

حين نتحدث عن الأدب في زمن الحرب، غالبًا ما تتسارع الى اذهاننا اسئلة حول قدرة الأدباء في الانتاج، او كيف يمكنهم تحويل المعارك والموت والدمار، إلى روايات وقصائد وشهادات.
لكن هذه الاسئلة على أهميتها، تخفي سؤالًا بعد أعمق. فالحرب تمنح الأدب موضوعًا جديدًا، ولكنها في الآن نفسه تهزّ الشروط التي تجعله ممكنًا. فالحرب تمسّ اللغة، والذاكرة، والإيقاع الداخلي للزمن كما القدرة على تحويل التجربة إلى سرد متين، يؤدي الوظيفة فالمعنى.
هذا لأن الحرب ليست حدثًا خارجا عن الجسد، بل داخله.
وعليه، فإن أثرها على الكتابة يظهر في النصوص التي تُكتب عنها، ولكن أيضاً في النصوص التي تتأخر، أو تتعثّر، أو تظهر في شكل متقطّع وغير مكتمل.
ومن هنا نسأل: ماذا تفعل الحرب باللغة نفسها؟ وهل يمكن للغة أن تحتمل العنف؟ ومتى تختار الصمت على الانتاج؟
العنف وحدود اللغة
في كتابها The Body in Pain تشير الباحثة الأميركية إيلين سكاري إلى العلاقة العميقة بين الألم واللغة. فالألم الجسدي الذي غالباً ما يكون تجربة تنتظر أن يعبَّر عنها، يكشف أيضاً حدود التعبير نفسه.
فالعنف حين يبلغ حدًا معينًا، يمكنه ان يجعل اللغة تتراجع. من هنا، لا يكون العنف اعتداءً على الجسد فقط، بل اعتداءً على القدرة على القول.
من هنا، لا يعود الأدب في زمن الحرب مجرد كتابة عن العنف. فإذا كانت الحرب تجربة كثيفة من الألم والخوف والانهيار، فمن الطبيعي أن تهتز اللغة التي يُفترض أن تعبّر عنها.
يضيف علم الصدمة بعدًا آخر لهذا النقاش. فالباحثة كاثي كاروت ترى أننا لا يمكننا فهم الأحداث الصادمة كاملة لحظة وقوعها، لذلك نراها تعود لاحقًا في شكل ذكريات متقطعة، كوابيس غير مفهومة، أوجاعاً غريبة تصيب الجسد. "الصدمة ليست مجرد مرض في نفس مجروحة؛ إنها قصة جرح يصرخ".
ما تقترحه كاروت هو أن الصدمة تقوم على نوع من التأخر بين الحدث وإدراكه. ولذلك، فإن التجربة العنيفة لا تتحول مباشرة إلى سرد. إنها تحتاج إلى زمن، غير محدد وغير قابل للعد ((unquantified قبل أن تصبح قابلة لان تتحول الى كلمات، تقال او تكتب.
وعليه، لا تأتي الكتابة دائمًا في قلب الحدث، ومنه، هذا لان الأدب كثيرًا ما يتحرك في المسافة ما بين الحادثة وما أصبح ممكن فهمه، لكي يصاغ.
كما تغيّر الحرب علاقة الإنسان باللغة، فهي تغيّر أيضاً علاقته بالزمن والمكان. هنا، يقدم إدوارد سعيد تحليلًا دقيقا في تأملاته حول المنفى. في مقالته Reflections on Exile يقول: " يشعر المنفيون بحاجة ملحّة إلى إعادة تركيب حياتهم المكسورة".
المنفى هو اولا انتقال جغرافي ولكنه انقطاع في الاستمرارية التي تمنح الحياة معناها. فالمنفي يعيش في زمن مكسور: ماضٍ لم يعد حاضرًا، وحاضر مؤقت، ومستقبل غير واضح.
وإذا كانت الكتابة الأدبية تحتاج، ولو جزئيًا، إلى إحساس بالاستمرارية، فإن الحرب والمنفى يضربان هذا الشرط الأساسي.
