شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
أقسم بأن أكون وفياً للوطن والجيش والعلم...

في الأيام الأخيرة، رؤية الجيش ينسحب من بعض القرى الجنوبية مثل رميش، عين إبل، دبل، أو القليعة، يحدث شيئًا في الداخل يصعب تسميته. إنها ليست مجرد حزن. بل أقدم من ذلك، أعمق، كما لو أن هذا التراجع يأتي ليؤكد حدسًا كنا ندفعه بعيدًا منذ فترة طويلة، حدس بلد ينزلق ببطء خارج ذاته. في المقاهي، في الرسائل التي نرسلها لبعضنا البعض مساءً، نشعر أن شيئًا ما قد تصدع. لكن العاطفة، مهما كانت صائبة، لا تكفي لفهم ما يحدث. وطالما بقينا في الداخل، لا نرى شيئًا. الجيش لم يُصنع لينتحر. إنه مصنوع ليستمر طويلاً بما يكفي ليكون مفيدًا عندما يحين الوقت حقًا. إرسال رجال دون غطاء في مواجهة قوة تسحقهم، هذا ليس شجاعة. إنه أمر بموتهم وتسمية ذلك شجاعة. لأنه يجب فهم شيء واحد. هناك من يستطيعون الصمود حتى النهاية، حتى آخر رجل، لأنهم لا يستجيبون لنفس المنطق. أوامرهم تأتي من مكان آخر، من عاصمة أجنبية تحصي الخسائر دون أن تنظر أبدًا إلى القرى المحترقة. بالنسبة لهم، الموتى مفيدون. الأراضي اللبنانية ليست سوى مساحة للمناورة. وما يأتي بعد الحرب، ليس من شأنهم. لكن الجيش الوطني لا يحق له أن يفكر مثلهم. إذا دمر نفسه في معركة لا يمكنه الفوز بها، فهذه ليست معركة خاسرة، بل هو البلد نفسه الذي يرحل معها. وبعد ذلك، لن يبقى أحد ليصمد لأي شيء. إذًا نعم، إنه يتراجع. هذا صعب الرؤية. لكن هذا التراجع ليس هروبًا، إنه حساب، الوحيد الذي يسمح بالبقاء واقفين غدًا. تخلى جورج واشنطن عن نيويورك عام 1776، وسخر منه الموالون لأشهر. ترك الروس موسكو لنابليون عام 1812. صعد الإنجليز على متن السفن بشكل كارثي في دنكيرك عام 1940. لقد وصفناهم جميعًا بالجبناء. لقد فازوا جميعًا. هذه ليست مصادفة. لا يُقاس القبطان بالأمواج التي يواجهها. ولا يُقاس بعنف العاصفة. بل يُقاس بعدد الرجال الذين يعيدهم أحياء. القبطان الذي يغرق مع طاقمه لرفضه تغيير المسار ليس بطلاً. إنه مدمر للسفن. رب الأسرة لا يأخذ بندقيته ليموت أمام بابه. بل يخرج أهله من الخلف، يتراجع، يهرب حتى لو وصف بالجبان، لأن واجبه ليس أن يموت واقفًا: بل أن يضمن أن يعيش أهله. الجيش، اليوم، هو هذا القبطان وهذا الأب معًا. لا يتراجع ضعفًا. يتراجع لأن لديه ملايين الأطفال ليعيدهم. يجب أن نقول أيضًا ما نفضل عدم قوله. لبنان لن ينتصر في حرب ضد إسرائيل. هذا ليس حكمًا، بل حقيقة. لكن الجيش لا يوجد فقط لكسب الحروب. إنه موجود لكي يبقى بعد الحرب شيء يمكن حكمه، وشخص يمنع الجميع من تسوية حساباتهم بمفردهم في الشارع. بدون جيش، لا يوجد دولة. وبلد بدون دولة، هي حرب أهلية تعود لتطرق الباب. الذين يريدون بقاءها بأي ثمن لا يطلبون الشجاعة. إنهم يطلبون الدم. يطالبون بأن تحتل مواقع محاصرة، دون خطوط إمداد آمنة، دون تناوب للرجال، دون تفوق جوي، دون ذخيرة كافية أو دعم لوجستي مستمر. يطلبون من وحدة أن تعمل خارج السلسلة، مقطوعة عن خطوطها الخلفية، مكشوفة، جامدة، متحولة إلى هدف. هذا ليس وضع دفاعي. إنه حكم بالإرهاق، حتى الانهيار. وعندما لا يبقى جيش، سيفهمون بعد فوات الأوان أنهم دمروا الشيء الوحيد الذي كان يحميهم. ثم هناك هذا الجندي. في العشرين من عمره، أو ربما أقل. لم يختر الزي العسكري للمغادرة، بل اختاره ليبقى على وجه التحديد، ليحرس مكانًا، يراقب المنازل ليلاً، يتعرف على وجوه قرية لم تكن قريته. في ذلك الصباح، تلقى أمرًا بالرحيل. رتب أغراضه بصمت، صعد إلى الشاحنة، ولم ينظر خلفه. ليس لأنه لم يكن يكلفه شيئًا. بل لأنه كان يعلم أنه إذا نظر، فلن يرحل أبدًا. في الشاحنة، كانت يداه ترتجفان. ليس خوفًا. بل من ثقل ما كان يتركه خلفه. هذا البلد ما زال صامدًا بفضل أناس مثله. لقد نجا لبنان من أمور كانت ستقتل أي بلد آخر. لقد نجا لأن رجالًا مثل هذا الجندي استمروا في الاستيقاظ صباحًا، وارتداء الزي العسكري، والوقوف في مواقعهم دون معرفة ما إذا كان هناك أحد، في مكان ما، يعلم بوجودهم حتى. أدى ضابط في يوم من الأيام هذا القسم: «أقسم بالله العلي العظيم أن أكون وفيًا للوطن والجيش والعلم.» طالما تمسك بهذه الكلمات، فإن لبنان لا يسقط. ينزف، يتراجع، منهك، لكنه لا يسقط. التراجع، نعم. خيانة هذا القسم، أبدًا.

