شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
مخاطباً قادة الاتحاد الأوروبي، عون يُطلق العنان لغضبه من حزب الله

تميز اليوم العاشر من الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على نظام الملالي الإيراني بثلاثة أحداث بارزة: الموقف الصارم الذي اتخذه الرئيس جوزيف عون، والذي ندد بعبارات شديدة اللهجة بسلوك حزب الله، ودعا إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل تحت إشراف دولي؛ والقصف الجوي الإسرائيلي المكثف لضاحية بيروت الجنوبية، وتحديداً لمكاتب القرض الحسن (الكيان المالي غير القانوني لحزب الله)؛ وتصويت البرلمان على تمديد ولاية النواب لمدة عامين. يُفسّر هذا التصويت، الذي تم بأغلبية ضئيلة بلغت 76 صوتاً، بعدم قدرة الدولة على تنظيم الانتخابات التشريعية التي كان من المفترض أن تجرى بعد شهرين، في مايو/أيار المقبل. في المرحلة الحالية، لا أحد يستطيع التنبؤ بمدة النزاع المسلح الذي بدأه حزب الله على الساحة المحلية، خاصة وأن هذه الحرب الجديدة التي تهز لبنان مرة أخرى تعتمد كلياً على السياق الإقليمي العام. وقد أكد الرئيس جوزيف عون على هذه النقطة بالتحديد في بيان صدر بعد ظهر يوم الاثنين، 9 مارس. في إشارة واضحة إلى حزب الله، خرج رئيس الدولة عن صمته وأبدى انتقاداً شديداً للحزب الموالي لإيران، معلناً أن «الذين أطلقوا الصواريخ (ضد إسرائيل، في 2 مارس الماضي) فعلوا ذلك بناءً على حسابات إيرانية». وأعلن رئيس الدولة في هذا السياق عن تأييده لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل «تحت إشراف دولي». هذه هي المرة الأولى منذ انتخابه رئيساً للدولة التي يعلن فيها الرئيس عون صراحة عن تأييده لمفاوضات مباشرة مع إسرائيل. مخاطباً قادة الاتحاد الأوروبي عبر زوم، بمبادرة من رئيس المجلس الأوروبي ورئيسة المفوضية الأوروبية، أظهر الرئيس عون غضبه من حزب الله، مندداً بشدة بسلوك هذا الحزب الذي أدى إلى إعادة فتح جبهة جنوب لبنان، ليلة 1 er إلى 2 مارس: «الذين أطلقوا الصواريخ أرادوا جر لبنان إلى الفوضى (...). البلد محاصر بين نارين، بين عدوان لا يحترم بأي شكل من الأشكال القوانين الدولية والقانون الإنساني من جهة، وفصيل مسلح يقف بمعزل عن الدولة ولا يأخذ في الاعتبار مصلحة لبنان وشعبه من جهة أخرى». مؤكداً أن إطلاق حزب الله لستة صواريخ ضد إسرائيل، ليلة 1 er إلى 2 مارس، لم يكن له أي تأثير على سير الحرب الحالية في المنطقة ولم يكن يهدف إلا إلى إحداث تدخل إسرائيلي ليزعم بعد ذلك أن ميليشيا حزب الله وحدها قادرة على الدفاع عن البلاد، أعلن الرئيس عون بوضوح تأييده لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لإخراج البلاد من الأزمة. يأتي هذا الموقف الصارم من رئيس الدولة في وقت يمر فيه الصراع الإيراني على الصعيد الإقليمي بمنعطف حاسم عقب الإعلان الرسمي، مساء الأحد 8 مارس، في طهران، عن تعيين المرشد الأعلى الجديد للجمهورية الإسلامية الإيرانية ممثلاً في مجتبى خامنئي، الذي يخلف بذلك والده علي خامنئي، الذي قُتل خلال الغارات الأولى للطيران الإسرائيلي على طهران في 28 فبراير. ويُعرف المرشد الجديد بعلاقاته الوثيقة مع الحرس الثوري الإسلامي. وقد اعتبر العديد من المراقبين تعيينه إشارة إلى مزيد من التشدد في الموقف الإيراني. وقد أكد الرئيس دونالد ترامب مساء الاثنين أنه يعارض تعيين هذا المرشد الجديد...