إذا كانت سكاري وكاروت وسعيد يفسرون صعوبات الكتابة من الناحية النفسية والمعرفية، فإن أدورنو يطرح سؤالًا مختلفًا، سؤالًا أخلاقيًا. بعد الحرب العالمية الثانية، كتب أدورنو عبارته الشهيرة: "إن كتابة الشعر بعد أوشفيتز عمل بربري".
رأى الكثيرون في هذه العبارة دعوة إلى الصمت امام هول الفظائع البشرية لأن كل ما يمكن قوله يعتبر عبثاً وسقوطاً اخلاقياً. بيد أن هذه العبارة تشير الى مأزق أعمق: لا يمكن للثقافة، بعد الكارثة، أن تستمر كما لو أن شيئًا لم يحدث.
فالأدب لا يمكن أن يكتب ببراءة.
يذهب موريس بلانشو خطوة أبعد من ادورنو، ليتحدث عن شكل مختلف من الكتابة، تلك التي تتأثر بمنطق الكارثة نفسه: "حين لا يعود هناك فرق بين أن نكتب أو ألا نكتب، تتغيّر الكتابة؛ فتصير كتابة الكارثة".
غالبا ما تعتبر الكتابة عملًا متماسكًا يسعى إلى الاكتمال، ولكنها وفي زمن الكوارث، تصبح شذرات وملاحظات ومحاولات غير مكتملة، فاشلة في شكلها وفي تماسكها، مندثرة كجدار مبنى يتهاوى، صامتة، او ثرثارة، تتعثر.
الأدب اللبناني والحرب الأهلية: زمن الكتابة بين الحرب والصمت
تُظهر تجربة الأدب اللبناني المرتبط بالحرب الأهلية (1975–1990) أن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بكيفية كتابة الحرب، بل بزمن الكتابة نفسه: متى يصبح من الممكن تحويل التجربة العنيفة إلى نص؟ ومتى يعجز الكاتب عن ذلك؟
فإذا نظرنا إلى الروايات التي تناولت الحرب الأهلية اللبنانية، نجد أنها كُتبت في لحظات زمنية مختلفة، تكشف علاقة معقدة بين العنف واللغة.
في رواية "الجبل الصغير" (1977) لإلياس خوري، التي ظهرت في السنوات الأولى من الحرب، تُكتب التجربة بينما الحدث لا يزال مفتوحًا. تتقدم الرواية عبر مقاطع قصيرة وذكريات متفرقة وأصوات متداخلة، حيث تروي الشخصيات ما تعيشه من داخل التجربة المباشرة، بارتباكها ونقصها وعدم اكتمالها.
بهذا المعنى، تبدو الرواية أقرب إلى شهادة تُكتب في قلب الحدث، حيث لا يزال الواقع نفسه غير قابل للفهم الكامل.
لكن بعض الكتاب كتبوا الحرب من مسافة جغرافية، آخذين من المسافة، حصناً وملاذاً. ففي رواية "حكاية زهرة" (1980) لحنان الشيخ، وهي رواية كتبت في المنفى اللندني، تظهر الحرب من خلال تجربة امرأة تعيش داخل مدينة تتحول تدريجيًا إلى فضاء للعنف. تأتي الكتابة من موقع مراقبة مؤلمة من خارج الحدث، حيث يسمح البعد الجغرافي بدرجة من التأمل في التجربة، ولربما، بعض البلسمة والموضوعية.
في المقابل، نجد نصوصًا لم تظهر إلا بعد الحرب.
ففي أعمال هدى بركات، مثال "أهل الهوى" (1993) و"حارث المياه" (1998)، تأتي الكتابة بعد انقضاء السنوات الأكثر عنفًا. فالحرب لم تعد حدثًا مباشرًا، لأنها استعانت بالزمن المنصرم، لتتحول الى أثر نفسي عميق في داخل الشخصيات.
تظهر الحرب هنا في شكل عزلة وانقطاع وتآكل للعلاقات الإنسانية.
في رواية "باء مثل بيت… مثل بيروت" (2006) لإيمان حميدان، تصبح المدينة نفسها أرشيفًا لذاكرة متأخرة. تتداخل الحكايات الفردية مع التاريخ الجماعي، وتظهر الحرب بوصفها طبقة من الذاكرة التي لا تزال تتردد داخل المدينة.