يا دول الخليج، اقتدوا بيوسف رجي!
بقلم
يوسف معوض
نُشر

استعادت جمهوريتنا المتهالكة بريقها. يكفي أن أحد وزرائنا أظهر حزمًا و«أقال»، في احترام للقواعد المتبعة، الممثل المعتمد لـ إيران. وكان ذلك أكثر فخرًا ليوسف رجّي لأنه تمكن من تحدي العاصفة التي أثارتها وقاحته. ومع ذلك، لا ينبغي الاعتقاد بأن هذا العمل الدبلوماسي القسري سيصل إلى حد استعادة مصداقية هذه الحكومة أو هذه الإدارة. سيتطلب الأمر أكثر من ذلك بكثير؛ وحتى عمليات تطهير على نطاق ستاليني بالكاد تكفي! الخليج في لهيب ودماء ولكن دعونا نذهب إلى الخليج الفارسي، لأنه يجب تسميته باسمه. وقد حوصرت في آخر معاقلها، قررت طهران إشعال الخليج المذكور في لهيب ودماء! إنها بالتأكيد ورقة الملالي الرابحة و ربما الأخيرة. مقارنة بسيطة في نهاية شهر من العمليات العسكرية: مقابل 4391 هجومًا إيرانيًا ضد الدول العربية (المملكة العربية السعودية، الإمارات، قطر، الكويت، البحرين، عمان وأبو ظبي)، لم يكن هناك سوى 930 ضد إسرائيل. وبنسبة إجمالية، إذا استهدفت 17% من الضربات الدولة العبرية، فإن 83% كانت موجهة للدول العربية، كل الأمم مجتمعة! كيف يمكن الرد على هذه الاعتداءات الصارخة؟ سلطنة عمان التي، بتاريخ 29 مارس، أدانت رسميًا العدوان «الغادر والجبان» الذي تعرضت له، تمتنع عن تحديد الفاعل وتدعو إلى الاحتكام إلى الأعراف الدبلوماسية. وفي أعقاب ذلك، أدانَت دولة قطر الهجوم الذي استهدف محطات توليد الكهرباء و تحلية المياه في الكويت. لا أكثر! هذه الدول ليست الوحيدة التي تتحلى بضبط النفس والحذر الشديد. حتى الآن، لم يُعلن أي سفير إيراني في الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية شخصًا غير مرغوب فيه. وإذا كان بعض أعضاء مجلس التعاون الخليجي قد «شكروا» ملحقين عسكريين إيرانيين أو موظفين صغار و مساعدين، فإنهم لم يتعرضوا قط للمندوب الرئيسي لـ جمهورية آيات الله. وهذا كان سيكون من طراز مختلف تمامًا وكان سيكون له صدى آخر! التقلب المزاجي الأمريكي بالتأكيد، سعت العواصم التي تعرضت للاعتداء إلى تعزيز تنسيقها الأمني في مواجهة ما تعتبره تهديدًا إيرانيًا متزايدًا؛ ومع ذلك، لا تزال تتردد حتى الآن في سلوك طريق التصعيد والرد العسكري الذي سيكون مشروعًا. باستثناء ربما الرياض التي تجهّز أسلحتها… وتتبنى لهجة تهديدية. هذه العواصم تخشى في الواقع إعادة تنشيط الخلايا النائمة على أراضيها وكذلك الضربات المكثفة التي تستهدف بنيتها التحتية النفطية ومحطات التحلية الأخرى. ولكن أكثر ما يخشونه هو عدم قدرة دونالد ترامب على التنبؤ. وهو عدم القدرة على التنبؤ الذي لم يفشل إيمانويل ماكرون في تسليط الضوء عليه في الأول من أبريل في طوكيو والذي لم يبدده الخطاب المتلفز، الذي ألقاه، بعد ذلك، ساكن البيت الأبيض*. لا تُبنى التحالفات القوية عندما لا يعرف المرء كيف يتعامل مع شريكه. يمكن للرئيس الأمريكي أن يستدعي ثلاث حاملات طائرات، وطائرات B52، وطائرات شبح، و قوات محمولة جوًا إلى مسرح العمليات، ولكنه يمكن أيضًا أن ينسحب بهدوء، دون أن يطلب شيئًا آخر. و إذا فاجأ في بعض الأحيان الحلفاء والخصوم بعمليات خاطفة، فكم مرة لم يفِ بوعوده و التزاماته؟ إن عدم قدرته على التنبؤ التكتيكي (أو ربما خدعته) ليس من شأنه أن يطمئن حلفاءه العرب! لذلك، يتبنون حيادًا هادئًا في وقت «الفرصة التاريخية» لإعادة تشكيل الشرق الأوسط! *إذا شكر دونالد ترامب، في تدخله يوم الأربعاء الأول من أبريل، دول الخليج، فقد أهمل، في المقابل، حرية الملاحة في مضيق هرمز. وعلاوة على ذلك، من يمكن أن يصدق أن قصف إيران بلا هوادة لمدة 2 إلى 3 أسابيع، كما وعد، سيكون قادرًا على إزالة التهديد الذي يهدد الدول العربية الساحلية!

