Logotipo da Levant Time

Artigos

Imagem de notícia
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
Retrato do autor
Por LevantTime .
Publicado em سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
Retrato do autor
Por ميشال حاجي جورجيو - Publicado em سبتمبر 6, 2026 - 13:31
Imagem de notícia
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
Retrato do autor
Por منى فياض - Publicado em سبتمبر 5, 2026 - 20:01
Imagem de notícia
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
Mais Artigos
Ordenar por: RecentesAntigos
الحرب الإيرانية: صراع دبلوماسي على خلفية تصعيد عسكري

مع تبقي نحو 24 ساعة على الموعد النهائي الذي حدده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لطهران للرد على النقاط الخمس عشرة لخطة أمريكية لإنهاء الحرب الدائرة، تتكثف الاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى بدء حوار، بينما يبقى الوضع على الأرض متوتراً: تتواصل الضربات الإسرائيلية والأمريكية على أهداف عسكرية إيرانية، وغالباً ما تكون عنيفة، في حين تواصل طهران استهداف البنية التحتية المدنية والعسكرية في إسرائيل ودول الخليج. الآن أكثر من أي وقت مضى، يبدو خطر اندلاع حرب إقليمية شاملة مرتفعاً إذا استمرت طهران في تكتيكاتها المماطلة فيما يتعلق ببرامجها النووية والصاروخية الباليستية أو "رعايتها" للميليشيات التي تزعزع استقرار دول مثل لبنان والعراق واليمن، أو حتى دول الخليج حيث يتم تفكيك خلايا إرهابية بانتظام، ولا سيما تلك المرتبطة بحزب الله. إذا قدمت إيران رداً فاتراً على المطالب الأمريكية، فإن واشنطن ستعطي الضوء الأخضر لعملية برية كانت قد هددت بها سابقاً، والتي ستشمل الاستيلاء على مواقع استراتيجية مثل جزيرة خارك وثلاثة مواقع أخرى: أبو موسى، والمقبرة الكبرى، والمقبرة الصغرى. كانت هذه الجزر الثلاث الأخيرة تحت سيطرة الإمارات العربية المتحدة حتى أوائل سبعينيات القرن الماضي، لكنها تخضع حاليًا لسيطرة القوات الإيرانية، مما يُهدد حركة الملاحة التجارية في مضيق هرمز. يوم الخميس، وجّه دونالد ترامب تحذيرًا جديدًا لطهران عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي "تروث سوشيال"، حثّها فيه على "التعامل بجدية قبل فوات الأوان". وقال: "المفاوضون الإيرانيون مختلفون تمامًا وغريبون. من الأفضل لهم أن يتعاملوا بجدية وسرعة، قبل فوات الأوان، لأنه بدون اتفاق، لن يكون هناك رجوع، ولن يكون الوضع مُرضيًا". بعد ذلك بقليل، وخلال مؤتمر صحفي، أكّد مجددًا أن الجيش الأمريكي قد دمّر تقريبًا القدرات العسكرية الإيرانية تدميرًا كاملًا، وأن "طهران، وليس الولايات المتحدة، هي التي تتوق بشدة إلى اتفاق، خلافًا لما تنشره بعض وسائل الإعلام"، مضيفًا أنه "غير متأكد من رغبته في توقيع اتفاق". لا يزال الوسطاء يسعون جاهدين لإيجاد أرضية مشتركة للخروج من الأزمة، كما أكد وزيرا خارجية مصر، بدر عبد اللطيف، وباكستان، إسحاق دار. وأوضحا أن بلديهما، إلى جانب تركيا، تعملان كوسيط لنقل الرسائل بين طهران وواشنطن. وصرح وزير الخارجية المصري، بدر عبد اللطيف، الذي استقبله الرئيس اللبناني، جوزيف عون، يوم الخميس في قصر بعبدا: "الجهود المصرية لتهدئة الوضع مستمرة. ورغم أننا لم نحقق نتائج ملموسة بعد، إلا أننا ما زلنا متفائلين". وأشار إلى أن بلاده على اتصال أيضاً بإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا لمنع توغل إسرائيلي بري أعمق في لبنان، مع دعم نزع سلاح حزب الله وبسط سيطرة الدولة اللبنانية على كامل الأراضي اللبنانية. مضيق هرمز، مؤشر على الأزمة ويعكس تعدد الوسطاء مدى تعقيد حل أزمة متعددة الأبعاد تجاوزت بسرعة الإطار الثنائي بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. يتجلى هذا البُعد بوضوح في المواجهة الدائرة حول مضيق هرمز، الذي يُعدّ أداة ضغطٍ بالغة الأهمية لإيران، ويُمثّل حاليًا محور التوترات. ولا تقتصر هذه التوترات على إيران ومحور تل أبيب-واشنطن فحسب، بل تمتدّ أيضًا بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين. على منصة "تروث سوشيال"، كرّر الرئيس الأمريكي انتقاده للأوروبيين، الذين يرى أنه ينبغي عليهم المشاركة في الحرب لضمان مرور ناقلات النفط وسفن الشحن بسلاسة عبر مضيق هرمز. وقال: "لم تُقدّم دول الناتو أيّ مساعدة تُذكر ضدّ هذه الدولة المجنونة، إيران، التي باتت الآن مُنهكة عسكريًا. لا تحتاج الولايات المتحدة إلى شيء من الناتو، ولكن يجب ألا ننسى هذه اللحظة الحاسمة أبدًا". وهو تهديدٌ كرّره خلال مؤتمره الصحفي، ما يُؤجّج المخاوف الأوروبية من فقدان الدعم الأمريكي لأوكرانيا في حربها ضد روسيا. مع بدء دول مجموعة السبع مناقشة قضية الشرق الأوسط في بروكسل يوم الخميس، أشار الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، إلى أن أكثر من ثلاثين دولة تنسق جهودها لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، حيث لا يُسمح بالمرور إلا للسفن التي ترفع أعلام الدول التي تعتبرها طهران "محايدة". أعلن رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم أن ناقلات النفط التابعة لبلده تمكنت من عبور مضيق هرمز بعد مباحثات مع الجمهورية الإسلامية، بينما اتهم مجلس التعاون الخليجي، عبر جاسم البديوي، إيران بمطالبة تعويضات مالية للسماح بمرور السفن. رفض دونالد ترامب هذا "الابتزاز الإيراني"، وصرح خلال مؤتمره الصحفي بتدمير 154 سفينة حربية إيرانية، في حين أعلنت إسرائيل في وقت سابق عن مقتل قائد البحرية التابعة للحرس الثوري الإسلامي، علي رضا تنكسيري، "المسؤول مباشرة عن حصار مضيق هرمز". ويمكن اعتبار اغتياله ذا أهمية استراتيجية في سياق عملية عسكرية محتملة تهدف إلى استعادة حرية الملاحة في هذا المضيق. لبنان، قضية رئيسية أخرى في الأزمة قضية أخرى معقدة في الأزمة: لبنان. على الأرض، تتصاعد حدة الاشتباكات بين إسرائيل وحزب الله. وأعلن الجيش الإسرائيلي، الذي