

"الذاكرة في خطر. كتبكم وكتبنا في خطر داهم". بهذه العبارة علّقت رشا الأمير، الكاتبة والناشرة اللبنانية، على صورة مكتبة عزة بيضون، الباحثة التي تعنى بقضايا المرأة، في بنت جبيل. فلا خبر مؤكّد عن وضع المنزل. ولا عن مصير المكتبة.
هنالك فقط الكثير من القلق الذي يتنقّل بين الناس، وأسئلة تُطرح بلا جواب: من معه الخبر اليقين؟ ماذا بقي؟ ماذا اختفى؟
في طيات هذا القلق تحديداً، يبدأ معنى الفقد الذي يتشكّل في لحظة غياب اليقين.
ها هو الانتظار معلّق بين صور أقمار صناعية غير واضحة، وبين ذاكرة تستبق الكارثة. فالاختفاء لا يحتاج إلى تأكيد كي يصبح واقعاً نفسياً، والخسارة تُعاش قبل أن تُثبت. لعلها تعاش بالف شكل، والف سيناريو محتمل، كل سيناريو افظع من الآخر.
ماذا يعني أن تختفي مكتبة، وتحديدا مكتبة شخصية، قضى صاحبها سنوات طوال في جمعها، وحبها، ولمسها، وجعلها ارثا له.
من لديه مكتبة شخصية- ونحن كثر كثر كثر في هذا البلد- نعي بأنها ليست مجرد رفوف وكتب. هي زمننا المتراكم، طبقات قراءاتنا، طبقات من تبعثر انتباهنا، من الرحيل عنها، والعودة اليها.
كتبنا، تحملنا ولا نحملها. تحمل أثر يدنا التي مرّت عليها، خطوطا بقلمنا، تعليقاً في الهامش، إشارة إلى صفحة ستُقرأ لاحقاً. ولن تقرأ. كتبنا، تركيبة حية لذاكرتنا، التي في كثير من الاحيان، لا نتذكرها الا حين تذكرنا بنفسها.
فمكتبتنا هي المكان الذي تتشكّل فيه علاقتنا البطيئة مع المعرفة. لذا، هي حميمة، وغالية، ولا تعوّض. وخسارتها هي خسارة الشيء الحسي الوحيد الذي يشبه دهاليز نفسنا.
في رواية "شرطة الذاكرة"، ليوكو أوغاوا، تختفي الأشياء تدريجياً. تُمحى من الواقع، ثم من الذاكرة. فهناك من سلطة تنظّم هذا الاختفاء، وتراقبه، وتفرض منطقه. لينسى الناس، ويتكيّفون مع النسيان، إلى أن يصبح الغياب جزءاً من نظام لا خلل فيه. تختفي الأشياء، وتختفي معها الكلمات التي كانت تسميها، إلى أن يصبح من الصعب حتى استعادة فكرة أنها كانت موجودة يوماً.
في سياقنا، يحدث الاختفاء بطريقة مختلفة. فلا جهة واحدة تفرضه، ولا زمن يسمح باستيعابه. فالأشياء تختفي لأن العالم الذي يحتويها يتداعى: الكتب تختفي مع البيوت، مع الغرف، مع الأيدي التي كانت تقرأها. ويحدث ذلك دفعة واحدة، بسرعة تفوق القدرة على الإدراك، وتمنع تشكّل أي مسافة تسمح بالتأمّل أو الاستيعاب.
عبر التاريخ، لم يكن تدمير الكتب حادثاً عرضياً. حين تُستهدف المكتبات، يُستهدف ما تحمله من معرفة وذاكرة واستمرارية. يستخدم مفهومان لوصف هذا الفعل biblioclasm، أي تدمير الكتب، وlibricide، أي تدمير الكتب والمكتبات كفعل موجّه.
من دون ريب ولا شك، يعتبر ذلك شكلاً من أشكال «قتل الكتب»، اي عنف يستهدف الذاكرة نفسها، ويعمل على محو أثرها وقطع امتدادها. لا يقتصر استهداف الكتب على إزالتها من التداول، بل يمتد إلى تقليص ما يمكن أن يُفكَّر فيه أو يُعاد تصوّره.
لهذا السبب، تكرّر استهداف الكتب عبر الأزمنة، من مكتبات العالم القديم التي اختفت، إلى إحراق الكتب في أوروبا، إلى تدمير الأرشيفات في الحروب الحديثة، ظلّ الكتاب هدفاً دائماً. هدفت السيطرة على المعرفة التحكم بما يمكن أن يُروى، وبما يجب ان يُمحى، وبما يُترك خارج الحكاية.
