شعار Levant Time
فادي نون

فادي نون

 شابة لبنانية، وترنيمة آرامية، والبابا لاون الرابع عشر في غمرة التأثر

نحن في الخامس والعشرين من أيلول، في "استاد دو فرانس" قرب باريس، حيث التقى البابا لاون الرابع عشر شبيبة فرنسا في محطته الأولى من جولته الرسولية في البلاد. وعلى وقع ترتيلة آرامية تعود إلى القرن الرابع ملأت جنبات الملعب، طالعت الحاضرين لوحة تمثل قارباً وشراعاً يقف عليهما رجل وامرأة، فيما انبعث صوت يروي: "حين لم تكن فرنسا قد حملت اسمها بعد، كانت السماء ترسم أقدارها. ففي العام الرابع والأربعين للميلاد، حطّ على ضفاف المتوسط قارب خشبي متواضع يحمل أول تلميذين للمسيح وطئا هذه الأرض التي ستصبح بروفانس: لعازر ومريم المجدلية. ومن خلجان الساحل إلى منحدرات "سانت بوم"، نقش عبورهما في الحجر والقلوب والذاكرة الإنسانية الفصل الأول من تاريخ فرنسا المسيحي. ومن هناك، تتردد صرخة المجدلية التائبة: "هذه صرخة حياتي كلها، المسيح يناديك باسمك، وما من إنسان منكسر لدرجة تعجزه عن نيل المحبة!""

في فرنسا، يحصد لاون الرابع عشر ما زرعه يوحنا بولس الثاني

«كنا على جبل طابور... والآن ينبغي أن ننزل من الجبل ونغرس هذا التجدد في الإيمان في الحياة اليومية». بهذه الكلمات لخّص الشاعر جان-بيار لومير الأيام الأربعة التي لا تُنسى من زيارة البابا لاون إلى فرنسا (باريس-لورد-ميتز، 25-28 سبتمبر). وهي زيارة حملت، من نواحٍ كثيرة، طابع المفاجأة الكاملة، بل «المعجزة»، على حدّ تعبير استخدمه البابا نفسه على متن الطائرة التي أعادته إلى روما. يرى مراقبون من العالم الكاثوليكي أن لاون الرابع عشر كان «موفّقًا». فبعد ما يقارب نصف قرن على أول زيارة ليوحنا بولس الثاني إلى فرنسا عام 1980، أي بعد أكثر من جيل، حصد ما كان سلفه قد زرعه آنذاك بندائه الشهير: «يا فرنسا، يا ابنة الكنيسة البكر، هل أنتِ وفية لوعود معموديتك؟». وقد تجلّى هذا الحصاد في ظهور مفاجئ للمسيحية في بلد كان يُعتقد أنه أصبح، بحسب صحيفة Washington Post ، «مقبرة الكاثوليكية».

لبنان ومسيحيو الشرق في صميم زيارة البابا إلى فرنسا
بقلم
فادي نون
نُشر
سبتمبر 25, 2026 - 19:35

في اليوم الأول من زيارته الرسولية إلى فرنسا، ألقى البابا لاون الرابع عشر خطابًا في قصر الإليزيه أمام الرئيس إيمانويل ماكرون والسلطات والمجتمع المدني والسلك الدبلوماسي، أشاد فيه بـ«التعاون بين فرنسا والكنيسة الكاثوليكية في خدمة مسيحيي الشرق»، رابطًا هذا الموقف بـ«علمانية عادلة» كما يفهمها الكرسي الرسولي ويثمنها. وقال الأب الأقدس في خطابه: «إن العلمانية العادلة لا تعني، إذن، إقصاء الدين من المجال العام أو من التعليم، بل العمل كي تتحاور الدولة والمؤسسات الدينية وتتضافر جهودها في خدمة الخير العام، لكي تكون للعالم الحياة». وتابع: «وفي هذا الصدد، أحيّي العمل المنجز في إطار هيئة الحوار بين الكرسي الرسولي والكنيسة الكاثوليكية في فرنسا والحكومة الفرنسية (...). ومثل هذه التبادلات تجسّد على نحو سعيد هذا التكامل السليم الذي أعاد المجمع الفاتيكاني الثاني التأكيد عليه، بمعنى أن “[الجماعة السياسية والكنيسة]، وإن كانتا تعملان ضمن أطر مختلفة، فهما في خدمة الدعوة الشخصية والاجتماعية للأشخاص أنفسهم. وستؤديان هذه الخدمة بفاعلية أكبر من أجل خير الجميع، كلما سعتا أكثر إلى تعاون سليم فيما بينهما” (الفرح والرجاء، 76-3)».

