Levant Time logo

Articles

News feature image
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
Author portrait
By LevantTime .
Published سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
Author portrait
By ميشال حاجي جورجيو - Published سبتمبر 6, 2026 - 13:31
News feature image
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
Author portrait
By منى فياض - Published سبتمبر 5, 2026 - 20:01
News feature image
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
More Articles
Sort By: NewestOldest
عشية "اليوم الحاسم"، ترامب يهدد إيران بالدمار

صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضغط على طهران مهددًا إيران بالدمار الشامل. "يمكن تدمير البلد بأكمله في ليلة واحدة، وقد تكون هذه الليلة هي ليلة الغد (الثلاثاء)"، حسبما صرح الرئيس الأمريكي خلال مؤتمر صحفي. كان ترامب قد حدد مساء الثلاثاء كإنذار نهائي قبل قصف البنى التحتية للطاقة في إيران. وأكد أنه لا "يشعر بالقلق" من خطر ارتكاب جرائم حرب عندما سأله صحفي عن تهديده بتدمير محطات الطاقة. رد الرئيس قائلًا: "جريمة الحرب" ستكون السماح لإيران بامتلاك السلاح النووي، مشيرًا إلى قمع النظام للمظاهرات: "إنهم يقتلون المتظاهرين. إنهم حيوانات". ومع ذلك، كان العالم يأمل في تهدئة بعد تقارير تفيد بوساطة من دول ثالثة. لكن الإيرانيين والأمريكيين رفضا تقريبًا في وقت واحد يوم الاثنين عروض الهدنة، على الرغم من أن الرئيس ترامب أشاد بخطوة "مهمة للغاية" في الصراع. أكد البيت الأبيض أن الدول الوسيطة اقترحت وقف القتال لمدة 45 يومًا، مضيفًا أن دونالد ترامب لم "يوافق" على هذه الفكرة. "هذا ليس جيدًا بما يكفي بعد، لكنها خطوة مهمة للغاية"، قال الرئيس الأمريكي نفسه خلال حديث مع الصحفيين على هامش حفل أقيم بمناسبة عيد الفصح في البيت الأبيض. كما صرح دونالد ترامب بأنه "لو كان الأمر بيده"، لاستولى على النفط الإيراني، لكنه أضاف أنه "للأسف، الأمريكيون يريدوننا أن نعود إلى ديارنا". "إنهم أغبياء"، رد على الصحفي الذي سأله عن رأيه في معارضة غالبية الأمريكيين للصراع، وهو ما أكدته جميع استطلاعات الرأي. وفقًا لموقع أكسيوس الإخباري الأمريكي، ناقش وسطاء أتراك ومصريون وباكستانيون اقتراحًا من مرحلتين، يبدأ بوقف إطلاق نار لمدة 45 يومًا للسماح بالمفاوضات، قبل أن يؤدي إلى اتفاق لإنهاء الحرب التي اندلعت في 28 فبراير. في المقابل، أكدت وكالة الأنباء الإيرانية إرنا أن طهران رفضت اقتراحًا لوقف إطلاق النار، لم يتم تحديد محتواه، قدمته باكستان. ركزت مطالب ترامب الأخيرة على إعادة فتح مضيق هرمز، النقطة الحيوية للتجارة العالمية للنفط والغاز، والذي تسيطر عليه إيران حاليًا فعليًا. وقد سبق له أن قال عدة مرات إن مصير المضيق لا يهمه وأصر على أنه سيتخذ قرار إنهاء العمليات العسكرية أو عدمها بغض النظر عن أي مفاوضات. ضرب مجمعين للبتروكيماويات الإيرانية على الأرض، تعرض مجمعان للبتروكيماويات الإيرانية للضرب. وفقًا لوزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، "حوالي نصف إنتاج البلاد من البتروكيماويات" قد دمر. وذكرت وكالة الأنباء الإيرانية فارس "عدة انفجارات" في هذا الموقع الضخم الذي يضم أيضًا أكبر منشأة غاز في البلاد. هذه الضربات الإسرائيلية حيوية استراتيجيًا لأن إيران تنتج هناك جزءًا من الوقود الصلب المستخدم في تصنيع الصواريخ. وأشارت وكالات الاستخبارات الغربية إلى وصول عدة شحنات من السلائف الكيميائية المستخدمة في صناعة الصواريخ، قادمة من الصين، إلى موانئ إيرانية تقع قبل مضيق هرمز. بالإضافة إلى البنى التحتية، استهدف قادة إيرانيون: أعلن الحرس الثوري أن رئيس استخباراته، مجيد خادمي، قُتل. كما أعلن الجيش الإسرائيلي عن القضاء يوم الأحد على قائد وحدة العمليات الخاصة التابعة لفيلق القدس الإيراني، الفرع المسؤول عن العمليات الخارجية للحرس، خلال غارة في طهران. في لبنان، كشفت معلومات جديدة بشأن الضربة التي استهدفت شقة في عين سعادة عن وجود مستأجر قبل أيام قليلة من الهجوم. وعثر المحققون في الموقع على مسدس وزجاجات مياه. وكانت وسائل إعلام أخرى، نقلًا عن بيان للجيش اللبناني، قد أعلنت أن الشقة كانت غير مأهولة. الإعدامات تتوالى في إيران على صعيد آخر، أعدمت إيران يوم الاثنين رجلًا آخر محكومًا بالإعدام على خلفية مظاهرات يناير، في حين تتزايد إعدامات أشخاص تعتبرهم المنظمات غير الحكومية سجناء سياسيين على خلفية الحرب ضد إسرائيل والولايات المتحدة. حكم على سبعة رجال بالإعدام في فبراير. ومنذ ذلك الحين، أُعدم أربعة منهم، بمن فيهم مراهقون، مما يترك الثلاثة الآخرين عرضة لخطر الإعدام الوشيك، وفقًا للمنظمات غير الحكومية. بعد توقف أولي أعقب اندلاع الحرب في 28 فبراير، أعدمت السلطات الإيرانية عدة سجناء سياسيين، وفقًا لمنظمة حقوق الإنسان الإيرانية (IHR) ومقرها النرويج. تؤكد IHR أن المتهمين "تعرضوا للتعذيب وحرموا من الوصول إلى محامٍ"، ثم حكم عليهم بالإعدام بعد محاكمة سريعة "غير عادلة بشكل صارخ"، برئاسة القاضي أبو القاسم صلواتي. وقد عاقبت الولايات المتحدة هذا القاضي في عام 2019، مؤكدة أنه معروف بلقب "قاضي الموت" بسبب استخدامه المتكرر لعقوبة الإعدام. "تندرج هذه الإعدامات ضمن استراتيجية بقاء الجمهورية الإسلامية، التي تشن حربًا ضد شعبها في ظل صراع خارجي"، صرح مدير IHR، محمود أميري مقدم. "يجب على المجتمع الدولي أن يتفاعل بشكل عاجل. يجب أن يصبح وضع السجناء والاستخدام المنهجي لعقوبة الإعدام من قبل النظام شرطًا أساسيًا لأي مفاوضات أو مشاركة مع الجمهورية الإسلامية"، أضاف. بالنسبة لمنظمة العفو الدولية، تُظهر هذه الإعدامات أن النظام القضائي هو "أداة للقمع، يرسل الأفراد إلى المشنقة لبث الخوف والانتقام من أولئك الذين يطالبون بتغيير سياسي جوهري".