فكل مكتبة تُدمَّر تحمل معها احتمالاً أقل لفهم ما حدث، أو لإعادة روايته.
في المقابل، يقدّم التاريخ أيضاً حكاية موازية. ففي لحظات الخطر، حاول الناس إنقاذ الكتب بطرق شتّى. أخفوا مخطوطات، دفنوا نصوصاً، أو نقلوها إلى أماكن بعيدة. في الصين القديمة على سبيل المثال، حين أُحرقت الكتب، اختار بعض العلماء إخفاءها. وفي أزمنة أخرى، حُفظت نصوص داخل كهوف أو بين جدران مغلقة، لتظهر بعد قرون.
أحياناً كثيرة، لم يبقَ النص كما هو، بل كُتب فوقه نص آخر، في طبقات متراكمة من المعنى. كأن الذاكرة، حتى حين تتعرّض للمحو، تبحث عن شكل آخر للبقاء، وعن طريقة للعودة. لا تعني هذه الحكايات أن الكتب لا تختفي، لانها تشير إلى أن اختفاءها كان يُقابل بمحاولة او محاولات لدرىء هذا الاختفاء.
اما في أماكن أخرى من هذا الكوكب العليل، كان الاختفاء يحدث في لحظة واحدة واضحة. حين احترقت مكتبة سراييفو، لم يكن الأمر مجرد حريق، بل إزالة لذاكرة مدينة كاملة، لحظة يمكن الإشارة إليها، تأريخها، والعودة إليها بوصفها حدثاً مفصلياً.
أما في الحرب اللبنانية، فقد اتخذ اختفاء الكتب شكلاً مختلفاً. لم يكن هناك حدث واحد يختصر القصة. فقد تآكلت المكتبات عبر النهب، والتبعثر، والانتقال من يدٍ إلى أخرى. ومع انهيار مؤسسات الدولة، تحوّلت الممتلكات الثقافية إلى أجزاء متناثرة: كتب بيعت، أخرى سُرقت، وثالثة تُركت في بيوت مهجورة. تفكّكت الذاكرة إلى عناصر منفصلة، من دون سياق يجمعها، ومن دون إمكانية تتبّع مسارها.
يتكرّر هذا المشهد اليوم بطريقة أكثر قسوة. تختفي مكتبات شخصية بصمت مطبق. كأن رثاء مكتبة يصبح ترفاً في زمن يموت فيه أطفال وتُهدم قرى.
تختفي المكتبات من دون توثيق، ومن دون يقين كامل بخسارتها لأن المكان الذي كانت فيه لم يعد موجوداً، أو لم يعد من الممكن الوصول اليه.
تشبه المكتبات الخاصة مخازن الذاكرة، بذور لما كنّا عليه، وربما لما يمكن أن نكونه. فكل مكتبة تحمل ترتيباً خاصاً، وذائقة، ومسار حياة. ترتيبنا للكتب على الرفوف ليس عشوائياً، بل يعكس علاقة فردية مع المعرفة. وحين تختفي هذه المكتبات، لا تختفي الكتب وحدها، بل تحديدا هذا الترتيب، وهذه العلاقة، وهذه السيرة غير المكتوبة.
في كتابها "اختراع الكتب: اللامتناهي في بردية" (دار الآداب، 2024، ترجمة مارك جمال)، تتتبّع إيريني باييخو تاريخ الكتب كرحلة نجاة طويلة. استمرّت النصوص عبر قرارات متكرّرة: أن يحملها أحدهم، أن ينسخها، أن يخفيها، أن ينتشلها من حريق أو من إهمال أو من نسيان. فتاريخ الكتاب هو تاريخ هذا الإصرار المتواصل على إبقائه حيّاً، رغم هشاشته.
ما يتبدّل اليوم يمسّ هذه السلسلة نفسها. فهشاشة الكتب كانت دائماً جزءاً من قصتها. اما الجديد فهو انقطاع اليد التي تلتقطها في اللحظة الأخيرة.
حين تختفي مكتبة تنكسر حركة كاملة من النقل وتتلاشى إمكانية أن يُعاد فتح الكتاب في زمن آخر، وأن يُقرأ على نحو مختلف. فالخسارة تمتدّ إلى ما كان يمكن أن يستمر عبره.
وندخل معاً في هذا الفراغ: فراغ السرد، وفراغ الذاكرة، وفراغ المعنى الذي لم يُبنَ.
هناك، يعود صوت رشا الأمير، لا كتعليق، بل كمرثية: "الذاكرة في خطر".
نرثي، لأننا نعرف جيداً ما يمكن أن يكون قد اختفى.