومية والتاريخ. لهذا وجد المانيفستو في الطليعة بيتًا يكاد يلائمه بصورة حميمة. فالحركة التي ترى نفسها قطيعة مع ما سبق تحتاج إلى لحظة تعلن فيها ظهورها، ولحظة الإعلان ليست هامشًا دعائيًا على العمل الفني؛ يمكن أن تكون جزءًا من العمل نفسه، امتدادًا لأدائه في المجال العام. ولعل أشهر تلك اللحظات وقعت في 20 شباط/فبراير 1909، حين ظهر “البيان المستقبلي” لفيليبو توماسو مارينيتي على الصفحة الأولى من صحيفة Le Figaro أعلن النص القطيعة مع الماضي، واحتفى بالسرعة والآلة والصناعة والحركة، وربط جمال العالم الجديد بطاقة التكنولوجيا والعنف والحرب. أراد لقارئه أن يشعر بأن زمنًا كاملًا قد شاخ فجأة، وأن عصرًا آخر وصل وهو يصدر صوت المحرك والحديد. ومع أن برنامج المستقبلية وما يحمله من عنف يظل مهمًا، فإن ما يعنينا في هذه الرحلة هو أداء الإعلان ذاته. يدخل مارينيتي إلى المجال العام بصوت “نحن” يكاد لا يعرف التردد: “نحن” يقظة فيما الآخرون نائمون، تعرف أن العالم القديم انتهى قبل أن يدرك الآخرون موته، وترى المستقبل وتستعجله. وبمجرد أن تنشر الصحيفة هذا الصوت، تصبح الحركة التي يعلنها النص أكثر وجودًا بفضل فعل الكلام نفسه. المستقبلية ليست مضطرة إلى أن تكون قد اكتملت في الواقع كي تعلن عن نفسها؛ الإعلان يشارك في إنشائها. وهنا يتغير ترتيب العلاقة بين الشرعية والكلام مرة أخرى. فمع السلطة القديمة كانت الشرعية تسبق الإعلان، ومع البيان الشيوعي كان التنظيم موجودًا قبل النص الذي سيمنحه صيغة عامة. أما مع الطليعة، فيبدأ الحد الفاصل بين الإعلان والوجود نفسه بالتلاشي، إذ تستطيع الحركة أن تكتسب شيئًا من حقيقتها في اللحظة التي تجرؤ فيها على إعلان نفسها. صار النص نفسه جزءًا من الحدث الذي يصفه. وربما لهذا أحبت الحركات الطليعية المانيفستو إلى هذا الحد، لانها تعيش على مبالغة تأسيسية ترى أن ما قبلها انتهى وأن ما سيأتي بعدها لن يشبهه، ويمنحها المانيفستو المساحة التي تستطيع فيها أن تصوغ هذه المبالغة وكأنها حقيقة قد بدأت لتوّها. لكن صناعة “نحن” بواسطة اللغة تحمل معها سؤالًا أقل إثارة للاحتفال. فكل جماعة ترسم نفسها ترسم، في الحركة نفسها، حدودًا لما ليس هي. عند مارينيتي كان الماضي عدوًا، والمؤسسات الفنية القديمة عبئًا، والتقاليد شيئًا ينبغي سحقه، فيما حمل البيان نفسه تمجيدًا للحرب واحتقارًا للنساء، قبل أن تتشابك أجزاء من المستقبلية لاحقًا مع القومية والفاشية الإيطالية. المشكلة هنا تتصل بالجدارة بقدر اتصالها بالشرعية. فالقدرة على خلق جماعة لا تقول شيئًا، وحدها، عن عدالة الجماعة التي يتم خلقها أو عن العالم الذي تطمح إليه. يستطيع المانيفستو أن يفتح مساحة لمن حُرموا من الكلام، ويستطيع أيضًا أن يصنع جماعة تجد قوتها في تحديد من ينبغي أن يبقى خارجها. مانيفستو يسخر من المانيفستوات بعد أقل من عقد على بيان مارينيتي، كتب تريستان تزارا مانيفستو دادا 1918. وإذا كانت المستقبلية قد دفعت يقين المانيفستو إلى أقصى حدوده، فقد اختارت دادا أن تعبث بهذا اليقين من الداخل، كأنها دخلت البيت الذي شيّدته المانيفستوات ثم بدأت في نزع أبوابه. يكتب تزارا مانيفستو ويعلن، في اللحظة نفسها، أنه ضد المانيفستوات كما هو ضد المبادئ. يسخر من الكاتب الذي يتعين عليه، كي يكتب مانيفستو، أن يغضب وأن يطلق أحكامه وأن يقدّم ما يقوله كما لو أنه حقيقة نهائية، ثم يحتفي بالتناقض عوضًا عن محاولة ستره. وسيصبح النص، لهذا السبب، واحدًا من الأمثلة الأشهر على ما يمكن وصفه بـ”المانيفستو المضاد للمانيفستو”. المثير أن السخرية من النوع لم تطرد النص من تاريخ النوع. على العكس، بقي مانيفستو دادا واحدًا من أشهر مانيفستوات القرن العشرين، كأن هذه الصيغة الكتابية تملك قدرة غريبة على ابتلاع اعتراضها على نفسها ومواصلة الحياة. وهذا يخبرنا شيئًا مهمًا. فإذا اشترطنا في المانيفستو برنامجًا واضحًا، جاءت دادا بنص يشك في البرامج؛ وإذا اشترطنا الاتساق، اختارت التناقض؛ وإذا بحثنا عن منظومة من المبادئ، وجدنا كاتبًا يعلن ارتيابه من المبادئ ذاتها. حتى احترام الشكل الذي يكتب داخله لا يبدو شرطًا لبقائه جزءًا من تاريخه. فما الذي يبقى حين تسقط هذه الشروط؟ ربما يبقى فعل اتخاذ الموقف وإشهاره، حتى لو كان الموقف نفسه شكًا في صلابة المواقف كلها. ويصعب فهم هذا العبث إذا فصلناه عن أوروبا الحرب العالمية الأولى. لقد خرجت دادا من عالم أصبحت فيه كلمات مثل “العقل” و”الحضارة” و”التقدم” أقل براءة مما ادعت طويلًا، بعدما أثبتت الحضارة الحديثة قدرتها على تنظيم الموت على نطاق صناعي. في هذا السياق، لم يعد العبث مجرد نزوة فنية، واكتسب التناقض وظيفة أخرى: التشكيك في عقل يَعِد بالنظام فيما ينتج الكارثة، وفي لغة تمنح نفسها سلطة تفسير العالم كله ثم تطالب الآخرين بالعيش داخل تفسيرها. بهذه الحركة اتسعت وظيفة المانيفستو مرة أخرى. صار قادرًا على تخريب اللغة التي تُكتب بها المشاريع، وعلى زعزعة القواعد التي منحته شكله، وربما يكمن جزء من طول عمره في هذه المرونة تحديدًا، اذ إنه اصبح شكلا يستطيع أن يخون أسلافه من دون أن يُطرد بسهولة من العائلة. القاهرة، 1938: حين تصبح الشتيمة راية لو بقيت حكاية المانيفستو محصورة في لندن وباريس وبرلين وروما، لكان من السهل سردها وفق إحدى الحكايات المألوفة عن الحداثة. فأوروبا تنتج الأشكال والأفكار ثم تبدأ هذه الأفكار رحلة إلى بقية العالم. لكن الأفكار لا تسافر في صناديق محكمة الإغلاق، ولا تصل إلى مدن فارغة تنتظر من يملأها. حين تنتقل فكرة من مكان إلى آخر، تدخل تاريخًا كان قائمًا قبل وصولها، وتحتك بلغاته وصراعاته ومؤسساته وعلاقاته بالسلطة، فتتغير هي أيضًا في أثناء الرحلة. إدوارد سعيد في مقالته “النظرية المسافرة” في العالم، النص والناقد ، تتبع ما يحدث للأفكار والنظريات عندما تغادر شروط ظهورها الأولى وتدخل زمنًا ومكانًا وشروط تلقٍّ جديدة. فالفكرة المسافرة لا تحمل معها معنى ثابتًا محفوظًا من التغيير لان السياق الجديد يعيد استخدامها وقد يخفف من قوتها أو يمنحها قوة أخرى لم تكن تملكها في موطنها الأول. ومن هذا المنظور تصبح القاهرة في أواخر الثلاثينيات أكثر من «محطة عربية» في تاريخ كتب في مكان آخر. في 22 كانون الأول/ديسمبر 1938، ظهر في القاهرة بيان بالعربية والفرنسية يحمل عنوانًا شديد الاختصار والذكاء« يحيا الفن المنحط»، Vive l’art dégénéré . كتب جورج حنين النص ووقّعه سبعة وثلاثون فنانًا وكاتبًا ومثقفًا، وارتبطت هذه اللحظة بتبلور جماعة “الفن والحرية”، التي ستصبح إحدى أكثر التجارب السريالية إثارة في مصر. كان أعضاؤها يتحركون داخل شبكة دولية من الفنانين والكتاب، فيما كانوا يعيشون في الوقت نفسه لحظة مصرية لها شروطها الخاصة، تتقاطع فيها الهيمنة الاستعمارية البريطانية مع تصاعد القوميات والصراعات الاجتماعية والثقافية، ومع أسئلة ملحّة عن الحرية وعن علاقة الفن بما يجري خارج المتحف والمرسم. أما العنوان فينجز بثلاث كلمات ما قد تحتاج إليه صفحات من الشرح. كان النظام النازي قد استخدم وصف “الفن المنحط” لوسم الفن الحداثي وإدانته ودفعه إلى خارج المجال الذي يحق له أن يسمى فنًا، وجاء معرض Entartete Kunst سنة 1937 ليجعل من التسمية جزءًا من سياسة ثقافية أوسع تحدد الفن المشروع وتعرض ما ترفضه بوصفه علامة انحطاط يجب تحقيرها. كان يمكن لفناني القاهرة أن يدخلوا في دفاع يقول إن هذا الفن ليس منحطًا. لكن ذلك كان سيترك للسلطة بصورة ما، حق تحديد معنى الكلمة وتوزيعها. اختاروا مسارًا مختلفًا، فاستعادوا الاسم نفسه وقلبوا دلالته حين أعلنوا «يحيا الفن المنحط». وبهذه الإضافة الصغيرة انقلب اتجاه الكلمة. فما صُمم له ليكون إدانة أصبح موقعًا للتضامن، وما أُريد له أن يعمل كوصمة تحول إلى راية يمكن رفعها. تحوّل النقاش عندها من محاولة تبرئة الفن الحديث من صفة “الانحطاط” إلى مساءلة السلطة التي نصّبت نفسها أصلًا صاحبة الحق في إطلاق هذه التسمية، وفي تحديد ما يُعترف به فنًا وما يُدفع إلى خارجه. وهنا يدخل المانيفستو في صراع أقدم من تاريخه نفسه، يتعلق بمن يملك سلطة التسمية ومن يملك حق تثبيت معناها. من يقرر ما هو طبيعي وما هو منحرف، وما هو محترم وما هو فاسد، وما الذي يحق له أن يسمى فنًا؟ وإذا كانت السلطة قادرة على التأثير في الواقع من خلال الأسماء التي تمنحها للأشياء والأشخاص، فإن الاستيلاء على الاسم الذي استعملته ضدك، ثم تغيير قيمته، يمكن أن يصبح طريقة لاستعادة شيء من الحق في تعريف الذات. لكن أهمية “يحيا الفن المنحط” تتجاوز هذا الانقلاب اللغوي. فقد أعلن الموقّعون تضامنهم مع الفن الحديث الذي كان يتعرض للقمع في أوروبا، ورفضوا إخضاع الفن لمعايير العرق والدين والأمة، كما دعوا الفنانين والكتاب إلى مواجهة الهجوم الفاشي على حرية الإبداع. ومن داخل القاهرة، تحولت قضية قد تبدو للوهلة الأولى أوروبية إلى جزء من موقف فني وسياسي يُصاغ داخل مصر، من دون أن يذوب السياق المصري في أوروبا أو يتحول الفنانون المصريون إلى مجرد صدى لما يحدث فيها. لم تكن جماعة “الفن والحرية” صندوق بريد تتلقى القاهرة عبره آخر أخبار السريالية من باريس. كانت جزءًا من شبكة تتشكل في أكثر من اتجاه، تأخذ من لغة السريالية والمانيفستو ما تحتاج إليه ثم تدخله في شروط محلية لا تنفصل عن الاستعمار والقومية والمحافظة والصراع حول معنى الفن نفسه. وربما تكمن المشكلة أصلًا في عبارة “انتقال الأفكار”، لأنها توحي بأن الفكرة تكتمل في مكان ثم تنتقل إلى مكان آخر كما هيما يحدث غالبًا أكثر تعقيدًا، إذ تُعاد صياغة الأفكار وهي تنتقل من سياق إلى آخر، ويمنحها المكان الجديد أسئلة وخصومًا ومخاطَبين لم يكونوا حاضرين في لحظة نشأتها الأولى. وهكذا تظهر القاهرة بوصفها واحدة من المساحات التي أعادت صياغة المانيفستو ومنحته معنى جديدًا داخل سياقها الخاص، بما يتجاوز فكرة إلحاقها بتاريخ أوروبي مكتمل. ويضيف “يحيا الفن المنحط” إلى هذا التاريخ وظيفة أخرى أيضًا. فقد مررنا حتى الآن بنص يريد تغيير النظام، وآخر يريد إعلان ولادة فن جديد، وثالث يسخر من فكرة الإعلان ومن اليقين الذي يرافقها. أما هنا، فيبتعد المانيفستو قليلًا عن لغة الهدم والثورة، من دون أن يصبح أقل سياسية، ويتجه نحو وظيفة أخرى تتمثل في الدفاع عن شيء صار مهددًا. هناك فن يُصادر ويُدان، وسلطة تريد أن تحدد مسبقًا مساحة ما يحق له أن يظهر وما ينبغي أن يختفي. ويأتي المانيفستو كي يجعل الدفاع عن حرية هذا الفن موقفًا عامًا، ويذكّر بأن الإعلان لا يُستخدم دائمًا لولادة الجديد؛ قد يُستخدم كذلك كي يحمي شيئًا موجودًا من أن يُدفع إلى الزوال. ويضيف ذلك إلى المانيفستو إمكانًا آخر، إذ يستطيع أن يتجه نحو ما هو قائم حين يصبح مهددًا، فيمنحه حضورًا عامًا ويحوّل الدفاع عنه من شأن يخصّ منتجيه وحدهم إلى قضية تستحق أن تُعلن. وعند هذه النقطة تبدو الصورة التي انطلقنا منها أكثر ضيقًا مما حسبنا. فالمسارات المختلفة التي حملت اسم المانيفستو وسّعت معنى الإعلان نفسه، وجعلت من الصعب اختزاله في برنامج أو نظرية أو دعوة إلى القطيعة. وربما لهذا كان السؤال الذي أثاره كتاب باييخو أوسع من الكتاب منذ البداية. ثمة حركة تتكرر مع ذلك من نص إلى آخر، حين يخرج موقف من حيّز الصمت أو الهامش ويطالب لنفسه بمكان في المجال العام. أحيانًا يستند هذا الكلام إلى سلطة قائمة تمنحه شرعيته مسبقًا، وأحيانًا يصبح الكلام نفسه محاولة لاكتساب الشرعية التي يحتاج إليها كي يُسمع. ربما تكمن هنا واحدة من أكثر خصائص المانيفستو رسوخًا. فهو ينطلق من افتراض أن ثمة أمرًا يستحق أن يصبح ظاهرًا، وأن فعل إظهاره قادر بدوره على تغيير موقع المتكلم داخل المجال الذي يدخل إليه. الإعلان، بهذا المعنى، يفعل شيئًا يتجاوز نقل الموقف إلى العلن، لأنه يضع صاحبه في علاقة جديدة مع من يخاطبهم ومع السلطة التي يواجهها أو يطالب بجزء منها. وهنا تبدأ المسألة بالتعقّد. فمن يعلن يشارك أيضًا في تحديد ما الذي يستحق أن يُرى، وكيف يُسمّى، ومن الذي يُستدعى إلى الوقوف معه. وحين تظهر “نحن” داخل المانيفستو، يصبح صوت الكاتب محمّلًا بأصوات أخرى، ويصبح حق الإعلان متصلًا بحق آخر أكثر حساسية، هو حق الكلام باسم الآخرين. من تشملهم هذه الـ”نحن”؟ وما الذي يجمعهم؟ وهل كانت الجماعة موجودة قبل النص، أم ساعد النص نفسه على تخيّلها وصياغة حدودها؟ ثم ماذا عن الذين يقفون عند هذه الحدود ويسمعون كلامًا يُقال باسمهم من دون أن يتعرّفوا إلى أنفسهم فيه؟ لعل هذه هي المفارقة التي يتركنا عندها المانيفستو في نهاية هذه الرحلة الأولى. فالكتابة التي انتزعت لنفسها عبر تاريخها حق الظهور والكلام، تجد نفسها بدورها أمام سؤال السلطة حين تبدأ بالكلام باسم الآخرين. سنبدأ مشوار المقالة الثانية من كلمة صغيرة ظاهريًا حملت داخلها تاريخًا طويلًا من الانتماء والتمثيل والاستبعاد، اي “نحن”.