يواصل تقدمه في عمق جنوب البلاد، بعيدًا عن الحدود، عن مقتل نحو 30 مسلحًا من حزب الله في اشتباكات بالأيدي. قُتل جندي إسرائيلي واحد فقط خلال هذه المعركة. وقُتل ثلاثة أشخاص آخرون على الأقل في جنوب لبنان جراء غارات جوية إسرائيلية، بينما توفي إسرائيلي متأثراً بجراحه في نهاريا، التي استهدفها حزب الله بعد ظهر ذلك اليوم. ويبدو أن الحزب الموالي لإيران يُوسّع نطاق أهدافه تدريجياً، إذ وصلت صواريخه إلى عكا يوم الخميس. إلا أن وراء هذا التصعيد تبايناً استراتيجياً هاماً. فإسرائيل، كما يؤكد قادتها، لا تزال تسعى لفصل الجبهة اللبنانية عن القضية الإيرانية للحفاظ على حرية تحركاتها العسكرية والقضاء على التهديد المستمر الذي يُشكّله حزب الله على البلدات والقرى في شمال أراضيها. ويُعدّ التوغل العميق لإنشاء منطقة أمنية أو منطقة عازلة جزءاً من هذه الاستراتيجية. وقد كرّر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية، أفيخاي أدرعي، دعوته بعد ظهر الخميس لسكان البلدات الواقعة جنوب نهر الزهراني بالانتقال شمالاً. في المقابل، يبدو أن طهران عازمة على ربط القضيتين، في حال انعقاد مفاوضات مع واشنطن، بجعل أي خفض للتصعيد مشروطاً، من بين أمور أخرى، بوقف العمليات الإسرائيلية في لبنان. وتفيد التقارير بأنها أرسلت رسائل بهذا المعنى إلى جناحها العسكري في البلاد. وقد أكد رئيس حزب الله، نعيم قاسم، هذا الشرط نفسه في رسالة بثتها قناة المنار يوم الأربعاء، حيث جدد معارضته للمفاوضات مع إسرائيل. لكن القضية الأهم تبقى الصراع على السلطة بين الدولة، التي تسعى إلى ترسيخ نفوذها والنأي بنفسها عن حزب الله، وبين حزب الله وحلفائه، الذين يواصلون محاولاتهم لفرض إرادتهم. ومن أبرز جوانب هذا الصراع على السلطة الخلاف الدائر حول قرار الدولة طرد السفير محمد رضا شيباني، الذي عينته طهران في بيروت. تجدر الإشارة إلى أن هذا القرار أُعلن من قبل وزارة الخارجية، بعد مشاورات مع رئاسة الجمهورية ومكتب رئيس الوزراء. على الرغم من كونهم موظفين حكوميين كغيرهم، فإن الوزراء الشيعة ينحازون في هذا السياق إلى سياسة إيران وتحالف حركة أمل وحزب الله. وكعلامة على احتجاجهم على قرار يعتبرونه غير مبرر، قاطعوا اجتماع مجلس الوزراء الذي عُقد يوم الخميس في السراي الكبير. شارك في الاجتماع فادي مكي، الوزير الشيعي المستقل. أبرز موقف زملائه الانقسام الحاد القائم اليوم بين لبنانين: لبنان حليف قوة أجنبية تسعى للحفاظ على سيطرتها على البلاد، ولبناني الذي يريد التحرر من القوى التي تسلب سيادته وتقوض دولته، دون التنازل عن المبادئ الأساسية. وأمام خطر الاحتلال الإسرائيلي الجديد لجزء من جنوب لبنان، بسبب حزب الله، وجّه رئيس الوزراء نواف سلام وزير الخارجية جو راجي بتقديم شكوى ضد إسرائيل لدى الأمم المتحدة. في الوقت نفسه، ندد بوجود عنصرين من حزب الله في الخلية الإرهابية التي فككتها الكويت الأسبوع الماضي، كما أدان الضربات الإيرانية على دول الخليج. بعد سنوات من العزلة، التي لا تزال بسبب حزب الله، يعود لبنان تدريجياً إلى الاندماج في محيطه العربي، مبتعداً عن المحور الذي جلب له سلسلة من الدمار على مر السنين.

نبيه بري: مهندس سقوط الدولة وشريك الاحتلال الإيراني

في لحظة مفصلية يعيشها لبنان، لا يمكن التعامل مع قرار طرد السفير الإيراني على أنه مجرد إجراء دبلوماسي عابر. هذا القرار، بكل بساطة، هو أول اختبار حقيقي لقدرة الدولة اللبنانية على أن تقول "لا" لمشروع إقليمي صادر سيادتها منذ سنوات. لكن المشكلة، وكما هو الحال دائماً، ليست فقط في الخارج… بل في الداخل، وتحديداً في من يفترض أنهم شركاء في الحكم. هنا تحديداً يبرز اسم نبيه بري. بري، الذي يحاول اليوم أن يتذاكى سياسياً ويقدّم نفسه كضامن للاستقرار، هو في الواقع أحد أبرز معطّلي أي مسار سيادي حقيقي. فالرجل الذي لطالما قدّم نفسه كـ"صمام أمان"، تحوّل إلى صمّام تعطيل، يفرمل أي خطوة قد تضع حداً لهيمنة حزب الله وإيران على القرار اللبناني. فلنكن واضحين: المشكلة ليست في طرد السفير الإيراني بحد ذاته، بل في المنظومة التي سمحت لهذا السفير أن يتصرف كحاكم فعلي، يتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية، ويعلن مواقف تتعدى الدولة اللبنانية نفسها. وعندما تأتي لحظة المحاسبة، يخرج علينا بري ليقول إنه "غير مستأمن" لهذا القرار، وكأن السيادة اللبنانية وجهة نظر قابلة للنقاش. ما يقوم به بري اليوم ليس وساطة، بل جريمة بحق لبنان. هو يدرك تماماً أن طرد السفير لن يخرج الحرس الثوري من لبنان، لكنه في الوقت نفسه يرفض حتى هذا الحد الأدنى من المواجهة السياسية. لماذا؟ لأن أي مواجهة حقيقية تعني تفكيك النظام الذي هو أحد أعمدته الأساسية—نظام الفساد والمحاصصة الذي وفّر الغطاء السياسي لسلاح حزب الله لعقود. الأخطر من ذلك أن بري، الذي وعد سابقاً بأنه قادر على "لجم" حزب الله وإعادته إلى كنف الدولة، غائب اليوم بشكل شبه كامل. لا موقف واضح، لا مبادرة، فقط أصوات جانبية تهاجم وتخوّن وتحذّر من "استفزاز الشيعة"، وكأن السيادة باتت تعدياً طائفياً. هذه هي المعادلة التي يحاول بري تكريسها: تحويل أي نقاش حول سلاح حزب الله أو النفوذ الإيراني إلى تهديد طائفي. وهي معادلة خطيرة، لأنها لا تحمي الشيعة—بل تضعهم رهائن لمشروع إقليمي لا يأبه بدمائهم ولا بمصيرهم. في الواقع، ما نشهده اليوم هو محاولة إنقاذ متأخرة—ليس فقط للدولة، بل أيضاً لجزء كبير من الشيعة الذين تم اختطاف قرارهم السياسي. وهنا المفارقة: القوى التي يهاجمها حزب الله وحلفاؤه هي نفسها التي تستقبل النازحين وتؤمّن لهم الحد الأدنى من الكرامة، في حين تُستخدم قراهم ومدنهم كساحات حرب. أما التهديد بالانسحاب من الحكومة، فهو ليس أكثر من مسرحية مكررة. فالمشكلة ليست في وزيرين يمكن استبدالهما، بل في منظومة مسلحة تتصرف كدولة داخل الدولة. وإذا كان بري يعتقد أن الضغط عبر الشارع أو التهويل بحرب أهلية سيعيد عقارب الساعة إلى الوراء، فهو يخطئ التقدير. لبنان تغيّر. لم يعد بالإمكان تسويق