لا "صبحيّة" لراهبات الكلاريس في رياق
بقلم
فادي نون
نُشر
سبتمبر 8, 2026 - 12:56

شهدت بلدة رياق (16 ألف نسمة)، الواقعة في سهل البقاع الأوسط، في 11 آب الماضي – عيد القديسة كلارا – ولادة دير لرهبنة "الكلاريس" التأملية، التي تأسست على يد القديسة كلارا (القرن الثالث عشر) على مثال رهبنة القديس فرنسيس. وقد تقرّر تأسيس الدير الجديد عمداً في منطقة ريفية، ليُغني بصلواته "أهراء قمح" لبنان، تلك المنطقة التي ضمّها البطريرك الحويّك إلى البلاد بعد مجاعة عام 1915. ترأس رتبة التأسيس النائب الرسولي للاتين في لبنان، المطران سيزار إيسيان. وقد خصّ أهالي حي "رياق الفوقا" المسيحي، الذين تقاطروا بأعداد كبيرة، الراهبات الخمس ذات الرداء الرمادي باستقبال سخي لا يُنسى. واعتبر معظم الحاضرين هذا التأسيس "حدثاً روحيّاً بارزاً".

العودة إلى لبنان الكبير
بقلم
فادي نون
نُشر
أغسطس 31, 2026 - 00:12

«ما قيمة تبجيل المؤسس إذا كان إرثه يُهدم على أيدي من يدّعون أنهم ورثته؟» أظهرنا في مقال سابق، أثناء التعليق على المثل القائل «الأقربون أولى بالمعروف»، كيف يتأرجح تاريخ لبنان باستمرار بين أنانية طائفية داخلية، تتمثل في الانكفاء إلى الطائفة على حساب الدولة، و«إيثار» أيديولوجي خارجي، يقوم على تفضيل قضايا إقليمية على حساب الوطن. وفي الحالتين، كان مشروع الدولة اللبنانية الديمقراطية القوية والمزدهرة هو الذي يُضحّى به. فلنمضِ أبعد في التحليل. في رسالة نشرتها صحيفة «لوريان لوجور»، كتبت المحامية كارول شلهوب، في معرض حديثها عن هذا التفتت القاتل، عبارات قاسية لكنها بالغة الصواب: «لم يعد الإفلاس اللبناني إقليميًا. إنه سياسي وأخلاقي ومؤسساتي. خضعت الإدارة للزبائنيات، ووُزعت الخدمات العامة كأنها مِنح، وأصبح القانون موضع مساومة تبعًا لموازين القوى (...). الدولة، التي كان يفترض أن تتجاوز الطوائف، تحولت إلى غنيمة تتقاسمها (...) وهنا تحديدًا تكفّ ذكرى إلياس الحويك عن أن تكون مطمئنة، وتصبح اتهامية.

"الخير يبدأ من الذات"... أو خيبات لبنان الكبير
بقلم
فادي نون
نُشر
أغسطس 17, 2026 - 15:17

تختصر مقولة "الخير يبدأ من الذات" انحرافات مسار لبنان الكبير، وهي الانحرافات عينها التي لخّصها جورج نقاش بعبارته القاطعة والثاقبة: "نفَيان لا يصنعان أمة". عبارة تكشف مكامن القصور الفادحة لدى الجيل الأول من اللبنانيين أمام دولة تُعاني عُسْراً في ترسيخ وجودها. تعود هذه المقولة في أصلها إلى القديس أوغسطينوس، ومعناها البسيط أن على المرء تلبية احتياجاته والوفاء بمسؤولياته أولاً، قبل أن يسعى إلى إغاثة غيره. ورغم أن هذا المفهوم يُحرَّف أحياناً لتبرير السلوك الفردي، أو شحّ العطاء، أو تقديم المصالح الشخصية على قضية جماعية، إلا إنه ينبع في جوهره من الفكر الأوغسطيني (القرن الرابع) ووتحديداً من مفهوم "ترتيب المحبة" ( ordo caritatis ). فبحسب القديس أوغسطينوس، تخضع المحبة (المحبة الإلهية) لتراتبية منطقية: محبة الله أولاً، ثم محبة الذات على نحوٍ سليم ومستقيم (صوناً لخلاص النفس)، لتصبح محبة القريب ممكنة بعد ذلك.

