

بماذا نجيب يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي، حين يتحدى لبنان ويؤكد أن «النار ستأكل أرزه عما قريب»؟ وبماذا نرد على بتسلئيل سموتريتش، وزير المالية الإسرائيلي، الذي يسخر من لبنان زاعماً أن ابنه يطلب منه «أن يترك له شيئاً ليدمره»؟ يجدر بالمسؤولين الإسرائيليين أن يضبطوا ألسنتهم بشكل أفضل، فللكلمات عواقبها.
يستشهد يسرائيل كاتس بسفر زكريا: «افتح أبوابك يا لبنان، فتأكل النار أرزك (...). ولول يا بلوط باشان، لأن الوعر المنيع قد هبط. نسمع صوت ولولة الرعاة، لأن فخرهم خرب. نسمع صوت زمجرة الأشبال، لأن كبرياء الأردن خربت» (زكريا 11: 1-3). في هذا المقطع، يمثل تهديد الأرز تهديداً رمزياً لبلد بأسره، ولتراثه الثقافي والتاريخي. إنه قول متسرع بحق أمة ذات إرث ضارب في القدم مثل لبنان.
وكما أسلفنا، فإن هذه الإشارات التوراتية تهدف إلى تطبيع الحرب في وعي الرأي العام الإسرائيلي، وإضفاء الشرعية عليها، والإيحاء بأنها نبوءة تتحقق. ولهذا السبب تحديداً، من المهم الرد على يسرائيل كاتس بمنطق مغاير. فقد أثبتت التجارب أن الخطابات التحريضية لا تؤدي إلا لترسيخ دوامة العنف، ولا تبني عدلاً ولا سلاماً مستداماً. بل إنها، على العكس من ذلك، تهدد بتأجيج التصعيد والعداء بين الشعوب، في وقت تشرع فيه الأبواب أمام مفاوضات تهدف، على الأقل، إلى وقف نهائي للأعمال العدائية.
إن الرد الدبلوماسي الذي يذكّر بالقانون الدولي، والسيادة الوطنية، وضرورة الحوار، يشكل المسار الأكثر عدلاً وعقلانية في آن معاً، لحماية أجيال المستقبل واستقرار المنطقة، بعيداً عن السقوط في فخ الاستفزاز المتبادل.
المسؤولية الأخلاقية للكلمة
وعلى الصعيد الأخلاقي، يجدر التذكير أيضاً بأن العنف أو التهديدات الموجهة ضد الآخرين لا يمكن أن تشكل إرثاً يُورّث. فحين تزعم شخصية عامة أن ابنها يطلب منها أن تترك له «شيئاً ليدمره»، فإنها تتحول إلى منبر لترويج الكراهية والعنف. إن كلمات الوزير الإسرائيلي هي آخر ما يجب أن يردده أبٌ أمام ابنه الذي أصيب بجروح بليغة في لبنان. بل على العكس من ذلك، تقع على عاتق المسؤولين السياسيين الإسرائيليين واجب الحماية والتربية ونقل مبادئ العدالة والمسؤولية والاحترام المتبادل إلى شعبهم، لا صبّ الزيت على النار.
ممنوع الضحك من مآسي الغير
يكاد المرء لا يحتاج إلى تبيان مدى لاأخلاقية السخرية من مصائب الآخرين. ففي حداثة سنّنا، كان كبارنا ينهروننا إذا ما تهكمنا على عيب جسدي في الآخر، كالحدبة أو سوى ذلك من تشوهات، أو حتى على عيب في النطق. ولكي يغرسوا في نفوسنا قيم الاحترام، كانوا يؤكدون لنا أن الله سيبتلينا بذات «الحدبة» أو العلة التي سخرنا منها. هكذا تعلمنا أن هناك عدالة خفية، متأصلة في الخلق، تعيد صياغة التوازنات الإنسانية حين اختلالها.
ومن المثير للدهشة، أننا نجد قانون العدالة غير المنظورة هذا، أو لنقل قانون التوازن، في سفر الأمثال، وهو أحد أكثر أسفار الكتاب المقدس اقتباساً، حيث يحذر: «لا تفرح بسقوط عدوك، ولا يبتهج قلبك إذا عثر»، لئلا يرى الرب ذلك (وفي ترجمة أخرى «يرى شرّك») «فيشيح بنظره عنه» (الباب 24(.
ربما كان سفر الأمثال أحد المصادر الأساسية في صلب عيشنا المشترك؛ ففي الحضارة المشتركة بين جميع الشعوب السامية في المنطقة، للكلمة عواقبها. وتبرز هذه الفكرة بوضوح، على سبيل المثال، في المزامير، حيث يُذكر أن الذين يسعون لإلحاق الأذى بالآخرين سيقعون في شر أعمالهم ومكائدهم.
ففي المزمور السابع، ورد أن: «مَنْ حفر حفرةً سقط فيها، وعمله يرتدُّ على رأسه». وتتطابق هذه الصورة مع فكرة أن التهديد أو العنف ينقلب في نهاية المطاف على المعتدي نفسه.
