

في سلسلة من المقالات التي نستهلها اليوم، نتوخى مقاربة الواقع الراهن في ضوء تجارب الماضي، بمنأى عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجيات الرومانسية التي غالباً ما تغفل الواقع، تاركين للقارئ حرية استخلاص النتائج الضرورية. لقد آن الأوان، في هذا السياق، لمواجهة «سيمفونية»المقاومة العقيمة مواجهةً جدية؛ ليس عبر خطاب مضاد، بل من خلال مقاربة معمّقة تكرّس ثقافة دولة القانون، تلك الدولة التي لا يمكن أن تُبنى إلا على ركائز السيادة المطلقة.
لفهم الحاضر، لا شيء يعلو فوق إعادة قراءة التاريخ المعاصر، الحاضر دوماً في الذاكرة. فالحروب التي وضعت إسرائيل وحزب الله في مواجهةمباشرة تستدعي مراجعةً عميقة، أولاها تلك التي دارت عام 1993 مع ما سبقها من أحداث مفصلية، ناهيك عن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في 25 أيار 2000، وما سبقه وتلاه من محطات، لا سيما حروب 1996، و2006، و2023-2024، و2026.
ثلاثة وثلاثون عاماً من الصراعات التي قد تبدو، للوهلة الأولى، غارقة في الفوضى؛ لكنها في الواقع ليست سوى مسارٍ شديد الوضوح، يُمسك بخيوطه نظام الملالي في طهران. أحداثٌ لا تزال تتوالى وفق مشهدية تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة، بصفتها قوةً عالمية بلا منازع منذ عام 1990، بل وباتت - طوعاً أو كرهأ - قوةً إقليمية وازنة بحكم نفوذها المتغلغل في دول المنطقة كافة باستثناء إيران، وبفعل قواعدها العسكرية المنتشرة في العالم العربي.
مصالح واشنطن وتل أبيب ودمشق والرياض وطهران تتقاطع فتتلاقى وتتباعد أو تتصادم في حركة ديناميكية مستمرة، بينما تبقى مصلحة لبنان الوحيدة - والمنسية منذ خمسين عاماً - متمثلةً في استعادة سيادته أولاً، ثم إعادة بناء مؤسسات الدولة. لقد لعب الفاعلون من خارج إطار الدولة، وهم كثر في لبنان، لاسيما حزب الله وحماس وغيرهما من التنظيمات المسلحة غير الشرعية، وحتى الأحزاب اللبنانية المتحالفة مع حزب الله - والمدعومة أو المهادنة من قِبل قوى إقليمية - أدواراً محورية طوال العقود الماضية، معرقلةً قيام سيادة لبنان. أما فرص استرداد هذه السيادة التي لاحت خلال تلك السنوات، فقد أُجهضت على أيدي صنّاع القرار المحليين؛ إما بسبب نقص الكفاءة، أو تغليباً لمصالح ضيقة وشخصية، أو بدافع الجبن والارتهان والمطامع والموالاة لجهات شتى.
أجندات حزب الله الثلاثة
يواصل حزب الله العمل وفق ثلاث أجندات متوازية. الأولى، إقليمية، تتمحور حول التدخل في الشؤون العربية لزعزعة استقرارها لصالح إيران، ولاسيما في العراق الجار الغربي للجمهورية الإسلامية، وذلك للحؤول دون بروز زعيم جديد على غرار صدام حسين، الذي لا يزال يشكل كابوساً لملالي طهران. أما الأجندة الثانية، فتتركز حول إسرائيل وتستند إلى خطاب «المقاومة»، الذي يُوظَّف لخدمة الأجندة الثالثة والمحلية، والمتمثلة في فرض الهيمنة المطلقة على لبنان.
أما قاعدة الحزب الشعبية، المسكونة بأيديولوجيا دينية تجعلها فوق أي نقاش، فهي على قناعة تامة بأنها مؤتمنة على «مهمة إلهية». وهي في ذلك تستلهم النموذج الإيراني؛ حيث تقبع الدولة ككيان قائم شكلاً، بينما تظل القرارات الكبرى محصورة بيد الحرس الثوري الإيراني، وهو دولة عميقة داخل الدولة، بتشعبات اجتماعية واقتصادية وأمنية وعسكرية.
إن النموذج اللبناني الذي يطمح إليه الحزب الموالي لإيران هو «دولة-واجهة» تقتصر مهامها على تصريف الأعمال والشؤون البروتوكولية، بينما يتمدد حزب الله داخل الدولة وخارجها عبر ميليشياته ومؤسساته السياسية والثقافية والاجتماعية. وبذلك، ينفرد هو باتخاذ القرارات الاستراتيجية ويُسقطها على البرلمان والحكومة. أما بالنسبة لجمهوره، فهو يجسد مفهومهم للسيادة، وضمانتهم الاجتماعية والأمنية، وقبل كل شيء، طموحاتهم الأيديولوجية.