الإستسلام اللبناني هو الوطنية...
By
خيرالله خيرالله
Published

بات لبنان متروكا لمصيره في غياب موقف موحّد لكبار المسؤولين، أي رئيس الجمهوريّة ورئيس مجلس النوّاب ورئيس مجلس الوزراء، من البحث عن مخرج من جهة ورغبة إسرائيليّة في إقامة منطقة عازلة في الجنوب من جهة أخرى. لا يقتصر الخطر الإسرائيلي على إقامة هذه المنطقة العازلة، بل يبدو واضحا أنّ الدولة العبريّة مصرّة على تدمير قرى لبنانية على طول ما يُعتبر الحدود بين البلدين، وهي خطوط لم ترسّم رسميا بعد... تبدو الحاجة إلى موقف موحّد وشجاع أكثر من أي وقت، لا لشيء سوى لأنّ مصير البلد ومستقبله على كفّ عفريت بعدما أدخله الحرس الثوري الإيراني في حرب ذات طابع مدمّر. كف سيواجه لبنان وجود ما يزيد على مليون نازح في المرحلة المقبلة. تقع مسؤولية وجود هذا العدد الكبير من النازحين، وهم في اكثريتهم الساحقة من الشيعة، على إيران وحزب الله في الوقت ذاته. هؤلاء النازحون نتيجة مباشرة لقرار الدخول في حرب جديدة مع إسرائيل تسببت بها الصواريخ الستة التي اطلقها "الحرس الثوري" من جنوب لبنان بحجة الإنتقام لمقتل المرشد الأعلى علي خامنئي. المؤسف أنّ "الجمهوريّة الإسلاميّة"، التي يتحكّم بها الحرس الثوري كلّيا، تعرف تماما ما الذي تريده من لبنان وما هي وجهة إستخدامه، خصوصا بعدما وضع الحرس الثوري يده على حزب الله كلّيا. تبدو "الجمهوريّة الإسلاميّة" مستعدة للتضحية بكل اللبنانيين، بمن في ذلك الشيعة، من أجل تأكيد امتلاكها أوراقها في المنطقة وقدرتها على تحويل الحرب إلى حرب إقليميّة، بل إلى حرب تؤثر على الاقتصاد العالمي. بإختصار شديد، يسعى النظام في إيران إلى إظهار أنّ استثماره في حزب الله وفي العمل الدؤوب على تغيير طبيعة الطائفة الشيعيّة في لبنان، كان استثمارا في محله وأنّ هناك في لبنان من هو مستعد للموت من أجل أن يستأهل مكانته كـ"جندي" في جيش الوليّ الفقيه، كما كان يقول الراحل حسن نصرالله. تعرف الإدارة الأميركيّة ما المطلوب من لبنان. بالنسبة إلى إدارة دونالد ترامب التي تبدو مصرّة على إخضاع إيران، تتمتّع إسرائيل بحرّية عمل ما تريده في لبنان. في إسرائيل نفسها حصلت محاولة لجعل رون ديرمر، الذي يمتلك عقلا سياسيا، يتولّى الملف اللبناني. لكنّ الملف عاد سريعا إلى وزير الدفاع إسرائيل كاتس الذي لا يؤمن بالديبلوماسية والذي يعتقد أنّ لا حلّ في لبنان غير الحل العسكري الذي يعني الإنتهاء من حزب الله وسلاحه. تكمن المشكلة في إسرائيل في حاجة بنيامين نتانياهو إلى وجود دريمر في واشنطن، أو على اتصال مستمر معها، نظرا إلى أنّ الرجل يمتلك علاقة متميّزة مع إدارة ترامب التي تتأرجح مواقفها من حرب إيران بين يوم وآخر. هناك موقف أميركي وهناك موقف إسرائيلي. لبنان حصة إسرائيل. توجد حلقة مفقودة إسمها الموقف اللبناني. ما الذي يريده لبنان؟ ما هي أولوياته؟ هل لديه خيارات غير خيار المفاوضات المباشرة مع إسرائيل لمعرفة ما الذي تريده من أجل السماح بعودة النازحين إلى قراهم... أو ما بقي منها. تشكل أزمة النازحين قنبلة موقوتة ليس أمام لبنان غير التعاطي معها عاجلا أم آجلا. يستأهل ذلك التغلب على كلّ العقد اللبنانية، بما في ذلك عقدة أن لدى إسرائيل أطماعا في لبنان. لو كان لدى إسرائيل أطماع في لبنان لما كانت امتنعت عن شن حرب على البلد في العام 1967 لمجرد امتناعه عن المشاركة في حرب الأيام الستة التي انتهت بإحتلال إسرائيل لسيناء والضفة الغربية، بما في ذلك القدس، وهضبة الجولان. أكثر من ذلك، لو كانت لدى إسرائيل أطماع في لبنان، لما كانت نفّذت في أيار – مايو من العام 2000 ما نصّ عليه القرار 425 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. في النهاية، نفذت إسرائيل القرار الصادر في 1978 وانسحبت من الأراضي اللبنانية بشهادة مجلس الأمن. من واجب لبنان تحديد أولوياته والذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بعيدا عن أي نوع من الأوهام. لا يمكن لمثل هذه المفاوضات أن تبدأ ما دام حزب الله يمتلك سلاحا بعدما تبيّن أن هذا السلاح لا يصلح سوى لعودة الاحتلال وتكريسه وخلق فتنة داخلية استجابة لرغبة إيران. في ظلّ الظروف الراهنة التي يعيشها لبنان، لم يعد الوضع على الأرض يسمح بالتفريق بين السلام