ماذا عن المشهد اللبناني بعد الحرب؟
بقلم
رامي الريّس
نُشر

كيف سيكون وضع لبنان والمنطقة عند انتهاء الحرب الأميركية- الإسرائيليّة على إيران، وكيف سيكون حال الانقسام اللبناني- اللبناني الذي تفاقم إلى درجات غير مسبوقة جراء هذه الحرب، وجراء انخراط حزب الله فيها والاعتداءات الإسرائيلية التي تتوسع على لبنان وقد ناهز عدد الشهداء الذين سقطوا خلالها أكثر من ألف قتيل والأرقام إلى ارتفاع يومي لا بل على مدار الساعة! بالنسبة لإيران، صمود النظام بعد نحو شهر من اندلاع الحرب هو انجاز بحد ذاته، وهو ما قد يُطلق عليه في أدبيات المحور الذي كان يسمّي نفسه "محور الممانعة" مصطلح "إنتصار". بطبيعة الحال، التسمية نسبيّة، وما قد يُعتبر انتصاراً بمعيار "المحور" هو إنكسار كبير بالفهم العام لمجريات الحرب. أن يبقى النظام وتُدمر البلاد لا يُعد إنتصاراً، فإيران سوف تحتاج إلى عقود طويلة للخروج من الكبوة التي سقطت فيها بعد هذه الحرب المدمرة. ولكن وفق الحسابات المصلحيّة للنظام الإيراني، وهو نظام ديني عقائدي متشدد، فإن بقاء السلطة في مواجهة أكبر دولة في العالم التي تفاخر بجبروتها العسكري وحليفتها الاقليمية التي تمكنت خلال أشهر قليلة من قلب موازين القوى في المنطقة، هو بحد ذاته إنجاز يُعتد به. ليس ذلك فقط، ففي المنطق الإيراني، استطاعت طهران تحدي منظومة القبة الحديدية واختراق "الأمن الإسرائيلي" واسقاط المئات من الصواريخ على المدن والمناطق الإسرائيلية بالتعاون طبعاً مع حزب الله الذي يطلق بدروه المئات من الصواريخ على شمال فلسطين المحتلة بالتوازي مع التصدي لقوات الجيش الإسرائيلي التي تسعى جاهدة للتوغل في جنوب لبنان والتقدم في احتلال قراه تمهيداً لخلق أمر واقع جديد يعكس نفسه في اتفاقية جديدة لوقف إطلاق النار خصوصاً أن اتفاقية العام 2024 يبدو أن مفاعيلها سقطت، وهي أساساً لم تُحترم من قبل إسرائيل منذ توقيعها وطوال أكثر من 15 شهراً انتهُكت فيها السيادة اللبنانية مئات المرات ولم تنجح لجنة "الميكانيزم" في تطبيق اي من بنود الاتفاق على إسرائيل. على الصعيد اللبناني الداخلي، لا يمكن لمن يراهنون على "انتهاء" حزب الله الاستمرار في إشاحة النظر عمّا يجري في إيران، ولا يمكنهم إنكار أن "الصمود الإيراني" ولو بأكلاف عالية جداً، سوف يوفر- بشكل أو بآخر- متنفساً ما للحزب عاجلاً أم آجلاً. والأهم من كل ذلك، أنه لا يمكنهم إدارة الظهر للاعتداءات الإسرائيلية التي تطال- فيما تطال- المدنيين الأبرياء والمسعفين والأطباء والصحافيين، كما أنها تستهدف البنى التحتية المدنية كالجسور والمنشآت العامة لقطع منطقة جنوب نهر الليطاني عن باقي المناطق اللبنانية، فضلاً عن التدمير الكامل لقرى الحافة الأمامية وتسويتها بالأرض بهدف خلق واقع جديد قوامه إخلاء تام لهذه المناطق من السكان تمهيداً لاحتلال طويل الأمد، وهو مغاير لما حصل بعد احتلال الجنوب بدءاً من العام 1978 مروراً بالعام 1982 عند حدوث الغزو الكبير الذي وصل إلى بيروت، حتى تحرير الأرض بالكامل في العام 2000. إذا كان هذا الواقع المستجد يحتّم على اللبنانيين المعترضين على انخراط حزب الله في هذه الحرب بإسم اللبنانيين جميعاً دون التشاور معهم أو موافقتهم (وهم على حق في ذلك) إعادة النظر في مواقفهم ورهاناتهم على القضاء على حزب الله؛ فإنه حري أيضاً بالحزب الاقلاع الفوري عن لغة التهديد والوعيد والتخوين وإطلاق الشتائم والتهم بـ "الصهينة" لهذا المسؤول أو ذاك. لا يمكن القبول بفكرة أن هذا الحزب المسلح الذي ورّط لبنان في حرب لا طائل له فيها سوف ينقض على سائر اللبنانيين بعد توقف الحرب، وهو ما يُهدّد به عدد من مسؤوليه