شعار Levant Time

سياسة

كيف يُلقي حزب الله العبء على الدولة اللبنانية ؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر
ديسمبر 20, 2025 - 12:28

أوَ لم يُقطع الشّريان الذي كان يمدّه بالسلاح والذخيرة! ومع ذلك، يرفض حزب الله الالتزام بالتعهدات التي قُطعت باسمه عبر نبيه بري. لأنه على قناعة أنه لم يُهزم، ولأن البيئة الخصبة في الجنوب، حيث ترسّخت جذوره، لا تناقض هذا الاعتقاد. وللصراحة، فإن بعض الأصوات الشيعية الناشزة لا تكفي لإعادته إلى جادة الصواب. صحيح أن حزب الملالي تلقّى ضربة قاسية، لكنه لم يتخلَّ عن نيّة القتال. بل انكفأ للحفاظ على جوهر قوته. ووفقًا لبعض المصادر، أعاد بناء قدراته العسكرية. إنه يتعافى. وفي الوقت نفسه، أنهك الدبلوماسية الغربية المعادية له . لذلك، يستطيع أن يتذوّق طعم شيء من النصر. ومن خلال اللعب على وتر «الصبر الاستراتيجي» الذي تعلّمه في مدرسة محكمة، خلق تشابكًا دبلوماسيًا دفع فرنسا إلى العودة للاهتمام بالملف اللبناني من جديد، في محاولة لفكّ العقد. وها هو وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو يعلن أن «آلية ثانية» لمراقبة نزع السلاح قيد الإعداد، بهدف تجنب التصعيد. فهل تساءل سادة الكي دورسيه- يومًا إلى أي حدّ تعميهم عواطفهم اللبنانية عن حسن التقدير؟le quai d’Orsay الصبر الاستراتيجي وثمنه وقع حزب الله في مصيدة، وخسر نحو أربعين مقاتلًا في قرى الجنوب منذ أكتوبر الماضي. وكأن ذلك لا يكفي! فمنذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، قتلت إسرائيل أكثر من أربعمائة من أنصاره. إنه ثمن باهظ، لكن ما قيمة هذه التضحيات في نظر «المقاومة»؟ إنها الكلفة الأدنى لذلك «الصبر الاستراتيجي» الذي لقّنه إياه مرشدوه الإيرانيون. في الواقع، تخلّى حزب الله عن التزاماته وألقى بها على عاتق الدولة اللبنانية، ولا سيما ما يتعلق بنزع سلاحه. يماطل، ويؤجل الاستحقاقات، ويدقق في التفاصيل، ويميز بمهارة بين شمال نهر الليطاني وجنوبه. ومن الذي يتحمل الضغوط المتواصلة والغضب الأميركي، كما يعبّر عنه توم باراك أو توم حرب؟ تعرفون الجواب. إقرار بالعجز عطّل حزب الله «عربة الدولة»، فراح الجيش اللبناني يدفع الثمن ويتلقى الضربات. يُهدّد بقطع المساعدات عنه، وتُلغى زيارة قائده إلى الولايات المتحدة، ويتعرض للمضايقات في كل مناسبة. ولا بد أن الشيخ نعيم قاسم ، في مخبئه، يفرك يديه سرورًا: لا دولار واحد للدولة اللبنانية قبل نزع السلاح. وهكذا، "حشر" الأمين العام الذي لا يمكن تجاوزه — والمتواري في الوقت ذاته — السلطة التنفيذية اللبنانية وأعضاءها في مأزق. فكم يهمس بعض المراقبين في واشنطن ساخرين من الوزراء المولجين بالأمر: "هؤلاء لا يستطيعون تأدية ما عليهم" فهل يمكن الادعاء حقًا بأن حزب الله خسر «معركة لبنان»؟ لا شك أن معارك أخرى ستأتي وتتوالى، ولن يُحسم أمر حلّه إلا في الأخيرة منها.

لماذا يثير يوسف رجي و سيمون كرم كل هذا الانزعاج؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر
ديسمبر 17, 2025 - 16:24

يثير وزير الخارجية يوسف رجي والسفير السابق سيمون كرم، ممثل لبنان في اجتماعات آلية مراقبة وقف إطلاق النار مع إسرائيل، انزعاجًا واضحًا لدى الأوساط المؤيدة لحزب الله، وذلك لأنهما يبشران بعودة السيادة الخارجية إلى صرحها الطبيعي حيثُ ترفض الدولة الخضوع لأي سلطة فوقية، واعتراف الدول الأخرى بها كندٍّ متساوٍ. يأتي رجي وكرم في اللحظة المناسبة، في وقت فقدت فيه غالبية اللبنانيين كل أوهامها. والكثير يحنّ إلى المرحلة التي سبقت الحرب الأهلية لعام 1975، حين كان لبنان سيد نفسه، يمارس سيادته الخارجية والداخلية كاملةً، أي سلطته الحصرية على أرضه وشعبه. «لا تُحمَل الأوطان تحت نعال الأحذية». فقد كانت هناك مرحلة، بلغت ذروتها في السبعينيات، أصبح فيها الانتماء الوطني موضع سخرية. تنافس بعض الناشطين والمثقفين على أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين، مقدّمين مصالح ياسر عرفات على مصالح لبنان (1). هؤلاء، المنتمون إلى جماعات هامشية والمفتونون بحلم الثورة الكونية، لم يكونوا سوى أغبياء استفادت منهم منظمة التحرير تماماً كما كان أنصار السوڤيات في أوروبا الغربية خلال الحرب الباردة. وكم انبطح لاحقاً هؤلاء الثورويون الأشاوس أمام النظام القائم في دمشق، الذي حكم بالقبضة الحديدية. وفي نهاية المطاف، استوعبهم نظام الحريري، مؤمّنًا لهم تقاعدًا مريحًا. يا لها من مسيرة «بطولية»: انطلاقاً من العمل السري في عهد الجمهورية الأولى إلى المغانم في جمهورية الطائف! (2) وأين السيادة من كل ذلك؟ محو وتخلٍّ كان اللبنانيون قد فقدوا شغف الاستقلال. ولمّا لم يعودوا سادة مصيرهم، تذوّقوا وهمياً «نعيم» الخضوع لـلشروط التي أملت عليهم. خطفوا السيادةً الوطنية كل من الفلسطيني والسوري والإسرائيلي والإيراني، إن كان ذلك بالتناوب أو معًا. انتصر «حزب الخارج»، وتباهى المتعاونون مع الغريب وصعّروا خدّهم فيما كانت الدولة تُفرَّغ من مضمونها. ضباط سوريون راحوا فظّون يتمخترون بكل جسارة في الصالونات، وساسة متسولون ينتظرون أدوارهم في عنجر. النتيجة: برلمان مدجَّن، جيش مُستتبَع، قضاء مُقزَّم، ودبلوماسية مُحيَّدة. بلا مواربة لا وألف لا، يوسف رجي لن يلطف كلامه. لن يذهب إلى طهران، تمامًا كما لم يذهب من قبله إلى كانوسا. على الوزير عرقجي أن يلتقيه في سويسرا، على أرض محايدة. انتهى زمن استدعاء المسؤولين اللبنانيين إلى دمشق، وزمن الأوامر الفورية الصادرة عن الحرس الثوري. كما أن تعيين سيمون كرم يؤكد إعادة ضبط الإيقاع. لن يتعامل حزب الله بعد اليوم مع شخصية مطواعة ترأس الوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف إطلاق النار. فقد سبق لكرم أن رفض الوصاية السورية على الإرادة الوطنية. واليوم، وهو يتمتع بهامش من الاستقلالية، سيدافع عن مصالح لبنان لا عن مصالح الملالي. أضف إلى ذلك أن هذا التعيين انتزع من رئيس مجلس النواب صلاحيات كان قد استولى عليها دون وجه حق. كفى. لقد عاد الأحرار. ولا شيء أروع من كسر القيود التي تكبّل الوطن. (1) إتّهموا المارونية السياسيّة باضطهادهم. (2) عندها حولوا رأس مالهم النضالي إلى حسابات مصرفيّة ومقاعد وزاريّة.