والإستسلام. أين العيب في الإستسلام إذا كان هو الطريق الوحيد من أجل الوصول إلى السلام. كلّ ما تبقى تفاصيل وإضاعة للوقت وهرب مستمرّ من الحقيقة والواقع. يأتي ذلك في وقت معروف ما الذي تريده إسرائيل، كما معروف أن لا وجود لموقف أميركي مستقلّ عن الموقف الإسرائيلي. يختزل الوضع المأساوي للبنان سؤال واحد. يتمثل هذا السؤال في كيفية استعادة الأرض وثمن ذلك. يوجد ثمن لا مجال للتهرب منه أقلّه من أجل تفادي إنفجار القنبلة الموقوتة التي اسمها المليون نازح. في ضوء ما فعلته إيران بلبنان، يبدو الإستسلام هو الوطنية والوطنيّة هي الإستسلام. آن أوان قول لبنان ما الذي يريده بعدما بات معروفا ما الذي تريده إسرائيل وبعدما بات واضحا غياب الموقف الأميركي المستقلّ عن الموقف الإسرائيلي. الإستسلام ليس عيبا. العيب في غياب موقف لبناني موحد يغطي المفاوضات المباشرة التي من دونها لا زوال للإحتلال ولا عودة لمعظم النازحين إلى قراهم...

الفن الانطباعي اللبناني: من رمادية سماء باريس الى نور سماء جبل لبنان الساطع  (1/4)

يُصادف عام 2026 الذكرى المئوية لرحيل كلود مونيه، أحد رواد المدرسة الانطباعية. وللعلم، فإن إحدى لوحاته، «انطباع، شروق الشمس» ( Impression soleil levant )، هي التي أعطت اسمها للحركة الانطباعية. وُلدت هذه الحركة في فرنسا في سبعينيات القرن التاسع عشر، ، وقادها فنانون أمثال كلود مونيه، وأوغست رينوار، وكامي بيسارو... ومن خلال كسر القواعد الصارمة للفن الكلاسيكي، لم يعد الانطباعيون يسعون إلى رسم «الموضوع» بشكل مثالي، بل حاولوا التقاط الضوء، واللحظة الخاطفة، والانطباع الذي ينقله النموذج. لقد دافعوا، عبر فنهم، عن رؤية عفوية وطبيعية للعالم، بلا فلاتر ولا تراتبية، بلمسة مجزأة، وضربات ريشة سريعة وواضحة، واستخدام مكثف للألوان حيث تتلون حتى الظلال بالأزرق أو البنفسجي، وليس بالأسود. للمرة الأولى، ترك الفنانون محترفاتهم المغلقة ليرسموا في الهواء الطلق في قلب الطبيعة. وأصبح ذلك ممكناً بفضل اختراع شكل ثورة في عالم الرسم وهو الألوان الزيتية في أنابيب، مما سمح للفنانين بالخروج من مراسمهم للرسم مباشرة من الموقع، بأقرب ما يكون من الطبيعة. النهضة الثقافية في لبنان شهد لبنان في مطلع القرن العشرين نهضة ثقافية غير مسبوقة، تجلت في مختلف الميادين ولا سيما في فن الرسم. فقد سافر فنانون رواد للدراسة في باريس وروما، وحملوا في جعبتهم تقنيات الرسم الحديثة، وعلى رأسها الانطباعية. ولم يعد الأمر هنا يتعلق بإعادة إنتاج الضوء الرمادي الذي يميز سماء باريس، بل بتجسيد الضوء المتدفق في مناظر جبل لبنان. وفي الواقع، كان على انطباعيي المشرق أن يتعلموا كيفية طيوع الضوء «القوي» والشديد البياض الذي يميز المنطقة، وهو ما أدى إلى ولادة انطباعية أكثر تباينًا وحيوية. إن الانطباعية اللبنانية لا تنسخ الانطباعية الغربية، بل تطوعها لتلائم الحساسية الشرقية من أجل التعبير عن الحنين، والحياة الريفية، وجمالية التراث. الرباعي الرائد في مطلع القرن الماضي، برز أربعة روّاد للانطباعية ولفن الرسم الحديث في لبنان، وهم: خليل صليبي، وعمر الأنسي، وقيصر الجميل، ومصطفى فروخ. خليل صليبي، رائد الرسم اللبناني الحديث يُعدّ خليل صليبي المؤسس الفعلي للرسم الحديث في لبنان؛ فقد أدخل نهجاً أكثر تحرراً في رسم الوجوه (البورتريه) والمناظر الطبيعية، وبرع في التقاط البعد النفسي للشخصيات. وعلى غرار كبار أساتذة الرسم القدامى، استخدم صليبي الضوء والظلال («الكلاروسكورو») من اجل إبراز الأبعاد والأشكال في لوحاته مما جعل رسومه تنبض بالحياة. مسيرته وُلد خليل صليبي في بتلّون عام 1870. وبعد دراسته في الكلية السريانية البروتستانتية (الجامعة الأميركية في بيروت حالياً - AUB)، غادر لدراسة الفن في إدنبرة، ثم في الولايات المتحدة، ومن بعدها باريس. هناك التقى بكبار الأساتذة، ومن بينهم الأميركي جون سينغر سارجنت (John Singer Sargent) الذي ترك أثراً عميقاً في أسلوبه برسم البورتريه. عند عودته إلى بيروت عام 1900، افتتح محترفه الخاص في بيروت قبالة الجامعة الأميركية، وأصبح مُلهماً لأسماء ستغدو لاحقاً من كبار أعلام الفن اللبناني الحديث مثل قيصر الجميل وعمر الأنسي. انتهت حياته بشكل مأساوي عام 1928، حين