شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الولايات المتحدة وإيران: أسبوعان لانتزاع اتفاق سلام

بعد أكثر من خمسة أسابيع من الحرب، اتفقت واشنطن وطهران على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، وذلك قبل أكثر بقليل من ساعة واحدة من انتهاء مهلة دونالد ترامب التي كانت تهدد بتدمير الجمهورية الإسلامية. أشارت طهران فجر الأربعاء إلى أن محادثات ستجري اعتبارًا من الجمعة مع واشنطن. ستُعقد هذه المناقشات في باكستان، الوسيط الرئيسي في حرب الشرق الأوسط. قبلت إسرائيل وقف إطلاق النار مع إيران، وفقًا لمسؤول في البيت الأبيض طلب عدم الكشف عن اسمه. "بعد محادثات مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف والمشير عاصم منير، طلبا مني خلالها تعليق التدخل العسكري المخطط له هذه الليلة ضد إيران، وبشرط أن توافق الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الفتح الكلي والفوري والآمن لمضيق هرمز، أوافق على تعليق القصف والهجمات ضد إيران لمدة أسبوعين"، كتب الرئيس الأمريكي على منصته "تروث سوشيال". الإنذار الأخير ضمن سلسلة من الإنذارات التي أطلقها دونالد ترامب على إيران وتم تأجيلها عدة مرات، أعطى طهران مهلة حتى الساعة 8:00 مساءً بتوقيت واشنطن (منتصف الليل بتوقيت جرينتش) لإعادة فتح الممر البحري الاستراتيجي، الذي كان يمر عبره 20% من النفط الخام العالمي قبل الحرب. "سيكون هذا وقف إطلاق نار متبادلاً!"، أضاف السيد ترامب قائلاً، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة "قد حققت وتجاوزت بالفعل جميع أهدافنا العسكرية" منذ إطلاق الضربات الأمريكية الإسرائيلية في 28 فبراير. كما أشار إلى محادثات "متقدمة للغاية" تهدف إلى اتفاق سلام "طويل الأمد" مع إيران. وقد قدمت طهران "مقترحًا من 10 نقاط" "يشكل أساسًا صالحًا للتفاوض". وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن الولايات المتحدة تدرس "محادثات شخصية" مع إيران، «لكن لا شيء نهائي حتى يعلنه الرئيس أو البيت الأبيض»، أضافت كارولين ليفيت. الخطة الإيرانية ذات النقاط العشر من جانبهم، أكد القادة الإيرانيون أنهم يوافقون على إعادة فتح مضيق هرمز "لمدة أسبوعين" "إذا توقفت الهجمات ضد إيران"، كتب وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على منصة X. "لقد تقرر على أعلى المستويات أن إيران ستجري، لمدة أسبوعين (...)، مفاوضات مع الجانب الأمريكي في إسلام آباد"، أضاف المجلس الأعلى للأمن القومي في بيان. وأضاف: "يُشار إلى أن هذا لا يعني نهاية الحرب، وأن إيران لن تقبل بوقف الأعمال العدائية إلا بعد أن" تنجح المفاوضات، مؤكداً أن هذين الأسبوعين يمكن تمديدهما "بالاتفاق بين الطرفين". وفقًا لوسائل الإعلام الإيرانية، فإن الخطة المكونة من عشر نقاط المقدمة للولايات المتحدة تنص على أن توافق واشنطن على استمرار برنامج طهران لتخصيب اليورانيوم ورفع جميع العقوبات. وقالت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية ووكالة مهر إن الخطة، التي نشرها المجلس الأعلى للأمن القومي، تشمل "مبدأ عدم الاعتداء، واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وقبول التخصيب، ورفع جميع العقوبات الأولية، ورفع جميع العقوبات الثانوية". كما تطالب إيران بوقف القرارات ضد الجمهورية الإسلامية التي صوت عليها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ودفع تعويضات لإيران، وانسحاب القوات العسكرية الأمريكية من المنطقة، ووقف القتال على جميع الجبهات بما في ذلك جنوب لبنان، حيث جرّ حزب الله البلاد إلى الحرب ضد إسرائيل. وقف إطلاق النار يسري على لبنان أعرب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف عن سروره بالنتائج التي تحققت بفضل وساطة بلاده، التي تتمتع بعلاقات جيدة مع جميع الأطراف: "يسرني أن أعلن أن جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة، وكذلك حلفاءهما، قد وافقوا على وقف فوري لإطلاق النار في كل مكان، بما في ذلك لبنان وأماكن أخرى، بِأَثَرٍ فَوري"، كتب السيد شريف على منصة X مستخدمًا أحرفًا كبيرة في نهاية رسالته. وأضاف أن العاصمة الباكستانية، إسلام آباد، ستستضيف يوم الجمعة وفوداً من البلدين لإجراء مفاوضات تهدف إلى التوصل إلى "اتفاق نهائي". فرضت باكستان نفسها في الأسابيع الأخيرة كوسيط بين طهران وواشنطن، سعيًا لمنع تصعيد جديد للصراع في الشرق الأوسط. السيد شريف هو، على وجه الخصوص، أحد أعضاء "مجلس السلام" الذي أسسه دونالد ترامب قبل بضعة أشهر. قبل قليل من إعلان رئيس الوزراء الباكستاني، أسفرت غارة إسرائيلية عن ثمانية قتلى و22 جريحاً في مقهى على الواجهة البحرية لمدينة صيدا. (محمود زيات/وكالة فرانس برس) قبل قليل من إعلان رئيس الوزراء الباكستاني، أسفرت غارة إسرائيلية عن ثمانية قتلى و22 جريحاً في مدينة صيدا اللبنانية، حسبما أعلنت وزارة الصحة اللبنانية الأربعاء. من جانبها، أفادت الجيش الإسرائيلي عن ثلاث دفعات من الصواريخ أطلقتها إيران باتجاه أراضيها، بعد لحظات قليلة من إعلان الرئيس ترامب. النفط يتراجع، والبورصات ترتفع لقي إعلان الاتفاق ترحيباً كبيراً في الأسواق: فقد انخفضت أسعار النفط بسرعة بأكثر من 15%، متجاوزة مستوى 100 دولار للبرميل، بل واقتربت من 90 دولاراً، وارتفعت بورصتا طوكيو وسيول بنسبة 4% و6% على التوالي عند الافتتاح.