دول الخليج: من الإقليمي إلى الدولي (٣/٢)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
ديسمبر 16, 2025 - 10:47

برزت دول الخليج وازدادت ثراءً بفضل استغلال مواردها من الطاقة، لكنها خضعت أيضًا، عبر مراحل متسارعة، لتحول عميق مكّنها من فرض حضورها على الساحة الدولية. وحرصًا منها على ألا تبقى مجرد «دول خليجية»، سعت المملكة العربية السعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة والكويت وسلطنة عُمان وقطر إلى تجاوز وضعها الإقليمي البحت، مستندة إلى ما راكمته من مقومات، مع مضاعفتها وتطويرها ضمن مسار يشبه إلى حد كبير اندفاعًا قسريًا، وُصف أحيانًا بالمفرط أو المتجاوز، لكنه يعكس عزيمة مكّنتها من تنفيذ طموحاتها والوصول إلى اعتراف عالمي. وقد أضفت هذه الدول على طابعها الإقليمي بعدًا دوليًا. فأصبحت، كمجموعة، محورًا عالميًا ونقطة التقاء. وتغيرت صورتها بما أتاح ما يمكن تسميته دخولها عصر العولمة، وفق التعبير الشائع في الخطاب الأنغلو-ساكسونيي. وكل دولة، بطريقتها الخاصة، حرصت على عدم البقاء في عزلة، فكان التواصل والحوار في صدارة أولوياتها، سواء مع معظم الفاعلين الإقليميين أو مع القوى المؤثرة، بدرجات مختلفة، في هذه المنطقة من العالم. وفي هذا الإطار، يمكن الإشارة إلى الولايات المتحدة وأوروبا، وروسيا والصين، وكذلك تركيا وإيران، إضافة إلى الهند اليوم. حوار في جميع الاتجاهات: التحدث مع الجميع والتموضع بما يسهّل التبادلات واللقاءات والمشاورات والمفاوضات. وهي أنشطة باتت هذه الدول تضطلع فيها بدور مهم، بل وحاسم أحيانًا. وقد اتجه اهتمامها وتحركاتها، إلى ما وراء المنطقة الممتدة بين البحر الأحمر والخليج، نحو الشرق والشمال، واليوم نحو أفريقيا، بزخم يوازي ما تقوم به دول أخرى تعمل على تنويع علاقاتها الدولية، ولا سيما روسيا والصين وتركيا، ومؤخرًا، وإن بشكل لا يزال أوليًا، اليابان، فضلًا عن الدول الاستعمارية السابقة والولايات المتحدة الأمريكية بطبيعة الحال. وعلى الصعيد الجيو-استراتيجي، نشرت هذه الدول دبلوماسية فعّالة تتيح لها اليوم التدخل لدى إيران أو إسرائيل، مستندة في قدرتها على الوساطة إلى قوتها الاقتصادية، والتطور اللافت في أدواتها وخبرتها الدبلوماسية، وإلى إرادتها أن تكون فاعلًا لا غنى عنه يمكن للعالم الاعتماد عليه. وقد منحها ذلك اعترافًا ودورًا قد يتجاوزان الأهداف الأولية، لأنها أحسنت توظيف عناصر قوتها لتحقيق غاياتها واستثمار الفرص التي أتاحتها أحيانًا الخلافات الإقليمية، حيث أظهرت حكمة ودبلوماسية مكّنتها، في نهاية المطاف، من ترسيخ مظهر من مظاهر قوتها تدريجيًا. العلاقات، الدبلوماسية، التحالفات، الشراكات، الحوار، الوساطة، النفوذ… انتقلت دول الخليج بذلك مما يمكن تسميته «القوة الصلبة» إلى «القوة الناعمة». فقد مارست القوة الصلبة بصفتها مُصدِّرًا للمواد الأولية، ومن خلال دورها في مجالات المال، وبناء مراكز المؤتمرات وقاعات المعارض، والرياضة والتخطيط العمراني، وكذلك في تطوير موانئ ذات أهمية دولية — إذ كان ميناء دبي في عام 2024 الحادي عشر عالميًا في حركة الحاويات، ويُعد من بين أبرز ستة فاعلين في القطاع البحري. أما القوة الناعمة، فقد طوّرتها هذه الدول من خلال تنظيم فعاليات متنوعة أثارت أحيانًا انتقادات، لكنها نُفذت دائمًا باستخدام أحدث الوسائل وأكثرها ابتكارًا. وبرفضها للعزلة، قررت هذه الدول التحاور مع جميع الفاعلين على الساحة الدولية، معتمدة على قوتها الاقتصادية والدبلوماسية، ورافضة المقولة القائلة إن «عدوي يجب أن يكون عدوك». ولماذا ينبغي أن تكون هذه قاعدة؟ فهي لا تدعم روسيا في غزوها لأوكرانيا، فهل يعني ذلك قطع كل علاقة مع روسيا؟ لكل منها إجابته الخاصة. وهكذا، فإن دول الخليج ليست اليوم شريكًا ثانويًا لروسيا. وقد مكّنها هذا النهج البراغماتي، ليس في هذا الملف وحده، من بلوغ المكانة الدولية التي تتمتع بها حاليًا، ومن إحداث ثورة حقيقية في أسلوب عملها، وفي سلوكها على صعيد العلاقات الدولية، وفي تعاملها مع الشركاء. عقيدتها؟ خوض المعارك التي تخصها وحدها. فهناك قضايا لا ينبغي التدخل فيها؛ ومصالح الآخرين ليست بالضرورة مصالحها. وهو مزيج من الفعل والحياد لا ينبغي الخلط بينه وبين التقاعس. ملاحظة: نظراً لأهمية هذا الموضوع، خصص منظمو الاجتماع الاستراتيجي المتوسطي الرابع (RSMed 2025)، وهو مؤتمر يُعقد سنوياً في تولون، فرنسا، منذ عام 2022 من قِبل مؤسسة المتوسط ​​للدراسات الاستراتيجية (FMES)، جلسة نقاشية له ضمن برنامج هذه الأيام (8 و9 أكتوبر/تشرين الأول 2025). المقال التالي: دول الخليج، في سعيها نحو نوعٍ خاص من القوة (3/3)