عن اختفاء المكتبات في زمن الحرب
بقلم
ريتا باروتا
نُشر
مايو 3, 2026 - 09:30

"الذاكرة في خطر. كتبكم وكتبنا في خطر داهم ". بهذه العبارة علّقت رشا الأمير، الكاتبة والناشرة اللبنانية، على صورة مكتبة عزة بيضون، الباحثة التي تعنى بقضايا المرأة، في بنت جبيل. فلا خبر مؤكّد عن وضع المنزل. ولا عن مصير المكتبة. هنالك فقط الكثير من القلق الذي يتنقّل بين الناس، وأسئلة تُطرح بلا جواب: من معه الخبر اليقين؟ ماذا بقي؟ ماذا اختفى؟ في طيات هذا القلق تحديداً، يبدأ معنى الفقد الذي يتشكّل في لحظة غياب اليقين. ها هو الانتظار معلّق بين صور أقمار صناعية غير واضحة، وبين ذاكرة تستبق الكارثة. فالاختفاء لا يحتاج إلى تأكيد كي يصبح واقعاً نفسياً، والخسارة تُعاش قبل أن تُثبت. لعلها تعاش بالف شكل، والف سيناريو محتمل، كل سيناريو افظع من الآخر. ماذا يعني أن تختفي مكتبة، وتحديدا مكتبة شخصية، قضى صاحبها سنوات طوال في جمعها، وحبها، ولمسها، وجعلها ارثا له. من لديه مكتبة شخصية- ونحن كثر كثر كثر في هذا البلد- نعي بأنها ليست مجرد رفوف وكتب. هي زمننا المتراكم، طبقات قراءاتنا، طبقات من تبعثر انتباهنا، من الرحيل عنها، والعودة اليها. كتبنا، تحملنا ولا نحملها. تحمل أثر يدنا التي مرّت عليها، خطوطا بقلمنا، تعليقاً في الهامش، إشارة إلى صفحة ستُقرأ لاحقاً. ولن تقرأ. كتبنا، تركيبة حية لذاكرتنا، التي في كثير من الاحيان، لا نتذكرها الا حين تذكرنا بنفسها. فمكتبتنا هي المكان الذي تتشكّل فيه علاقتنا البطيئة مع المعرفة. لذا، هي حميمة، وغالية، ولا تعوّض. وخسارتها هي خسارة الشيء الحسي الوحيد الذي يشبه دهاليز نفسنا. في رواية "شرطة الذاكرة"، ليوكو أوغاوا، تختفي الأشياء تدريجياً. تُمحى من الواقع، ثم من الذاكرة. فهناك من سلطة تنظّم هذا الاختفاء، وتراقبه، وتفرض منطقه. لينسى الناس، ويتكيّفون مع النسيان، إلى أن يصبح الغياب جزءاً من نظام لا خلل فيه. تختفي الأشياء، وتختفي معها الكلمات التي كانت تسميها، إلى أن يصبح من الصعب حتى استعادة فكرة أنها كانت موجودة يوماً. في سياقنا، يحدث الاختفاء بطريقة مختلفة. فلا جهة واحدة تفرضه، ولا زمن يسمح باستيعابه. فالأشياء تختفي لأن العالم الذي يحتويها يتداعى: الكتب تختفي مع البيوت، مع الغرف، مع الأيدي التي كانت تقرأها. ويحدث ذلك دفعة واحدة، بسرعة تفوق القدرة على الإدراك، وتمنع تشكّل أي مسافة تسمح بالتأمّل أو الاستيعاب. عبر التاريخ، لم يكن تدمير الكتب حادثاً عرضياً. حين تُستهدف المكتبات، يُستهدف ما تحمله من معرفة وذاكرة واستمرارية. يستخدم مفهومان لوصف هذا الفعل biblioclasm ، أي تدمير الكتب، و libricide ، أي تدمير الكتب والمكتبات كفعل موجّه. من دون ريب ولا شك، يعتبر ذلك شكلاً من أشكال «قتل الكتب»، اي عنف يستهدف الذاكرة نفسها، ويعمل على محو أثرها وقطع امتدادها. لا يقتصر استهداف الكتب على إزالتها من التداول، بل يمتد إلى تقليص ما يمكن أن يُفكَّر فيه أو يُعاد تصوّره. لهذا السبب، تكرّر استهداف الكتب عبر الأزمنة، من مكتبات العالم القديم التي اختفت، إلى إحراق الكتب في أوروبا، إلى تدمير الأرشيفات في الحروب الحديثة، ظلّ الكتاب هدفاً دائماً. هدفت السيطرة على المعرفة التحكم بما يمكن أن يُروى، وبما يجب ان يُمحى، وبما يُترك خارج الحكاية. فكل مكتبة تُدمَّر تحمل معها احتمالاً أقل لفهم ما حدث، أو لإعادة روايته. في المقابل، يقدّم التاريخ أيضاً حكاية موازية. ففي لحظات الخطر، حاول الناس إنقاذ الكتب بطرق شتّى. أخفوا مخطوطات، دفنوا نصوصاً، أو نقلوها إلى أماكن بعيدة. في الصين القديمة على سبيل المثال، حين أُحرقت الكتب، اختار بعض العلماء إخفاءها. وفي أزمنة أخرى، حُفظت نصوص داخل كهوف أو بين جدران مغلقة، لتظهر بعد قرون. أحياناً كثيرة، لم يبقَ النص كما هو، بل كُتب فوقه نص آخر، في طبقات متراكمة من المعنى. كأن الذاكرة، حتى حين تتعرّض للمحو، تبحث عن شكل آخر للبقاء، وعن طريقة للعودة. لا تعني هذه الحكايات أن الكتب لا تختفي، لانها تشير إلى أن اختفاءها كان يُقابل بمحاولة او محاولات لدرىء هذا الاختفاء. اما في أماكن أخرى من هذا الكوكب العليل، كان الاختفاء يحدث في لحظة واحدة واضحة. حين احترقت مكتبة سراييفو، لم يكن الأمر مجرد حريق، بل إزالة لذاكرة مدينة كاملة، لحظة يمكن الإشارة إليها، تأريخها، والعودة إليها بوصفها حدثاً مفصلياً. أما في الحرب اللبنانية، فقد اتخذ اختفاء الكتب شكلاً