الحرب في إيران: سباق مع الزمن بين المفاوضات والتصعيد

الموعد النهائي الذي منحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحرس الثوري الإيراني لإعادة حرية الملاحة البحرية في مضيق هرمز ينتهي اليوم الثلاثاء في الساعة 8 مساءً بتوقيت واشنطن (في الليل، بتوقيت الشرق الأوسط). وفي حال عدم الامتثال، قد يعطي الرئيس ترامب الضوء الأخضر لضربة واسعة النطاق ضد إيران. في وقت متأخر من بعد ظهر الثلاثاء (بتوقيت بيروت)، ساد توتر كبير في جميع عواصم المنطقة بشأن مسار الأحداث المحتمل. قد يتم التوصل إلى اتفاق في الربع ساعة الأخير، خاصة وأن البيت الأبيض ترك الباب مفتوحًا لإعادة إطلاق المفاوضات طوال يوم الثلاثاء 7 أبريل، لكن لم يكن واضحًا ما إذا كان الإيرانيون قد خففوا موقفهم بعد. نحو منتصف النهار (بتوقيت المشرق)، استخدم الرئيس الأمريكي ألفاظًا أكثر حدة، مؤكدًا أن ما قد يحدث في حال التصعيد «قد يدمر حضارة بأكملها». وفقًا لـ CNN، رفض المفاوضون الإيرانيون اقتراح وقف إطلاق نار بسيط، وقدموا اقتراحًا مضادًا للأمريكيين بهدف تحقيق سلام دائم، وهو ما اعتبره ترامب «خطوة إلى الأمام ولكنها ليست كافية». في الوقت نفسه، صرح السفير الإيراني في إسلام أباد أن المفاوضات وصلت إلى نقطة «حرجة وحساسة». بالتوازي مع تهديدات دونالد ترامب، لم يخفض الحرس الثوري لهجته، معتبرين أن تصريحاته «لا أساس لها» ومؤكدين أنهم يواصلون القتال. في هذا السياق، دعا النظام في وقت متأخر من ليل الاثنين شباب البلاد لتشكيل «سلاسل بشرية» حول محطات الطاقة المهددة... يبدو أنه لا يتردد في تعريض المراهقين والشباب للموت لاتهام عدوهم بجرائم ضد الإنسانية. وعلاوة على ذلك، دعا السفير الإيراني في الكويت دول الخليج إلى بذل كل ما في وسعها لتجنب «مأساة في المنطقة». العمليات العسكرية على الأرض، لم تنخفض حدة القصف خلال ليل الاثنين ويوم الثلاثاء. استُهدفت طهران ومدن عدة بصواريخ أمريكية وإسرائيلية. في الساعات الأخيرة، استُهدفت جزيرة خرج الاستراتيجية، التي يتم تصدير النفط الإيراني منها، بضربات. هدف آخر أثار الكثير من الحديث: كنيس في طهران «دمر بالكامل» بضربة، وفقًا لوسائل إعلام إيرانية نقلت عن وكالة الأنباء الفرنسية. كما تعرضت جسور جديدة للضرر وبدأ الطيران الإسرائيلي في تنفيذ تهديداته ضد السكك الحديدية في بعض المناطق. علاوة على ذلك، تستمر الصواريخ الإيرانية في السقوط على دول الخليج وإسرائيل (في حالة إسرائيل بالتزامن مع صواريخ حزب الله). وقد أصيب مصنع للبتروكيماويات في المملكة العربية السعودية، ربما رداً على الهجمات ضد صناعة البتروكيماويات في إيران من قبل الطيران الإسرائيلي. نتيجة أخرى للحرب، تم إغلاق الجسر الذي يربط المملكة العربية السعودية بالبحرين كإجراء احترازي من قبل السلطات السعودية. وبالنسبة للبحرين، يعتبر هذا هو المنفذ الوحيد الممكن للخروج حيث أن مطار هذه الدولة الخليجية الصغيرة مغلق منذ بداية الحرب في أواخر فبراير. يوم الثلاثاء، عاد المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ليثير الحديث عنه: تقارير أجهزة استخبارات أوروبية نقلتها الصحافة الدولية تفيد بأنه في حالة غيبوبة، مؤكدة أنه ليس واعيًا ولا قادرًا على اتخاذ القرارات، ويتلقى العلاج لإصابات خطيرة في مدينة قم الإيرانية. وهذا يؤكد مرة أخرى السيطرة الكاملة لفيلق الحرس الثوري على البلاد. تطور خطير آخر في هذا اليوم الثلاثاء: إطلاق نار أمام القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول، تركيا، مع العلم أنه لا يوجد حاليًا أي دبلوماسي إسرائيلي على الأراضي التركية، وفقًا لمصدر مقرب من الملف لوكالة الأنباء الفرنسية. أسفر الهجوم الإرهابي عن إصابتين طفيفتين بين الشرطة التركية. حتى بداية فترة بعد الظهر، لم تُعلن أي معلومات عن هوية وجنسية المهاجمين. ومع ذلك، قد لا تتأخر هذه الإفصاحات نظرًا لأنه، وفقًا لـ CNN، قُتل أحد المهاجمين وأصيب اثنان آخران، وبالتالي فهم منطقيًا في أيدي السلطات التركية. يثير هذا الحادث تساؤلات جدية، خاصة إذا تم إثبات وجود صلة بالحرب في إيران: هل نحن أمام فترة من الهجمات، كلما طال أمد هذا الصراع ودخل في طريق مسدود؟ جنازة مؤثرة في يحشوش في لبنان، على الرغم من استمرار القتال على الجبهة، لا يزال الهجوم الإسرائيلي على منطقة عين سعادة المسيحية، شرق بيروت، والذي استهدف قياديًا في حزب الله نجا من الموت، هو الخبر الأبرز. هذا الهجوم، الذي أسفر عن ثلاثة قتلى من سكان المبنى، بينهم قيادي في القوات اللبنانية، بيار معوض، وزوجته، وجارة، يثير سؤالاً جديًا حول حماية المدنيين اللبنانيين في مناطق تعتبر «آمنة» في مواجهة تسلل المقاتلين الذين يطاردهم الجيش الإسرائيلي. لم تُعرف بعد جميع تفاصيل حقيقة وجود مقاتل محتمل في هذا المبنى يوم الثلاثاء. على أي حال، أقيمت جنازة مؤثرة في قرية بيار معوض الأصلية. حُمل النعشان على الأكتاف على وقع إطلاق نار من أسلحة آلية. وفي الحشد، عبر أقارب الضحايا عن غضب كبير، متسائلين لماذا دفع هؤلاء ثمن حرب شنها حزب الله وحده، مطالبين بمعرفة الحقيقة كاملة وإقامة العدل. دفنت الضحية الثالثة شرق بيروت. المسألة الأخرى التي تشغل بال اللبنانيين هذه الأيام هي معبر المصنع الحدودي، وهو المعبر الرئيسي الذي يربط بيروت بدمشق، ويقع في البقاع. هذا المعبر تعرض للتهديد من إسرائيل يوم السبت الماضي، لكنه لم يستهدف. ومع ذلك، فهو مغلق منذ ذلك الحين. يوم الثلاثاء، صرح وزير الداخلية اللبناني، أحمد الحجار، بأن جهودًا دبلوماسية تُبذل لإعادة فتحه. ووفقًا لبعض المعلومات، نجحت السلطات اللبنانية والسورية، من خلال اتصالاتها المكثفة، في منع أو تأجيل ضربة محتملة، لكنها تفشل حتى الآن في تحقيق إعادة فتحه. أخيرًا، القرى الحدودية المسيحية التي لا تزال تقاوم في الخطوط الأمامية بالجنوب أصبحت أكثر عزلة من أي وقت مضى. لم يتمكن وفد بقيادة السفير البابوي باولو بورجيا من الوصول إلى قرية دبل المحاصرة يوم الثلاثاء، واضطر للعودة بسبب تدخل غير متوقع من ميليشيات حزب الله…

هل نحن قريبون من نهاية الحرب في إيران؟

بعد تسعة وثلاثين يوماً من بدء الحرب، لم يعد السؤال الذي يحوم فوق الشرق الأوسط هو ما إذا كان هذا الصراع سيغير إيران. لقد فعل ذلك بالفعل. السؤال الحقيقي هو ما إذا كنا نقترب من اللحظة التي ستنتقل فيها الحرب من مرحلتها التدميرية إلى مرحلتها السياسية — تلك اللحظة التي تبلغ فيها الصراعات ذروتها تاريخياً وتبدأ فيها أسس نظام ما بعد الحرب بالظهور. كل حرب تتبع مساراً وحشياً ولكنه يمكن التعرف عليه. أولاً تأتي الصدمة. ثم التصعيد. ثم الدمار. وأخيراً — عندما تصبح التكاليف البشرية والاقتصادية والسياسية غير محتملة — يبدأ البحث عن توازن جديد. بعد ما يقرب من ستة أسابيع من العمليات العسكرية المتواصلة، يبدو أن الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهم تدخل هذه المرحلة بالتحديد. الإشارات أصبحت من الصعب تجاهلها. تكلفة الحرب حصيلة الصراع هائلة. في جميع أنحاء إيران، تضررت أو دمرت أجزاء كبيرة من البنية التحتية العسكرية. تعرضت منشآت استراتيجية وقواعد صواريخ ومراكز قيادة وعناصر من نظام الطاقة لضربات متعددة. كما تضررت البنى التحتية المدنية بشكل كبير. تعطلت شبكات الكهرباء ومراكز النقل والمجمعات الصناعية في عدة محافظات. التكلفة الاقتصادية تقدر بالفعل بعشرات المليارات من الدولارات، في بلد كان اقتصاده يعاني بالفعل من سنوات من العقوبات وأوجه القصور الهيكلية. التكلفة البشرية أكثر تدميراً. لقد قُتل آلاف الأشخاص. وأصيب العديد غيرهم. نزح عدد كبير من المدنيين داخل البلاد مع تصاعد العمليات العسكرية حول مناطق استراتيجية رئيسية. على الصعيد المالي، الضغط شديد بنفس القدر. انهارت العملة الإيرانية مجدداً، وتسارع التضخم، وأصبح الهيكل الميزاني الهش للبلاد يخضع لضغوط غير عادية. الحروب بهذا الشدة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد. عاجلاً أم آجلاً، تبدأ الحسابات السياسية في التغير. المفاوضات السرية خلف الخطاب العام للمواجهة الشاملة، يبدو أن قنوات دبلوماسية أكثر سرية قد فتحت. وفقاً لدونالد ترامب وعدة مصادر إقليمية، فإن مباحثات قد جرت بين الولايات المتحدة وإيران. ولكن اللافت للنظر أن هذه المباحثات لا يبدو أنها تشمل الحرس الثوري الإيراني (IRGC). بل إنها تتعلق بضباط كبار في الجيش الإيراني النظامي — الأرتش — مع قيام الجيش الباكستاني على ما يبدو بدور الوسيط. إذا تأكد ذلك، فسيكون تطوراً استراتيجياً كبيراً. منذ عقود، تعتمد البنية العسكرية الإيرانية على نظام مزدوج. من جهة، يوجد الحرس الثوري، الجيش الأيديولوجي الذي تأسس