أكون أو لا أكون
بقلم
كريم ثابت
نُشر

أن أكون أو لا أكون. في هذه المقتطفة الشهيرة، يرمز شكسبير للحياة بما فيها من آلام وظلم ومعاناة، والتي عانينا منها لعقود، لكنها تجسد أيضاً الموت والانتحار كمخرج. إذا قررت مجموعة متعصبة أن تسلك هذا الطريق باسم قضية ظلامية، فإن غالبية اللبنانيين ترفضه علانية. نهاية طغيان معلن العلامات لا تخطئ. التاريخ يعلمنا مراراً وتكراراً. عندما تجد دكتاتورية مثل دكتاتورية الملالي والحرس الثوري نفسها محاصرة، عندما يتربص الخطر، عندما تتحطم الأوهام وعظمة الجنون التي تغذت عليها طويلاً لبقائها على قيد الحياة على صخرة الواقع القاسي، عندما ينهار هذا القصر الورقي الذي سعت جاهدة لبنائه على مدى عقود بأي ثمن، متجاهلة أي اعتبار أخلاقي تجاه شعب تعتقد أنها تسيطر عليه، عندما يسيطر اليأس وتتحول جميع المؤشرات إلى اللون الأحمر، عندها يحل التعصب الأعمى والهستيريا الغاضبة والجنون الانتحاري محل العقل ويسودون. لإعادة صياغة مقولة جورج كليمنصو: «الدكتاتوريات مثل تعذيب الخازوق: تبدأ بشكل جيد ولكنها تنتهي بشكل سيئ». الضفدع الإيراني الذي أراد أن يصبح بحجم الثور انتهى به الأمر إلى الانفجار. ولكن بثمن باهظ دائماً بالنسبة للسكان الذين يخضعون لسيطرته الخبيثة. وكذلك الحال بالنسبة لعميله في لبنان، حزب الله. هل ولدت الجبال فأراً؟ لقد كان عليكم الاختيار بين الحرب والعار؛ لقد اخترتم العار وسيكون لديكم الحرب». في رأيي، يوضح هذا الانتقاد اللاذع والمسبق لتشرشل تجاه تشامبرلين، سياسة الحكومة تجاه حزب الله بشكل رمزي. بعد أسابيع من الهدوء، لم تكن الصواريخ التي أرسلها حزب الله إلى إسرائيل في الأول من مارس مجرد صفعة مدوية وإهانة للدولة، بل كانت قبل كل شيء دليلاً صارخاً على أن ولاء هذه الميليشيا للبنان لاغ وباطل. وبدون أي قيمة عسكرية، هي مجرد ضربات في الماء، وهروب إلى الأمام، وعمل غير مسؤول وانتحاري. البارانويا، الهذيان، جنون العظمة، والتعصب الأعمى هي الخيوط الموجهة. لكن الثمن الذي يدفعه الشعب اللبناني، ولا سيما المجتمع الشيعي الذي تدعي الميليشيا تمثيله، باهظ جداً. لا يقتصر الأمر على الأضرار المادية الهائلة، والخسائر البشرية المؤلمة، والفقر العام، وتهجير السكان، والإذلال اللامتناهي، بل يتعلق قبل كل شيء بمصير ومستقبل بلد بأكمله تقوده الانحرافات القاتلة لمنظمة شمولية، عقائدية، متعصبة، موالية كلياً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، مباشرة إلى الهاوية. قرار 2 مارس 2026 باعتبار الجناح العسكري للحزب منظمة خارجة عن القانون، جاء للأسف متأخراً جداً. كان يجب ضرب الحديد وهو ساخن قبل خمسة عشر شهراً. لقد ثبت أن فقدان الزخم كان قاتلاً واستفادت منه الميليشيا التي استغلت التراخي وعدم الحزم الرسمي لمواصلة التخريب وزعزعة الاستقرار تحت أنظار الجميع. لقد كان الضغط في مغارة الحمام نذيراً بمشاكل قادمة. فبدلاً من معارضته بشدة ومنعه، وبدلاً من كبح جماحه، رأت السلطات أنه من الأفضل الانحناء بانتظار مرور العاصفة. وفي 2 مارس، تكرر الأمر بهجوم آخر باتجاه إسرائيل. تحدٍ جديد للقرار الحكومي. بالإفراط في التساهل ينتهي بنا المطاف بفوات الفرصة. يعلمنا التاريخ أنه في لحظة معينة ومصيرية، يكون الضرب بقبضة اليد على الطاولة وإظهار عدم المساومة عندما يتعلق الأمر بالمصلحة العليا للدولة أمراً ضرورياً وحاسماً، بغض النظر عن الثمن المحتمل الذي يجب دفعه. وبصرف النظر عن المحاولات العبثية للرئيس جوزيف عون لإعادة الميليشيا إلى رشدها (هذه الميليشيا نفسها التي وقعت اتفاق وقف إطلاق النار ونزع سلاحها في جميع أنحاء الأراضي اللبنانية)، يحق للمواطن العادي أن يعتبر أن عون قد تم خداعه، ونحن معه. إن تهديدات الحرب الأهلية، والانقسام في الجيش، والغزو السوري، وغيرها من السيناريوهات الشيطانية التي تطلقها دعاية حزب الله يومياً ليست سوى سواتر دخانية، وفزاعات مبتذلة تهدف إلى زرع الخوف والارتباك. «الطغاة لا يكونون عظماء إلا لأننا راكعون», كتب أ. دي توكفيل. العودة الأبدية؟ حكم زيوس على سيزيف بأن يدحرج صخرة إلى قمة تل إلى الأبد، لتهبط الصخرة من التل عندما يصل إلى القمة. يعرف سيزيف مدى بؤسه ويفكر فيه أثناء النزول. لكنه يختار الحياة رغم كل شيء، ولا يستسلم لليأس ويستمر في دحرجة صخرته، متحملاً بذلك الآلهة. هذه الأسطورة المأساوية تجعلني أفكر في بلدنا المنهك الذي يقع في عين الإعصار، دوامة سيواجه صعوبات هائلة في الخروج منها، لكن ليس لديه خيار سوى محاربة الشر وهزيمته. ومع ذلك، الوقت ينفد. الضرورة ملحة. الأقوال والنوايا الرسمية الحسنة لا تكفي وقد أثبتت حتى الآن أنها عقيمة وغير فعالة وغير منتجة. المماطلة والتردد واللغة الخشبية لم تعد مقبولة ولا يمكن التسامح معها بعد الآن. ما دامت السلطات لن تنفذ فوراً القرار الرسمي بفرض القانون مرة واحدة وإلى الأبد على كامل الأراضي، وما دامت لا تملك الجرأة والعزيمة والشجاعة لكبح جماح حزب الله ونزع سلاحه دون رقة ودون طلب إذنه، سيبقى لبنان تحت رحمة غير المسؤولين والأوباش والمجرمين، ولن يحظى بأي مصداقية أو تعاطف على الصعيد الدولي، وبالمناسبة، هذا يرضي إسرائيل التي كانت تنتظر الزلة لتنفيذ، بضمير مرتاح، عملها التخريبي الذي ستواصله حتى إشعار آخر.