سلاح حزب الله كـ"مقاومة"، بعد أن استُخدم في الداخل، وبعد أن ارتبط عضوياً بمشروع إيراني عابر للحدود. ولم يعد ممكناً إقناع اللبنانيين بأن الاستقرار يمر عبر التسويات مع من يجرّ البلاد إلى حروب لا ناقة لها فيها ولا جمل. نعم، هناك خطر تصعيد. نعم، هناك احتمال احتكاك. لكن الأخطر هو الاستمرار في هذا الإنكار الجماعي، وفي هذه السياسة التي تحاول تحويل المغتصِب إلى شريك شرعي في الحكم. الدولة اللبنانية اليوم أمام خيار واضح: إما أن تستمر في التواطؤ، كما يريد بري ومن يمثل، أو أن تبدأ—ولو بخطوات خجولة—في استعادة قرارها. قد لا يكون طرد السفير الإيراني كافياً، لكنه رسالة. رسالة إلى الداخل قبل الخارج، بأن هناك من يرفض أن يبقى لبنان منصة لحروب الآخرين. ورسالة أيضاً إلى نبيه بري تحديداً: زمن اللعب على الحبال انتهى، ومن يظن أنه يستطيع الاستمرار في إدارة هذا الانهيار كأنه تفصيل سياسي، سيفاجأ بأن الأرض التي يقف عليها بدأت تهتز. لبنان لا يحتاج إلى وسطاء داخل السلطة، بل إلى دولة. ودولة لا يمكن أن تقوم طالما أن من يفترض أنهم حراسها، هم أول من يفرّط بها. وإذا كان لا بدّ من التذكير، فإنّ ما نشهده اليوم ليس إلا تكراراً مشوّهاً لسيناريو 6 شباط 1984، حين رُفعت شعارات “رفع الظلم” لتبرير انقلابٍ على الدولة، انتهى بتحويل السلاح من أداة ادّعاء حق إلى أداة فرض أمر واقع. يومها، لم يحمل الذين نزلوا إلى الشارع السلاح دفاعاً عن الدولة، بل لأنهم اعتبروها غائبة، فقرّروا أن يحلّوا مكانها. لكنّ النتيجة لم تكن استعادة الدولة، بل دفنها. والمفارقة أنّ الأخ الأكبر و من ادّعى محاربة الظلم، تحوّل مع الوقت إلى الظالم الأكبر، يحتكر القرار، ويصادر المؤسسات، ويعيد إنتاج نفس المنطق الذي ثار عليه. واليوم، يعيد نبيه بري وحلفاؤه تدوير هذه التجربة البائسة: نفس الذريعة، نفس السلاح، ونفس النتيجة—دولة مخطوفة، وشعب يُطلب منه أن يصفّق لجلّاده باسم “الكرامة” و”الحقوق”.

بين «هديّة» ترمب والنفي الإيراني: مفاوضات في مهبّ الغموض

تُقدّم الأربع والعشرون ساعة الأخيرة في الشرق الأوسط المشتعل نموذجاً حياً للتعايش العبثي بين آلة الحرب المستعرة بوتيرة متسارعة، وشائعات التفاوض الجاري خلف الكواليس بين الأمريكيين والإيرانيين. فرغم ضراوة الضربات الإسرائيلية-الأمريكية التي تستهدف البنى التحتية العسكرية والمدنية الإيرانية بلا هوادة، والتوجه لنشر آلاف الجنود من «المارينز» في المنطقة خلال الأيام المقبلة، إلا أن تسريبات إعلامية موثوقة حول قائمة من خمسة عشر مطلباً أمريكياً للتفاوض مع طهران تصدّرت المشهد منذ مساء الثلاثاء، بموازاة وساطات تقودها أنقرة وإسلام آباد وأطراف أخرى. وفي غضون ذلك، يبدو أن استهداف منشآت الطاقة التابعة للجمهورية الإسلامية – وفق تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب يوم الأحد – قد أُرجئ حتى إشعار آخر. وبحسب وسائل إعلام، منها «نيويورك تايمز» والقناة 12 الإسرائيلية، تتمحور النقاط الـ15 للمقترح الأمريكي بشكل أساسي حول الملف النووي، حيث تطالب بوقف تخصيب اليورانيوم وتفكيك المنشآت النووية المختلفة، فضلاً عن الحد من إنتاج الصواريخ البالستية وإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل. ومن أبرز النقاط التي تعني لبنان ودولاً إقليمية أخرى كالعراق، تلك المتعلقة بوقف إيران دعمها لـ«أذرعها»، وفي مقدمهم حزب الله والحشد الشعبي (الميليشيا العراقية الموالية لإيران التي تتعرض لضربات أمريكية مكثفة هذه الأيام). وإذا كانت هذه النقاط تمثل «العصا» في المقاربة الأمريكية، فإن «الجزرة» تكمن في الوعد برفع العقوبات الدولية – بشرط إمكان إعادة فرضها في حال عدم الالتزام بالاتفاق – وتقديم مساعدات إنمائية. في المقابل، ووفقاً لما تداولته لوسائل إعلامية أيضاً، وضعت إيران بدورها حزمة شروط، شملت رفع العقوبات، وضمانات بإنهاء فعلي للحرب، وتكريس سيطرتها على مضيق هرمز، مع التمسك ببرنامجها الصاروخي والحصول على تعويضات عن أضرار الحرب. ومن اللافت في هذه القائمة غياب أي ذكر للملف النووي الإيراني، كما أن الحليف الوحيد الذي ورد ذكره هو حزب الله، حيث يطالب المفاوضون الإيرانيون بوقف الهجمات الإسرائيلية ضده كجزء من أي مقايضة محتملة. شروط «مبالغ فيها» بعيداً عن هذه التسريبات الإعلامية، تعكس التصريحات العلنية حالة من «الاندفاع» الأمريكي؛ وهو ما تجسّد في موقف الرئيس الأمريكي مساء الثلاثاء، حين تحدث عن «هدية ضخمة» قدمها له الإيرانيون، دون الإفصاح عن ماهيتها، مؤكداً أن طهران تسعى لإبرام اتفاق «بأي ثمن». ومع ذلك، سرعان ما تبدّدت هذه الآمال المعقودة على انطلاق المفاوضات أمام تصريحات «مصدر إيراني رسمي» للتلفزيون الحكومي عصر الأربعاء، وصف فيها الشروط الأمريكية بأنها «مبالغ فيها»، مشدداً على أن إيران «لن تسمح لترمب بتقرير نهاية الحرب»، وأن طهران مستمرة في المواجهة. فهل نحن أمام رفض قاطع، أم أنها مجرد محاولة لـ«رفع السقوف» والمزايدة قبيل الجلوس إلى طاولة المفاوضات؟ من المفترض أن يتضح مصير هذه المبادرة بحلول نهاية الأسبوع، وهو المهلة التي حددها ترمب بنفسه. اشتعال الجبهة الداخلية في هذه الأثناء، تظل التوترات في لبنان عند ذروتها، سواء على جبهة الجنوب أو في الحلبة السياسية. إذ تستمر المواجهات وتبادل القصف جنوب الليطاني بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله، الذي أطلق مئات المسيّرات والصواريخ ضد جنود الدولة العبرية، على الأراضي اللبنانية والإسرائيلية على حد سواء. وفي حين أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس مصادقته على خطة جديدة لتوسيع العمليات في لبنان، تُرجمت هذه التصريحات ميدانياً؛ إذ تمثل التطور الأبرز صباح هذا الأربعاء،25 آذار، في تقدم القوات الإسرائيلية نحو قرية دبل (المسيحية) في قضاء بنت جبيل. وإذا كان مقاتلو حزب الله يخوضون المعركة على الجبهة (التي فتحوها بأنفسهم...)