دول الخليج: من النفط إلى القوة (١/٣)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
ديسمبر 14, 2025 - 23:50

القوة هي فرض الإرادة: أن تفعل، أن تجعل الآخرين يفعلون، أن تمنعهم من الفعل، أن تجبرهم على الفعل (ريموند آرون). برزت دول الخليج وازدهرت بفضل استغلال مواردها الطبيعية - النفط والغاز - لا سيما منذ ما عُرف لاحقًا بأزمة النفط الأولى عام ١٩٧٣. كانت هذه الصدمة بالغة الأهمية لما يُعرف عادةً بالغرب، أي أمريكا الشمالية وأوروبا، على الرغم من أن جزءًا كبيرًا من أوروبا في ذلك الوقت، في سبعينيات القرن الماضي، لم يكن بأي حال من الأحوال جزءًا من الاتحاد الأوروبي، وكان لا يزال خاضعًا للهيمنة السوفيتية، أي الشيوعية، لما يقرب من عشرين عامًا أخرى. ألا يُمكن القول إنه منذ فجر القرن الحادي والعشرين، تحررت دول الخليج، بشكلٍ ما، من هذا التبعية لمداخيل النفط، التي لا تزال تُدرّ عليها مكاسب مالية طائلة، لكنها استطاعت توظيفها وتحويلها جذريًا لتحقيق وضعٍ يتجاوز وضع الدول الريعية؟ علاوةً على ذلك، ألا يكون من المناسب القول إن هذه الدول قد شهدت، على مراحل متسارعة، تحولًا سيبرانيًا حقيقيًا يُشبه الثورة بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟ دول الخليج المعنية هنا، للتذكير، هي السعودية، والبحرين، والإمارات العربية المتحدة، والكويت، وعُمان، وقطر. ليست جميعها في المرحلة نفسها من هذا التطور والتحول، لكن الحركة جاريةٌ على قدمٍ وساقٍ لكلٍ منها، بوتيرتها الخاصة، وفقًا للمسار الذي اختارته لتنفيذ وتطوير خصائصها وأهدافها المحددة. لذا، فهذا ليس تخليًا - ليس بعد - عن النفط والغاز، ولا قطيعةً مع ما لا يزال يُعيلها، بل هو بالأحرى تحررٌ يُتيح لها القيام بما يُمكن تسميته ثورةً بحق. انطلاقًا من هذه الثروة التي توفرها موارد الطاقة، تطمح هذه الدول إلى اكتساب القوة و النفوذ. ما هو هذا النفوذ؟ وما هي الآليات المُستخدمة لتحقيقه؟ وما هي أهدافها؟ التطور المتزامن تتشابه بعض البيانات المتعلقة بهذه الدول، وإن لم تكن متطابقة. فهي متقاربة جغرافيًا، إذ تُطل على الخليج العربي - ولا تملك سوى السعودية وعُمان منفذًا بحريًا آخر - وقد شهدت تطورًا متزامنًا: تخطيط حضري عالي الجودة دون خشية التوسع المفرط؛ تحديث شامل في جميع المجالات (المالية، والاقتصاد، والتجارة، والسياحة) لا يتجاهل تحديات المناخ؛ تنمية بحرية؛ موانئ ومراكز لوجستية؛ وهوية تركز أيضًا على الفخامة والتميز. أصبحت بعض هذه الدول الآن نقاط التقاء أساسية ومراكز جوية عابرة للقارات. وقد تبنت هذه الدول استراتيجية تهدف إلى إثبات وجودها ووعيها، قبل الاعتراف الرسمي بها، من خلال إبراز تنظيمها وقدرتها على العمل في مجالات متنوعة كالأحداث الرياضية والثقافية والفنية، والاجتماعات الواسعة النطاق دوليا". وكان من المفترض أن تُضم العراق، كدولة خليجية، إلى هذه الدول. لم يسمح لها مصيرها، الذي حُسم للأسف عام ٢٠٠٣، بالانضمام إلى الدول الأخرى. في مواجهة إيران، التي تطمح هي الأخرى إلى أن تصبح قوةً في الشرق الأوسط، رسّخت هذه الدول مجتمعةً مكانتها كقوة إقليمية حقيقية. قوة من نوع مختلف، بلا شك، لكنها قوةٌ على أي حال. المقال التالي: دول الخليج، من إقليمية إلى دولية ملاحظة: دفعت أهمية هذا الموضوع منظمي الدورة الرابعة من اجتماعات المتوسط ​​الاستراتيجية (RSMed 2025)، وهو مؤتمر تنظمه مؤسسة المتوسط ​​للدراسات الاستراتيجية (FMES) في تولون (فرنسا) سنويًا منذ عام ٢٠٢٢، إلى تخصيص مائدة مستديرة له في برنامج يومي ٨ و٩ أكتوبر ٢٠٢٥.