النفق والخيمة
بقلم
أكرم نعمة
نُشر

لديهم صواريخ دقيقة، لكن ليس لديهم بطانيات للأطفال. ليس هذا سهواً ولا خللاً في التنظيم، بل هو خيار. لم يُستخدم الإسمنت لبناء ملاجئ تحمي العائلات، بل استُخدم لحفر أنفاق تحمي الصواريخ. في هذا المنطق، للرأس الحربي قيمة استراتيجية، في حين يُعدّ المدني قابلاً للاستبدال. يكفي أن تُنتج المزيد منه. تغدو الديموغرافيا بذلك ضرباً من الترسانة. ومعاناة هؤلاء المدنيين ليست إخفاقاً في نظر من يديرون هذا النظام. بل تتحوّل على العكس إلى أداة. أمٌّ تبكي في مدرسة أمام كاميرات العالم بأسره تُنتج رسالةً قوية تنتشر وحدها: انظروا ما يفعلونه بنا. ما يُنسى كثيراً قوله هو أن العدو لم يُدمّر الملاجئ. ببساطة، لم يكن ثمة ملاجئ قطّ. لكي لا يطرح الناس أسئلة كثيرة، انتهى المطاف بتحويل البؤس إلى عقيدة. يُقال إن المعاناة ضرب من المقاومة، وإن الفقر دليل كرامة، وإن العيش في الحرمان يكاد يكون وساماً شرف. في هذا النظام، من يجرؤ على الشكوى يصبح مشكوكاً فيه، كأنه يخون ذاكرة الشهداء. في هذه الأثناء، يُدير القادة القضية من أبنية مكيّفة ومكاتب محصّنة، في حين ينام المناضلون العاديون أحياناً على الإسفلت ويُنادَى عليهم بالمجد. الخطب لا تكلّف شيئاً، أما المراتب فتكلّف مالاً. على مدى عقود، بُذل كل شيء لإبقاء الدولة اللبنانية في حال من الضعف والانقسام والفساد، بحيث تعجز عن تقديم بديل حقيقي للمواطنين. والنتيجة بسيطة: يبقى الناس حيث هم، لا حباً بالنظام، بل لأنهم يشعرون أنه لا مخرج آخر. لا تكمن عبقرية هذا النظام الحقيقية في صواريخه ولا في شبكاته المالية الموازية. تكمن عبقريته في تحويل شعوب بأكملها إلى رهائن ينتهون بشكر من يحتجزهم، لمجرد أنهم فقدوا القدرة على تخيّل أي شيء آخر. الأنفاق تحمي الأسلحة. أما الخيام، فتُستخدم لإظهار المعاناة. ولمن لا يكفيه البؤس دليلاً وإقناعاً، ثمة دائماً الوعد الكبير بالجنة. إنه بمثابة الأجر المؤجَّل للفقير. في هذه الدنيا، لا تكفي المعاشات دائماً، ولا تتوفر الرعاية الصحية دائماً، ولا تُتاح للأطفال مدرسة لائقة دائماً، لكنهم يَعِدون بمكافأة كاملة بعد الموت، بشروط عامة لم يستطع أحد قراءتها قط. العقد مثالي لمن يعرضونه، لأن المستفيد لا يعود أبداً يطالب بالحساب. في هذا النظام، يغدو الموت شبه ترقية، وقد يُقدَّم إرسال الآخرين إلى الموت على أنه ضرب من الكرم. إنه شكل من أشكال المحاسبة للاستشهاد، تدفع فيه القوى العاملة أجرها بإيمانها ذاته. لا أعباء اجتماعية، لا نقابات، لا إضرابات. ثمة فقط أمهات يبكين وملصقات على الجدران. هذه الملصقات ضرورية، لأن الشهيد لا يختفي حقاً. يصبح صورة. على الملصق، قبل اسمه، يكتبون “الشهيد السعيد”، وبعد اسمه يُضيفون: “على درب القدس”. لكن الملصق لا يقول أبداً ما الذي تركه وراءه. لا يُظهر العائلة التي باتت بلا أب، ولا الأطفال الذين يكبرون من دونه، ولا الفراغ الهائل الذي يتشكّل في بيت حين لا يعود أحد إليه. ذلك الفراغ يُملأ ببساطة بالمتطوع التالي. وهكذا يطرح نفسه سؤال بسيط: من قرّر أنه سعيد؟ الميت لا يتكلم، وهذا بالضبط ما يجعل النظام بالغ الفاعلية. يمكن إسناد أي قول إليه. يمكن ادّعاء أنه منتهٍ إلى الرضا، أنه سعيد في الجنة، ولن يستطيع أحد التحقق من ذلك. إخبار أمٍّ بأن ابنها سعيد يكاد يُحرمها من حق البكاء. يصبح حزنها مشكوكاً فيه، كأنه ضرب من ضروب كُفران النعمة. لذا، تصمت كثير من الأمهات. ينظرن إلى الملصقات على الجدران ويصمتن. لكن في أعماقهن، لا يزال سؤال يسكنهن. إن كان ابنهن سعيداً حقاً، فلماذا الألم بهذه الشدة؟ في هذه الأثناء، تتواصل وعود النصر الإلهي. هو دائماً قريب، دائماً وشيك، غير أنه يبدو يتراجع كلما ظنّ المرء أنه يقترب منه. يُبشَّر به قريباً، بعد عشر سنوات، في الجيل القادم، في الحرب القادمة. وبينما يتنقّل هذا الوعد عبر الزمن، يعيش مهندسو هذا النصر في نعيم وافر. لديهم حراس شخصيون وفيلات محروسة وأبناء يتعلمون في أوروبا. يتحدثون عن التضحية من منصات مدرّعة، ويبكون الشهداء بفصاحة كبيرة، لكنهم أنفسهم يكادون لا يصبحون شهداء أبداً. هذه المصادفة تدوم منذ عقود، وبطول أمدها باتت تشبه لا مصادفة بل نظاماً مُحكم التنظيم. في هذا النظام، تمضي الأنفاق إلى أعماق أعمق لتحمي الأسلحة، بينما تنتظر الخيام على السطح الريح والمطر وكاميرات العالم بأسره. ويواصل النظام دورانه. يدور منذ عقود، لأن الموتى لا يعودون أبداً ليرووا روايتهم، ولأن الأحياء متعبون. متعبون من النضال، متعبون من الخسارة، متعبون من الأمل. فينتهي بهم الأمر إلى التصويت لمن يُبقيهم في هذه الآلة. نادراً ما يصوّتون عن قناعة، ولا يكاد أحدهم يصوّت عن حب. يصوّتون كثيراً خوفاً، وغياباً لأي بديل، وقبل كل شيء إرهاقاً. وأحياناً أيضاً بنوع من السخرية الإنسانية جداً القائلة: ما دام المرء يبقى سجيناً، فليربح على الأقل سجّانه. يعرف النظام هذا التعب جيداً ويتغذّى منه. وسيواصل عمله ما لم يجرؤ أحد على طرح أبسط الأسئلة، ذلك الذي يتحاشاه الجميع عادةً أو خوفاً أو مجاملة. من قرّد أنه سعيد؟ والأهم من ذلك: في كل هذه السنوات، كم من هؤلاء الشهداء وصل فعلاً إلى القدس؟

قراءة سوسيولوجية لتحول المجتمع الشيعي

لا يمكن فهم العلاقة المعقدة بين جزء من المجتمع الشيعي في لبنان وبين حزب الله من خلال التحليل السياسي التقليدي وحده. فهذه العلاقة تتجاوز الحسابات الاستراتيجية أو المصالح الآنية، لتدخل في نطاق أعمق يتعلق بالبنى الثقافية والرمزية التي تشكل وعي الجماعات وسلوكها. هنا يصبح من المفيد الاستعانة بأدوات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، خصوصاً ما قدمه إميل دوركهايم حول العقل الجمعي، وكلود ليفي-شتراوس حول البنى الثقافية العميقة التي تنظّم إدراك المجتمعات للعالم. العقل الجمعي والطاعة في زمن الخوف يرى دوركهايم أن كل مجتمع ينتج منظومة من القيم والمعتقدات المشتركة التي تُعرف بالعقل الجمعي. هذه المنظومة لا تحدد فقط ما يعتبره المجتمع صحيحاً أو خاطئاً، بل تمارس أيضاً قوة ضغط أخلاقية على الأفراد تدفعهم إلى الامتثال لما تعتبره الجماعة ضرورياً لبقائها. في أوقات الأزمات الوجودية أو الحروب، يميل العقل الجمعي إلى التشدد والانغلاق. فالمجتمعات التي تشعر بأنها مهددة تبحث عن رموز قوية قادرة على تنظيم خوفها الجماعي وتحويله إلى شعور بالتماسك. في هذه اللحظات تظهر التنظيمات العقائدية بوصفها حاملة للهوية الجماعية، لا مجرد فاعل سياسي. في هذا السياق يمكن فهم صعود حزب الله. فقد نجح الحزب في تقديم نفسه ليس فقط كتنظيم سياسي أو عسكري، بل كجسد رمزي يجسد كرامة جماعية مهددة. ومع مرور الوقت، أصبحت هذه الرمزية جزءاً من العقل الجمعي في البيئة التي نشأ فيها. هكذا يصبح الاعتراض على الحزب في نظر كثيرين اعتراضاً على الجماعة نفسها، وليس مجرد نقد لقرار سياسي. لكن دوركهايم يذكّرنا أيضاً بأن العقل الجمعي يمكن أن يتحول إلى قوة محافظة تقاوم المراجعة النقدية، خصوصًا عندما ترتبط القيم الجماعية بمؤسسات قوية أو مقدسة. عندها يصبح النقاش حول الخيارات السياسية والعسكرية شبه مستحيل، لأن المسألة تتحول من نقاش سياسي إلى مسألة هوية. من تعددية جبل عامل إلى مركزية المقاومة لفهم هذا التحول بشكل أعمق، من الضروري العودة إلى التاريخ الاجتماعي لمنطقة جبل عامل في جنوب لبنان. فقبل العقود الأخيرة من القرن العشرين، لم يكن المجتمع الشيعي في هذه المنطقة مجتمعاً أحادي البنية أو محكوماً بسردية سياسية واحدة. بل كان فضاءً اجتماعياً متعدد المرجعيات: علماء دين مستقلون، شبكات عائلية واسعة، تقاليد تعليمية، وهجرة نشطة نحو أفريقيا والأميركيتين أسهمت في خلق ثقافة اجتماعية منفتحة نسبياً. في تلك المرحلة، كان الانتماء الديني عنصراً مهماً في الهوية، لكنه لم يكن الإطار الوحيد الذي يحدد علاقة الفرد