وفي المزمور السابع والثلاثين، وصيّةٌ تقول: «لا تَغَرْ من الأشرار، ولا تحسد عُمّال الإثم (...) الأشرارُ سلّوا السيف ومدّوا قوسهم لصرع المسكين والفقير (...) سيفهم يدخل في قلبهم، وقسيُّهم تنكسر».
إنها طريقةٌ شاعرية وأخلاقية للتذكير بأن العنف الجائر لا يكتب له النصر طويلاً. فاللغة التصويرية لهذه الحِكم العملية تؤكد أن الشرّ والعنف والدمار، غالباً ما يرتدُّ على مُدبّريه. وغالباً ما تزاوج المزامير بين هذين المبدأين: التهديد الذي ينقلب على المعتدي، والحماية أو المكافأة التي ينالها البارّ.
ذاكرة القرى
وبعيداً عن الرموز، يحمل لبنان في وجدانه ذاكرة قرى الجنوب الضاربة في القِدم، تلك التي تسحقها اليوم الجرافات الإسرائيلية. إن هذا الجنوب جزءٌ من أرضٍ وطئتها قدما المسيح، وهو يوازي في عيون اللبنانيين، والمسيحيين منهم بوجّه خاص، كنوز لبنان مجتمعة، من الوادي المقدس والأرز، وصولاً إلى بعلبك وبيت الدين.
يشعر كل لبناني بوجعٍ حيال قرىً تُمسح عن الخريطة، لكنه يستشعر أيضاً نداءً للصمود وثقةً بمصير بلاده. فأن تأتي ضيفاً إلى ديار اللبناني، يعني أنك في بيتك، أما أن تأتيها عدواً، فهو حكمٌ تبرمه على نفسك بالشقاء.
لقد بزغ فجر هذا الوطن كدولة مستقلة بعد قرون من الهجرات والاجتياحات والوصايات والضغوط، وهو لا يزال يصون اليوم سيادة وسلامة أراض نالها بشق الأنفس. إن تهديد شعبه أو رموزه الوطنية لن يصيبه بالشلل، بل على العكس، فإن خطاباً كهذا لا يزيد لبنان وأصدقاءه وشركاءه إلا عزيمةً على التمسك بمكامن قوته: الحوار، والدبلوماسية، والمسؤولية الجماعية. واستحضاراً لصور النبي زكريا، سيطال الحساب لـ «الرعاة الأشرار» الذين تركوا حظيرة الأغنام، أي حدود البلاد، بلا حماية.
الحرية والتعددية
حيال التهديدات والاستفزازات، لا بدَّ من ردودٍ تتجذر في صلب ثقافتنا العميقة. إن الدبلوماسية، والتروّي، والتبصّر، والإحاطة الوافية بملفاتنا وبطبيعة الخصم، إلى جانب التمسك بالمبادئ الأخلاقية وتوكيد الحقوق السيادية، هي الردّ الأمثل على الخطابات التحريضية التي تُصوَّب باتجاهنا.
وهكذا، فإن قوة اللبنانيين الحقيقية تكمن في قدرتهم على التعالي فوق الاستفزازات، وفي الدفاع عن العدالة – بما في ذلك حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، بالتنسيق الوثيق مع دول جامعة الدول العربية – وفي حمل رسالة الحرية والتعددية والحوار إلى العالم أجمع؛ تلك القيم التي تشكل جوهر رسالة لبنان التاريخية.
كنيس بيروت
في مقابلة أجرتها معه مؤخراً صحيفة «لا كروا» (20 نيسان)، لم يتوانَ أبراهام بورغ، الرئيس السابق للكنيست عن حزب العمل وللوكالة اليهودية والمنظمة الصهيونية العالمية، عن الحديث عن «الإفلاس الأخلاقي» لإسرائيل، التي يسحق جنودها قرانا، وينهبون بيوتنا، ويدنّسون رموزنا الدينية. يقول بورغ: «إن إسرائيل حالياً فاسدة تماماً على المستوى الأخلاقي»، مُعرباً عن سخطه بشكل خاص حيال قانون عقوبة الإعدام الذي يُطبّق بشكل انتقائي ضد الفلسطينيين المدانين بـ«الإرهاب».
ويتابع قائلاً: «على نطاق أوسع، قوّضت الحكومة اليهودية، وعالمية العدالة، وكل القيم التي كانت إسرائيل تدّعي العمل بموجبها».
ويضيف المسؤول العمالي السابق في لفتة مفاجئة: «بشكل مدهش للغاية، فإن الصوت الوحيد الذي ينادي بإنسانية مرهفة ومسؤولة هو صوت البابا. لقد تجنب لاون الرابع عشر السياسة قدر الإمكان، لكن لم يعد بمقدوره فعل المزيد. ولهذا السبب، وبطريقة جدلية تماماً، هو من يمثل روحانيتي ومنظومة قيمي، وليس الحاخامات».
ويكاد المرء يذهب إلى القول ذاته في لبنان؛ هذا البلد الذي يمنح دستوره مكاناً للطائفة اليهودية أسوةً بالمكونات السبعة عشر الأخرى، وحيث رُمِّم الكنيس الذي دمرته الحرب ليتصدّر مكاناً بارزاً في وسط بيروت التاريخي.