لماذا لن يتخلّى عن سلاحه؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر
ديسمبر 13, 2025 - 15:28

مات يحيى السنوار من دون أن يسلّم سلاحه. لم يتوقّف هذا المُطارد عن القتال حتى آخر نَفَس، فعَظُم شأنه بعين البعض ولعلّه اليوم نموذج يُحتذى به لدى مقاتلي حزب الله. وقبله كان صدّام حسين، ثابتًا أمام المشنقة. ومع كل ذلك، تريدون من حزب الله أن يسلّم سلاحه وأن يحني رأسه. الحياة على الحافة "السلاح زينة الرجال"، شعار يردّد في جنوب لبنان، المنطقة التي عاشت فيها أجيال كاملة على «أخوّة السلاح». لقد أمّنت العمليات العسكرية للميلشيات طعم «الحياة البطولية»، وهو إدمان لا يخرج منه المرء بلا ندوب، وإدمان لا يتشاركه معظم اللبنانيين. وفوق ذلك، فإن شخصية الحسين، الذي سقط مضرجًا بدمائه يوم كربلاء تجعل الاستسلام بغيضًا، إن لم يكن كفراً. لعبة الدومينو في كل الأحوال، ليس حزب الله اللبناني، ولا قيادته المختبئة في الأقبية، مَن يقرّر تسليم السلاح أم لا. في هذه المسألة، القرار قرار إيران وحدها. فالميليشيا الوكيلة التي استثمرت فيها طهران الكثير الكثير ليست سوى بيدق في لعبة «ولاية الفقيه» الإقليمية. ولا يمكن التضحية بها إلّا على مذبح «الأممية الخمينية»، سواء كانت في قم أو في غيرها. ولا يمكن التفكير بنزع السلاح بحجة إعادة قدر ما من السيادة اللبنانية. ثم إن الجمهورية الإسلامية، إن وافقت يومًا على تسليم سلاح «حزب الله» لمن يحق له حكماً، فسيُعدّ ذلك سابقة خطيرة تؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل. فـ«الحشد الشعبي» في العراق سيُطلب منه لاحقًا أن يحذو الحذو نفسه، وبذلك تفقد إيران خطًا دفاعيًا تلو الآخر. ومع ذلك، ما أهمية الأمر بالنسبة لطهران إذا كانت جماعتها في لبنان ستُسحق تحت القصف الإسرائيلي ما دام صمودها هذا يؤجّل الاستحقاقات؟ مباراة الثأر بعد شهر أو سنة، ستصل المواجهة بين «أبناء الجنوب» و«الصهاينة» إلى نهايتها، ولو بالإرهاق المتبادل. لكن هل يعني هذا أن نزع السلاح سيعقب ذلك تلقائيًا؟ بالتأكيد لا! فالثنائي الشيعي يريد البقاء في حالة تأهّب. فمن جهة، يسعى إلى ترهيب اللبنانيين، شركائه في الوطن، ومن جهة أخرى لا ينسى أنه بتصرفاته استعدى قوماً لا ينسون. فجارنا السوري لم يستوعب ولم يغفر الدعم الذي قدمته «قوات الرضوان» وغيرها من المقاتلين غير النظاميين لنظام بشار الأسد. عاجلاً أم آجلاً، ستنعكس مشاركة حزب الله في المستنقع السوري منذ 2011 على مجمل الطائفة الشيعية. وعملية الثأر آتية لا محالة. وفي مثل هذا السيناريو، من الأفضل الاحتفاظ بالسلاح بدل أن يكون المرء هدفًا سهلاً. على الحكومة اللبنانية ألّا تُمني النفس: تسليم السلاح طوعًا لن يحصل. على استراتيجيّينا أن يجدوا حلولًا أخرى.

المشرق في خضم الاضطرابات: إيران في قلب العاصفة
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
ديسمبر 9, 2025 - 10:51