أو بعض "الاعلاميين" الذين يدورون في فلكه، في تحد واضح لمشاعر فئات واسعة من اللبنانيين ولفكرة "الدولة" التي يفترض أن تكون الجامع بين مختلف مكونات المجتمع. لعل أكثر ما تستفيد منه إسرائيل هو تغذية الخلافات والأحقاد بين اللبنانيين، وتأليب الطوائف على بعضها البعض لأن ذلك من شأنه أن يوفر عليها الكثير من الجهد لالتهاء اللبنانيين بعضهم ببعض والانكفاء عن مواجهتها أو التصدي لمشروعها التوسعي الذي بدأ يأخذ منحنيات خطيرة مع تصاعد الأصوات من داخل إسرائيل التي تتحدث عن "إسرائيل الكبرى" وضرورة التوسع شمالاً نحو جنوب لبنان لحماية القرى والمستوطنات التي لا تعرف الاستقرار. لقد خبر اللبنانيون التجربة السيئة في السابع من أيار/ مايو 2008 التي كانت بمثابة انقلاب مسلح على فكرة العيش المشترك بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني وهي أتت في ذروة قوة الحزب وسطوته المسلحة على الحياة الوطنية والدستورية والسياسية اللبنانية والتي لا يمكن القبول بتكرارها بأي شكل من الأشكال لأنها سوف تكون وصفة جاهزة للاقتتال الداخلي والتنكر لكل منجزات السالم الأهلي والإعمار والاستقرار (ولو الهش) التي تحققت بعد اتفاق الطائف (1989). المطلوب من اللبنانيين في هذه اللحظة التاريخيّة التواضع والانكفاء نحو المواقع الأساسيّة والتصدي لوقف الحرب والاعتداءات وإعادة بناء المناخات الوطنية المطلوبة لتحصين الاستقرار والسلم الداخلي بما يسقط أي مشاريع لتغذية الخلافات الداخلية عبر العنف الذي اختبر على مدى 15 سنة في حرب أهلية مدمرة.

واشنطن-طهران: الوساطة في طريق مسدود

يظل كل الاهتمام منصبًا على هذه المرحلة الجديدة التي يبدو أن المنطقة تتجه إليها بحزم، في ظل الرفض الواضح من طهران لبدء حوار مع واشنطن، بناءً على الشروط الوحيدة التي وضعتها إدارة ترامب لوقف الهجوم العسكري الذي بدأ في 28 فبراير. يجب القول إنه لم يتم الإعلان رسميًا حتى الآن عن أي شيء بهذا الشأن من قبل الجمهورية الإسلامية، التي سبق أن صرح قادتها بأن اقتراح واشنطن المكون من 15 نقطة غير قابل للتحقيق ومبالغ فيه، وأن لديهم هم أنفسهم شروطًا للحوار. من بين هذه الشروط، وقف الهجمات والاغتيالات المستهدفة في إيران، بالإضافة إلى ضمانات صارمة لعدم استئناف الهجوم. وتطالب طهران أيضًا باحترام «السيادة الإيرانية» على مضيق هرمز، الذي تعتبره «حقًا». ما لم يحدث تحول في اللحظة الأخيرة بحلول يوم الأحد، وهو الموعد النهائي الذي حدده الرئيس دونالد ترامب لطهران للرد على اقتراحه – قبل أن تبدأ الطائرات الأمريكية والإسرائيلية في استهداف البنية التحتية الإيرانية، وخاصة الطاقة – يبدو الوضع كجمود تام، مما يترك المجال مفتوحًا لجميع التكهنات حول تطور الأحداث. هذا الجمود يتأكد مرة أخرى من خلال تصريحات الرئيس الأمريكي الذي قلل، على شبكته الاجتماعية Truth Social يوم الجمعة، من أهمية إغلاق مضيق هرمز من قبل طهران، مع الإشارة إلى أن إعادة الفتح بالقوة لا تزال ممكنة. وكتب: «مع قليل من الوقت الإضافي، يمكننا بسهولة فتح مضيق هرمز، والحصول على النفط وتحقيق ثروة. سيكون هذا بمثابة «نعمة» حقيقية للعالم». في مواجهة إيران التي ترفض التراجع، كانت دول الخليج قد لجأت إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، مطالبة إياه بإعطاء الضوء الأخضر لإعادة فتح المضيق. كان من المفترض أن تجتمع هذه الهيئة يوم الجمعة لدراسة طلب الممالك الخليجية والتصويت، لهذا الغرض، على مشروع قرار بحريني، يسمح باللجوء إلى القوة ولكن بشروط. إلا أن الاجتماع تأجل لعدم وجود إجماع على المسألة. كانت طهران قد حذرت من هذا التصويت، محذرة