بعد ثورة 1979 لحماية الجمهورية الإسلامية ومذهبها الثوري. ومن جهة أخرى، يوجد الجيش الوطني الإيراني التقليدي، الذي تسبق ثقافته المؤسسية الثورة، وكانت مهمته تاريخياً هي الدفاع عن الدولة الإيرانية بدلاً من تصدير نفوذ أيديولوجي. لطالما حدد التوازن بين هاتين المؤسستين البنية الداخلية للنظام الإيراني. لذلك، فإن ظهور مفاوضات تتجاوز الحرس الثوري قد يشير إلى شيء أعمق بكثير من مجرد دبلوماسية حرب. قد يشير ذلك إلى أن مستقبل إيران السياسي يُناقش الآن بشكل سري. مرحلة الإنذار الأخير غالباً ما تنتهي الحروب ليس بوقف إطلاق نار مفاجئ، بل بإنذار أخير. يخدم الإنذار الأخير هدفاً استراتيجياً محدداً. إنه يجبر اللاعبين الداخليين على الاختيار. إنه يعيد تعريف توازن القوى داخل المعسكر الخاسر. ويخلق الظروف اللازمة للانتقال السياسي. تشير الإشارات الواردة من القنوات الدبلوماسية إلى أن الصراع قد يدخل هذه المرحلة. الإنذار الأخير لا يوجه فقط للقادة الإيرانيين. إنه يستهدف هيكل السلطة في إيران. في جوهره، يطرح سؤالاً أساسياً: من سيسيطر على الدولة الإيرانية بعد انتهاء الحرب؟ الحرس الثوري — أم الجيش الوطني؟ الصراع الداخلي في إيران هذا الصراع الداخلي موجود منذ عقود، على الرغم من أنه نادراً ما كان مرئياً من الخارج. اكتسب الحرس الثوري نفوذاً كبيراً خلال الأربعين سنة الماضية. إنه يسيطر على قطاعات واسعة من الاقتصاد الإيراني. ويهيمن على المؤسسات الأمنية الرئيسية. ويشرف على برامج الصواريخ في البلاد وشبكاتها الإقليمية من القوات الحليفة. لكن الجيش الإيراني النظامي يظل مؤسسة واسعة ومهنية، متجذرة بعمق في الدولة الإيرانية وتتمتع بتماسك داخلي قوي. غيرت الحرب حتماً التوازن بين هذه القوى. عندما تواجه الدول أزمات وجودية، تتطور الهياكل المؤسسية غالباً بسرعة. التاريخ يقدم العديد من السوابق. تخرج المؤسسات العسكرية أحياناً من أزمات الحرب كالقوى الوحيدة القادرة على استعادة النظام والاستقرار. لذلك، لم يعد احتمال ظهور سلطة انتقالية يقودها الجيش في إيران غير وارد. تحول ديني محتمل سيكون لمثل هذا التغيير أيضاً تداعيات أيديولوجية عميقة. منذ عام 1979، يعتمد النظام السياسي الإيراني على مبدأ ولاية الفقيه، وهي وصاية الفقيه الإسلامي، التي أسسها آية الله الخميني وتتركز حول المؤسسة الدينية في قم. هذا النموذج يدمج السلطة الدينية والسلطة السياسية. ولكن داخل اللاهوت الشيعي نفسه توجد تقليد آخر. لقد طورت المؤسسة الدينية الشيعية في النجف، بالعراق، تاريخياً مذهباً مختلفاً، يشدد على الفصل بين السلطة الدينية والحكم السياسي. لعقود، دافع علماء النجف عن دور سياسي أكثر محدودية لرجال الدين. وبالتالي، فإن إيران ما بعد الحرب التي يهيمن عليها الجيش قد تمثل ابتعاداً جذرياً عن النموذج الثوري الكهنوتي في قم لصالح حكم أقرب إلى تقليد النجف، حيث يحتفظ الدين بنفوذ لكنه لا يحكم الدولة مباشرة. مثل هذا التحول سيشكل أحد أعمق التغييرات السياسية في الشرق الأوسط منذ الثورة الإيرانية. ما بعد الحرب غالباً ما تبدو الحروب فوضوية أثناء وقوعها. لكن نهايتها تكشف عادة القوى السياسية العميقة التي تراكمت تحت السطح. بعد تسعة وثلاثين يوماً من بدء هذه الحرب، ربما بدأت ملامح هذه النهاية في الظهور. دمر الصراع البنى التحتية والاقتصاد الإيراني. يبدو أن قنوات دبلوماسية تفتح في الكواليس. لقد حانت مرحلة الإنذار الأخير. وفي إيران نفسها، قد يؤدي الإنذار الأخير — وعواقب عدم الامتثال له — إلى تحول في ميزان القوى بين الحرس الثوري والجيش الوطني. إذا استمرت هذه الديناميكيات في التطور بهذا الاتجاه، فقد لا تنتهي الحرب بمجرد وقف إطلاق نار. بل قد تنتهي بإعادة تشكيل الدولة الإيرانية نفسها. نادرًا ما يكون سقوط الأنظمة ناتجاً عن الضغط الخارجي وحده. غالباً ما يحدث ذلك عندما تبدأ الركائز الداخلية للسلطة في إعادة الاصطفاف. إذا تأكدت الإشارات الحالية، فقد تقترب إيران من مثل هذه اللحظة بالضبط. وعندما تصمت الأسلحة أخيراً، قد يكتشف الشرق الأوسط أن التحول الحقيقي بدأ للتو. شرق أوسط جديد حيث يتم سحب تدمير دولة إسرائيل من الدستور الإيراني، وحيث يتم فصل الدين عن إدارة الدولة، وحيث يتم توقيع اتفاقيات سلام بين إيران وجيرانها في الخليج، وحيث يتم تقديم ضمانات لحرية الملاحة في مضيق هرمز.