العامان اللذان تلا هجوم حماس على إسرائيل في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ شكلا نقطة تحوّل حقيقية، ليس فقط لمنطقة المشرق، بل وللشرق الأوسط بأسره. وفي خضم هذه الاضطرابات الإقليمية، التي لم تنته بعد، لم تُستثنَ إيران، بل تعرّضت لضربة قاسية. وفي سياق جيوسياسي يغلي، تواجه الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم تحديًا مزدوجًا: استعادة مكانتها على الصعيد الدولي وإعادة هيكلة شؤونها الداخلية لتكون قادرة على مواجهة السيناريوهات المختلفة التي قد تلوح قريبًا في الأفق. لم تعد التبجحات على الصعيد الخارجي مجدية. ويجب أن يُقاس الدعم المزدوج الذي تقدمه إيران للحوثيين وحزب الله، تحديدًا، بِمقدار المخاطر المترتبة عليه، أولها وأهمها من الرئيس دونالد ترامب، الذي يظل، في الوقت الراهن، أقوى شخصية على الساحة الدولية. وإذا أرغمت الصين، المنافس الرئيس للولايات المتحدة، ترامب على الانشغال بخلاف محتدم معها، فمن المتوقع أن يسوّي الرئيس ترامب، وفق طريقته الخاصة، أي نزاع بما يحافظ على سمعته وموقعه شبه المنيع. أما الصين، فلا رغبة لها في التدخل في ساحة شرق أوسطية أشبه بمخزن بارود قابل للانفجار؛ بل تنتظر اللحظة المناسبة لاستثمار الظروف لصالحها حين تعتبر أن اللحظة قد حانت وأن الظروف باتت مؤاتية. أما على الصعيد الداخلي، فيجب على إيران اتخاذ التدابير الاستباقية اللازمة لمواجهة كل السيناريوهات التي قد تطرأ في حال وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي. وهناك ثلاثة سيناريوهات محتملة. السيناريو الأول - تجد السلطة الدينية خلفًا سريعًا للمرشد الأعلى، وتبقى إيران على حالها منذ عام ١٩٧٩. لكن، ‏أليس للحرس الثوري طموحات أخرى غير أن يكون – على ما يبدو – تحت أوامر المرشدين الأعلى؟ ألن يسعى بعضهم، بعد أن لعبوا دور الدولة داخل الدولة، إلى أن يصبحوا الحكام الفعليين لإيران؟ وماذا سيفعلون لو استغلت الجماهير – ولا سيما الشباب والنساء – أي فراغ في السلطة الدينية، حتى لو كان مؤقتًا، لإطلاق احتجاج أو ثورة شعبية، أو على الأقل بذور حركة من هذا النوع، من أجل المطالبة بحقوق الإيرانيين في الحرية؟ السيناريو الثاني – تتولى السلطة المدنية زمام الأمور. وتدل اختيارات رئيس الجمهورية الإسلامية وسلوكه منذ توليه هذا المنصب على أنه على الأرجح ينتظر فرصته. ويشهد على ذلك إنشاء مجلس الدفاع الوطني حديثًا، ثم الموافقة على تعيين علي لاريجاني، المعتدل، في المجلس الأعلى للأمن القومي. فهل يمثل ذلك موقفًا انتقاليًا تمهيدًا لتدخل سريع للسيطرة على السلطة؟ ومن المرجح أن الرئيس مسعود بيزشكيان يفترض أن الشعب، ولا سيما الشباب والقوى الفاعلة في البلاد، سيدعم تدخله. وتثير الظروف التي توفي فيها سلفه عن طريق الخطأ، مما أتاح له الوصول إلى الرئاسة، بعض القلق والتساؤلات حول ما إذا كانت هناك إرادة حقيقية لتعيين الرئيس الحالي بهدف تمهيد الطريق لمزيد من الاعتدال. السيناريو الثالث – ستُعَبِّر الجماهير فورًا، وبحزم، إن لم يكن بعنف، عن رغبتها في التغيير في إدارة شؤون البلاد، التي لم تعد تحتمل تأثير العقوبات المتزايدة المفروضة على إيران. ويزداد استياء الشعب، لا سيما بسبب الأخطاء التي ارتكبها النظام تجاه النساء والشباب. ويتجلى هذا الاستياء، من بين أمور أخرى، من خلال نشاط سري، وفعلي، يقوم به إيرانيون مغتربون أو لاجئون سياسيون عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وتؤدي هذه الأوضاع إلى احتمال اندلاع حرب أهلية، والتي نتيجتها لا يمكن إلا أن تكون غير مؤكدة ومقلقة. يُعَّد السيناريو الثاني، بلا شك، الأمثل، لكنه يحمل في الوقت نفسه خطر الانزلاق إلى صدامات بين السلطة المدنية وقادة الحرس الثوري. وستكون مواقف الجيش النظامي، الذي ليس الأقوى مقارنةً بالحرس الثوري، وبالقوات التي تشكّل قاعدة الحرس، حاسمة، تمامًا كما يمكن أن تكون لحكمة ورؤية المستقبل المحتملة لدى قادة الحرس تأثير بالغ. أما السيناريو الثالث، فلا يرغب به أحد، لا في المنطقة ولا في الغرب، ولا حتى الصين. ومع ذلك، قد يتم استغلال حركة شعبية واسعة من قبل رئيس الجمهورية، مما يعيدنا إلى السيناريو الثاني. ولا يعني ذلك بالضرورة أن الأسوأ حتمي. في الوقت الراهن، يظل المرشد الأعلى متحكّمًا بالأوضاع. فهو يسعى لتعزيز وتقوية الشعور الوطني، دون أن يتخلى عن زمام الأمور، ولكن بطريقة عقلانية. فهل يمكن الاستمرار في سياسة اليد الحديدية في قفاز من حرير، مع تحقيق الهدف المتمثل في حماية أمة قوية وموحّدة؟ وفي ظل مثل هذا الوضع على الصعيدين الإيراني والإقليمي، هل تُعدّ المخاوف الرئيسية لكبار القادة في النظام اليوم مُنصَبَّة بالدرجة الأولى على الحوثيين وحزب الله، في الوقت الذي يظل فيه علي خامنئي ضعيفًا سياسيًا وعلى الصعيد الشخصي، ومهدّدًا من إسرائيل؟ على الأرجح لا. وفي هذه الحالة، تكون ساعة حماس وحزب الله قد حانت.

لا يكفي نزع سلاح حزب الله، بل يجب تدجينه
بقلم
يوسف معوض
نُشر
ديسمبر 8, 2025 - 14:20

حتى تحت القصف، وحتى عندما ستطاردهم جماعات الثأر السورية أو العدالة الدولية، لن يقبل المنتسبون إلى حزب الله بالاندماج في البوتقة الوطنية. ولن يتصرفوا كما قد تتصرف حركة أمل، اللبنانية في عيوبها وخطابها وتسوياتها. والسبب واضح: فالتاريخ الحديث قدّم سابقة تثير الريبة. فلا أحد نسي ما حدث للقوات اللبنانية بعدما قبلت باتفاق الطائف وسلّمت سلاحها: دفعت الثمن غالياً، إذ سُجن قائدها وتعرّض كوادرها للاضطهاد والاغتيال. مع ذلك، لم يتخلّوا عن قناعاتهم، ولم يتراجع عددهم بشكل كبير. وقد أشيد بقدرتهم على الصمود، تلك القدرة التي نُسبت إلى ما تلقّوه من تعبئة فكرية، وهي تعبئة لم تمنعهم من العودة والاندماج في الحياة المدنية العلمانية. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل يمكن فعلاً أن تنسجم عقيدة ولاية الفقيه وطابعها الديني مع دولة قانون تقوم أساساً على الحريات الفردية وعلى مبدأ العلمانية؟ السذاجة و عدم البصيرة في هذا الوقت، يواصل «ذوو النوايا الحسنة» ترداد شعار: «سلّموا سلاحكم، وعودوا إلى كنف الدولة، فلكم فيها موقعكم الطبيعي». لكن حزب الله، قبل أن يصبح ميليشيا بحجم جيش، هو نتاج حركة دينية–سياسية عمرها قرون. فمحاولة تحويله إلى حزب سياسي عادي هو إنكار لطبيعته. وحزب الله ليس مستعداً لحلّ نفسه. وحتى لو قرر تسليم سلاحه، فإن الحزب المدعوم من إيران ليس في وارد التخلي عن لبنان الذي وقع في أسره. فقد نجح الإيرانيون في اختراق إدارتنا إلى درجة باتت فيها شبكاتهم الموازية تمتلك سلطة قرار حقيقية، وليس مجرد قدرة على التعطيل. فالدولة العميقة التي استثمر فيها الحزب تمثل «سلطة غير مرئية، لا يمكن رصدها داخل مؤسسات الجمهورية الشرعية، لكنها تؤثر في القرارات السياسية الكبرى وفي سير المجتمع». والموفدون الأميركيون الذين يتناوبون على متابعة الوضع اللبناني يكررون هذه الحقيقة، في حين يرفض الحكم اللبناني الاعتراف بها ويفضّل البقاء في حالة إنكار مريحة. النموذج الألماني في نزع النازية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عمل الحلفاء الغربيون على اجتثاث النازية في المناطق التي احتلوها من إلمانيا. فأجروا التحقيقات في قطاعات التعليم، والحقوق، والمال، والإعلام وغيرها.إلا أنّ العملية كانت ديمقراطية، فجاءت نتائجها محدودة. أما في الجانب السوفياتي، فكانت المقاربة مختلفة تماماً: تطهير واسع، إعدامات سريعة، و«تذاكر ذهاب فقط» إلى الغولاغ. كيف يمكن «نزع حزب الله» من الدولة؟ نعود إلى لبنان، العالق في المأزق. فالبلاد لا تستطيع الإصلاح فيما تبقي على الوضع القائم. فما الفائدة من الإبقاء على موظفين يدينون بالولاء للخارج وينتمون إلى أجهزة طهران؟ لإنقاذ لبنان، المطلوب أكثر بكثير. من مجرد نزع سلاح حزب الملالي