، فإن رهانهم على التضامن الداخلي في لبنان يتراجع باطراد. وفي غضون ذلك، تستمر قضية قرار الدولة اللبنانية بترحيل السفير الإيراني في بيروت بالتفاقم، لا سيما لدى الثنائي الشيعي أمل وحزب الله. فبعد البيان العنيف للحزب بالأمس، جاء الدور يوم الأربعاء على حركة أمل التي أصدرت بياناً «دعت فيه المسؤولين الرسميين إلى العودة عن قرار طرد سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تجنباً لإقحام البلاد في أزمة سياسية ووطنية». يأتي هذا القرار مدفوعاً بشبهات تدخل السفير المعني، محمد رضا شيباني، في الشؤون الداخلية، علماً أنه لم يقدّم بعد أوراق اعتماده إلى رئيس الجمهورية جوزيف عون. ويعكس هذا الإجراء تقارير تتحدث عن تواجد مكثف لعناصر من الحرس الثوري الإيراني في لبنان، يحملون جوازات سفر مزورة، بهدف تولي قيادة حزب الله مباشرة، بعدما فُقدت قياداته التاريخية منذ عام 2024. وهي معلومات تقاطعت مع ما أدلى به رئيس الحكومة نواف سلام في مقابلة أجريت معه مؤخراً. ورغم الترحيب الواسع بهذا الإجراء محلياً ودولياً، إلا أنه يهدد بزلزلة أركان الحكومة التي تعقد اجتماعاً يوم الخميس، في تمام الساعة الثالثة عصراً، في السراي الكبير برئاسة رئيس الحكومة (وليس برئاسة الرئيس عون). وكانت وزيرة البيئة تمارا زين قد أعطت مؤشراً واضحاً مساء الثلاثاء، في حديث تلفزيوني، حين «لم تستبعد انسحاب الوزراء الشيعة من الحكومة». وبحسب معلومات قناة «إم تي في»، فإن الاتصالات تجري على قدم وساق لمنع انفجار الحكومة من الداخل، عبر البحث عن «مخرج» من تلك المخارج التي يتقنها لبنان؛ إما باستبدال السفير، أو بتمديد مهلة الترحيل المفترض أن تنتهي مساء الأحد المقبل. تُضاف هذه السجالات الجديدة إلى التهديدات المتكررة التي يطلقها كوادر في حزب الله (وفيق صفا وآخرون)، بالتوازي مع التوترات الناجمة عن القرار الحكومي القاضي باعتبار العمليات العسكرية للحزب غير قانونية، والجدل الصاخب حول اقتراح الرئيس عون بشأن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل؛ لتزيد من تسميم العلاقات بين ميليشيا لا تزال متمسكة بسلاحها وسائر الأطراف السياسية. لقد بلغت الأجواء حداً من التأزم جعل أشباح الحرب الأهلية تطل برأسها من جديد، يغذيها الخوف من احتلال إسرائيلي جديد لمساحات شاسعة في الجنوب، تسبب بالفعل في موجة نزوح واسعة. وهي مخاوف حاول رئيس الجمهورية تبديدها بقوله في حديث لجريدة النهار إنه «لا توجد حرب أهلية جديدة» في لبنان. وسط هذا المناخ المشحون، برزت يوم الأربعاء رسالة جديدة من الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم. وللمرة الثانية على التوالي، لم يظهر قاسم حتى في إطلالة مسجلة، بل قرأ طرف ثالث رسالته (المقتضبة) عبر قناة المنار التابعة للحزب. ومن دون مهاجمة قضية طرد السفير الإيراني بشكل مباشر، اعتبر قاسم أن «أي تفاوض تحت النار هو استسلام»، داعياً إلى «الوحدة الوطنية ضد المشروع الإسرائيلي-الأمريكي الذي يهدف إلى إقامة إسرائيل الكبرى ومحو لبنان». وفاءً لمنطقه المعهود، اعتبر قاسم أن حصر السلاح بيد الدولة «هو إضعاف للبنان»، محذراً الحكومة من «اتخاذ قرارات تخدم مصالح إسرائيل حتى وإن كانت النوايا غير ذلك»، ومؤكداً أنه «لا يشك للحظة في انتصار المقاومة».

جنوب لبنان: تجذر المسيحيين في القرى الحدودية رغم الحرب

على طول خطوط المواجهة عند الحدود اللبنانية الجنوبية مع إسرائيل، تقع قرى مسيحية عدة باتت في مرمى النيران المباشرة. ومع تصاعد حدة العنف في هذه المنطقة، لا يبدو الكرسي الرسولي غافلاً عن هشاشة الوجود المسيحي في ظل الظروف الراهنة؛ إذ أعرب البابا لاون الرابع، المتأثر بمصير المدنيين الرازحين تحت وطأة الحرب، ببالغ الأسى عن رحيل الكاهن الماروني بيار راعي من بلدة القليعة، معتبراً إياه رمزاً لمأساة تصيب الجميع دون تمييز. وبحسب العميد المتقاعد خليل الجميل، قائد قطاع جنوب الليطاني السابق، فإن الحضور المسيحي الحدودي يتوزع على بلدات عدة، هي علما الشعب (قضاء صور)، ورميش، وعين إبل، ودبل، وقوزح، ويارون (قضاء بنت جبيل)، إضافة إلى برج الملوك، والقليعة، وجديدة مرجعيون، وإبل السقي، ودير ميماس (قضاء مرجعيون). كما تشمل في قضاء حاصبيا قرى راشيا الفخار، وكوكبا، وأبو قمحة، ومزرعة سردة. بناءً عليه، تظل هذه المناطق الحدودية المكشوفة عرضة للغارات الجوية والاشتباكات البرية المحتملة. وفي هذا الصدد، يؤكد العميد الجميل أن «غالبية هذه القرى تقع عند خطوط التماس، وهي تشهد تطورات عسكرية يومية أدت إلى سقوط العديد من الضحايا من أبنائها». وفي هذا الإطار، أوضح الجميل أن «الأنشطة العسكرية المستمرة بين إسرائيل وحزب الله تبقي هذه المناطق تحت تهديد دائم»، واصفاً الوضع الأمني بأنه «هش»، ويسوده «قلق عارم» يتطلب تعزيز إجراءات الحماية. البقاء رغم كل شيء في ظل هذا المناخ المشحون بالتوتر الدائم، تأتي المعطيات الميدانية لترسم صورة واقعية لحجم الضغوط، مُكرّسةً في الوقت عينه صلابة عزيمة الأهالي في رفض الاستسلام لخيار النزوح. ووفقاً لرئيس جمعية «نورج» فؤاد أبو ناضر، فإن «ما لا يقل عن 17,950 نسمة من السكان المسيحيين لا يزالون صامدين في قرى الجنوب، من أصل 70,000 مسيحي كانوا يقيمون هناك قبل اندلاع حرب آذار 2026». ويوضح أن «هؤلاء السكان، المتواجدين في خطوط المواجهة الأمامية، اتخذوا قراراً بالبقاء في منازلهم وأرضهم، رافضين التخلي عنها رغم الظروف الأمنية البالغة الصعوبة». وفي هذا السياق، يشدد أبو ناضر على نقطة جوهرية تتمثل في ضرورة الحضور الفعلي للدولة، مؤكداً بشكل خاص على «دور قوى الأمن الداخلي التي يجب عليها، في حال تعذر الانتشار العسكري الكامل، تأمين حضور فاعل في الميدان وفي المخافر». ويرى أن «مثل هذا الحضور من شأنه الحفاظ على رابط حيوي بين الأهالي والوطن». أكثر من ذلك، يُعتبر هذا الوجود «حيوياً» للحؤول دون «اضطرار السكان للتوجه نحو إسرائيل لتأمين احتياجاتهم المعيشية»، وهو أمر قد يُفسَّر، ولو خطأً، كفعل خيانة. بالتوازي، تتبلور الاحتياجات الأكثر إلحاحاً لتشمل في المقام الأول الأدوية، والخدمات الصحية، وتأمين فرص العمل؛ وهي عناصر لا