الأكورديون الذي يخدع العنف
بقلم
نانيت زيادة-ريتر
نُشر

بينما كنت أتجول في شوارع حيي، صادفت مشهدًا من أغرب المشاهد: عازف أكورديون يعزف لا لأحد وللجميع. ليقدم لحظة سعادة في بلد يبدو أنه مفتون بالعنف. إنه لا يبحث عن مال ولا اهتمام. يعزف ليشارك سحر الموسيقى مع أولئك الذين ما زالوا يعرفون كيف يشعرون بها. توماس قسيس. هذا هو اسمه. الاسم الذي منحه إياه والداه بالتبني بعد أن تنقل من دار إلى أخرى، واللذان اختارا الاحتفاظ به في النهاية. والداه البيولوجيان؟ لا يعرفهما. يعمل توماس أيضًا في قطاع البناء، وهو قطاع تضرر بشدة من الوضع الحالي. لكنه مع آلة الأكورديون يعيش قصة حب حقيقية. قصة حب عذري بدأت تتفتح في عام 2017. عندما كان طفلاً، كانت آلة الهارمونيكا التي يعزفها في المنزل تزعج العائلة. استسلم... حتى يوم من الأيام، وبصفته عصاميًا، قرر أن يعزفها في الشوارع، على أمل أن يلامس قلوب الأطفال. من بين 1000 طفل، يأمل أن ينجذب اثنان أو ثلاثة منهم إلى الآلة. الأكورديون، آلة موسيقية عمرها آلاف السنين وُلد الأكورديون في أوائل القرن التاسع عشر في أوروبا، وتم تسجيل براءة اختراعه رسميًا عام 1829 في فيينا على يد سيريل ديميان. ومع ذلك، يعتمد عمله على مبدأ أقدم بكثير: القصبة الحرة، الموروثة من آلة الشينغ، وهي آلة موسيقية صينية عمرها آلاف السنين. صُممت منذ البداية كآلة عملية، قادرة على إنتاج اللحن والمرافقة في آن واحد، وقد شهدت تطورًا سريعًا طوال القرن التاسع عشر بفضل الابتكارات التقنية التي أثرت لوحة مفاتيحه ووسعت إمكانياته الصوتية. سرعان ما تبناه الأوساط الشعبية، وسافر الأكورديون مع الهجرات الأوروبية واستقر بشكل دائم في العديد من الثقافات الموسيقية: من الموسيت الفرنسي إلى تقاليد أوروبا الشرقية، مروراً بالأنماط اللاتينية الأمريكية. يأتي في عدة أشكال - دياتوني، كروماتيكي، أو لوحة مفاتيح بيانو - ويزداد تعقيدًا تدريجيًا. بعد أن ارتبط لفترة طويلة بصورة فولكلورية، فرض نفسه اليوم في الموسيقى التقليدية، الجاز، الإبداع المعاصر، والمسرح الكلاسيكي. شغف يُورث لطالما ارتبط الأكورديون بالموسيقى الشعبية، لكنه يكتسب معناه الكامل عندما يقدمه توماس قسيس، العاشق الكبير لهذه الآلة، لأولئك الذين يعرفون كيف يُصغون. وكما يقول، هذه الآلة تغذي روحه وتفتح الأبواب السماوية. يعرف الأشخاص الذين يتمتعون بالإنسانية والحساسية كيف يقدرون البعد الروحي للأكورديون، الذي يهدده اليوم عالم "مُجرد من الإنسانية تمامًا"، كما يعرب توماس عن أسفه. بالنسبة له، الأهم هو أن يظل الأكورديون موجودًا. ومن هنا تأتي أهمية تعريفه للأطفال بطريقة طبيعية، وليس من خلال آلات مبسطة حيث يكفي الضغط على زر لإنتاج لحن. بالنسبة لتوماس، هذا هرطقة تخنق أي إبداع. قوة الموسيقى في بلد يمر بأزمة ربما لا تكون قصة توماس قسيس استثنائية، لكنها تصبح فريدة من نوعها في السياق الحالي للعنف المطلق، حيث يكافح الحلم والشعر لإيجاد مكانهما. ومن سخرية القدر، فإنه في خضم ربيع الشعراء، الذي كان موضوعه هذا العام "الحرية. قوة حيوية، منطلقة"، يجوب توماس الشوارع، ينثر بعض النغمات القادرة على بث القوة والطاقة في نفوس اللبنانيين، الذين أرهقتهم الحروب والأزمات، ولكنهم ما زالوا يحملون دافعًا هشًا للحياة. دليل آخر على أن هذه الآلة، التي يعود صوتها الفريد إلى البهجة، يمكن أن توحد، وتحفز على إعادة التفكير في السعادة، تلك اللحظة العابرة التي لا تتوقف عن الهروب منا.