سقوط آخر التابوهات: لبنان ليس آخر الموقّعين على السلام!
بقلم
علي خليفة
نُشر
ديسمبر 6, 2025 - 13:08

بدأت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل للوصول إلى اتفاق سلام. الشرط الأصلي: نزع سلاح حزب الله. النقاط الأخرى المطروحة على الطاولة، أساسية وفرعية، منها: تعاون اقتصادي يحقّق حاجات الجانبين وتطلّعاتهما لناحية عودة التعافي وإعادة الإعمار في جنوب لبنان وتثبيت الاستقرار والأمن لإسرائيل على حدودها الشمالية. وقبل المزيد من التفسير والتفكير، وقبل جلاء رأي هذا وذاك واستعادة شريط الأحداث التي جعلت لبنان يدفع الفاتورة الأغلى في الصراع العربي الإسرائيلي منذ ما ينيف على نصف قرن... سؤال يفرض نفسه ببداهة: ما البديل عن السلام مع إسرائيل والتعافي للبنان وإعادة الإعمار؟ لا جواب على السؤال. فالدولة مغيّبة على امتداد عقود. والميليشيا الإيرانية المزروعة في لبنان هي التي تقرّر: متى تفتح حربًا، ومتى تعقد هدنة، ومتى تبرم صفقة، ومتى تشاغل إسرائيل، ومتى تساند غزّة، ومتى تعبث بالأمن الوطني للدول العربية الشقيقة للبنان، ومتى تراوغ ومتى تهادن... وماذا تبني من أنفاق لمواصلة الحروب، لا الملاجئ والمستشفيات للآمنين وللضحايا... إلى أن دار الزمان دورته وذهب حزب الله برجليه إلى مقتلته. جولة الحرب التي فتحها إنفاذًا للمشروع الإيراني المسمّى وحدة الساحات، لم يعد بيده قرار إنهائها! رفعت إيران الغطاء عنه تدريجيًا لتشتري وقتًا إضافيًا لعمر نظامها وأبقته غبّ الطلب. وإسرائيل لن تقبل ببقاء التهديد الذي يمثّله حزب الله. أبعدَته بالقوة من جنوب الليطاني. وكان ذلك أسهل من نقل مجرى الليطاني إلى الحدود مع إسرائيل، كما كان يروّج نبيه بري أمام زواره الذين حذّروه من تسارع الأحداث وانزلاقها بشكل غير محسوب. وحصل ما حصل ولم يعد يتحرّك حزب الله بحسب قواعد الردع. بل لم يعد يتحرّك البتة. أعلنها هدنة؛ ولكن الهدنة غير كافية لأنها استراحة بين حربين. تملّكت الحيرة المسؤولين اللبنانيين الذين استفاقوا بعد طول تغييب على إلزامات المسؤولية والواقع المفروض! بادروا وتردّدوا. وعملوا فقصّروا. وما لم يكمله المسؤولون اللبنانيون، ستؤدّيه إسرائيل بالنيابة عنهم ولكن بثمن أغلى! عند هذا يكمن التحول الجذري في المشهد. حدثٌ تاريخيّ تمثّل بزيارة استثنائية ببعد سياسي طاغٍ للبابا لاوون الرابع عشر، عنوانها: "طوبى لفاعلي السلام!" لم تكد تمضي ساعات على انتهاء الزيارة ودعوة البابا اللبنانيين إلى السلام، حتى تحوّلت لجنة مراقبة الخروقات إلى لجنة مفاوضات مباشرة بين لبنلن وإسرائيل. مفاوضات السلام التي انطلقت بين لبنان وإسرائيل تحققّ المصلحة الوطنية للبنان ولأمنه و... لرسالته التي يكتسب معنى وجوده منها: الوطن – الرسالة لا الوطن – البرميل المتفجّر. بالنتيجة، تظهر من الرميم سردية بديلة عن سردية حزب الله القائمة على الحرب بلا هدف والمقاومة للمقاومة لتحقيق مصلحة النفوذ الإيراني في المنطقة. المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل تعني قابلية الوصول إلى توقيع اتفاق سلام. ولطالما كانت المفاوضات المباشرة بمثابة التابوهات الأكثر حرجًا في لبنان، دون أدنى تفكير أو مساءلة او أخذ وردّ. فإذا لم يكن لبنان يفاوض إسرائيل عن نفسه وبنفسه؛ فمن كان يفاوض عنه؟ حزب الله نيابةً عن إيران واقتداءً بمصلحة مشروع ولاية الفقيه المتمدّدة. إذًا، تجسّد المفاوضات المباشرة استعادة دور سيادي للبنان وهي بداية تحجيم النفوذ الإيراني عنه. المفاوضات بدأت على جانب رسمي جدّي وفعّال. فريق إسرائيلى من مجلس الأمن القومي كلّفه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو بالانضمام إلى لجنة الميكانيزم ولقاء المسؤولين الحكوميين اللبنانيين، فيما أعلنت الرئاسة اللبنانية أن الرئيس جوزيف عون كلف السفير السابق سيمون كرم بتمثيل لبنان. المفاوضات المباشرة غير معنية فقط بالخروقات، بل ستبحث في أسس العلاقات الاقتصادية والتعاون بين لبنان وإسرائيل. سفارة الولايات المتحدة في بيروت ظلّلت ببيان رسمي ما يحدث. "التقدم المستدام لا يمكن أن يتحقّق إلا عندما يشعر الجانبان اللبناني والإسرائيلي أن مخاوفهما محترمة وآمالهما معترف بها"، كما ورد في البيان. ورحّب السفير ميشال عيسى بقرار الحكومة اللبنانية باعتماد الحوار بعد عقود من عدم اليقين، واعتبر المفاوضات المباشرة خطوة بناءة نحو رسم مسارات قد تسمح يومًا ما لكلا البلدين بالتعايش بسلام واحترام وكرامة، مجدّدًا التزام بلاده بدعم جميع الجهود التي تعزّز السلام والاستقرار والأمن. بدء المفاوضات المباشرة لا يشكل في ذاته الحلّ. بل بداية انفراجة مهمة، ستكتمل عاجلاً أم آجلاً بالتوازي مع استمرار الاستهدافات التي تقدم عليها إسرائيل لتصفية الجناح العسكري لحزب الله وأنشطته الاقتصادية وربما الاجتماعية أيضًا. بالمقابل، المواجهة الأكبر قد تدفع إليها إيران إذا أيقنت أن أدوار حزب الله انتهت أو أيام نظامها أصبحت معدودة، أو هي ستقدم على رفع الغطاء بشكل كامل عن حزب الله مقابل ما أمكن من مكاسب مستقطعة. جميعها سيناريوهات ممكنة في كواليس المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل.