غنى عنها لتمكين السكان من الصمود والحفاظ على ظروف عيش كريمة. يضاف إلى ذلك ضرورة توفير المحروقات والمستلزمات الأساسية وضمان استمرارية عمل المدارس، باعتبارها عوامل حاسمة لتفادي النزوح القسري نحو بيروت أو المدن الأخرى. وفي قراءة استراتيجية أوسع، يحذر أبو ناضر من تبدل في طبيعة النزاع، معتبراً أن «الوضع الحالي يختلف جذرياً عما كان عليه في الحرب السابقة»، حيث تعتمد إسرائيل اليوم «استراتيجية الأرض المحروقة التي تهدف إلى إفراغ الجنوب من سكانه لفرضمنطقة عازلة». تعبئة محلي ودولي أمام هذا الواقع، لم يتأخر الرد؛ إذ سارعت جمعيات مدنية وأهلية عدة إلى تنسيق جهودها لدعم القرى المسيحية الحدودية. وتتجلى هذه التعبئة عملياً في تأمين المحروقات والمواد الغذائية والأدوية ومستلزمات إعادة الإعمار. وفي هذا الصدد، يوضح أبو ناضر أن «هذه المبادرات تهدف إلى إعادة تأهيل البنى التحتية، وتعزيز الحضور الشرعي للدولة، وتفعيل الدور الدبلوماسي للبنان»، مشدداً على أن هذه المساعدات تطاول المكونات الجنوبية كافة – من مسيحيين ودروز وسنّة وشيعة – دون تمييز. وفي السياق عينه، يبرز أبو ناضر محورية العيش المشترك بين مختلف أطياف المجتمع اللبناني؛ إذ تعمل جمعية «نورج» على تطوير مشاريع عدة، لا سيما برنامج «سوا» (SAWA) ، الرامي إلى ترسيخ قيم العيش المشترك وتوثيق تجذر السكان في أرضهم . وعلى الصعيد الدولي، يستمر الزخم أيضاً؛ حيث تسعى الجمعية إلى حشد التبرعات وإرساء مشاريع طويلة الأمد تهدف إلى تثبيت قرى الجنوب في أرضها ومنع تحولها إلى مناطق مقفرة . ختاماً، دعا أبو ناضر الدولة اللبنانية إلى «تحمل مسؤولياتها كاملة، ووضع حد لصراعات السلطة الداخلية التي أضعفت البلاد وشرّعت الأبواب أمام التدخلات الخارجية، لا سيما الإيرانية منها». وبينما أعرب عن قناعته بأن «النزوح الحالي مؤقت»، حذر في المقابل من مغبة قيام «إسرائيل بـ«إنشاء منطقة عازلة في الجنوب». استجابة إنسانية مُمنهجة توازياً مع هذه المبادرات، سعت المؤسسات الكنسية بدورها إلى مأسسة استجابتها الميدانية وتأطيرها. وفي هذا الإطار، كشف المدير الإقليمي لبعثة التوجيه البابوي (CNEWA)، ميشال قسطنطين، عن سلسلة اجتماعات تنسيقية عُقدت لا سيما في بكركي ورابطة كاريتاس، هدفت إلى تقييم الاحتياجات الملحّة ورسم خارطة طريق واضحة للمساعدات المتاحة. وبناءً عليه، تم إنشاء لجنة أزمة لتنسيق جهود مختلف المنظمات وضمان تكاملها تفادياً لأي ازدواجية. ومن خلال اجتماعات دورية ونظام متابعة مشترك، يجري تركيز البيانات المتعلقة بالتمويل وأوجه صرفه وهُوية المستفيدين، مع تعديلها تباعاً وفقاً لتطورات الواقع الميداني. إلى ذلك، وفور استكمال توحيد هذه البيانات، ستنطلق قافلة إنسانية باتجاه جنوب لبنان لتقييم الوضع ميدانياً؛ وتضم القافلة ممثلين عن كاريتاس ومنظمات كنسية أخرى، تحت إشراف مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان (APEC) ، ممثلاً بأمينه العام الأب يوحنا يونس. الرحيل أو الصمود: توازن حرج ميدانياً، لا تزال الوقائع هشة؛ إذ يشير قسطنطين إلى أن نحو 4,530 عائلة لا تزال تقطن في قرى الجنوب، مع تسجيل حضور مسيحي مستمر في 15 بلدة. في المقابل، غادرت 960 عائلة هذه القرى؛ لجأت 200 منها إلى رميش ودير ميماس، بينما استقرت نحو 750 عائلة أخرى في مناطق متفرقة، معظمها لدى أقارب، ولا سيما في بيروت. وعليه، يتبلور التحدي الأساسي في تمكين السكان من الصمود في أرضهم. ومن هذا المنطلق، تركز بعثة التوجيه البابوي مساعداتها على الاحتياجات الحيوية – من مواد غذائية ومحروقات وأدوية – فضلاً عن تأمين وسائل الاتصال الضرورية لضمان التواصل في حال انقطاع الطرق. وفي هذا السياق، يجري العمل على اعتماد نظام قسائم شرائية أو بطاقات ممغنطة مخصصة للعائلات النازحة، تتيح لها تأمين احتياجاتها مباشرة من المتاجر. ختاماً، يقتضي التأكيد أن هذه المساعدات تتخطى الانتماءات الطائفية؛ إذ وجدت عائلات مسلمة ملاذاً لها في هذه القرى، لا سيما في رميش، وهي تستفيد بدورها من هذه التقديمات الإنسانية. الكنيسة في الخطوط الأمامية بالتوازي مع الحراك الإنساني، تتسارع المبادرات الدينية والدبلوماسية. وفي هذا السياق، قام السفير البابوي باولو بورجيا بجولة شملت قرى مسيحية عدة، حيث حيا صمود الأهالي، مجدداً التأكيد على وقوف الكنيسة إلى جانبهم. وفي الدينامية نفسها، وصف البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي مسيحيي الجنوب بـ «سياج الحدود»، معلناً انتداب راعي أبرشية صور المارونية المطران شربل عبد الله للإقامة في رميش لتمثيله. أما الصعيد الدبلوماسي، طلب وزير الخارجية جو راجي تدخل الكرسي الرسولي؛ وخلال اتصال مع أمين سر دولة الفاتيكان للعلاقات مع الدول المطران بول ريتشارد غالاغير، أكد الأخير أن «الفاتيكان يواصل جهوده الحثيثة للجم التصعيد وتفادي تهجير السكان». نحو جنوبٍ خالٍ من سكانه؟ بعيداً عن مقتضيات الطوارئ الإنسانية، تبرز اليوم آفاق استراتيجية تثير قلقاً عميقاً في الأوساط المعنية. فبالنسبة إلى العميد خليل الجميل، فإن «احتمال إنشاء منطقة عازلة في جنوب لبنان يُشكل اليوم أحد أبرز التهديدات القائمة». ويرى الجميل أن إسرائيل قد تكون بصدد المضي في تحقيق هدف غير معلن، يرمي إلى إرساء منطقة خالية من السكان على طول الحدود. هذه الفرضية كفيلة بتفسير حدّة الهجمات والنزوح التدريجي للأهالي؛ إذ يذكر الجميل، في هذا الصدد، أن “حضور الجيش اللبناني في الحروب السابقة كان يشكل عامل أمان وضمانة”، وهي ميزة تفتقدها الساحة اليوم. وفي هذا السياق، تتبلور جملة شروط يراها الجميل حتمية لتمكين السكان من الصمود أو العودة، وهي: توفير ضمانات أمنية مقرونة بانتشار الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل، وإعادة تأهيل البنى التحتية، وتأمين دعم اقتصادي مستدام، فضلاً عن انتزاع ضمانات دولية، لا سيما عبر حاضنة الفاتيكان. وختم الجميل محذراً: «خلاف ذلك، فإن خطر إفراغ هذه القرى تدريجياً من سكانها يظل خطراً حقيقياً وقائماً».