قُتل مع زوجته الأميركية كاري في قريتهما، إثر نزاع محلي مع الجيران على حقوق المياه. أعماله نقل صليبي الفن في لبنان من ممارسة حرفية أو دينية إلى مهنة فكرية وحداثية قائمة بذاتها. تطور أسلوبه من الواقعية الكلاسيكية والأكاديمية نحو انطباعية حيوية؛ إذ لعب على وتر الأضواء واستخدم لوحة ألوان غنية طغى عليها الدرجات الوردية والزرقاء المتلألئة. وعلى الرغم من رسمه للمناظر الطبيعية والمشاهد القروية، إلا أنه اشتهر تحديداً برسم الوجوه (البورتريه) والجسد (العرِي). وقد كان من أوائل الفنانين في العالم العربي الذين تناولوا رسم العرِي بأسلوب أكاديمي، كاسراً بذلك المحرّمات الاجتماعية التي كانت سائدة بكثرة في ذلك العصر. أما مجموعته الشخصية، التي أنقذتها عائلته، فهي محفوظة اليوم في صالة العرض الفنية التابعة للجامعة الأميركية في بيروت (AUB Art Gallery)، وتُعدّ كنزاً وطنياً. عمل أيقوني: لوحة شخصية غير مكتملة رسم صليبي العديد من اللوحات الشخصية (البورتريه) لنفسه طوال مسيرته، حيث يظهر فيها دائماً بنظرة ثاقبة وفخورة، مستخدماً الضوء وضربات ريشة عريضة. وتجسد أعماله ببراعة قدرته على قنص الشبه الجسدي، ليس فحسب، بل وأيضاً سيكولوجية الشخصية. ومن بين أكثر أعمال صليبي تأثيراً، لوحته الشخصية غير المكتملة لعام 1928؛ فقد تُركت كما هي على مسند الرسم الخاص به لحظة اغتياله. ويختزل هذا العمل بوضوح أسلوب صليبي الناضج في أواخر حياته: لمسة حرّة وقوية، ونظرة ثاقبة تلخص اعماق ذاته وحالته النفسية، كما تظهر سيطرة صليبي الكبيرة على الضوء رغم عدم اكتمال اللوحة. المقال المقبل الفن الانطباعي اللبناني: عمر الأنسي، سيّد الضوء

آفاق التصعيد في إيران: جميع المؤشرات حمراء

كان الأسبوع الذي مر في الشرق الأوسط تصعيداً للخطاب والعمل العسكري، بلغ ذروته يوم الاثنين 6 أبريل، بانتهاء المهلة التي حددها دونالد ترامب لنظام الملالي، حيث هدد رئيس البيت الأبيض بـ «تدمير» منشآت إيران للطاقة. أسبوع لم يكن فيه الرئيس الأمريكي بخيلاً في التصريحات، وبلغت ذروته يوم السبت عندما أعطى قادة طهران 48 ساعة للموافقة على الاتفاق الذي قدمه لهم، وإلا فإن «الجحيم» سيحل عليهم. يطلب منهم دونالد ترامب «إما إبرام اتفاق أو فتح مضيق هرمز»، في إشارة إلى مفاوضات تستند إلى 15 نقطة تقدم بها الأمريكيون، وتتعلق بشكل أساسي بالتخلي عن البرامج النووية والباليستية، ووقف تمويل الحلفاء الإقليميين مثل حزب الله. العثور على الطيار الأمريكي الثاني حياً خلال هذا الأسبوع، تراوح الرئيس الأمريكي بين التهدئة والتصعيد، كما يفعل منذ بداية هذه الحرب ضد نظام الملالي، أحيانًا يعطي مهلًا لأسبوعين أو ثلاثة لإنهاء الصراع، أو يفضل أحيانًا أخرى الدبلوماسية مؤكداً أن الإيرانيين «يريدون إبرام صفقة بأي ثمن». لكن في نهاية الأسبوع، بدا الإيرانيون هم من يسعون إلى التصعيد. ففي يوم السبت، رفضوا وقف إطلاق نار لمدة 48 ساعة اقترحه الأمريكيون، وكثفوا بالمقابل ضرباتهم ضد إسرائيل من جهة، وضد دول الخليج من جهة أخرى، حيث استهدفوا بنى تحتية حساسة، مثل محطات تحلية المياه ومحطات الطاقة (في الكويت)، على سبيل المثال. وفي الوقت الذي تتكثف فيه الضربات ضد أراضيهم أيضاً، وقع حادث غير عادي يوم السبت، عندما أصابت ضربة محطة نووية في جنوب البلاد. الأكثر من ذلك، حقق حراس الثورة الإيرانية (بما أنهم يديرون البلاد الآن، على ما يبدو) «نصراً» معنوياً بإسقاط طائرة F15 أمريكية يوم الجمعة، وعلى متنها قائدان: تم إنقاذ أحدهما بسرعة من قبل الجيش الأمريكي؛ بينما عُثر على الثاني حياً، ولكنه مصاب، في ليلة السبت (بتوقيت بيروت)، بعد عملية بحث واسعة وجريئة للغاية نُفذت في عمق الأراضي الإيرانية، لمدة 48 ساعة، من قبل وحدات النخبة في الجيش الأمريكي، بدعم مستمر من مروحيات وطائرات استطلاع حلقت فوق الأراضي الإيرانية على ارتفاع منخفض. عملية الإنقاذ التي نفذتها وحدات النخبة الأمريكية بنجاح لمدة يومين شهدت، في مرحلتها النهائية، ليلة السبت، اشتباكًا مع عناصر من الباسيج (الشرطة القمعية للحرس الثوري) الذين حاولوا في اللحظة الأخيرة أن يسبقوا القوات الأمريكية للقبض على قائد الطائرة F 15، الذي تم تحديد موقعه من قبل الجيش الأمريكي. إلا أن