بالعالم. فقد عرفت الثقافة العاملية تاريخياً إنتاجاً علمياً وفكرياً لافتاً، وبرز منها علماء ومفكرون لعبوا أدواراً مؤثرة في الحياة الدينية والثقافية في المنطقة. غير أن الحرب الأهلية اللبنانية وما رافقها من احتلالات وصراعات مسلحة أعادت تشكيل هذا النسيج الاجتماعي. في هذا السياق المضطرب ظهر حزب الله بوصفه فاعلًا قادراً على تنظيم الخوف الجماعي وتحويله إلى مشروع سياسي وعسكري متماسك. تدريجياً، بدأت الهوية السياسية للجماعة تُعاد صياغتها حول فكرة مركزية واحدة: المقاومة. البنية الرمزية للهوية يساعدنا تحليل ليفي-شتراوس البنيوي على فهم هذا التحول الثقافي. فالثقافات، بحسب رؤيته، لا تعمل عبر أفكار منفصلة بل عبر بنى رمزية عميقة تنظّم إدراك المجتمع للعالم. هذه البنى غالباً ما تقوم على ثنائيات أساسية مثل: الداخل والخارج، الحماية والتهديد، الجماعة والعدو. في تجربة حزب الله أعيد تنظيم الهوية الجماعية حول ثنائية واضحة: المقاومة في مقابل العدو. هذه البنية الرمزية لا تعمل فقط في الخطاب السياسي، بل تتحول إلى إطار يفسر المجتمع من خلاله الأحداث اليومية. فالخسائر يمكن أن تُقرأ كتضحيات ضرورية، والأزمات كاختبارات للصمود، والانتقادات الداخلية كجزء من مؤامرة خارجية. بهذه الطريقة يعاد تفسير الواقع باستمرار بطريقة تحافظ على تماسك السردية الأساسية. لكن هذه البنية تحمل في داخلها أيضاً خطر الانغلاق. فعندما يُختزل العالم كله في ثنائية المقاومة والعدو، تضيق القدرة على رؤية التعقيدات السياسية والاجتماعية الأوسع. من حركة مقاومة إلى بنية سلطة اجتماعية مع مرور الوقت لم يبق حزب الله مجرد تنظيم عسكري أو حركة مقاومة، بل تحول إلى بنية سلطة اجتماعية متكاملة داخل البيئة الشيعية. فالحزب أسس شبكة واسعة من المؤسسات التعليمية والإعلامية والخدمات الاجتماعية، إضافة إلى منظومة اقتصادية وخيرية واسعة. هذه الشبكة خلقت علاقة عضوية بين الحزب والمجتمع، بحيث أصبح حضوره جزءًا من الحياة اليومية لكثير من الناس. بهذا المعنى لم يعد الحزب مجرد قوة سياسية يمكن دعمها أو معارضتها، بل أصبح إطاراً اجتماعياً ينظم مجالات متعددة من حياة المجتمع. هذا التحول عزز قدرته على ترسيخ البنية الرمزية التي يقوم عليها خطابه. لكنه في الوقت نفسه عمّق التداخل بين الهوية الجماعية والتنظيم السياسي، ما جعل أي نقد للحزب يبدو وكأنه تهديد للجماعة نفسها. غير أن هذه القراءة السوسيولوجية لا تعني إعفاء الحزب من المسؤولية السياسية والأخلاقية. فالتنظيم الذي يضع نفسه في موقع الممثل الحصري لجماعة ما يتحمل أيضاً مسؤولية الكلفة التي تدفعها هذه الجماعة نتيجة خياراته. وعندما تؤدي هذه الخيارات إلى حروب متكررة، أو إلى تهجير السكان، أو إلى تعريض المجتمع لمخاطر دائمة، يصبح من المشروع طرح سؤال أساسي: هل ما زالت هذه الاستراتيجية تحمي المجتمع، أم أنها أصبحت جزءاً من الأزمة التي يعيشها؟ لحظة المراجعة التاريخ الاجتماعي يبيّن أن المجتمعات لا تبقى أسيرة بناها الرمزية إلى الأبد. فعندما تتراكم التناقضات بين الخطاب والواقع، يبدأ العقل الجمعي نفسه بالتغير. هذه العملية بطيئة وغالباً غير مرئية في بدايتها، لكنها تشكل نقطة التحول الحقيقية في تاريخ الجماعات. قد يكون ما يمر به لبنان اليوم أحد هذه المنعطفات. فالإرهاق الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والتهجير الواسع كلها عوامل تدفع الناس إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الهوية والسلاح، وبين الحماية الموعودة والكلفة الفعلية. إن السؤال الذي يواجه المجتمع اللبناني اليوم ليس فقط سؤال الأمن أو السياسة، بل سؤال أعمق: كيف يمكن إعادة تعريف الكرامة والحماية خارج منطق الحرب الدائمة. فالمجتمع الذي يُطلب منه التضحية بلا نهاية قد يبدأ، في لحظة ما، بالبحث عن شكل آخر من أشكال الأمان، شكل يقوم على الدولة والقانون، لا على السلاح والولاء.