المنسيون في حرب إيران
بقلم
ميشال توما
نُشر

كان اسمه أمير حسين حاتمي، وكان موسيقيًا وعازف جيتار موهوبًا، وفقًا لمقربين منه؛ كان يبلغ من العمر 18 عامًا؛ تم شنقه في ساحة سجن قزل حصار الإيراني، في ضواحي طهران... وقد اتُهم بـ «العداء لله»… محمد أمين بيكاري، 19 عامًا، سُمح له الأسبوع الماضي من قبل سجانيه بالاتصال بوالده عبر الهاتف لإبلاغه (قمة السادية والقسوة من جانب السلطة...) بأنه سيُشنق صباح اليوم التالي؛ وقد جرى الإعدام كما هو مخطط له. جريمته: المشاركة في المظاهرات الأخيرة ضد نظام الملالي... كان اسمه صالح محمدي، مصارع محترف، وقد شارك في مسابقات المصارعة تحت راية إيران؛ كان يبلغ من العمر 19 عامًا؛ تم شنقه قبل بضعة أيام لمعارضته الديكتاتورية القائمة... هذه ثلاث حالات، اختيرت عشوائياً، من قائمة طويلة – قائمة طويلة ومظلمة للغاية – تضم آلاف المراهقين و الشباب الإيرانيين في مقتبل العمر ، أو في بداية حياتهم المهنية، والذين تم شنقهم أو ينتظرون إعدامهم، ويتحملون جميع أنواع الانتهاكات في أماكن احتجازهم. هؤلاء «أطفال الحرب» – الحرب التي يشنها نظام الملالي ضد الشعب الإيراني الحر – هم المنسيون في هذا الصراع المسلح الذي يهز الشرق الأوسط والخليج بأكمله منذ أكثر من خمسة أسابيع. من الواضح أن الأجهزة القمعية للجمهورية الإسلامية تستغل اهتمام المجتمع الدولي بالعمليات العسكرية وتداعياتها لتنفيذ عمليات إعدام جماعية للشباب. إن مهمتهم المروعة لا تتأثر بالقدر المأساوي الذي تعانيه إيران نتيجة مباشرة للاستراتيجية الانتحارية والعدوانية التي اتبعها نظام الخميني لعقود. تندرج هذه السلسلة التي لا تنتهي من أحكام الإعدام والإعدامات بإجراءات موجزة منذ سنوات ضمن «تقليد» السلطة القضائية الإيرانية، وتأتي في أعقاب «محاكمات» صورية عاجلة استنكرتها جميع المنظمات الدولية. وهي توضح حقيقة مظلمة، تتمثل في الطبيعة المتوحشة والدموية والخالية من أي إنسانية للجناح المتطرف من نظام الملالي. لسوء الحظ، يبدو أن هذا التيار المتطرف والمتشدد في صراعه مع الولايات المتحدة، والعالم الغربي بشكل عام، يمسك الآن، وحده، بزمام السلطة في إيران، مستفيدًا من إقصاء المرشد الأعلى وخليفته، وما تبعه من تهميش واضح. هذه الحالة المظلمة يتم إخفاؤها عمداً من قبل «أصحاب الفكر الصائب» واليساريين الإسلاميين المزعومين الذين يصرون على عدم إدراك الخطر العميق والحقيقي الذي يمثله، ليس فقط لشعوب المنطقة ولكن أيضاً للمجتمعات الليبرالية، استمرار بقايا نظام الملالي في السلطة. عندما يذبل نبات، لن يكون من المفيد جداً، إذا رغب المرء في التخلص منه، أن يكتفي بتقليم الجذع والفروع مع الحفاظ على الجذور، لأنه سرعان ما سيعاود الظهور، أقوى مما كان عليه من قبل. وبنفس الطريقة، فإن قبول فكرة «تسوية» أو تسوية مع بقايا نظام الملالي سيعني السماح بولادة جديدة، على المدى القصير، وبمزيد من العدوانية، لسلطة دكتاتورية وضعت على مدار أكثر من عشرين عامًا برنامجًا لتخصيب اليورانيوم لأغراض عسكرية واضحة، وبنت على مر السنين آلاف الصواريخ الباليستية القادرة على الوصول إلى العواصم الأوروبية الرئيسية، وارتكبت مجزرة بدم بارد، في يومين، ما يقرب من 40 ألف متظاهر سلمي شاب، والذي لا يتردد في إطلاق الرصاص الحي على المظاهرات الحاشدة، والذي لا يتردد في شنق المئات، بل الآلاف، من المراهقين والشباب، والذي قام لسنوات بتمويل وتطوير الإرهاب الدولي، والذي زعزع استقرار عدة دول في الشرق الأوسط لإرضاء أطماعه الهيمنية من خلال محاكاة سلوكه الممارسات النازية المشؤومة، والذي أنشأ ميليشيات موالية له في عدة عواصم في المنطقة، والذي شكل خلايا تخريبية في الخليج وبعض الدول الأوروبية، والذي ارتبط بشبكات عالمية لتهريب المخدرات والعمليات المافياوية... هناك أيضاً، القائمة طويلة... إن المأساة التي يعيشها الشعب الإيراني وشعوب المنطقة اليوم هي النتيجة المباشرة للتساهل الذي لا يوصف والذي لوحظ، لأكثر من 45 عاماً، من قبل بعض القادة والدوائر الغربية في مواجهة الاستراتيجية العدوانية والتوسعية التي طبقها الحرس الثوري الإسلامي بصبر. إن الرغبة في «التفاهم» مع بقايا نظام لا يزال مشبعاً بأيديولوجية ثيوقراطية عفا عليها الزمن، والرغبة في إعادة إطلاق التساهل في مواجهة مثل هذه السلطة، سيعني خيانة القيم الإنسانية والعالمية التي يدعو إليها الغرب ويدافع عنها. خلال المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، لم يكن من الممكن، تحت ذريعة وقف الأعمال العدائية، التفكير في «تسوية» مع الناجين من النظام النازي. كان من الضروري استئصال هذا النظام بأكمله تمامًا لمنعه من الظهور مرة أخرى. وبنفس الطريقة، فإن الحفاظ على جذور المشروع الخميني سيعني منحه حياة جديدة وإدانة دول المنطقة بتحمل مرة أخرى، في وقت ليس ببعيد، ويلات حرب مدمرة أخرى ذات تداعيات اقتصادية تتجاوز بلا شك النطاق الضيق لمنطقة الشرق الأوسط وحدها.