مختلفاً. لم يكن هناك حدث واحد يختصر القصة. فقد تآكلت المكتبات عبر النهب، والتبعثر، والانتقال من يدٍ إلى أخرى. ومع انهيار مؤسسات الدولة، تحوّلت الممتلكات الثقافية إلى أجزاء متناثرة: كتب بيعت، أخرى سُرقت، وثالثة تُركت في بيوت مهجورة. تفكّكت الذاكرة إلى عناصر منفصلة، من دون سياق يجمعها، ومن دون إمكانية تتبّع مسارها. يتكرّر هذا المشهد اليوم بطريقة أكثر قسوة. تختفي مكتبات شخصية بصمت مطبق. كأن رثاء مكتبة يصبح ترفاً في زمن يموت فيه أطفال وتُهدم قرى. تختفي المكتبات من دون توثيق، ومن دون يقين كامل بخسارتها لأن المكان الذي كانت فيه لم يعد موجوداً، أو لم يعد من الممكن الوصول اليه. تشبه المكتبات الخاصة مخازن الذاكرة، بذور لما كنّا عليه، وربما لما يمكن أن نكونه. فكل مكتبة تحمل ترتيباً خاصاً، وذائقة، ومسار حياة. ترتيبنا للكتب على الرفوف ليس عشوائياً، بل يعكس علاقة فردية مع المعرفة. وحين تختفي هذه المكتبات، لا تختفي الكتب وحدها، بل تحديدا هذا الترتيب، وهذه العلاقة، وهذه السيرة غير المكتوبة. في كتابها "اختراع الكتب: اللامتناهي في بردية" (دار الآداب، 2024، ترجمة مارك جمال)، تتتبّع إيريني باييخو تاريخ الكتب كرحلة نجاة طويلة. استمرّت النصوص عبر قرارات متكرّرة: أن يحملها أحدهم، أن ينسخها، أن يخفيها، أن ينتشلها من حريق أو من إهمال أو من نسيان. فتاريخ الكتاب هو تاريخ هذا الإصرار المتواصل على إبقائه حيّاً، رغم هشاشته. ما يتبدّل اليوم يمسّ هذه السلسلة نفسها. فهشاشة الكتب كانت دائماً جزءاً من قصتها. اما الجديد فهو انقطاع اليد التي تلتقطها في اللحظة الأخيرة. حين تختفي مكتبة تنكسر حركة كاملة من النقل وتتلاشى إمكانية أن يُعاد فتح الكتاب في زمن آخر، وأن يُقرأ على نحو مختلف. فالخسارة تمتدّ إلى ما كان يمكن أن يستمر عبره. وندخل معاً في هذا الفراغ: فراغ السرد، وفراغ الذاكرة، وفراغ المعنى الذي لم يُبنَ. هناك، يعود صوت رشا الأمير، لا كتعليق، بل كمرثية: "الذاكرة في خطر". نرثي، لأننا نعرف جيداً ما يمكن أن يكون قد اختفى.

حديثٌ لا ينتهي في زمنٍ لا يصل
بقلم
ريتا باروتا
نُشر
أبريل 20, 2026 - 17:54

- شو صار؟ - في شي رح يصير. - قالوا رح يصير. - مين قال؟ - ما بعرف. بس أكيد رح يصير. يتكرر هذا التبادل القصير بصيغٍ لا تُحصى داخل تفاصيل الحياة اليومية. يتكثّف ليصبح صيغة من صيغ الوجود، لا تنقل الحدث بقدر ما تعيد إنتاجه، في هيئة توقّع دائم، يتغذّى من نفسه، ويستمرّ عبر اللغة، من دون أن يحتاج إلى تحقّق واضح يثبّته أو يضع له حدًّا. لا تأتي الجمل لتخبر عمّا حدث، بل لتبقي الاحتمال معلّقًا، قابلًا لإعادة التداول، كأنّ وظيفتها الأساسية لم تعد الإحالة إلى الواقع، بل تنظيم العلاقة معه والضياع فيه. هذه اللغة، في تكرارها وإيقاعها الدائري، تقف في صلب المشروع الأدبي الذي تقدّمه رواية الطابور لفلاديمير سوروكين (دار الرافدين، 2023). مع هذه اللغة، تتحوّل الرواية إلى مساحة من الأصوات المتجاورة التي تتدفّق من دون وسيط سردي يضبطها، ومن دون مركز يمكن أن تستقرّ عنده الدلالة. يقوم النصّ بأكلمه على حوارات متقطّعة ومتداخلة، تلتقط لحظات من الانتظار داخل طابور طويل، من دون أن تكشف عمّا ينتظره الواقفون فيه، أو عمّا يحدث في المقدّمة. ليبقى المعنى موزّعًا بين أقوال متجاورة لا تنفتح على نهاية واضحة. كتب سوروكين هذا العمل في سياق سوفياتي كان فيه الوقوف في الطوابير جزءًا من البنية اليومية للحياة ومن العلاقة المعقّدة بين الأفراد والسلطة وندرة السّلع. غير أنّ الرواية لا تتوقّف عند حدود هذا السياق، إذ تدفع التجربة نحو أقصاها، عبر تفكيك الإطار الواقعي الذي يمكن أن يحتويها، وتحويلها إلى اختبار لغوي يضع القارئ نفسه داخل الطابور، يتعرّض، كما يتعرّض اناس سوروكين، لتكرار الأصوات، ولتراكمها، وللإنهاك الذي ينتج عن متابعة نصّ لا يقدّم وعدًا بالوصول، ولا يمنح قارئه نقطة استقرار يمكن أن يتكئ عليها. لتصبح القراءة فعل تحمّل بقدر ما هي فعل فهم، إذ يختبر القارئ، على مستوى الإحساس، ما تعنيه الإقامة داخل زمن لا يتقدّم. وإذا كان نصّ سوروكين يستمدّ مادّته من واقعٍ محدّد، فإنّ استدعاء الطابور في السياق اللبناني لا يحتاج إلى مسافة كبيرة من التخيل، لانه يستند إلى ذاكرة متراكمة، تكاد تكون جسدية في حضورها، تعود إلى سنوات الحرب الاهلية، حين كان الوقوف في الصفوف أمام الأفران، بحثًا عن ربطة خبز، جزءًا من الإيقاع اليومي