الأيام الثمانية الأولى من صراع سيغير الشرق الأوسط

منذ انطلاق الهجوم الإسرائيلي-الأمريكي ضد نظام الملالي الإيراني في 28 فبراير، والذي شابه اغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، وصولاً إلى اشتعال جبهة جنوب لبنان فجر الأول من مارس، مروراً بالضربات الإيرانية على جميع دول الخليج العربي، فإن الأسبوع الأول من الحرب الجديدة في الشرق الأوسط هو بلا شك تاريخي من نواحٍ عديدة. هناك سنوات يمكن تلخيصها في بضع كلمات، وأسابيع تبدو كأنها سنوات. الأيام التي مرت من 28 يناير إلى 8 مارس 2026 كانت غنية بالأحداث لدرجة أنه يمكن وصفها بأنها انتقال من عصر إلى آخر. كانت نقطة الانطلاق هي شن الضربات الإسرائيلية-الأمريكية، والتي كانت متوقعة، ضد النظام الإيراني، بعد فشل المفاوضات بشأن الملف النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية طويلة المدى ومصير الأذرع الإقليمية للحرس الثوري، ولا سيما حزب الله اللبناني. وما تبقى كان سلسلة من المفاجآت، كما لو أن الهجوم على إيران فتح صندوق باندورا. جاءت المفاجأة الأولى من دقة الضربات الإسرائيلية صباح يوم السبت 28 فبراير، والتي أدت، كما سيعلن بعد ساعات، إلى نجاح اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، علي خامنئي، الزعيم الروحي والسياسي الحقيقي لهذا البلد، بالإضافة إلى حوالي أربعين مسؤولاً رفيع المستوى وكادراً إيرانياً كبيراً، منهم وزير الدفاع، وقائد الحرس الثوري، ورئيس المخابرات، والمستشار الأقرب لخامنئي. إلى أي مدى زعزعت هذه الضربة الأولى، والقصف الأمريكي-الإسرائيلي الأول على الأراضي الإيرانية، استقرار هذا البلد؟ رداً على ذلك، فاجأ النظام الجميع بتوجيه صواريخه الباليستية ليس فقط ضد إسرائيل أو القواعد الأمريكية في المنطقة، كما كان متوقعاً، بل بشكل خاص نحو دول الخليج العربية، التي كانت تعتبر حتى ذلك الحين رموزاً للأمن والاستقرار. الاعتداءات ضد دول الخليج يومياً، منذ بداية هذه الحرب، تتعرض البنى التحتية المدنية في الكويت والإمارات العربية المتحدة والبحرين وقطر والمملكة العربية السعودية وحتى سلطنة عمان، التي كانت وسيطاً مفضلاً في المفاوضات الإيرانية-الأمريكية، للقصف بصواريخ الحرس الثوري. منذ ثمانية أيام، مطاراتها شبه مغلقة وأمنها الداخلي الأسطوري منتهك، على الرغم من اعتراض الغالبية العظمى من الصواريخ والطائرات بدون طيار الإيرانية التي أطلقت ضد أراضيها. وحتى عندما قرر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان «الاعتذار» لهذه الدول عن الأضرار التي لحقت بها، بعد ثمانية أيام من اندلاع الصراع، ووعدها بـ«تعليق» الضربات ضدها، استمر إطلاق النار في اليوم نفسه، مما يوحي إما بموقف إيراني تصالحي تكتيكي، مجرد واجهة، أو بداية لتصدع النظام بين الجناح المتشدد الذي يمثله الحرس الثوري، وسلطة سياسية يُفترض أنها أكثر اعتدالاً. في جميع الأحوال، كان تأخير تعيين خليفة لخامنئي خلال الأيام الثمانية الماضية علامة أخرى على ضعف النظام الإيراني، مع العلم أن الحرس الثوري يسعى لفرض ترشيح نجل المرشد المقتول، مجتبى خامنئي، الذي يرفض الأمريكيون تعيينه. أما الإسرائيليون، فيواصلون معارضتهم لأي انتخاب لمرشد جديد: فبعد أن استهدفوا للمرة الأولى مكان اجتماع مجلس الخبراء الإيراني المكلف بهذه المهمة، هدد الجيش الإسرائيلي، على لسان متحدثه باللغة العربية، أفيخاي أدرعي، هذا المجلس مرة أخرى باستهداف جديد في حال الاجتماع للتصويت، الذي سيكون «وشيكاً». على أية حال، انتهى الأسبوع الأول من الصراع في ليلة 7 إلى 8 مارس بتصعيد «نوعي»، وهو قصف أربعة مستودعات وقود في ضواحي طهران، مما تسبب في حرائق هائلة حول العاصمة. فتح الجبهة في لبنان كانت المفاجأة الكبرى الأخرى هي إعادة فتح حزب الله لجبهة جنوب لبنان. هذه المبادرة، الانتحارية بكل معنى الكلمة، جاءت بناءً على طلب صريح من الحرس الثوري. وفيما شكل إعلان حرب على إسرائيل، أطلق الحزب الموالي لإيران صواريخ الكاتيوشا على الأراضي الإسرائيلية ليلة 1 إلى 2 مارس، بعد حوالي 48 ساعة من بدء الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي، وقبل أقل من عامين ونصف على «حرب الدعم» لغزة في 8 أكتوبر 2023، التي لم يتعافَ منها البلد