ميليشيات الباسيج تكبدت خسائر فادحة، وتمكنت وحدة النخبة من الوصول إلى القائد وإنقاذه قبل الانسحاب إلى دولة عربية مجاورة. إطلاق نار مكثف على الإمارات والكويت وبالعودة إلى العمليات العسكرية «التقليدية»، فقد شهدت نهاية الأسبوع تصعيداً في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة ضد، على وجه الخصوص، الإمارات العربية المتحدة والكويت، حيث أفاد الجيش الكويتي يوم السبت باعتراض 8 صواريخ باليستية و19 طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات في غضون 24 ساعة. أما الإمارات فقد أشارت من جانبها إلى أنها اعترضت في يوم واحد فقط، يوم السبت، 23 صاروخاً باليستياً و56 طائرة مسيرة! لكن مضيق هرمز هو الذي لا يزال القطعة المحورية في هذا الصراع المسلح، متجاوزًا جميع المشاكل الأخرى التي أثارتها هذه الحرب، مثل البرنامج النووي والموقع الإقليمي لنظام الملالي. لقد أتى الرهان الإيراني على تداعيات إغلاق هذا الممر المائي الاستراتيجي بثماره: فارتفاع أسعار الوقود يثقل كاهل اقتصادات العديد من الدول ويؤثر على القوة الشرائية في أماكن بعيدة جدًا عن مركز الصراع في الشرق الأوسط. حتى أن الإيرانيين يدّعون أنهم يريدون الاستفادة مالياً من المرور في هذا المضيق. لقد أبقوه مغلقًا لعدة أسابيع، ولم يسمحوا بمرور سوى عدد قليل من السفن التي حصلت على إذنهم (خاصة السفن التركية والهندية)، مما يعزز الانطباع بالسيطرة التي يحافظون عليها على المضيق. ويوم السبت، ادعت مصادر إيرانية أنها استهدفت وضربت ناقلة نفط «مرتبطة بإسرائيل». تصعيد آخر من جانب طهران: ذكرت وسيلة إعلام إيرانية يوم السبت أن صادرات النفط من جزيرة خارغ الاستراتيجية للغاية، وهي الجزيرة التي يهدد ترامب بغزوها، قد زادت على الرغم من الصراع. هل هذا الموقف الإيراني، وبشكل رئيسي النفي المتتالي للمفاوضات مع الأمريكيين ورفض وقف إطلاق النار لمدة 48 ساعة، هو علامة على زيادة تشدد القيادة الإيرانية؟ لا تتسرب معلومات كثيرة عن الوضع السياسي الداخلي في إيران، لكن مؤشراً مهماً في هذا الصدد يمكن ملاحظته في ردود الفعل على مقال، وإن كان متوازناً، كتبه وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف، في مجلة «فورين أفيرز». ويرى ظريف أن إيران «لديها اليد العليا في هذا الصراع»، إذ تمكنت من مقاومة الهجوم عليها، مما أدى، حسب قوله، إلى «فشل الطرفين المتحاربين في إجبار النظام على الاستسلام». ويؤكد أن إيران يجب أن تستفيد من هذا الوضع ليس لمواصلة القتال وإحداث دمار أكثر تدميراً، بل للتفاوض وتقديم «وضع قيود طوعية على برنامجها النووي وإعادة فتح مضيق هرمز، مقابل رفع جميع العقوبات». لقد أوضحت ردود الفعل العدائية على هذا المقال الاستقطاب الناتج عن هذه الحرب، لكن أهم ردود الفعل كانت تلك التي جاءت من المحافظين الإيرانيين المتشددين، والتي كانت شديدة اللهجة، حيث وصلوا إلى حد اعتبار ظريف «ساذجاً» أو حتى «خائناً»، متهمين إياه بالرغبة في إرسال إشارات ضعف في خضم الحرب. في هذه الأثناء، لا يزال المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، غير مرئي. باختصار، يبدو أن الإيرانيين يريدون دفع عدويهم إلى أقصى حدودهم. هل هو من أجل مفاوضات أفضل أم هروب إلى الأمام؟ ما هو (هي) السيناريو (السيناريوهات) المحتمل (المحتملة) لتدخل الجيش الأمريكي الأسبوع المقبل؟ مع العلم أن رئيس أركان الجيش الأمريكي أقيل هذا الأسبوع من قبل وزير الحرب بيت هيغسيث، لصالح شخصية «تنفذ بشكل أفضل سياسة الرئيس ترامب». وهي علامة على تشديد الموقف من الجانب الأمريكي أيضاً. على أية حال، يبدو الأسبوع القادم وكأنه نقطة تحول في الحرب. في لبنان... على الجبهة الأخرى، جبهة لبنان، يسود الجو نفسه من التصعيد بين حزب الله وإسرائيل. تشن الميليشيا الشيعية عملاً موازياً لعمل راعيها الإيراني، تطلق صواريخها وقذائفها وطائراتها المسيرة باستمرار على شمال إسرائيل وعلى المواقع الإسرائيلية داخل الأراضي. من جانبها، يمارس الجيش الإسرائيلي سياسة الأرض المحروقة في القرى الحدودية، بينما يقصف على نطاق واسع العديد من المناطق. عدد القتلى لا يتوقف عن الارتفاع، مع أكثر من 1400 ضحية منذ 2 مارس. وقع تطور خطير في نهاية الأسبوع، مساء السبت، مؤكداً اتجاه تزايد انخراط البقاع في الصراع: أجبرت التهديدات الإسرائيلية بضرب معبر المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا قوات الأمن اللبنانية على إخلاء المعبر على وجه السرعة. لماذا استهداف الحدود اللبنانية السورية؟ هل هي شكوك واقعية إلى حد ما حول تهريب الأسلحة لصالح حزب الله؟ نفى وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني أن المعبر الحدودي ليس خاضعاً لرقابة جيدة. هل هي رغبة في الحصار؟ سيخبرنا المستقبل. تجدر الإشارة إلى مصادفة غريبة: في 28 مارس، اكتشفت السلطات السورية وأغلقت نفقاً يعبر الحدود، والذي استخدم، حسب قولها، للتهريب الذي يمارسه حزب الله... خلال الأسبوع الماضي، حظيت مقاومة القرى المسيحية في جنوب لبنان باهتمام كبير: أثار قرار «إعادة تموضع» الجيش اللبناني مع تقدم الجيش الإسرائيلي انتقادات شديدة للجيش الصامت بشأن ما يبدو أنه تخلي عن هذه السكان الذين يخاطرون بحياتهم للتشبث بأرضهم. وقد برر الجيش مبادرته بالرغبة في عدم التعرض للتطويق، مؤكداً أنه سيحتفظ بجنود في مواقعهم. إذا كان الجيش اللبناني في مرمى نيران المتحاربين في الجنوب، فإن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) كذلك. ففي 30 مارس، قُتل ثلاثة من قوات حفظ السلام الإندونيسيين في ضربة. وأصيب ثلاثة آخرون من قوات حفظ السلام الإندونيسيين بعد أيام قليلة. وقبل أقل من عام على مغادرتها النهائية في نهاية عام 2026، يتم التشكيك في دور اليونيفيل مرة أخرى. أثار حادث آخر الكثير من التساؤلات هذا الأسبوع: بينما يواصل حزب الله إظهار ثقة مطلقة في قتاله والثناء على بطولة مقاتليه، نشر الجيش الإسرائيلي مقاطع فيديو لاستجوابات يقول إنها لمعتقلين من هذا الحزب، اختطفوا خلال معارك في لبنان. وتقدم اعترافاتهم دليلاً على انخفاض الروح المعنوية، لمقاتلين يتساءلون عن معنى التزامهم لكنهم يعترفون بأنهم لا يستطيعون «القول لا» للحزب... من الواضح أن صحة هذه الوثائق قد تكون موضع شك، لكن نشرها يسبب صدمة كهربائية. يبدو مستقبل لبنان أكثر غموضًا من أي وقت مضى، وأي تصعيد محتمل في إيران من شأنه أن يزيد من حالة عدم اليقين والمخاوف الحقيقية لدى اللبنانيين. ويبدو أن دولة أخرى تتهاوى تدريجيًا، حتى لو لم تكن في حرب مفتوحة مثل لبنان: فالعراق يعطي انطباعًا متزايدًا بأنه ساحة مفتوحة للصراع الدائر. فبالإضافة إلى الهجمات ضد المصالح الأمريكية التي لا تستطيع السلطات احتواءها، وقع أول خطف لمواطنة أمريكية، وهي صحفية، على يد «كتائب حزب الله» الموالية لإيران، في قلب بغداد، مما يدل على الوضع القائم الذي تفرضه، هناك أيضًا، الفصائل التابعة للحرس الثوري الإيراني.

أي مصالح خلف الحرب بين ايران وأميركا؟

من قاموا بدراسة الحروب، كبوتول او مارفن هاريس، لم يحصروها ببعدها الجيوسياسي المباشر، ولا يطرحون سؤال: "لماذا اندلعت؟" فقط، بل أيضاً: "ما الذي تفعله؟" و"من تخدم؟". ذلك ان المجتمعات، حين تعجز عن حل تناقضاتها الداخلية، تميل إلى تصديرها نحو الخارج، حيث تتحوّل الحرب إلى وسيلة لإعادة ترتيب الداخل عبر العنف الموجّه إلى الخارج. هذه المقاربة تتيح قراءة الحروب المعاصرة خارج اختزالها في بعدها العسكري أو الجيوسياسي المباشر. فالحرب الدائرة اليوم في المثلث الإيراني–الأميركي–الإسرائيلي لا يمكن فهمها فقط كصراع نفوذ أو ردع متبادل، بل كعملية مركّبة تؤدي وظائف متعددة: تثبيت شرعيات داخلية مأزومة، إعادة رسم توازنات إقليمية، وإنتاج سرديات تعبئة تعيد تعريف "العدو" و"الذات" في آن واحد. بالنسبة لبوتول، الحرب هي التي ولدت التاريخ، الذي بدأ مع تاريخ المعارك المسلحة؛ وهي الحدود التي تطبع جميع التحولات الكبرى. إنها صورة من صور الانتقال المعجل. في كتاب "مقدسات ومحركات وحروب" لمارفن هاريس، يحاول تفسير الظواهر الثقافية والدينية والحروب أيضاً، من زاوية مادية - اقتصادية - بيئية. وهو يساعدنا في فهم أهمية الموارد كعامل صراع، وإظهار أن الاقتصاد والدور الجيوستراتيجي هما الخلفية للصراعات الظاهرة. وهذا يساعدنا في فهم لماذا بعض الجماعات تبقى في صراع طويل رغم الخسائر (وظائف اجتماعية داخل البنية المادية). كما يربط البنية التحتية، الاقتصاد والبيئة