من أنه لن يؤدي إلا إلى تعقيد وضع معقد بالفعل. وبذلك تظل الجمهورية الإسلامية غير مبالية تمامًا بالتهديدات التي تحوم حولها. أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يوم الجمعة أن «تل أبيب ستواصل هجماتها ضد النظام الإيراني، بالتنسيق مع واشنطن»، موضحًا أن جيشه دمر «70% من قدرات إنتاج الصلب» في إيران، حيث توقف أكبر مصنعي الصلب عن العمل. وقال: «هذا إنجاز كبير يحرم الحرس الثوري من الموارد المالية والقدرة على إنتاج العديد من الأسلحة». في هذا اليوم، 3 أبريل، تصاعد تبادل التهديدات عبر المصادر الإعلامية، بينما لا يزال الوضع على الأرض يتسم بضربات إسرائيلية أمريكية عنيفة على أهداف مختلفة تتعلق بشكل خاص بتطوير الترسانة الباليستية والنووية لطهران، بالإضافة إلى استمرار إطلاق النار الإيراني ضد إسرائيل ودول الخليج. وتستمر الجمهورية الإسلامية في استهداف البنية التحتية المدنية هناك. فقد تعرضت محطة كهرباء ومحطة تحلية مياه في الكويت لأضرار جسيمة بعد أن أصابتها صواريخ إيرانية مباشرة، بينما في أبو ظبي، أدت شظايا صواريخ تم اعتراضها إلى تعطيل مؤقت لمنشآت الغاز في حبشان، لا سيما بسبب حريق تسببت فيه. إسقاط طائرة F-15 في إيران يبقى الحدث البارز لهذا اليوم على الأرض هو سقوط طائرة مقاتلة أمريكية من طراز F-15، أسقطها نظام الدفاع الجوي. هذه هي المرة الأولى منذ بداية الحرب التي تتمكن فيها طهران من إسقاط طائرة حربية أمريكية. ووفقًا لوكالة الأنباء الإيرانية فارس، التي نقلت عنها وكالة الأنباء الفرنسية، بدأ الجيش الإيراني عمليات بحث للعثور على الطيار الذي يُعتقد أنه تمكن من القفز من الطائرة. وأعلن التلفزيون الإيراني من جانبه عن مكافأة لمن يعثر عليه حيًا، بينما أفادت قناة الحدث بأن الطيران الأمريكي كان يجري عملية تمشيط وبحث مكثفة. وفي موازاة ذلك، تواصل إسرائيل أيضًا سياسة متقلبة بشأن لبنان. وفقًا لصحيفة جيروزاليم بوست التي نقلت عن مصدر عسكري إسرائيلي، فإن جيش تل أبيب قد أقر بأن هدفه المتمثل في نزع سلاح حزب الله غير واقعي، «لأن ذلك سيتطلب شن غزو شامل للبلاد، وهو ما لن يفعله». وفقًا لهذا الإعلام، يكمن التحدي الرئيسي لنزع سلاح حزب الله في «مخزونات الصواريخ ذاتية الدفع المنتشرة شمال نهر الليطاني». «من المتوقع أن تُنهي الفرق الإسرائيلية المنتشرة في لبنان السيطرة على مناطق تقع على بعد ثمانية إلى عشرة كيلومترات من الحدود مع إسرائيل خلال الأسبوع المقبل. ويهدف هذا التقدم إلى تقليل قدرة حزب الله على إطلاق صواريخ مضادة للدبابات باتجاه إسرائيل وزيادة وقت الإنذار لإطلاق الصواريخ من لبنان»، حسبما ذكرت الصحيفة الإسرائيلية، مشيرة إلى أن مجلس الحرب الإسرائيلي من المتوقع أن يقرر الأسبوع المقبل استكمال عمليته في لبنان، حيث أعاد وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، التأكيد يوم الجمعة أن نزع سلاح حزب الله «أولوية عسكرية كبرى»، في الوقت الذي أكد فيه بنيامين نتنياهو أنه يعتزم «توسيع المنطقة الأمنية في جنوب لبنان بشكل أكبر». أعاد إسرائيل كاتس التأكيد على أن بلاده تفصل بين الملفين اللبناني والإيراني وأن الأهم في الوقت الحالي هو ضمان أمن الجزء الشمالي من إسرائيل. واصل الجيش الإسرائيلي، في هذا السياق، إنشاء منطقة عازلة بتفجير منازل القرى الحدودية. وقد فجر أمس عدة منازل في عيتا الشعب. وقد سُمعت الانفجارات حتى صور. بالإضافة إلى ذلك، فجّر الجيش جسرين بين صهمور ومشغرة، في البقاع، في إطار استراتيجيته الرامية إلى تعطيل نقل الأسلحة والذخائر إلى جنوب الليطاني، حيث طُلب من سكانه مرة أخرى، يوم الجمعة، الانتقال شمالاً. وقد وُجه التحذير نفسه بإخلاء الأماكن من قبل الجيش الإسرائيلي إلى سكان الضاحية الجنوبية لبيروت. في يوم الجمعة أيضًا، أعلن الجيش الإسرائيلي عن ضرب أكثر من 3500 هدف في جميع أنحاء لبنان و«القضاء» على حوالي 1000 مقاتل من حزب الله في شهر واحد، بالتوازي مع هجومه البري في جنوب البلاد.