بعد. ووجد اللبنانيون، غير مصدقين، أنفسهم مرة أخرى غارقين في حلقة مفرغة من العنف، والقصف المدمر، ونزوح سكان مناطق بأكملها في جنوب لبنان، وفي الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي شمال البقاع. أما حزب الله، فيواصل هجماته اليومية نحو شمال إسرائيل، مستخدماً الصواريخ والطائرات بدون طيار. وقد أطلق حتى طائرات بدون طيار ضد قاعدة بريطانية في جزيرة قبرص الهادئة. دبابات ميركافا إسرائيلية على الحدود اللبنانية. بعد فتح هذه الجبهة الجديدة من بلد منهك، تعصف به الأزمة الاقتصادية وتداعيات حرب حديثة جداً، اضطر حتى أشد المدافعين عن «لبنانية» (!) حزب الله إلى مراجعة نظرياتهم. لأن هذا الحزب، الذي استمر في التعرض، دون رد فعل، لاغتيالات إسرائيلية مستهدفة على الرغم من وقف إطلاق النار في 27 نوفمبر 2024، لم يرد إلا على اغتيال المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، وهو ما اعتبر بالإجماع رداً واضحاً على أمر جاء من «العراب» الإيراني. تهديدات إسرائيلية لقد فاجأ هذا القرار الطبقة السياسية اللبنانية بأكملها، بمن فيهم حليف الحزب الموالي لإيران، رئيس حركة أمل ورئيس مجلس النواب اللبناني، نبيه بري. وقد اتخذ رئيس الجمهورية جوزيف عون وحكومة نواف سلام موقفاً واضحاً ضد هذا القرار الأحادي لحزب الله، معتبرين جميع أنشطته العسكرية «غير قانونية» وأمروا بتسليم أسلحته، كما جاء في قرار مجلس الوزراء المؤرخ في الاثنين 2 مارس. ومع ذلك، فإن هذا القرار غير المسبوق للسلطات اللبنانية، الذي أوكل تنفيذه إلى الجيش اللبناني (المكلف سابقاً بنزع سلاح جنوب الليطاني، بالنجاح المعروف)، لم يحصّن السلطة من الانتقادات الداخلية ولا من التهديدات الإسرائيلية، في مواجهة عودة مقاتلي حزب الله إلى الحدود. وقد هدد وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، يوم السبت لبنان بدفع ثمن باهظ إذا لم يتمكن من نزع سلاح هذا الحزب. على أية حال، يبدو هذا الصراع الجديد مختلفاً عن سابقه: فالجيش الإسرائيلي يحتل مناطق أكبر بكثير، وقد نفذ حتى عملية إنزال بالمروحيات في قرية بالبقاع، يوم السبت 7 مارس، والمنطقة بأكملها جنوب الليطاني تم إخلاؤها الآن من سكانها، وكذلك الضاحية الجنوبية لبيروت. ومن بين الاغتيالات المستهدفة، استهدف العديد منها كوادر إيرانية من الحرس الثوري، بما في ذلك في جبل لبنان وبيروت، وهي مناطق كانت تعتبر «آمنة». إن نتيجة هذه الحلقة الدموية الجديدة أكثر غموضاً من أي وقت مضى. لقد قرر النظام الإيراني زرع الفوضى، والتضحية مرة أخرى ببلدان مثل العراق، وقبل كل شيء، لبنان، وكذلك علاقاته مع الدول المجاورة، من الخليج العربي إلى أذربيجان وقبرص. كيف سيبدو الشرق الأوسط بعد هذه الحلقة المتفجرة؟ بلا شك، سيلعب هذا الصراع دور المسرّع للتاريخ.

أي نوع من مجلس التعاون بعد الحرب ضد إيران؟
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

يشير الموقف الموحد لأعضاء "مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة" تجاه الإعتداءات الإيرانيّة التي تعرضت لها دول المجلس الست، إلى نوع من عودة الحياة لهذا التكتل، أقلّه ظاهرا. لا بدّ من الإعتراف بأن المجلس تعرّض منذ الشهر الأخير من العام 2025 لهزة داخلية قويّة في ضوء الخلافات السعودية – الإماراتية في اليمن، وهي خلافات خرجت إلى العلن قبل ذلك في السودان. ثمة من يعتبر أنّ البداية كانت في ليبيا. أدّت الخلافات إلى تعطيل المجلس، بل إلى أزمة داخلية تعتبر الأولى من نوعها في تاريخ هذا التكتل الإقليمي الذي بات عمره 45 عاما. كان الخطر الإيراني في أساس قيام "مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة". إختيرت التسمية التي أطلقت على المجلس ذي الدول الست بعناية. بدا الهدف عدم استفزاز إيران عبر تفادي استخدام عبارة "الخليج العربي" التي تعتبر من المحرمات الإيرانيّة. كان هناك سعي لدى الخليجيين، على رأسهم الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، إلى إحتواء الخطر الذي شكله شعار "تصدير الثورة" الذي رفعه آية الخميني مؤسس "الجمهوريّة الإسلاميّة" في العام 1979 بعيد إسقاط نظام الشاه. استضاف الشيخ زايد القمّة الأولى لمجلس التعاون في فندق "انتركونتيننتال" في أبو ظبي. مهّد يذلك