الحالة الفلسطينية… الشتات
بقلم
هشام دبسي
نُشر

صدر قرار تقسيم فلسطين عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني / نوفمبر عام 1947، المعروف بالقرار الدولي رقم 181، الذي بموجبه وُلِدَت دولة إسرائيل، على مساحة 15 ألف كم 2 ، وسكانها لم يتجاوزوا نصف مليون مستوطن، بينما دعا القرار إلى إنشاء دولة عربية على مساحة 11 ألف كم 2 ، في الوقت الذي بلغ تعداد الشعب الفلسطيني مليون وأربعمائة ألف مواطن. كما نصّ القرار على فرض الوصاية الدولية على العاصمة القدس ومدينة بيت لحم، وأدّى الرفض العربي والفلسطيني لهذا القرار إلى اندلاع حرب فلسطين بما أسفرت عنه من نتائج كارثية، مكّنت إسرائيل من احتلال 78% من الأرض، وتهجير نحو 750 ألف مواطن. لكن من اتجه نحو الأردن و سوريا و لبنان لم يتجاوز نصف هذا العدد، حيث استقرّ نصفهم الآخر في مخيمات الضفة الغربية وقطاع غزة. اي ان أكثر من مليون فلسطيني لم يغادر أرضه رغم نزوحه الداخلي، والمفارقة هنا أن الوعي العام السائد تعامل مع الفلسطينيّين على أنهم شعب لاجئ، وهذا "بفضل" قانون الجنسية الأردني، وقانون التجنيس الإسرائيلي. أما في قطاع غزة، منحت الادارة المصرية، بطاقة هوية لاجئ لمن أتى الى قطاع غزة و لأهل مدنها و هم لم يغادروا أرضهم و أصبحوا لاجئين بدورهم. هدنة إلى لبنان لجأ نحو مئة ألف فلسطيني، وعاد أيضاً ما يماثلهم من اللبنانيين المقيمين في فلسطين، وما زال قسماً منهم ضمن احصاءات "الاونروا" التي اعتمدت تعريف اللاجئ " كل من كان مقيم في فلسطين قبل النكبة". لكن اللاجئين الفلسطينيين عندما سمعوا باتفاقات الهدنة التي عقدتها إسرائيل مع مصر والأردن وسوريا ولبنان. أدركوا أن الهزيمة في الحرب تم ترسيمها و الاعتراف بها، وكذلك الاعتراف بالواقع الإسرائيلي الجديد، على الرغم من كل الشعارات الجوفاء. وما أن استقر الحال في المخيمات وبعض القرى والمدن، حتى بدأ البحث في المصير والمستقبل، و مضى عقد و نيّف على النكبة سُمّيَ عند بعض النُّخَب بمرحلة الضياع و فقدان الاتجاه. في خمسينيات القرن الماضي حاول بعض الافراد العودة للوطن، و البعض الآخر شكّلوا مجموعات قتالية منها من نجح و منها من فشل و معظمها استُخْدِمَت لدى الجيوش العربية من اجل اغراض الاستطلاع الحربي. لكن غالبية اللاجئين قبلوا بسلطة الدولة المضيفة و قوانينها. و خاصةً في سوريا و مصر حيث استُخْدِمَت المسألة الفلسطينية في بناء شرعية الانظمة نفسها. اما في لبنان فإنّ الحال يختلف لجهة اسلوب تعامل السلطات مع اللاجئين على انهم حالة خاصة، تولت الاجهزة الامنية ادارتها. وطبقت قوانين عزل و منع تنقل و منع اعمار ومنع بناء مجرد مرحاض خاص للعائلة، فضلاً عن التدخل الامني الفظ في حياة الافراد. تحت مطالعة السيطرة على نمو الاتجاه القومي الناصري والبعثي وغيره وسط جيل النكبة. اتفاق القاهرة ليست عوامل البؤس والشقاء وحدها دفعت اللاجئين في لبنان الى حمل السلاح، بل إنّ دور مصر وسوريا بعد الهزيمة الحُزَيْرانية المذلّة له ابلغ الاثر في توفير السلاح والتدريب عليه وطرق الوصول الى الجبهات المحيطة باسرائيل ومنها الجنوب اللبناني. لكن عندما نشأت ازمة ازدواجية السلطة في الاردن بين الثورة الفلسطينية والعرش الهاشمي في احداث ايلول 1970، لعب الرئيس جمال عبد الناصر دور المنقذ للفدائيين عبر تأمين خروجهم من العاصمة عَمّان و اطلق شعار " وُجدَت المقاومة لتبقى" ، اي بعبارة اخرى ما زالت الحاجة العربية الرسمية لها مستمرة، بينما رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات اضاف لهذا الشعار، "وُجدَت المقاومة لتبقى وتنتصر". هذا ما يفسّر دور الرئيس عبد الناصر في انتاج اتفاق القاهرة عام 1969. حيث استمرّت حاجة النظام الرسمي العربي للمقاومة المسلحة من دول الطوق واستمرّ هذا الامر حتى حرب تشرين عام 1973. وفي قراءة نقدية فلسطينية متأخرة لهذا الحدث المفصليّ في تاريخ لبنان المعاصر، جاء في رسالة الاعتذار للشعب اللبناني المعروفة "باعلان فلسطين في