
لم يعد الانقسام في لبنان نتيجةً للحرب، بل أصبح أحد أدواتها. يمكن تسمية ما يجري اليوم في لبنان باقتصاد الانقسام. أي تحويل الكراهية إلى مادة تنتج يومياً، تُصنّع وتُوزّع وتُستهلك، وتخدم أكثر من طرف في آنٍ واحد، ولو بدا هؤلاء الأطراف في حالة عداء معلن. انتقلت المعركة من العنف العسكري إلى العنف الرمزي، فحين يقف رجل مسنّ ليشتم رئيس الحكومة بهذه اللغة المنحطة، وآخر يهاجم رئيس الجمهورية ويذكره بمصير السادات، وحين يدرّب الأطفال على السباب، وحين تمجّد العسكرة ولو بواسطة حذاء، لا تعود المسألة تتعلق بالشخص، بل بما يمثّله من التفاف على القلق والخوف المُستشعر، وبقصد تدعيم صورة الدولة المنهارة في الوعي الشعبي، وتطبيع الإهانة وسيلة تعبير سياسي، فيُنقل الصراع من نقد السلطة إلى تحقيرها وتخوينها. هذا ليس مجرد انحدار أخلاقي أو انفلات غضب، إنه في العمق، مؤشر على تحوّل أخطر: ضرب صورة الدولة في الوعي العام، واستبدال النقاش العام بالتشهير.