لبنان بين فكي كماشة
Por
رامي الريّس
Publicado

في أوقات الحروب والأزمات، ينقسم المشهد اللبناني بين من يستحضر كل الانقسامات والخلافات إلى السطح ويسعى إلى تأجيجها ومفاقمتها، وبين من يعمل على تعزيز مناخات الوحدة الوطنيّة بما يسهم في تجاوز المرحلة الصعبة بانتظار أجواء أكثر هدوءاً يمكن من خلالها النفاذ نحو مناقشة القضايا الوطنية الكبرى. الأكيد أن الغوص في مسائل عميقة وحساسة مثل مدى صلاحيّة اتفاق الطائف أو طبيعة النظام السياسي أو إلغاء الطائفيّة السياسيّة ليس وقتها الآن، لأن المرحلة هي مرحلة العمل على وقف الحرب ولملمة الجراح والبحث عن كيفيّة الخروج من المأزق الذي تورطت فيه البلاد والذي ليس ثمّة ما يوحي أن الخروج منه سيكون يسيراً في المدى القصير. ثمّة مسلمات لا يمكن التراجع إذا ما خرجت البلاد من المأزق العميق الذي تمر به راهناً، وهي مسلمات ثبُت بالبرهان أن التخلي عنها كانت أكلافها عالية جداً وهي تتمثل بالآتي: - حصريّة السلاح في يد الدولة اللبنانيّة: لا مناص من الوصول إلى هذا الواقع الذي هو بديهي في كل دول العالم. ليس هناك دولة تقبل بأن "تلزّم" الدفاع عن أراضيها إلى فصيل مسلح لا يأتمر بأوامرها، لا بل يرابط مع دولة خارجية في علاقاته وتمويله وتسليحه. لقد خطت الحكومة اللبنانيّة خطوات هامة إلى الأمام في هذا المجال، ولكن لا الضربات الإسرائيليّة المتواصلة ساعدتها على إتمام مهمتها، ولا طبيعة تنفيذ القرار الصعب بحصريّة السلاح والمتصل بكثير من التعقيدات والحساسيات الداخليّة أتاح لها ذلك أيضاً. أما للذين يراهنون على أن إسرائيل ستقوم بهذه المهمة، فلعل تجربة الأشهر الـ 15 الفاصلة بين وقف إطلاق النار وبين اندلاع الحرب مجدداً تجعل تصديق هذا الخيار صعباً رغم ضراوة الضربات التي طالت وتطال حزب الله. - قرار الحرب والسلم: وإذا كان ثمّة قناعة قد تشكلت لدى السواد الأعظم من اللبنانيين بأن الدولة يجب أن تحتكر السلاح ووظيفة الدفاع عن أراضيها، فإن الأمر سيّان بالنسبة لقرار الحرب والسلم الذي يعود للدولة وحدها امتلاكه. أما التذرع غير المسؤول برفضه تحت حجة أن إسرائيل هي من تقرر اليوم الحرب والسلم مع لبنان، فإن ذلك لا يلغي ضرورة حسم الأمر لبنانيّاً، وهذه حجة غير مقبولة تماماً كما القول سابقاً بأن إسرائيل كانت سوف تشن الحرب بكل الحالات حتى لو لم يطلق حزب الله صواريخه الست نحو الأراضي المحتلة. - الخطة الدفاعيّة: لا يمكن إشاحة النظر عن ضرورة أن يبحث لبنان جدياً عن كيفيّة حماية أراضيه مستقبلاً من الاعتداءات الإسرائيليّة التي لم تتوقف على أراضيه منذ نكبة 1948 ولو بنسب متفاوتة تفاقمت أو تراجعت بحسب الظروف السياسيّة والعسكريّة. وإذا كان لبنان لن يتمكن حتماً بقواه الرسميّة مجابهة الجيش الإسرائيلي الذي يحظى بدعم لا متناه من الولايات المتحدة يحفظ له تفوقه العسكري الإقليمي، فإنه لا بد من التفكير بصيغ أكثر مرونة تتيح له حماية حدوده الجنوبيّة وقرى الحافة الأماميّة كما اصطلح على تسميتها. يبقى أن التحديات السياسيّة والعسكريّة الماثلة أمام لبنان في المرحلة الحالية إنما تتطلب تحركاً ديبلوماسيّاً نشطاً تقوده الحكومة اللبنانيّة بما يضع المقترحات التي قدمها رئيس الجمهوريّة على الطاولة وذلك من خلال أصدقاء لبنان حتى ولو أن تلك المقترحات قوبلت ببرودة سياسيّة إسرائيليّة تقابل التسخين الميداني على الجبهة اللبنانيّة. واضحٌ أن حالة الشلل الديبلوماسي بعد أيام على بدء الحرب مرده إلى أن إسرائيل ترفض كل المقترحات وهي لا تبدو مستعجلة بتاتاً على إطفاء جبهتها مع لبنان لا سيّما بعد أن استعاد حزب الله، مدفوعاً بالغضب جراء مقتل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، شيئاً من زمام المبادرة وهو يطلق صليات من الصواريخ التي تجعل سكان الشماليّة المحاذية للحدود مع لبنان يفتقدون الأمان والاستقرار ويلجأون إلى المخابئ تحت الأرض. وإذا كانت إسرائيل غير مستعجلة لإنهاء الحرب على لبنان، فالأخطر هو سعيها لإعادة احتلال أجزاء واسعة من مناطق الجنوب اللبناني ما يُشكّل انتكاسة كبرى لتحرير لبنان الذي حصل بكثير من التضحيات والعزة والإباء سنة 2000 وتراجعاً عن مكسب لبناني هام تميّز به يومذاك إذ أنه البلد العربي الوحيد الذي أرغم إسرائيل على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها ليس فقط دون إتفاقيّة سلام بل أيضاً دون قيد أو شرط. لبنان اليوم أمام حقيقة مرة: هو يعرض المفاوضات مع إسرائيل وهي ترفضها، بينما في السابق سعت مراراً وتكراراً لعقد معاهدة سلام معه ولم يقبل بذلك. بين هذه الحال وتلك، المهم ألا يضيع البلد بالخطابات التحريضيّة من الجهتين: جهة تتبجح بقوتها رغم الضربات ولا تنفك تهدد الداخل اللبناني بالانقضاض عليه في وقت لاحق، وجهة على استعداد أن تغفر لإسرائيل كل اعتداءاتها واستهدافاتها وتكاد لا تقرأ أن أكثر من ألف شهيد قد سقطوا في لبنان في غضون أسبوعين فقط!