للحياة. خلال الحرب تلك، كان زمن الطاوابير يمتدّ على نحو غير متوقّع محوّلا الانتظار إلى تجربة مشحونة بالقلق والترقّب. هذه التجرية الخاصة جدا، تتأرجح بين احتمال الوصول واحتمال الانقطاع. لم يكن الوقوف في الطابور مجرّد إجراء للحصول على سلعة، بل كان دخولًا في زمنٍ مختلف، يُقاس بالمدّة التي لا يمكن التحكّم بها، وبالأسئلة التي لا تجد إجابة فورية. هذه التجربة لم تبقَ في حدود الماضي، بل عادت لتتكرّس في أشكال جديدة مع الانهيار الاقتصادي، حيث أعادت طوابير محطّات الوقود رسم المشهد نفسه، بأجساد مصطفّة داخل سياراتها هذه المرّة، تمتدّ على طول الطرقات، تحت الشمس أو في العتمة، في انتظار دور قد يأتي بعد ساعات، أو قد لا يأتي، في ظلّ غموض يحيط بتوفّر المادة نفسها، وبشروط الحصول عليها، وبالزمن اللازم للوصول إليها. في تلك اللحظات، كان الكلام يتكاثر داخل الصفوف، بين السائقين، وعبر الهواتف، حيث تُتداول الأخبار والتقديرات، وتُعاد صياغة ما يُشاع عن وصول الصهاريج أو انقطاعها، فيتحوّل الانتظار إلى فضاء لغوي كثيف، يملأ الفراغ الذي يخلّفه غياب اليقين. .... انطلاقًا من هذا التراكم التاريخي والتجريبي، يمكن النظر إلى ما يجري في لبنان اليوم بوصفه انخراطًا جماعيًا في زمنٍ يتشكّل عبر التعليق المستمر، حيث لا يعود الحاضر لحظة عابرة بين ماضٍ ومستقبل، بل مساحة ممتدّة يُعاد إنتاجها يوميًا من خلال اللغة، ومن خلال التداول المتواصل للتوقّعات. فتتقدّم الخطابات إلى الواجهة، وتصبح الطريق شبه الوحيدة للاقتراب من الواقع. الوصول إلى الحدث، في هذه الحالة، لا يتمّ بشكل مباشر، بل عبر طبقات متراكمة من الأقوال، التي لا تنقل الوقائع بقدر ما تعيد تشكيلها، وتمنحها إيقاعًا قائمًا على التأجيل. في هذا الفضاء، تتكاثر الجمل التي تشير إلى اقتراب شيء ما، من دون أن تحدّده بدقّة، وتتوالد الأخبار التي تَعِد بتحوّل وشيك، من دون أن تستقرّ في نتيجة، فينشأ شكل من الزمن يعتمد على الترقّب بوصفه حالة قابلة للتجديد. وعليه، يتمّ استهلاك المستقبل في صيغته الاحتمالية، من دون أن يُتاح له أن يتحقّق كزمنٍ فعلي. ومع تراكم هذا الفائض من الكلام، يتبدّل موقع الفرد داخل هذا الزمن، إذ يجد نفسه منخرطًا في إنتاج المعنى وتداوله، عبر التعليق والتحليل وإعادة الصياغة. وما نشاهده اليوم على صفحات التواصل الاجتماعي من تعليقات وتحليلات لا تحصى، هو مشاركة في هذا التدفّق اللغوي، الذي يصبح شكل من أشكال الحضور. فيُبقي الأفراد داخل النسق نفسه، ما يمنحهم إحساسًا بالمشاركة في حدثٍ يتأجّل باستمرار. هل ستستمر الحرب؟ من عليه قانونا، ان يفاوض؟ هل المقاومة مشروع ايراني؟ هل الدولة قوية؟ هل سنعيش؟ لا يأتي الكلام بوصفه تعبيرًا عن الواقع فحسب، بل كفعل يساهم في تثبيت الإطار الذي يُفهم من خلاله هذا الواقع، وفي إعادة إنتاجه بوصفه حالة قابلة للاستمرار. في المقابل، تظلّ “المقدّمة” (او من يتخيلون انه هنالك من مقدّمة!) التي يُفترض أن يحدث فيها التحوّل اي الوصول الى السلعة المنتظرة، موقعًا يتعذّر الإمساك به، ذلك لأنّ العلاقة بها تمرّ عبر وسائط متعددة، إعلامية وسياسية، وكلاما اقرب منه الى الثرثرة منه الى المعنى، تتنافس على إنتاج رواياتها، وتُبقيها في حالة من التعدّد الذي يحول دون تثبيتها في صورة واحدة قابلة للإدراك. ومن خلال هذه الوسائط، تتعزّز مسافة بين من يعيشون الحدث في شروطه المباشرة، وبين من يتلقّونه عبر تداولاته، فتتشكّل تجربتان متوازيتان، تتقاطعان في اللغة، من دون أن تتطابقا في الإحساس بالواقع، ما يساهم في تعميق الإحساس بالانفصال، حتى داخل المشاركة الجماعية في الانتظار. الانتظار، اذا، لا يظهر كفترة بين حدثين، بل كإطار دائم يعيد ترتيب العلاقة بين الزمن والتجربة، ليصبح جزءًا من استقرارٍ هشّ، يقوم على التكيّف مع التأجيل. وعليه، فإنّ المسألة لا تتعلّق بمدى قرب النهاية، ولا بطول المدّة التي يستغرقها الانتظار، بقدر ما ترتبط بطبيعة هذا الزمن الذي يُعاد إنتاجه يوميًا، زمنٌ لا يتوقّف، ولا يتقدّم، بل يدور داخل نفسه، عبر إعادة إنتاج التوقّع واستهلاك كل احتمال. ليبقى السؤال معلّقًا داخل هذا الامتداد من الأصوات (والثرثرة جزء منه)، الذي يتردّد في جمل عديدة من دون أن يستقرّ في إجابة واضحة. سؤال يتعلّق بإمكان تخيّل زمن يسمح بشيء أن يحدث فعلًا. في أفقٍ لم يعد الوصول إليه مضمونًا، يبقى التفكير فيه، محاولة للخروج من الطابور، ولو على مستوى اللغة.