هذه المعضلة تقع اليوم في صلب الحدث، لكن مسار الحزب «الإلهي» على مدى العقود الأربعة الماضية، والذي أفضى إلى الواقع الراهن، يستحق إعادة قراءة متأنية، لاسيما من أجل الأجيال اللبنانية التي وُلدت في ظل هيمنته. فبالنسبة لهذه الأجيال، بات الحزب جزءاً من يومياتها، بل ويرى البعض إمكانية التعايش مع سلاحه باسم «مقاومة» تتمدد منذ 44 عاماً. وفي هذا السياق، تبدو بعض الأرقام والوقائع شديدة الدلالة: فالحرب التي انتهت بمعاهدة وستفاليا دامت 30 عاماً؛ والحرب العالمية الأولى أربع سنوات؛ والثانية ست سنوات؛ وحرب الهند الصينية تسع سنوات؛ وحرب فيتنام عشر سنوات؛ بينما الصراع العربي-الإسرائيلي (بمعزل عن فلسطين) استمر 25 عاماً...
بات من الجليّ أن حزب الله، ومنذ 44 عاماً، لا يستمد شرعيته إلا من عباءة «حالة الحرب» المستمرة؛ ومن هنا، فليس له أي مصلحة في وضع حدٍّ لحروبه مع إسرائيل. لقد أضحى واضحاً أن اللبنانيين وحدهم يملكون مفتاح الحل لأزماتهم، وذلك عبر إنهاء حالة الحرب مع الدولة العبرية، دون الضرورة للذهاب نحو معاهدة سلام. ست دول عربية سبقت بيروت في هذا المضمار. وبمقدور لبنان تحقيق ذلك بالاستناد إلى دعم هذه الدول العربية والدول الصديقة.
اتفاق الطائف
وبالعودة إلى إعادة قراءة الماضي القريب، تشكل محطة اتفاق الطائف نقطة الانطلاق، وهو الذي وُقّع في 22 تشرين الأول 1989 في المملكة العربية السعودية بمباركة أميركية. كان الهدف منه وضع حد للحروب التي توالت على لبنان طوال 15 عاماً. أما الحربان الأخيرتان اللتان عجّلتا في توقيع هذا الاتفاق وفرض تطبيقه بالقوة، فكانتا الأكثر دماراً، ونقصد بهما «حرب التحرير» اللبنانية-السورية و«حرب الإلغاء» اللبنانية-اللبنانية. فقد هددت هاتان الحربان بتقسيم الدول العربية وعرقلة مسار الاستقرار الإقليمي المعقد الذي كانت تنشده واشنطن والرياض مع نهاية حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران. لقد صار تطبيق الاتفاق، الذي تعثر لشهور، أولوية لدى رعاته عقب الغزو العراقي للكويت في 2 آب 1990؛ إذ كان وقف الحروب المستمرة في لبنان، بالنسبة لجميع اللاعبين الدوليين والإقليميين، أمراً لا بد منه، بعد توقيع الاتفاق المذكور. وبناءً عليه، أعطى المجتمع الدولي والعربيالضوء الأخضر لسوريا البعثية لفرض الاستقرار في لبنان بالقوة العسكرية، مقابل انضمامها إلى التحالف العربي-الدولي المناهض للعراق والرامي إلى تحرير الكويت.
وهكذا، اجتاحت قوات دمشق، في 13 تشرين الأول 1990، قصر بعبدا ووزارة الدفاع الوطني، الخاضعين لسلطة الحكومة العسكرية اللبنانية برئاسة العماد ميشال عون. وبعد بضعة أشهر، وتحديداً في مطلع عام 1991، دُحرت القوات العراقية من الكويت واحتلت قوات التحالف الدولي المناهض لصدام أجزاءً من العراق. كانت النتيجة إضعاف نظام صدام حسين، وهو ما أفسح المجال لتعاظم نفوذ إيران وحليفها حزب الله. وشكّلت تلك المرحلة نقطة الانطلاق للحروب التي خاضها الحزب ضد إسرائيل، بما لها وما عليها، قبل انسحاب إسرائيل من لبنان في 24 أيار 2000.
شهدت تلك الحقبة انقلاباً في المشهد العالمي مع سقوط جدار برلين، وتراجع الاتحاد السوفياتي وحلفائه الإقليميين، بمن فيهم العراق وسوريا، ثم تقارب الأخيرة مع الولايات المتحدة، مما منحها حرية تحرك واسعة في لبنان. علاوة على ذلك، كانت دول الخليج، الحليفة للولايات المتحدة (التي باتت القوة الوحيدة بلا منازع على الساحة الدولية)، مصطفّة إلى جانب سوريا الأسد، وتُهادن إيران في مواجهة عراق صدام. غير أن هذه الواقعة، التي اختلفت جذرياً عما سبقها، لم يحسن قراءتها آنذاك رئيس الحكومة العسكرية العماد عون، مما أدى إلى كارثة 13 تشرين الأول 1990. (يتبع)