للمرة الأولى منذ الطائف: بيروت تؤكد سلطتها في وجه المحور الإيراني

بعد الحظر الرسمي للأنشطة العسكرية لحزب الله و «الباسداران» في لبنان، يشكّل قرار طرد السفير الإيراني في بيروت واستدعاء رئيس البعثة الدبلوماسية اللبنانية في طهران – بلا شك – الإجراء الأهم الذي اتخذته حكومة نواف سلام منذ أن استدرج حزب الله البلاد إلى الصراع العسكري القائم بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى. والسبب وجيه: فللمرة الأولى منذ اتفاق الطائف (1989)، تضع السلطة اللبنانية حدوداً وتسعى إلى إخراج البلاد من دائرة التدخلات الخارجية المضرة – بل والمدمرة – في شؤونها الداخلية. وفي هذا السياق، استدعت وزارة الخارجية اللبنانية الثلاثاء القائم بالأعمال في السفارة الإيرانية لإبلاغه بأن لبنان قرر سحب اعتماد السفير محمد رضا شيباني، الذي طُلب منه مغادرة بيروت في موعد أقصاه يوم الأحد. وكان شيباني قد عُيّن في منتصف شباط الماضي على رأس البعثة الدبلوماسية الإيرانية في بيروت، ووصل إلى العاصمة اللبنانية قبل أسبوع واحد من اندلاع الحرب. وقد سارعت كل من تل أبيب وباريس إلى الترحيب بقرار الطرد، في حين سادت أجواء من الاستنكار في الأوساط القريبة من «حزب الله. تكمن أهمية هذه الخطوة في كونها تتيح للدولة اللبنانية إظهار جديتها في قرار استعادة سيادتها، ووضع حد للمجموعات المسلحة والجهات الراعية لها؛ وذلك في وقت كانت فيه الدولة عرضة لانتقادات داخلية ودولية بسبب (عدم) تحركها عقب القرار الأول المتخذ في مطلع آذار. وبذلك، تبرهن بيروت أنها – وإن ظلت حتى الساعة عاجزة عن إنهاء المغامرة التدميرية التي استدرج الحزبُ لبنان إليها، أو إطلاق عملية نزع سلاح هذه الميليشيا التي لا تكف عن تهديد السلطات اللبنانية – فهي لا تزال تملك حرية التحرك على المستويين السياسي والقضائي، لا سيما بعد صدور مذكرات توقيف بحق مجموعة من المسلحين الذين جرى توقيفهم أثناء نقلهم صواريخ باتجاه جنوب لبنان. تمرد حزب الله وأمل ويبقى السؤال الأبرز: إلى أي مدى ستذهب الحكومة على المستويين السياسي والقضائي ضد الحزب الذي استنكر قادته والمقربون منه قرار طرد السفير الإيراني. وبحسب مصادر عدة متقاطعة، أجرى حزب الله ورئيس حركة أمل – وهو في الوقت عينه رئيس مجلس النواب – نبيه بري، اتصالات بالسفير طالبين منه البقاء في منصبه وعدم الاستجابة لطلب الحكومة اللبنانية بمغادرة البلاد. وفي هذا الإطار، أشارت بعض المصادر إلى أن السفير يعتبر قرار الطرد «باطلاً». وفي نهاية اليوم، أصدر حزب الله بياناً شن فيه هجوماً عنيفاً على وزير الخارجية، جو راجي، رافضاً قرارالسلطة التنفيذية. وبالتوازي مع تمرد حزب الله ونبيه بري على الحكومة، ندد نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، علي الخطيب – الذي يدور في الفلك الإيراني – من جهته بقرار وصفه بأنه «متسرع، غير مدروس، غير شرعي وغير مبرر»، في حين أن هذا القرار قد تأخر كثيراً في الواقع، إذ كان رئيس الحكومة، نواف سلام، قد أكد بنفسه قبل أيام ما يعلمه الجميع منذ زمن طويل: إن كوادر حراس الثورة متواجدون بقوة في لبنان، ومهمتهم الوحيدة هي تنسيق الحرب ضد إسرائيل، وقبل بدء النزاع العسكري بفترة طويلة، تنظيم وتدريب قادة ومقاتلي الجماعة الموالية لإيران. والأخطر في مواقف هذا المرجع الديني هو اعتباره أن قراراً رسمياً صادراً عن الحكومة يشكّل «استفزازاً لمكون لبناني»، في إشارة إلى الطائفة الشيعية التي يدّعي حزب الله تمثيلها حصرياً. وقد أوضحت وزارة الخارجية في بيان لها أن طرد الدبلوماسي الإيراني، بناءً على طلب الحكومة، مبرّر – لا سيما – بكون السفير شيباني قد انتهك أحكام «اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية» وأخلّ بواجباته من خلال التدخل في الشؤون الداخلية للبنان. وأشار البيان إلى أن هذا الإجراء لا يعني قطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران، بل يأتي – بحسب النص – نتيجة سلسلة من ممارسات السفير، ومنها تصريحاته المتعلقة بالسياسة الداخلية اللبنانية وتقييمه لقرارات الحكومة، وهي تصرفات تخالف القواعد الدبلوماسية كافة. علاوة على ذلك، ذكرت وزارة الخارجية أنها تأخذ على محمد رضا شيباني اجتماعاته مع مجموعات لبنانية غير رسمية دون المرور عبر وزارة الخارجية، في إشارة إلى حزب الله. سابقة الوزير ألبير مخيبر مع السفير المصري تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى سابقة, في التاريخ اللبناني المعاصر, طرد السفير المصري من بيروت في خضم الحرب الأهلية عام ١٩٥٨. كان ألبير مخيبر آنذاك وزيرًا للخارجية بالوكالة، وقرر طرد السفير المصري الذي اتُهم، كما هو الحال مع السفير الإيراني في الوقت الراهن، بالتدخل المزعزع للاستقرار في الشؤون الداخلية اللبنانية. تكثيف الضربات جاء هذا التطور في وقت تشهد فيه الميدان تصعيداً في حدة التوترات؛ إذ استؤنف تبادل إطلاق النار بعنف بين إسرائيل و حزب الله، في سياق تصعيد إقليمي برز أحد عناصره الأساسية يوم الثلاثاء في انزلاق العراق – تماماً مثل لبنان – في الصراع الدائر: فقد قُتل خمسة عشر مقاتلاً من الحشد الشعبي (الميليشيا الموالية لإيران)، من بينهم قائد رفيع، فجر الثلاثاء، في غارة جوية استهدفت غرب العراق، وهو القصف الأكثر دموية ضد هذا التحالف من المسلحين السابقين الذين نددوا بـ «هجوم أميركي». ومن بين الضحايا «قائد عمليات الأنبار في الحشد الشعبي، سعد دوائي». واستهدفت هذه الغارة منطقة الحبانية خلال اجتماع للقيادة، وفقاً لمسؤول في التحالف في تصريح لوكالة فرانس