هل أصبح ملف تشكيل "الناتو السنّي" موضوعياً؟
بقلم
المركز اللبناني للبحوث والدراسات
نُشر

يعود هذا الموضوع الى العام 1998 وبالتحديد 30 ايار 98، تاريخ آخر تجربة نووية نفّذتها باكستان في صحراء خاران الرملية في بلوشستان. ويعود تمويل القنبلة والمسار النووي الباكستاني إلى المملكة العربية السعودية بموافقة أميركية واسرائيلية. وقد سمحت واشنطن وتل أبيب لباكستان أن تصبح دولة نووية لإيجاد توازن استراتيجي في المثلث (الهند الصين وباكستان)، بعد أن اصبحت كل من الصين والهند دولتان تمتلكا القنبلة النووية. بعدها كثر الكلام عن توجّه ايران لتطوير برنامج نووي عسكري تحت غطاء مدني، وهو ما اعتبرته تل ابيب وواشنطن أمراً غير مقبول. فالقنبلة النووية الباكستانية (السنيّة) كانت لفرض توازن في منطقة الشرق الأقصى، أما قنبلة ايران النووية (الشيعية) فهي ستخلق ميزاناً جديداً في الشرق الأوسط، حيث تعتبر اسرائيل نفسها اللاعب الاستراتيجي الاول في المنطقة. ورُفع شعار لا لامتلاك ايران لقنبلة نووية، فيما أصرّت طهران على ان برنامجها النووي سلمي وليس لديها طموح عسكري في هذا المجال. اليوم يكثر الكلام عن قيام "ناتو سنّي"، ويأتي هذا الكلام بعد قمة "شرم الشيخ للسلام"، حيث اجتمع حوالي مليار وثلاث مئة مليون مسلم ليعلنوا نهاية الصراع العسكري مع اسرائيل مقابل قيام دولة فلسطين. وقد اتى ذلك ضمن مبادرة الرئيس الاميركي دونالد ترامب بعد حرب غزّة، على أن تكون المبادرة من عدة مراحل، اولها إنهاء الحرب في غزّة وبعدها تشكيل حكومة مدنية فيها، لكن المبادرة توقفت عند المرحلة الاولى. وقد وُلد شعور لدى المملكة السعودية بالتحديد ولدى السنّة بالعموم، أن الرئيس ترامب مع اليمين الاسرائيلي لا يريدان قيام دولة فلسطين، وأن اليمين الاسرائيلي أقنع ترامب بأن لا يتمادى مع الدول الاسلامية في المنطقة كي لا يفرضوا شروطهم في المستقبل، وبانه من الضروري ضرب ايران. يمكن ملاحظة بعض الخلاف داخل إدارة "الجمهوريين" في الولايات المتحدة حول موضوع اعتبار ان دول الخليج لا يمكن ان يكون لها دوراً مقرّراً في المنطقة. فقد وضع ترامب وبعض من فريقه ملاحظات على اداء الامير محمد بن سلمان حين اتفق مع الحوثيين في "ينبُع"، وكيف انه اتفق معهم بدون علم الاميركيين، ومن ثم حين سافر الى الصين (في عهد الرئيس بايدن) وتم وضع الاتفاق مع ايران برعاية صينية. اليوم، الامير بن سلمان و"هؤلاء السنة" في المنطقة، وبنتيجة ما يحصل فيها، مضافاً اليهم مصر وتركيا، يريدون وقف الحرب ولديهم بالجهة المقابلة نائب الرئيس الاميركي ج. د. فانس ومَن وراءَه من الجمهوريين، حليف يدعم وقف هذه الحرب. الكلام عن الناتو السني بمحله، حيث قد يقضي الى نوع من التوازن في المنطقة بعد انتهاء الحرب. فإذا كان السنّة بخير في المنطقة تكون المنطقة بخير بالطبع. وإذا رجعنا بالتاريخ إلى ما قبل عائلة الاسد في سوريا، لا يمكن تجاهل أن الطبقة البرجوازية السنية في سوريا عيّنت فارس الخوري رئيساً للحكومة السورية، وهو لبناني من الكفَير، بالاضافة إلى شوكت شقير والد ايمن شقير الدرزي من قرصون في جبل لبنان، الذي عُيّن قائد أركان الجيش السوري. وبالطبع أضف إلى السنة، اذا كان المسيحيون ومعهم شيعة "محمد حسين شمس الدين" بخير تكون المنطقة ولبنان بخير ايضًا.