لمسيرة طويلة تحت عنوان عريض هو خلق مظلة تحمي من العدوانية الإيرانيّة التي ظهرت من خلال رفض وقف الحرب مع العراق بغض النظر عن مسؤولية البادئ بتلك الحرب. شكّل مجلس التعاون الذي تأسس في أبو ظبي في أيار – مايو 1981، إذا، مظلة حماية للدول الست الأعضاء في ضوء اندلاع الحرب العراقيّة الإيرانيّة في أيلول – سبتمبر 1980. نجح المجلس، إلى حدّ كبير، في الحؤؤل دون توسّع الحرب العراقيّة – الإيرانيّة، على الرغم من أنّها استمرت ثماني سنوات من جهة وإصرار إيران على الإنتقام من دول المجلس، مع تركيز خاص على المملكة العربيّة السعوديّة والكويت من جهة أخرى. ليس سرّا أن دول مجلس التعاون دعمت العراق طوال الحرب. كان سقوط العراق، البوابة الشرقيّة للخليج، سيشكل سقوطا للخليج كلّه وذلك بغض النظر عن الأخطاء التي ارتكبها صدام حسين، الرئيس العراقي وقتذاك. يمكن الحديث عن أخطاء عراقيّة إذا أخذنا في الإعتبار أن صدّام، بثقافته السياسية المحدودة وتهوّره، لم يستوعب منذ البداية أنّ بدء الحرب مع "الجمهوريّة الإسلاميّة" وقوع في فخ الخميني الذي كان يبحث عن عدو خارجي يساعد في استثارة الروح الوطنية الإيرانيّة والعصبيّة الفارسية. ليس سرّا أيضا سعي إيران إلى الإنتقام من السعوديّة عن طريق محاولة تسييس موسم الحج وافتعال مشاكل خلال وجود مئات الآلاف في مكة خلال الموسم. كان التركيز الإيراني على الكويت أيضا عبر محاولة اغتيال امير الدولة الشيخ جابر الأحمد وافتعال احداث امنية في مناسبات عدة. نجحت السعودية في الدفاع عن نفسها في مواجهة الهجمة الإيرانية. كذلك، نجحت الكويت في حماية نفسها وحماية استمرار تصدير نفطها. شمل ذلك رفع العلمين الأميركي والسوفياتي على الناقلات الكويتية ردّا على مهاجمة إيران هذه الناقلات. تعرضت كلّ دولة من دول مجاس التعاون لإعتداءات إيرانية. لم توفّر "الجمهوريّة الإسلاميّة" لا البحرين ولا دولة الإمارات التي لعبت دورا في بلورة موقف خليجي موحد يستهدف وقف الحرب آخذة في الإعتبار ما يمكن أن يترتب على سقوط العراق في يد إيران في تلك المرحلة. صمد مجلس التعاون أمام الهزات التي تعرّض لها، بما في ذلك الاحتلال العراقي للكويت في 1990. عمل على استعادة الكويت وإعادتها إلى أهلها. في مرحلة لاحقة، في 2003، استوعب مجاس التعاون نتائج الزلزال العراقي، أي تسليم إدارة جورج بوش الإبن العراق إلى "الجمهوريّة الإسلاميّة" مع ما عناه ذلك من اختلال للتوازن الإستراتيجي في المنطقة كلّها. ترافق اختلال التوازن مع سقوط سوريا نهائيا في يد إيران... ومعها لبنان. في فترة "الربيع العربي"، لعب مجلس التعاون دورا حيويا في حماية البحرين حيث استثمرت إيران في لعبة إثارة الغرائز المذهبيّة. لعب التدخل المباشر لدول مجلس التعاون دوره في القضاء على محاولة إيرانيّة مكشوفة لقلب النظام في هذا البلد المسالم. شئنا أم ابينا، عاش مجلس التعاون، منذ قيامه، على وقع الحدث الإيراني، بل الخطر الإيراني. سيولد من رحم الحرب الأميركية – الإسرائيليّة على إيران شرق أوسط جديد وخليج مختلف وإيران أخرى. هل يولد أيضا مجلس تعاون خليجي جديد؟ أي دور لمجلس التعاون ودوله في مواجهة تحديات جديدة سيفرضها التغيير الكبير في إيران، خصوصا في ظلّ مخاوف من تفكّك هذا البلد الذي سعى منذ ما قبل قيام "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى الهيمنة على الخليج. ستكون أمام مجلس التعاون إيران مختلفة يصعب التكهن منذ الآن بالشكل الذي ستتخذه أو بطبيعة النظام فيها. الأمر الوحيد الأكيد أن النظام القائم، نظام "الجمهوريّة الإسلاميّة" انتهى. لا يدل على ذلك أكثر من الإعتداءات التي يشنها "الحرس الثوري" على دول مجلس التعاون لأسباب واهية كاشفا الوجه الحقيقي للنظام. شملت الإعتداءات سلطنة عُمان التي حافظت في كلّ وقت على علاقات ودّية مع إيران. انتهجت السلطنة مدرسة سياسية قائمة على أن لا مفرّ من علاقات ودّية مع إيران، كجارة، بغض النظر عن طبيعة النظام في طهران... في حال وضع إيران جانبا، يبقى السؤال: ماذا عن العراق الذي لا بدّ أن يتغيّر والذي شكلّ منذ اليوم الأول لولادة "مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة" مصدر قلق لكلّ دولة من دول المجلس، أكان ذلك في عهد صدّام حسين أو في مرحلة ما بعد سقوطه ورحيله؟...