والتكنولوجيا، بالبنية الفوقية (الدين، الرموز، المعتقدات). لكنه لا يفسر دور الأيديولوجيا الدينية والسياسية (شيعية/سنّية، صهيونية، قومية.) ودور العواطف، الكراهية والذاكرة التاريخية، التي تأكدت في عدوان ايران على دول الخليج. إضافة الى التفاعلات الفورية، بين قادة الدول الذي يحصل حالياً. لذا يجدر النظر إلى الحرب الدائرة الآن كصراع متعدد الأهداف: هناك دور للموارد الاستراتيجية في دخول أميركا الحرب: تأمين نفوذ في الخليج، والسيطرة: على خطوط الطاقة، وتأمين الممرات البحرية، تأكيد التفوق التكنولوجي؛ أما تكتيكاتها للحفاظ على الهيمنة: نجده في موازنة اميركا بين نفوذها والتهديدات الصاعدة. وهناك دور للبنى الاجتماعية داخل الدول: النخب السياسية والصناعية تستغل عدم الاستقرار لتحقيق مصالحها. البنى الاقتصادية والعسكرية أيضاً تستفيد من استمرار التوتر. يخدم الصراع ايضاً في حفظ التماسك الداخلي لبعض الأنظمة خصوصاً لنتنياهو. كما يتحول "التهديد الخارجي" إلى أداة ضبط اجتماعي، كما في إيران. وهنا يلعب العامل الرمزي والنفسي والسياسي المباشر، فالرموز والذاكرة والهويات، تلعب في الشرق الأوسط تحديداً دوراً مركزياً. فالحرب الحالية تتحرك أيضا بدوافع أيديولوجية ودينية وقومية لا تفسرها المادية الثقافية وحدها. إنه صراع على الهويات، وعلى السرديات الدينية والتاريخية، وصراع أمن وجودي، كما أنه صراع على الشرعية الداخلية. يكشف تفكيك الصراع بين الدول الثلاث المصلحة المادية خلف الخطاب الأيديولوجي، ومن يستفيد بنيوياً من استمرار الحرب؟ سنجد بالنسبة للجغرافيا والموارد، أن إيران قوة إقليمية ذات عمق جغرافي وموارد طاقة ضخمة. إسرائيل دولة صغيرة جغرافياً، تعتمد على التفوق التكنولوجي والعسكري، والدعم الأميركي، لضمان بقائها. المسرح الاستراتيجي للصراع هنا هو الخليج وممرات الطاقة والمياه الإقليمية. ميزان القوة بينهما، إسرائيل تخفي تفوقها النووي، مقابل مشروع نووي إيراني يسعى لردع استراتيجي، مع سباق صواريخ وطائرات مسيّرة وحروب سيبرانية. بالنسبة لأميركا، يتعلق الأمر بالبنية الاقتصادية العالمية: العقوبات على إيران تخلق اقتصاد مقاومة داخلي، بينما تستفيد الصناعات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية من بيئة التهديد في المنطقة، كما أن هذا التوتر المستمر يبرر تحالفات عسكرية وأمنية عالمية. الصراع إذن يتعدى "العداء العقائدي"، فهو أيضاً صراع على الهيمنة والردع وتوزيع القوة في بيئة غنية بالموارد الاستراتيجية. السؤال الآن كيف يخدم الصراع البنية الداخلية لكل طرف؟ في إيران عزّز "التهديد الإسرائيلي-الأمريكي" طويلاً، سردية الحصار، وبرّر القبضة الأمنية، وعزز مكانة الحرس الثوري كمؤسسة مركزية. في إسرائيل عزز التهديد الإيراني مركزية الأمن في السياسة، وقوّى التيارات التي ترى الخطر وجودياً، ووحّد المجتمع حالياً بشكل غير مسبوق، رغم الانقسامات الداخلية. سمح للولايات المتحدة، بالحفاظ على التوازن الإقليمي، ودعم الحلفاء، وإدارة النفوذ في مواجهة قوى صاعدة. هنا نرى ان الصراع يؤدي وظيفة اجتماعية داخلية: انتاج تماسك عبر الخوف المشترك. بالنسبة للبنية الرمزية(Superstructure) : اللغة، الدين، الهوية، ندخل دائرة الشعارات الكبرى: محو إسرائيل، والدفاع عن الوجود، ودعم محور المقاومة، والتهديد النووي. كل ذلك ليس مجرد خطابات، بل أدوات تعبئة. يضاف الى ذلك البعد الميتافيزيقي في الخطاب الإيراني، والصدمة التاريخية، التي انبعثت بشكل أقوى بعد حرب 7 أكتوبر، في الوعي الإسرائيلي، فاستغلت الذاكرة الجماعية والعامل النفسي الوجودي. هل الصراع بين إيران وإسرائيل صراع قابل للحل بنيوياً؟ أم أنه أصبح جزءاً من توازن وظيفي يخدم بقاء الأنظمة نفسها؟ ألا يحتاج نتنياهو حاجة ماسة لإبقاء الحروب مستمرة لمصلحته؟ وحاجة ترامب للتوازن الاستراتيجي لمنع الصين من التحالف مع إيران وزيادة نفوذ الصين ودعم طريق الحرير. وحاجة إيران للحفاظ على النظام ضد الشعب الثائر! لكن يبدو أن التوازن الوظيفي الذي تكلمنا عند بدأ يخرج عن السيطرة. فالأنظمة التي تعتقد أنها تدير التصعيد، عُرضة لحدث مفاجئ (اغتيال، خطأ حسابي، ضربة كبرى)، وها نحن في خضم حرب مكلفة للجميع، وبقاء النظام الإيراني على المحك.