الحرب في إيران: ثلاثة أيام حاسمة قبل انتهاء الإنذار الأمريكي

تنتهي الأحد مهلة الأيام العشرة التي منحتها واشنطن لطهران للرد على الشروط الخمسة عشر التي وضعتها لوقف الأعمال العدائية، دون ظهور أدنى علامة ملموسة على احتمال تهدئة التصعيد في الأفق. بل على العكس، يبدو أن المواقف تزداد تصلباً، بينما تستعد الولايات المتحدة وإيران لشن هجمات محتملة في مرحلة جديدة من الصراع العسكري، ولا يزال الارتباك يسود بشأن المحادثات المحتملة بين الدولتين. تكشف ردة الفعل العنيفة للجمهورية الإسلامية على الخطاب الذي طال انتظاره للرئيس دونالد ترامب أمام الأمريكيين مساء الأربعاء، والمصحوبة بتهديدات مضادة، عن صعوبة المهمة التي يضطلع بها الوسطاء لدفع الطرفين المتحاربين الرئيسيين إلى بدء حوار. في صميم المواجهة، يبقى هذا الثابت الذي يطرح نفسه في شكل سؤال: ما الذي يجب أن يتم أولاً، الحوار أم وقف إطلاق النار؟ إيران التي ليست معادية لمبدأ الحوار، ولكنها رفضت شروط واشنطن الخمسة عشر، واعتبرتها مبالغ فيها وغير قابلة للتحقيق، تواصل المطالبة بأن تنهي الولايات المتحدة هجومها، وهو ما رفضه الرئيس ترامب مرة أخرى يوم الأربعاء. وبذلك، تصاعد التوتر مجدداً بين الجانبين. ففي واشنطن، حيث تُجرى استعدادات مكثفة لهجوم بري قد يكون النهاية الكبرى التي تتمحور حول السيطرة على المواقع الاستراتيجية الإيرانية، يوعدون بـ«إعادة إيران إلى العصر الحجري» في غياب اتفاق، بينما تلوح طهران بتهديدات بشن هجمات «مدمرة» ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. أعلن دونالد ترامب للأمريكيين في خطابه ليلة الأربعاء أن الضربات، التي اعتبرها ضرورية لمنع إيران من امتلاك السلاح النووي، لن تتوقف قريباً. وأشار في هذا الصدد إلى الانتصارات «الحاسمة» التي تحققت، مؤكداً أنه «قريب من تحقيق» أهدافه في إيران، وقال: «سنضربهم بقوة شديدة خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه». هدد مرة أخرى باستهداف البنية التحتية للطاقة الإيرانية، مؤكداً أنه في غياب اتفاق، فإن الولايات المتحدة «ستضرب كل محطاتها الكهربائية بقسوة شديدة وربما في وقت واحد». وكانت واشنطن قد قررت تعليق هذه الهجمات بانتظار رد طهران على شروطها الخمسة عشر. اليورانيوم المخصب لم يتوسع الرئيس الأمريكي في الحديث عن محادثات محتملة، مؤكداً ما يكرره بهذا الشأن، وهو أن الإيرانيين هم من يرغبون في بدء حوار وأنهم هم من دعوا إلى وقف إطلاق النار، وهو ما سارعت وزارة الخارجية الإيرانية إلى نفيه. كما تجنب التطرق إلى احتمال نشر قوات برية، وهو احتمال غير شعبي للغاية في الولايات المتحدة. تطرق دونالد ترامب بإيجاز إلى مسألة احتياطيات إيران من اليورانيوم المخصب، مؤكداً أنها مدفونة في عمق كبير، مشيراً إلى أن المراقبة عبر الأقمار الصناعية ستكون كافية في الوقت الحالي. كما مرّ بسرعة كبيرة على الموضوع الذي يقلق الأمريكيين والذي يتسبب في تراجعه في استطلاعات الرأي منذ شهر: ارتفاع أسعار البنزين. إنها، حسب قوله، ظاهرة «قصيرة الأجل». واطمأن قائلاً إن الاقتصاد الأمريكي «لم يكن يوماً بهذه القوة». ذكّر دونالد ترامب أيضاً بأن الولايات المتحدة، المصدرة للنفط، لا تعتمد على الإمدادات التي تمر عبر مضيق هرمز الذي أغلقته إيران. اجتماع حول هرمز وقال إن الدول التي تعاني من إغلاق هذا الممر الملاحي الاستراتيجي يجب أن «تتصرف»، ووعد في الوقت نفسه بعدم «التخلي» عن حلفائه في الخليج. ولم يستأنف هجماته العنيفة ضد الناتو، ولا سيما الدول الأوروبية التي قد تجد نفسها مضطرة للتدخل لإعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهو الورقة الرئيسية لإيران في مواجهتها مع الولايات المتحدة. نلاحظ في هذا السياق أن وزراء خارجية حوالي أربعين دولة، من بينها اليابان، عقدوا يوم الخميس اجتماعاً افتراضياً لمناقشة إغلاق هذا الشريان الحيوي للتجارة الدولية، والذي تهدد طهران بفرض سيطرة كاملة عليه من خلال فرض رسوم عبور. خلال هذه المباحثات، أعلنت رئيسة الدبلوماسية البريطانية، إيفيت كوبر، عن اجتماع آخر سيُعقد على المستوى العسكري لمناقشة عمل مشترك يهدف إلى ضمان إعادة فتح المضيق بشكل دائم وتأمين ناقلات النفط وسفن الشحن، بعد انتهاء الحرب، دون تحديد الدول التي ستُشارك فيه. ففرنسا، على سبيل المثال، لا تزال تعارض بشدة أي عملية عسكرية لهذا الغرض. وقد وصف رئيسها، إيمانويل ماكرون، خلال زيارة دولة إلى سول، أي عملية عسكرية لفتح ممر هرمز بـ«غير الواقعية». وعلق قائلاً: «لم يكن هذا هو الخيار الذي اعتمدناه قط»، معتبراً أنها قد «تستغرق وقتاً لا نهائياً» و«تنطوي على العديد من المخاطر». إلا أنه في انتظار فك الحصار الافتراضي، تواصل أسعار الوقود ارتفاعها، مما يؤثر على الاقتصاد الدولي بأكمله. تكثيف الضربات ورقة ضغط أخرى لإيران، هي الهجمات ضد دول الخليج، التي تزايدت بعد خطاب دونالد ترامب، بالتزامن مع إطلاق صواريخ منسقة ضد إسرائيل. هذا التصعيد في الضربات الذي استمر طوال يوم الخميس، جاء بعد التهديدات الإيرانية بشن هجمات «مدمرة» ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، إثر خطاب الرئيس الأمريكي. أكد القائد العملياتي للجيش الإيراني، في بيان بثه التلفزيون الرسمي، أن هذه الحرب ستستمر حتى «إذلال» أعداء إيران. تظل وكلاؤه منخرطين بالكامل في نفس هذه الاستراتيجية، غير مبالين تماماً بتداعياتها على البلدان التي ينتمون إليها. وهذا هو الحال بشكل خاص مع حزب الله الذي، شأنه شأن إيران، كثف في الوقت نفسه ضرباته ضد شمال إسرائيل ليلة الأربعاء إلى الخميس وخلال يوم الخميس. أدى هذا التصعيد في العنف عبر الحدود في الجنوب إلى دفع وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، إلى توجيه تهديداته مباشرة إلى رئيس حزب الله، نعيم قاسم، «وزملائه الذين سيدفعون ثمن إطلاق الصواريخ على إسرائيل خلال عيد الفصح» اليهودي. وهدد قائلاً: «سنطهر جنوب لبنان من حزب الله وداعميه وسنقتلع أنياب هذا الأفعى من كل لبنان»، بينما كان جيشه يقوم بهدم منازل في المنطقة الحدودية. تصريح سلام على الصعيد السياسي اللبناني، وفي ختام مجلس الوزراء الذي ترأسه صباحاً، ندد رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، بسياسة الأرض المحروقة التي تطبقها إسرائيل في جنوب لبنان، لإقامة منطقة عازلة هناك، لكنه في الوقت نفسه انتقد المغامرة التي جرّت إليها التشكيلة الموالية لإيران البلاد، «التي أصبحت مسرحاً لحروب الآخرين»، بثمن بشري واجتماعي ومادي واقتصادي باهظ للغاية. واستنكر قائلاً: «لا ينبغي أن يُكرس أي رابط بين الصراع على أراضينا وحروب الآخرين، التي لا مصلحة لنا فيها، بما في ذلك العمليات العسكرية المعلنة كعمليات مشتركة ومنسقة مع الحرس الثوري الإيراني»، مشدداً على أن حكومته تسعى لإخراج البلاد من هذه الحرب بالوسائل السياسية والدبلوماسية.