برس. وتعد الأنبار – وهي منطقة ذات أغلبية سنية – أكبر محافظة عراقية من حيث المساحة، وتتاخم الحدود الاستراتيجية مع سوريا والسعودية والأردن. وفي مؤشر على الدوامة التي استُدرج إليها العراق مع الصراع الإقليمي، اتهم إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي في شمال البلاد – من جهته –إيران بإطلاق صواريخ باليستية ضد قواته المسلحة، مما أسفر عن مقتل ستة جنود من «البيشمركة». وفي كلتا الحالتين، تعد هذه الهجمات الأكثر دموية منذ اندلاع الحرب في 28 شباط. وفي الماضي، أطلقت إيران صواريخ باليستية ضد الإقليم ذي الحكم الذاتي، إلا أن العلاقات شهدت تحسناً في السنوات الأخيرة. ومع اندلاع الحرب، يبدي قادة كردستان حذراً ويحاولون الحفاظ على نوع من الحياد. وفي بيان لها، نددت وزارة «البيشمركة» بـ «عمل عدواني (...) بعيد عن كل مبادئ حسن الجوار». وقالت: «نؤكد مجدداً حقنا السيادي والمشروع في الرد على أي عدوان ضد شعبنا وأراضينا». من جهتها، واصلت إيران – التي عينت للتو محمد باقر ذو القدر، القائد السابق في «الباسداران» والمقرب من الراحل علي لاريجاني، ليخلف الأخير على رأس المجلس الأعلى للأمن القومي – هجماتها ضد إسرائيل، في وقت أعلنت فيه المملكة العربية السعودية والكويت في الوقت عينه تعرضهما لهجمات بالمسيرات والصواريخ. ورداً على ذلك، ضرب الجيش الإسرائيلي نحو مئة هدف، وشنّ بشكل خاص سلسلة غارات جوية على أصفهان. وبحسب وكالة «فارس»، استهدفت ضربات إسرائيلية – أميركية مشتركة بنيتين تحتيتين للطاقة في إيران، وذلك بعد ساعات قليلة من الإعلان غير المتوقع للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الحفاظ على بعض محطات الكهرباء لمدة خمسة أيام؛ وهي المهلة التي منحها لطهران للرد على الشروط المحددة للمفاوضات. وفي إسرائيل، استهدف نحو عشرة صواريخ إيرانية شمال البلاد ووسطها، مما أدى إلى وقوع جرحى في تل أبيب؛ وهو ما يجسد – مرة أخرى –حدة هذه المواجهة التي تهدد بالتوسع، رغم آفاق المفاوضات المرتقبة بين طهران وواشنطن. مفاوضات وتشكيك وفي هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى أن إسرائيل لا تزال تبدي تشكيكاً معيناً بشأن مآل مفاوضات أميركية – إيرانية محتملة، كان قد أعلن عنها دونالد ترامب يوم الاثنين، والذي منح نفسه مهلة خمسة أيام لإحراز تقدم في الحوار المفتوح مع «مسؤول إيراني رفيع» لم يكشف عن هويته، قبل استئناف القصف وتدمير شبكة الكهرباء الإيرانية بشكل خاص. وعلى الصعيد الدبلوماسي، لا تزال تتوارد معلومات غير مؤكدة هنا وهناك تتعلق بمحادثات ثنائية، في وقت تؤكد فيه وسائل إعلام أن الجيش الأميركي سينشر قوات وتعزيزات عسكرية إضافية في الشرق الأوسط. من جهته، كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو – الذي لا تتوافق أهداف حربه دائماً مع أهداف حليفه – أن دونالد ترامب يرى إمكانية التوصل إلى «اتفاق يحفظ مصالح إسرائيل الحيوية». وأضاف: «لكننا في الموازاة، سنواصل ضرب كل من إيران ولبنان». وهو ما رد عليه «الباسداران» بالتأكيد على مواصلة إطلاق الصواريخ ضد إسرائيل في حال «استمرت في اعتداءاتها على لبنان وفلسطين». لقد جرى اعتراض صواريخ إيرانية في الأجواء اللبنانية بعد ظهر الثلاثاء، في وقت تضاربت فيه المعلومات بشأن وجهتها: السفارة الأميركية في عوكر أم قبرص؟ ومهما يكن من أمر، فإن الحطام سقط في مناطق عدة من الكسروان، دون وقوع ضحايا. أما من الجانب الإيراني، فقد اكتفت وزارة الخارجية بالإقرار بتلقيها – عبر «دول صديقة» – «رسائل تنقل طلباً أميركياً لإجراء مفاوضات». ومهما يكن المدى الفعلي للمبادرات الدبلوماسية القائمة، فقد أعربت كل من قطر ومصر وباكستان عن دعمها «لكافة الجهود» الرامية إلى إطلاق حوار. وفي حين أعلنت الدوحة عدم رغبتها في المشاركة فيه، أبدت إسلام آباد استعدادها لاستضافة مفاوضات أميركية – إيرانية محتملة، مؤكدةً تلقيها طلباً بهذا الشأن. كما لمحت الدوحة إلى ضرورة قيام جيران إيران بمراجعة جماعية لنظامهم الأمني. وصرح المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، قائلاً: «إن دول الخليج، التي عملت بتنسيق وثيق (...) لضمان أمنها، بحاجة إلى إعادة تقييم (...) إطار مشترك للأمن الإقليمي». وفي واشنطن، لم تنفِ المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، المعلومات المتعلقة بالمبادرات الدبلوماسية الباكستانية، لكنها طلبت عدم اعتبار هذه «التكهنات» بمثابة «أمر واقع» قبل أن تصدر بشكل رسمي عن واشنطن. ويرى مايكل كوغلان، الخبير في شؤون جنوب آسيا في «أتلانتيك كاونتسل»، أن ضلوع إسلام آباد في هذا الملف له مبرراته، معتبراً أن «باكستان هي واحدة من الدول القليلة التي تربطها علاقات طيّبة مع كل من طهران وواشنطن في آن واحد»، وأنها «تمثل المصالح الدبلوماسية لطهران في واشنطن»، حيث لا تملك إيران سفارة هناك. أما مصر، فمن الواضح أنها تلعب أوراقها الخاصة؛ إذ أجرى وزير خارجيتها، بدر عبد العاطي، محادثات مع ممثلين عن إيران والولايات المتحدة وتركيا وباكستان خلال الأيام القليلة الماضية، وفقاً لبيانات رسمية. روبيو في أوروبا ومهما يكن من أمر، فإنه مع انتهاء المهلة التي منحها دونالد ترامب لإيران، يوم الجمعة، سيكون رئيس الدبلوماسية الأميركية، ماركو روبيو، في فرنسا لحضور اجتماع مجموعة السبع؛ حيث من المقرر أن يتباحث مع نظرائه الأوروبيين في الحرب على إيران والوضع العام في الشرق الأوسط. وستكون هذه جولته الخارجية الأولى منذ الهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في 28 شباط.