الأدب في زمن الحرب: عندما تتصدّع اللغة، او تنتظر
بقلم
ريتا باروتا
نُشر
مارس 16, 2026 - 10:30

حين نتحدث عن الأدب في زمن الحرب، غالبًا ما تتسارع الى اذهاننا اسئلة حول قدرة الأدباء في الانتاج، او كيف يمكنهم تحويل المعارك والموت والدمار، إلى روايات وقصائد وشهادات. لكن هذه الاسئلة على أهميتها، تخفي سؤالًا بعد أعمق. فالحرب تمنح الأدب موضوعًا جديدًا، ولكنها في الآن نفسه تهزّ الشروط التي تجعله ممكنًا. فالحرب تمسّ اللغة، والذاكرة، والإيقاع الداخلي للزمن كما القدرة على تحويل التجربة إلى سرد متين، يؤدي الوظيفة فالمعنى. هذا لأن الحرب ليست حدثًا خارجا عن الجسد، بل داخله. وعليه، فإن أثرها على الكتابة يظهر في النصوص التي تُكتب عنها، ولكن أيضاً في النصوص التي تتأخر، أو تتعثّر، أو تظهر في شكل متقطّع وغير مكتمل. ومن هنا نسأل: ماذا تفعل الحرب باللغة نفسها؟ وهل يمكن للغة أن تحتمل العنف؟ ومتى تختار الصمت على الانتاج؟ العنف وحدود اللغة في كتابها The Body in Pain تشير الباحثة الأميركية إيلين سكاري إلى العلاقة العميقة بين الألم واللغة. فالألم الجسدي الذي غالباً ما يكون تجربة تنتظر أن يعبَّر عنها، يكشف أيضاً حدود التعبير نفسه. فالعنف حين يبلغ حدًا معينًا، يمكنه ان يجعل اللغة تتراجع. من هنا، لا يكون العنف اعتداءً على الجسد فقط، بل اعتداءً على القدرة على القول. من هنا، لا يعود الأدب في زمن الحرب مجرد كتابة عن العنف. فإذا كانت الحرب تجربة كثيفة من الألم والخوف والانهيار، فمن الطبيعي أن تهتز اللغة التي يُفترض أن تعبّر عنها. يضيف علم الصدمة بعدًا آخر لهذا النقاش. فالباحثة كاثي كاروت ترى أننا لا يمكننا فهم الأحداث الصادمة كاملة لحظة وقوعها، لذلك نراها تعود لاحقًا في شكل ذكريات متقطعة، كوابيس غير مفهومة، أوجاعاً غريبة تصيب الجسد. "الصدمة ليست مجرد مرض في نفس مجروحة؛ إنها قصة جرح يصرخ". ما تقترحه كاروت هو أن الصدمة تقوم على نوع من التأخر بين الحدث وإدراكه. ولذلك، فإن التجربة العنيفة لا تتحول مباشرة إلى سرد. إنها تحتاج إلى زمن، غير محدد وغير قابل للعد ((unquantified قبل أن تصبح قابلة لان تتحول الى كلمات، تقال او تكتب. وعليه، لا تأتي الكتابة دائمًا في قلب الحدث، ومنه، هذا لان الأدب كثيرًا ما يتحرك في المسافة ما بين الحادثة وما أصبح ممكن فهمه، لكي يصاغ. كما تغيّر الحرب علاقة الإنسان باللغة، فهي تغيّر أيضاً علاقته بالزمن والمكان. هنا، يقدم إدوارد سعيد تحليلًا دقيقا في تأملاته حول المنفى. في مقالته Reflections on Exile يقول: " يشعر المنفيون بحاجة ملحّة إلى إعادة تركيب حياتهم المكسورة". المنفى هو اولا انتقال جغرافي ولكنه انقطاع في الاستمرارية التي تمنح الحياة معناها. فالمنفي يعيش في زمن مكسور: ماضٍ لم يعد حاضرًا، وحاضر مؤقت، ومستقبل غير واضح. وإذا كانت الكتابة الأدبية تحتاج، ولو جزئيًا، إلى إحساس بالاستمرارية، فإن الحرب والمنفى يضربان هذا الشرط الأساسي. إذا كانت سكاري وكاروت وسعيد يفسرون صعوبات الكتابة من الناحية النفسية والمعرفية، فإن أدورنو يطرح سؤالًا مختلفًا، سؤالًا أخلاقيًا. بعد الحرب العالمية الثانية، كتب أدورنو عبارته الشهيرة: "إن كتابة الشعر بعد أوشفيتز عمل بربري". رأى الكثيرون في هذه العبارة دعوة إلى الصمت امام هول الفظائع البشرية لأن كل ما يمكن قوله يعتبر عبثاً وسقوطاً اخلاقياً. بيد أن هذه العبارة تشير الى مأزق أعمق: لا يمكن للثقافة، بعد الكارثة، أن تستمر كما لو أن شيئًا لم يحدث. فالأدب لا يمكن أن يكتب ببراءة. يذهب موريس بلانشو خطوة أبعد من ادورنو، ليتحدث عن شكل مختلف من الكتابة، تلك التي تتأثر بمنطق الكارثة نفسه: "حين لا يعود هناك فرق بين أن نكتب أو ألا نكتب، تتغيّر الكتابة؛ فتصير كتابة الكارثة". غالبا ما تعتبر الكتابة عملًا متماسكًا يسعى إلى الاكتمال، ولكنها وفي زمن الكوارث، تصبح شذرات وملاحظات ومحاولات غير مكتملة، فاشلة في شكلها وفي تماسكها، مندثرة كجدار مبنى يتهاوى، صامتة، او ثرثارة، تتعثر. الأدب اللبناني والحرب الأهلية: زمن الكتابة بين الحرب والصمت تُظهر تجربة الأدب اللبناني المرتبط بالحرب الأهلية (1975–1990) أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بكيفية كتابة الحرب، بل بزمن الكتابة نفسه: متى يصبح من الممكن تحويل التجربة العنيفة إلى نص؟ ومتى يعجز الكاتب عن ذلك؟ فإذا نظرنا إلى الروايات التي تناولت الحرب الأهلية اللبنانية، نجد أنها كُتبت في لحظات زمنية مختلفة، تكشف علاقة معقدة بين العنف واللغة. في رواية "الجبل الصغير" (1977) لإلياس خوري، التي ظهرت في السنوات الأولى من الحرب، تُكتب التجربة بينما الحدث لا يزال مفتوحًا. تتقدم الرواية عبر مقاطع قصيرة وذكريات متفرقة وأصوات متداخلة، حيث تروي الشخصيات ما تعيشه من داخل التجربة المباشرة، بارتباكها ونقصها وعدم اكتمالها. بهذا المعنى، تبدو الرواية أقرب إلى شهادة تُكتب في قلب الحدث، حيث لا يزال الواقع نفسه غير قابل للفهم الكامل. لكن بعض الكتاب كتبوا الحرب من مسافة جغرافية، آخذين من المسافة، حصناً وملاذاً. ففي رواية "حكاية زهرة" (1980) لحنان الشيخ، وهي رواية كتبت في المنفى اللندني، تظهر الحرب من خلال تجربة امرأة تعيش داخل مدينة تتحول تدريجيًا إلى فضاء للعنف. تأتي الكتابة من موقع مراقبة مؤلمة من خارج الحدث، حيث يسمح البعد الجغرافي بدرجة من التأمل في التجربة، ولربما، بعض البلسمة والموضوعية. في المقابل، نجد نصوصًا لم تظهر إلا بعد الحرب. ففي أعمال هدى بركات، مثال "أهل الهوى" (1993) و"حارث المياه" (1998)، تأتي الكتابة بعد انقضاء السنوات الأكثر عنفًا. فالحرب لم تعد حدثًا مباشرًا، لأنها استعانت بالزمن المنصرم، لتتحول الى أثر نفسي عميق في داخل الشخصيات. تظهر الحرب هنا في شكل عزلة وانقطاع وتآكل للعلاقات الإنسانية. في رواية "باء مثل بيت… مثل بيروت" (2006) لإيمان حميدان، تصبح المدينة نفسها أرشيفًا لذاكرة متأخرة. تتداخل الحكايات الفردية مع التاريخ الجماعي، وتظهر الحرب بوصفها طبقة من الذاكرة التي لا تزال تتردد داخل المدينة. تكشف هذه الأمثلة أن الحرب الأهلية اللبنانية لم تُكتب في لحظة واحدة. في حين ان بعض النصوص كُتبت أثناء الحرب، نرى ان بعضها الآخر، كتب بعد سنوات طويلة على انتهائها. تبيّن أبحاث الصدمة أن الأحداث العنيفة غالبًا ما تُربك القدرة على تحويل التجربة إلى قصة متماسكة. لذلك تظهر الصدمة في شكل ذكريات متقطعة وأصوات متعددة وبنى سردية غير خطية. اما عن جبور الدويهي، فهو عاد في عدد من رواياته إلى سنوات الحرب الأهلية بعد مرور زمن طويل عليها. ففي روايات مثل "مطر حزيران" (2006) و"حيّ الأميركان" (2014)" و "شريد المنزل" (2012)، تظهر الحرب كذاكرة تعود إلى السطح عبر الحكايات العائلية وتاريخ القرى والمدن الصغيرة. يكتب الدويهي الحرب من موقع الاسترجاع، حيث زمن الروايات هو زمن يلي المعارك، حين تبدأ الذاكرة في إعادة ترتيب ما حدث. تبدو روايات الدويهي جزءًا من مرحلة لاحقة من كتابة الحرب، حيث يتغير هدف الكتابة من مجرد تسجيل للحدث، الى تناول أثره في النسيج الاجتماعي وفي العلاقات بين الأفراد والجماعات. بهذا المعنى، يمكن قراءة كثير من الروايات اللبنانية عن الحرب الأهلية بوصفها أشكالًا مختلفة من كتابة الصدمة الجماعية. شكلا، يمكن للتقطّع السردي وتعدد الأصوات وغياب الراوي المركزي ان تعكس خياراً جمالياً، ولكنها تعكس أيضاً زمنًا مضطرباً للكتابة نفسها. وقد ظهر شكل آخر من العلاقة بين الحرب والكتابة في تجربة الشاعر اللبناني وديع سعادة. غادر سعادة لبنان في أواخر سنوات الحرب، ليستقر في أستراليا، حيث كتب معظم أعماله الشعرية. لغة سعادة هادئة ومقتصدة، ولكنها مشبعة بإحساس الفقد والاقتلاع. يكتب سعادة الحرب من مسافة زمنية وجغرافية في آن واحد. فالقصيدة لا تستعيد المعارك أو تفاصيل العنف بقدر ما تستعيد الشعور العميق بالانقطاع الذي تركته الحرب في حياة الفرد، ليصبح المنفى مكاناً تتكشف فيه آثار التجربة التي لم يكن من الممكن التعبير عنها في لحظتها. تقدم تجربة وديع سعادة مثالاُ واضحاً على الكتابة المؤجَّلة للحرب. فالصمت الذي يسبق النص هو مرحلة من مراحلها، هذا لأن كل هذا العنف التراجيدي، يحتاج إلى زمن قبل أن يتحول إلى كلمات من الممكن صياغتها. إن الحرب لا تغيّر موضوع الأدب، بل زمن النص. ما يبدو تعثّراً أمام إيقاع الإنتاج السريع قد يكون لحظة يسبق فيها الواقع قدرة اللغة على اللحاق به. وفي تلك اللحظة، لا يختفي الأدب، لكنه ينتظر. ينتظر ان تتمكن اللغة من السير بين الركام. لنختم حول تساؤل يضع المنظومة الثقافية والاقتصادية داخل معادلة الأدب، تلك التي تحدد متى تصبح الحرب مادة قابلة للنشر والتداول. في عالم يحكمه منطق الإنتاج الثقافي السريع، تتحول المآسي الكبرى إلى موضوعات تتكاثر حولها الكتب والمقالات والشهادات في زمن قياسي. وقد شهدنا خلال الفترة الاخيرة، صدور مئات الكتب والنصوص حول غزة في ظل الإبادة الجارية، في ظاهرة تكشف كيف يمكن للمأساة أن تتحول بسرعة إلى حقل واسع للإنتاج الثقافي. ما يفتح سؤالًا آخر في سياق الحرب الحالية على لبنان: هل ستصبح الحرب اليوم، مادة استهلاكية، في ظل الصدمة المفتوحة على مصراعيها، وأفق أسود لا شمس له؟