المشرق في خضم الاضطرابات: آفاق لبنانية وسورية (٢/٣)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر
ديسمبر 6, 2025 - 12:40

شهدت منطقة المشرق خلال العامين المنصرمين تحولات عميقة ودراماتيكية أعادت تشكيل المشهد الجيوسياسي للمنطقة. يبدو أن الأحداث المتعاقبة منذ الهجوم الدموي الذي شنّه حماس على إسرائيل من قطاع غزة في ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ قد مهدت الطريق لظهور شرق أوسط جديد، كما لا يفتأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يؤكد. مع نهاية عام ٢٠٢٥، ما هو المشهد العام لهذه المنطقة، وما هي الآفاق المتاحة، وكيف يمكن تقييم الوضع السياسي والأمني فيها؟ من خلال أخذ مسافة كافية واعتماد رؤية أشمل، يصبح من الأسهل متابعة التطورات الجارية عن كثب ورصد التغييرات الجذرية التي شهدتها لبنان وسوريا وإسرائيل وقطاع غزة (والأراضي الفلسطينية)، فضلاً عن إيران. وقد كان لبنان، الذي تَزَعْزَعَ من جرّاءِ الانفجار المأساوي في مرفأ بيروت في ٤ أغسطس ٢٠٢٠ وبسبب الانهيار الاقتصادي والمالي في ٢٠١٩، يواجه في نهاية هذا العام تداعيات متعددة للحرب العبثية – وغير المبررة – لدعم حماس، التي شنّها حزب الله في ٨ أكتوبر ٢٠٢٣. وقد أسفر هذا الصراع المسلّح، الذي بدا أنه مدفوع من قبل نظام الملالي الإيراني، عن اغتيال قائد حزب الله حسن نصرالله، والقضاء على القيادة العسكرية للحزب الشيعي، وتدمير العديد من القرى في جنوب لبنان، واحتلال إسرائيل لخمس مواقع استراتيجية على الأراضي اللبنانية. التزامات الرئيس في ظل هذا السياق، أصبح من الضروري الضغط على إسرائيل لوضع حد لميولها في التصرف بحرية في الأراضي والمجال الجوي اللبناني، سواء أصابت أم أخطأت. غير أن لهذا التوجّه جانبًا مقابلاً: على الدولة اللبنانية، مدعومة من شعبها، أن تقرر تنفيذ القرارات الأممية وكل الالتزامات التي أعلنها الرئيس جوزيف عون في خطاب القسم يوم انتخابه لرئاسة الجمهورية في ٩ يناير ٢٠٢٥. ويجب على الشعب اللبناني أن يدعم جهود الدولة في هذا الإطار، كلّ ذلك وهو واعٍ تمامًا بأن تفكيك الجهاز العسكري لحزب الله ونزع سلاحه الشامل قد لا يمرّ من دون صدامات، لكنه سيعود بالنفع في كل الأحوال على جميع طوائف لبنان، وعلى الشيعة اللبنانيين أولًا. ويجب أن يُعبّر عن هذا العزم الراسخ دون مواربة. وفي هذا السياق، يجب على سوريا وإيران وإسرائيل أن تعترف بأن هذه المبادرة اللبنانية هي خطوة متعمدة ستُستكمل حتى نهايتها، وأنها في نهاية المطاف تصب في مصلحة المنطقة برمتها. وفي مواجهة السلوكيات الأنانية والضيّقة لأهم الفاعلين في المشرق، لا بد من التأكيد على أن لبنان يمكن، ويجب، أن يلعب دور المحفز لإطلاق دينامية إنقاذية شاملة. أما في الداخل اللبناني، فالعلاقات التي تربط مختلف الطوائف اللبنانية بحاجة إلى إعادة بناء النسيج الاجتماعي، ولا يمكن أن يقوم بذلك إلا الرئيس جوزيف عون. ولتحقيق ذلك، عليه أن يوضح بجلاء، من خلال أفعاله، أن انتخابه للرئاسة كان ليكون قائدًا بكل ما للكلمة من معنى. فبدون عزيمة راسخة وإرادة واضحة وحازمة، وبدون الشجاعة التي أظهرها طوال مسيرته، لن يستطيع لبنان استعادة دولته المزدهرة والمستقرة، الدولة التي كانت تعيش في سلام، كما في السابق. الزلزال السوري يبقى أن التحوّل الذي ترك الأثر الأشد على لبنان خلال الأشهر الماضية هو بلا شك سقوط نظام بشار الأسد. فقد فرضت هذه الدكتاتورية السورية على بلاد الأرز طوال نصف قرن احتلالًا وهيمنةً غيّرت بعمق المشهد السياسي للبلاد. وقد ظهر النظام الجديد في سوريا في ظل الفراغ المفاجئ، وإن كان متوقعًا، الذي أحدثه انهيار نظام الأسد. وقد تسارع السقوط المفاجئ للسلطة البعثية نتيجة غياب الرد الفعلي والمفاجئ من قاعدتها الشعبية، إلى جانب التفكك والاضطراب داخل صفوف الجيش. ومع ذلك، فإن النظام الجديد، على الأقل في المرحلة الراهنة، لا يملك أسسًا صلبة على الصعيد الداخلي. فالتجاوزات التي ارتُكبت بحق الأقليات، دون تدخل حازم من السلطات الجديدة، تزيد من هشاشة السلطة. حظي الرئيس أحمد الشرع، بجميع مىاسيم الاستقبال والاحترام الواجبين لمقامه من قبل الرئيسين دونالد ترامب وإيمانويل ماكرون. هو اليوم، مدعو لإثبات أن هذا التكريم كان مستحقًا بالفعل. فمستقبله ومستقبل سوريا – على الأقل الجزء الذي يسيطر عليه – مرتبطان بالمسافة التي سيحرص على الحفاظ عليها بين بلاده، من جهة، وحماس وإيران من جهة أخرى. بقائه يعتمد على ذلك. المقال التالي: المشرق في خضم الاضطرابات: إيران في قلب العاصفة.