تكشف هذه الأمثلة أن الحرب الأهلية اللبنانية لم تُكتب في لحظة واحدة. في حين ان بعض النصوص كُتبت أثناء الحرب، نرى ان بعضها الآخر، كتب بعد سنوات طويلة على انتهائها.
تبيّن أبحاث الصدمة أن الأحداث العنيفة غالبًا ما تُربك القدرة على تحويل التجربة إلى قصة متماسكة. لذلك تظهر الصدمة في شكل ذكريات متقطعة وأصوات متعددة وبنى سردية غير خطية.
اما عن جبور الدويهي، فهو عاد في عدد من رواياته إلى سنوات الحرب الأهلية بعد مرور زمن طويل عليها. ففي روايات مثل "مطر حزيران" (2006) و"حيّ الأميركان" (2014)" و "شريد المنزل" (2012)، تظهر الحرب كذاكرة تعود إلى السطح عبر الحكايات العائلية وتاريخ القرى والمدن الصغيرة.
يكتب الدويهي الحرب من موقع الاسترجاع، حيث زمن الروايات هو زمن يلي المعارك، حين تبدأ الذاكرة في إعادة ترتيب ما حدث.
تبدو روايات الدويهي جزءًا من مرحلة لاحقة من كتابة الحرب، حيث يتغير هدف الكتابة من مجرد تسجيل للحدث، الى تناول أثره في النسيج الاجتماعي وفي العلاقات بين الأفراد والجماعات.
بهذا المعنى، يمكن قراءة كثير من الروايات اللبنانية عن الحرب الأهلية بوصفها أشكالًا مختلفة من كتابة الصدمة الجماعية.
شكلا، يمكن للتقطّع السردي وتعدد الأصوات وغياب الراوي المركزي ان تعكس خياراً جمالياً، ولكنها تعكس أيضاً زمنًا مضطرباً للكتابة نفسها.
وقد ظهر شكل آخر من العلاقة بين الحرب والكتابة في تجربة الشاعر اللبناني وديع سعادة. غادر سعادة لبنان في أواخر سنوات الحرب، ليستقر في أستراليا، حيث كتب معظم أعماله الشعرية. لغة سعادة هادئة ومقتصدة، ولكنها مشبعة بإحساس الفقد والاقتلاع.
يكتب سعادة الحرب من مسافة زمنية وجغرافية في آن واحد. فالقصيدة لا تستعيد المعارك أو تفاصيل العنف بقدر ما تستعيد الشعور العميق بالانقطاع الذي تركته الحرب في حياة الفرد، ليصبح المنفى مكاناً تتكشف فيه آثار التجربة التي لم يكن من الممكن التعبير عنها في لحظتها.
تقدم تجربة وديع سعادة مثالاُ واضحاً على الكتابة المؤجَّلة للحرب. فالصمت الذي يسبق النص هو مرحلة من مراحلها، هذا لأن كل هذا العنف التراجيدي، يحتاج إلى زمن قبل أن يتحول إلى كلمات من الممكن صياغتها.
إن الحرب لا تغيّر موضوع الأدب، بل زمن النص.
ما يبدو تعثّراً أمام إيقاع الإنتاج السريع قد يكون لحظة يسبق فيها الواقع قدرة اللغة على اللحاق به. وفي تلك اللحظة، لا يختفي الأدب، لكنه ينتظر. ينتظر ان تتمكن اللغة من السير بين الركام.
لنختم حول تساؤل يضع المنظومة الثقافية والاقتصادية داخل معادلة الأدب، تلك التي تحدد متى تصبح الحرب مادة قابلة للنشر والتداول.
في عالم يحكمه منطق الإنتاج الثقافي السريع، تتحول المآسي الكبرى إلى موضوعات تتكاثر حولها الكتب والمقالات والشهادات في زمن قياسي. وقد شهدنا خلال الفترة الاخيرة، صدور مئات الكتب والنصوص حول غزة في ظل الإبادة الجارية، في ظاهرة تكشف كيف يمكن للمأساة أن تتحول بسرعة إلى حقل واسع للإنتاج الثقافي.
ما يفتح سؤالًا آخر في سياق الحرب الحالية على لبنان: هل ستصبح الحرب اليوم، مادة استهلاكية، في ظل الصدمة المفتوحة على مصراعيها، وأفق أسود لا شمس له؟