48 ساعة لتجنب «جحيم» جديد في إيران

كان من الطبيعي أن نتوقع ذلك… لوح الرئيس دونالد ترامب بالتهديد بفيضان من النار قد ينهال قريباً على البنى التحتية الإيرانية الاستراتيجية، وذكّر قادة الجمهورية الإسلامية بأن مهلة العشرة أيام الأخيرة التي منحها لهم للموافقة على الخطة المكونة من 15 نقطة التي قدمتها واشنطن ستنتهي في غضون 48 ساعة (أي يوم الاثنين) أو لضمان حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز. وقال الرئيس ترامب: «أمام إيران مهلة 48 ساعة قبل مواجهة الجحيم». مساء السبت، 4 أبريل، لم يكن هناك أي مؤشر بعد على إمكانية حدوث انفراج قد يجنب تصعيدًا واسع النطاق في العمليات العسكرية، لكن مفاجآت اللحظة الأخيرة ليست مستبعدة بالطبع في هذا النوع من المواقف. كرر الحرس الثوري السبت موقفه الصارم، مؤكداً أنه غير مستعد لمقابلة المفاوضين الأمريكيين «في الأيام المقبلة»، ومؤكداً، على أي حال، أن المطالب الأمريكية (المصاغة في خطة النقاط الخمس عشرة) «غير مقبولة». ستظهر الأيام المقبلة ما إذا كان هذا موقفًا مبدئيًا لتعزيز موقف المفاوض الإيراني، أو ما إذا كان، على العكس من ذلك، هذا الموقف يعكس حقًا خط سلوك غير مرن يقوم على أساس أيديولوجي صارم جوهره المضي قدماً حتى النهاية في صراع القوى مع الولايات المتحدة والغرب بشكل عام. السؤال الذي يطرح نفسه أيضاً في هذا السياق هو مدى تحول الباسداران إلى السادة الوحيدين للموقف في إيران، وإلى أي مدى فقد المعسكر الذي يوصف بـ «المعتدل» و «البراغماتي» كل تأثير على الساحة الداخلية، تحت وطأة المتشددين الساحقة. على المستوى الأمريكي، الجملة القصيرة التي أطلقها الرئيس ترامب السبت تدعو إلى التأمل وقد تفتح الباب أمام جميع أنواع التكهنات. فقد منح رئيس البيت الأبيض في الواقع 48 ساعة لنظام الملالي «لإبرام اتفاق» (خطة الخمسة عشر نقطة) أو لاستعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز. إن كلمة « أو» تحدث فرقاً كبيراً… هل يعني هذا أن البيت الأبيض سيكتفي بالنقطة الأخيرة لإنهاء الحرب؟ في هذه الحالة – وهو أمر مستبعد جداً، ولكن في مثل هذا السياق لا شيء مستحيل حقاً – يكون الرئيس ترامب قد تخلى عن أهدافه المعلنة مراراً وتكراراً، والمتعلقة بالبرنامج النووي والترسانة الباليستية، والتخلي عن التوسع الإقليمي المزعزع للاستقرار، الذي يغذيه وكلاء تابعون للحرس الثوري. وبالتالي، باستثناء استسلام كامل للسلطة القائمة في طهران – وهو أمر مستبعد أيضاً – فمن الصعب أن نرى الرئيس ترامب يتخذ قراراً بإنهاء العمليات العسكرية على أساس حل ضعيف لن يحل أي من النزاعات التي هي أساس هذه الحرب، والتي، بسبب ذلك، ستبقي جذور الشر قائمة، وستعيد المنطقة والمجتمع الدولي، عاجلاً أم آجلاً، إلى أزمة وجودية حادة جديدة، أو حتى إلى صراع مسلح جديد. في وقت متأخر من مساء السبت، أشارت بعض المصادر إلى أن واشنطن أبلغت تل أبيب أن الاتصالات مع الجمهورية الإسلامية في طريق مسدود. وكما لو لتأكيد هذه المعلومات، أكدت المصادر الرسمية الإسرائيلية أن الإدارة الأمريكية قد تعطي «هذا الأسبوع» الضوء الأخضر لضربات ضد منشآت الطاقة، مما سيمثل ضربة قاسية جداً للاقتصاد الإيراني، وبالتالي للنظام الحاكم. الصناعة الكبرى المستهدفة بالفعل في انتظار انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي، تشير التطورات على مستوى العمليات العسكرية، في المرحلة الحالية، إلى أن الكفة تميل بوضوح نحو التصعيد. والدليل على ذلك أن الطائرات الأمريكية والإسرائيلية استهدفت خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية قطاعاً استراتيجياً للغاية كانت حريصة على تجنبه منذ بداية الحرب، وهو الصناعة الكبرى. فقد تعرضت البنى التحتية البتروكيماوية الهامة لقصف وتدمير شديدين. وهذا هو الحال، بشكل خاص، بالنسبة لمجمع البتروكيماويات الكبير في منطقة الأهواز الذي يؤمن، حسب مصادر مختلفة، ما لا يقل عن 70 بالمئة من احتياجات السوق الإيرانية من البنزين والوقود. وستكون للضربات التي تعرض لها هذا القطاع الحيوي تأثير كارثي على الاقتصاد الإيراني ككل، والذي يمر بالفعل بمرحلة حرجة منذ عدة أشهر. في الوقت نفسه، شنت الطائرات الإسرائيلية ليلة الجمعة إلى السبت هجمات عنيفة ضد المنشآت العسكرية والاستراتيجية والإدارية التابعة للجهاز الواسع للحرس الثوري في منطقة طهران. ووصل التصعيد في الغارات أيضاً إلى مجمعات الصلب التي تشكل جانباً حيوياً آخر من الاقتصاد الإيراني. ومما يلفت النظر في هذا السياق: تعرضت مواقع إيرانية على الحدود مع العراق للقصف من قبل الطيران الإسرائيلي.    على هامش هذه العمليات العسكرية، واصلت القوات الخاصة الأمريكية طوال يوم و مساء السبت عمليات البحث عن الطيار الثاني للطائرة F-15 التي أُسقطت نهاية الأسبوع. وقد تم نشر وحدات نخبة في الأراضي الإيرانية في إطار جهود الإنقاذ هذه، وتعمل منذ يومين في عمق إيران دون أن تتعرض لأي مضايقات من قبل قوة معادية، مما يدل على حالة الوحدات المسلحة والأمنية في الجمهورية الإسلامية. غارات جديدة على الضاحية الجنوبية على الجبهة اللبنانية، أعلن الجيش الإسرائيلي السبت أن طائراته قصفت في الضاحية الجنوبية بنى تحتية لحزب الله ومواقع لـ «لواء لبنان، ضمن لواء القدس». ومنذ منتصف الأسبوع الماضي فقط، يُذكر هذا «لواء لبنان» ضمن «لواء القدس» علناً، وهو الذراع المسلح للباسداران في الشرق الأوسط. وبالتزامن مع الغارات على الضاحية الجنوبية، ركز الطيران الإسرائيلي بشكل خاص قصفه السبت على بعض المناطق الهامة في البقاع الغربي، وهي نقطة ساخنة جديدة في «الجبهة اللبنانية» والتي قد تكون قريباً في مركز العمليات الإسرائيلية، بالتوازي مع المنطقة الجنوبية.