رفع العقوبات عن سوريا و بوادر إعادة إعمار البلاد
بقلم
سيرجيو صفدي
نُشر
ديسمبر 4, 2025 - 18:42

في السادس من تشرين الثاني الماضي، صوّت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بدفعٍ من الولايات المتحدة الأميركية، على رفع العقوبات الأممية المفروضة على الرئيس السوري أحمد الشرع. وقد سبقت هذه الخطوة، في مطلع الصيف، عملية مماثلة تمثلت برفع العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على سوريا في عهد بشار الأسد خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011. هذه الخطوة الشاملة لرفع العقوبات ستتيح إعادة دمج البلاد في الحضن العربي وفي التجارة الدولية، ممهدةً لطريق لعودة الاستثمارات وبدء عملية إعادة الإعمار. قانون قيصر من أبرز التدابير على صعيد العقوبات ضد سوريا في عهد الأسد كان إقرار "قانون قيصر" من قبل الولايات المتحدة عام 2019. يستمد القانون اسمه من مصوّر عسكري سوري هرّب أكثر من خمسين ألف صورة توثّق انتهاكات النظام البعثي خلال سنوات الحرب الأهلية. استهدفت العقوبات المنبثقة عن هذا القانون قطاعات اقتصادية حيوية وشاسعة مقارنة بسائر العقوبات الأممية أو الأوروبية، إذ كانت تعاقب أي شخص أو شركة تقدم دعماً مباشراً أو غير مباشر لنظام الأسد، خصوصاً في قطاعات الأسلحة والطاقة والخدمات المالية. خنق قانون قيصر نظام بشار الأسد مالياً بالإضافة إلى المقربين منه الذين يسيطرون على جزء كبير من الاقتصاد. إلا أن القانون، وإن عجّل في تهاوي النظام، ساهم في عزل سوريا تماماً عن العالم، وأدى إلى مزيد من انهيار الليرة السورية وتدهور الاقتصاد وازدهار التهريب وشبكات الاتجار بالمخدرات. وفي 30 حزيران 2025، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بإلغاء قانون قيصر، إلا أن القرار ما زال بانتظار مصادقة مجلس النواب. سيبقى القانون سارياً على بشار الأسد والمقربين منه افراد نظام البعث، ولن يُرفع إلا بالنسبة لنظام أحمد الشرع. إعادة التأهيل الاقتصادي أولى خطوات إعادة تأهيل البلاد ستكون العودة إلى نظام "سويفت (Society for Worldwide Interbank SWIFT " Financial Telecommunication)، المنصة التي تستخدمها غالبية المصارف حول العالم لإجراء التحويلات المالية العابرة للحدود. على الرغم من وجود بدائل أخرى، فإن معظم العمليات المالية الدولية ما زالت تتم عبر "سويفت". في حزيران الماضي، أجرت سوريا أول عملية تحويل على المنصة منذ أكثر من أربعة عشر عاماً. فبعد استبعادها من "سويفت" عام 2011 مع اندلاع الحرب الأهلية، أصبحت التحويلات المصرفية عبر الحدود مستحيلة، ما جعل التعامل النقدي المباشر الوسيلة الوحيدة، وعرقل إمكانية تتبع مصدر الأموال ووجهتها. إعادة دمج سوريا في "سويفت" ستمكّن من تحقيق قدر أكبر من الشفافية في التحويلات المالية، نظراً لاعتماد المنصة على شبكة من المصارف المراسلة الخاضعة لأنظمة إمتثال (Compliance)تمنع، على سبيل المثال، التحويلات من وإلى المقربين من بشار الأسد. عودة النشاط الاقتصادي بدأت آثار رفع العقوبات التدريجي تظهر بوضوح. فمنذ الصيف الماضي، عُقدت مؤتمرات ومنتديات عدة في عواصم عربية مختلفة لجذب المستثمرين المهتمين بالسوق السورية. وبحسب الرئيس السوري أحمد الشرع، تمكنت البلاد من جذب نحو 28 مليار دولار من الاستثمارات، تأتي بمعظمها من السعودية والإمارات وقطر. في هذا السياق، إن سرعة الإفراج عن الأموال اللازمة، والمشاركة المبكرة من دول الخليج، وتوقيع الاتفاقيات الخاصة بتنفيذ المشاريع الكبرى، كلها عوامل من شأنها أن تجتذب مزيداً من المستثمرين وتنعش عملية إعادة الإعمار وتعيد دمج سوريا في التجارة الدولية. إن الرفع التدريجي للعقوبات يمثل حجر الزاوية في مساعي إعادة الإعمار. لا يزال الطريق طويلاً والعمل كثيراً، والتحديات كبيرة، لكن الفرص واعدة بالقدر نفسه. لذلك، من الضروري في هذا السياق تحليل وعرض التحديات والفرص التي تواجه السلطة السورية الجديدة اليوم. والحديث يطول... المقال القادم: سوريا بين التحديات والفرص: أمل جديد (1/3)