مركز المطران فيليب شبيعا للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة: منارةٌ فوق الوادي المقدس

مشروعٌ جبليّ بامتياز، غير أن إرساء حجر الأساس يوم السبت في 8 آب/أغسطس لمركز يُعنى بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في بشرّي (التي يبلغ عدد سكانها 24 ألف نسمة)، لا يقلّ أهمية عن كونه "مشروعاً كبيراً" في نظر القيّمين عليه. مشروعٌ أبصر النور بإمكانات ضئيلة، لكن بإدراكٍ عميق لضرورته الملحة. المركزُ هو الإنجازُ الأبرز لـ "مؤسسة المطران فيليب شبيعا"، المسمّاة على اسم كاهنٍ أدار المدرسة الرسمية في بشرّي على مدى أربعين عاماً، قبل أن يُرسم مطراناً في مرحلة متأخرة من حياته. كاهنٌ على رأس مدرسة رسمية... حالةٌ فريدة في لبنان، فرضتها العزلة الجغرافية لبشرّي عن بيروت، ورسّخها زهدُ الأب فيليب الذي رفض قاطعاً تقاضي أي أجرٍ لقاء عمله كمدير. وفي أحلك سنين الحرب والاحتلال السوري، حوّل المدرسة إلى ما يشبه ديره الخاص، فكان ينام ويأكل في أروقتها.

لبنان البطريرك حويّك: الانفتاح على العالم الشموليّ (4/4)

قد يتساءل المرء إلى أيّ مدى كان خيار البطريرك إلياس حويّك لصالح لبنان التعدّدي رهاناً تاريخياً قابلاً للحياة، في وقتٍ كانت فيه الديناميّات المهيمنة في العالم العربي خلال القرن العشرين – من إنهاء الاستعمار وتصاعد القوميّة، إلى نموّ الإسلام السياسيّ ومناهضة الحداثة الغربية – تسير غالباً في اتجاهٍ معاكس. فهل كان لبنان "غلطة تاريخيّة"، كما ادّعى البعض ممّن بذلوا كلّ ما في وسعهم ليزرعوا فينا الشكّ بأنفسنا؟ وهل كان المشروع التعدّديّ الذي دافع عنه البطريرك استشرافاً ثاقباً للتنوّع المشرقيّ، أم رهاناً تاريخياً أضعفته تدريجياً التحوّلات الكبرى في القرن العشرين؟ وللوقوف على حقيقة الأمر، لا بدّ من إدراج خيار البطريرك لصالح لبنان التعدّديّ ضمن "المدى الزمنيّ الطويل" لتاريخ الشرق الأوسط، وعدم تقييمه حصراً على ضوء الأزمات الداخليّة اللبنانيّة.

الحويّك وإعلاء شأن المرأة اللبنانية (3/4)
بقلم
فادي نون
نُشر
يوليو 20, 2026 - 21:20

لطالما كان إلياس الحويّك قريباً عن معاناة البيئات الريفية التي نشأ في كنفها. ومع ارتقائه سدّة الأسقفية، أدرك ضرورة التحرّك لتأمين التعليم للفتيات المنحدرات من عائلات متواضعة في بيئته الأولى. وتعكس رسائله ومؤلفاته قناعة راسخة لديه بأن تعليم الفتاة هو ركيزة الأسرة وعمادها؛ فتأمين تعليم متين للمرأة هو الضمانة الأساسية لتحصين المستقبل الأخلاقي والمدني والاجتماعي للمجتمع اللبناني بأسره. وفي 15 آب 1895، أسس إلياس الحويّك في مدينة جبيل "جمعية الراهبات المارونيات للعائلة المقدسة"، بالتعاون مع الأم روزالي نصر والأخت ستيفاني كردوش، اللتين استدعاهما من ديرهما في الناصرة بالأراضي المقدسة، بناءً على مشورة رؤسائهما وموافقتهم.

"حب الوطن": الوصية الروحية للبطريرك الحويّك (2/4)
بقلم
فادي نون
نُشر
يوليو 17, 2026 - 19:10

تأكيداً على التقاليد المارونية العريقة، دأب البطريرك الحويّك طوال حبريته على توجيه "رسائل" سنوية إلى رعيّته. ولعلّ أكثر هذه الرسائل شهرةً، وبحق، هي تلك التي وجّهها عام 1930 تحت عنوان "محبة الوطن". هذا النص ليس سوى وصيته الروحية؛ ففي خريف العمر – وقد رحل عن ثمانية وثمانين عاماً – يكشف الحويّك في رسالته عن هاجس رعويّ يسكنه تجاه لبنان الذي ساهم في ولادته، في وقتٍ بدا فيه غياب الحسّ الوطني لدى الطبقة الحاكمة قد بلغ مستويات مثيرة للقلق. جاء هذا الكتيّب بمثابة درسٍ شغوف في المواطنة، يستهلّه بمحبة الوطن، ويختمه بتوصيات دقيقة لا تنتهي حول العدالة التوزيعية، التي تُعدّ ركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية التي نادى بها البابا لاون الثالث عشر.

/