لبنان" ما نصّه: [... ولكن الانصاف يقتضي القول ان الوجود الفلسطيني في لبنان، بحجمه البشري والسياسي والعسكري، قد اثقل كثيرا على هذا البلد الشقيق و رتّب عليه اعباءاً فوق طاقته واحتماله.... الامر الذي اصاب دولته واقتصاده واجتماعه الانساني و صيغة عيشه اصابات بالغة ما عادت خافية على احد. كذلك من الانصاف القول ان التورط الفلسطيني في لبنان على نحو ما شهدناه، و بخاصة في اثناء حروب 1975- 1982 ، انما كان مجمله قسرياً بفعل ظروف داخلية وخارجية اشبه ما تكون بالظروف القاهرة.] تلك المراجعة لم تكُ مراجعة اخلاقية فقط، بل جاءت نتاج تطور عميق و تحوّل في الفكر السياسي الفلسطيني بعد اعلان استقلال دولة فلسطين في المجلس الوطني المنعقد في الجزائر عام 1988 الذي جسّد مشروع السلام الفلسطيني في اطار مشروع السلام العربي و كذلك ابرام "اتفاق اوسلو" عام 1993 و ما تلاه من تشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية. ما تقدّم و مع عودة العلاقات الفلسطينية - اللبنانية عام 2005 بعيداً عن الوصاية السورية، صارت السياسة الفلسطينية الجديدة تعبر عن نفسها بمنطق الدولة وليس بمنطق الثورة، لذا اكتسب الاعتذار الفلسطيني وزنه السياسي- الاخلاقي وصِدقِيّته في الممارسة اولاً قبل القول حيث جاء فيه: [.....، وفتحاً لباب المراجعة، ومساعدةً لانفسنا جميعاً على تنقية الذاكرة و اياً ما كان الامر فإننا من جانبنا نبادر الى الاعتذار عن أي ضرر الحقناه بلبنان العزيز، بوعي او من غير وعي، وهذا الاعتذار غير مشروط باعتذار ٍمقابل.] 7/1/2008 بينما كان قرار مجلس النواب اللبناني في الغاء "اتفاق القاهرة" عام 1987، غير مُرتبط باعادة بناء الدولة اللبنانية على قاعدة حصرية السلاح في ذاك الوقت بقدر ما جاء في سياق صراع نظام الاسد مع قيادة منظمة التحرير من اجل السيطرة و الهيمنة على المخيمات، التي كان لبنان مرة اخرى مسرحاً لها بعد الخروج الفلسطيني عام 1982. (حرب المخيمات) (حرب الانشقاق ) (احداث شرق صيدا) الخ... لذا يمكن القول الآن بخلاصة واضحة و نتيجة اساسية لهذا المسار، بأنّ العهد الحالي و بما أتى بخطاب القَسَم والحكومة الراهنة و بما جاء في بيانها الوزاري، عندما اتّخذت قرار حصرية السلاح كانت منظمة التحرير وعبر سفارتها في لبنان، تُطلِق مبادرتها السياسية و العملية لتطبيق هذا القرار . و ما جرى في المخيمات السنة الماضية بشأن تسليم السلاح الثقيل و المتوسط شاهد على صدقية السياسة الفلسطينية تجاه بناء علاقة ثقة مع الشرعية اللبنانية. تقوم على احترام نظام المصلحة الوطنية اللبنانية ، و عدم الاخلال به، في سياق حل المعضلات المتراكمة في مجتمع اللجوء الفلسطيني، باعتباره جزء من المشكلات اللبنانية التي ينبغي معالجتها بمنظور جديد لا يسبب اي اذى للبلد. كلمة شرف كان لاحتلال الاراضي المقدسة في فلسطين تداعيات مؤلمة على المؤمنين منعتهم من الحج الى كنيسة القيامة وكنيسة المهد، وكذلك الى المسجد الاقصى. وفي هذا الاتجاه، أطلقت حاضرة الفاتيكان مبادراتٍ متلاحقة، عبر زيارة الباباوات لفلسطين في العقدين الاخيرين. كما تلاقت مع هذا المسعى مبادراتٍ أخرى انطلقت من "الازهر الشريف" الى مراكش، الى ابو ظبي ومبادرات محلية هنا في لبنان رسمية و اهلية. معظم تلك المبادرات نطقت بجملة اولى تؤكد ان فلسطين عنوان الرسالة المسيحية وجغرافيتها. بينما اكدت الجملة الثانية على ان المسيحية في لبنان كانت عنوان التفاعل الحضاري والثقافي والانساني، في هذه المنطقة و هي المنارة الابرز للحضور المسيحي في الشرق. واذا كانت هجرة المسيحيين تحدي كبير للمشرق فإنّه تحدي عظيم للبنان وفلسطين، حيث يتناقص الوجود المسيحي بفعل تداعيات الاحتلال الاسرائيلي. الذي يريد فلسطين خالية من هذا الوجود بعد ان كانت نسبته 13% صار اليوم اقل من 2%، عبر سياسات ممنهجة تريد اقصاء الدور المسيحي في مقاومة الاحتلال. وفي مثل هذه الايام المباركة بالصوم واعياد الفصح وفي 29 نيسان/ ابريل من عام 2008 زار وفد فلسطيني كبير ضمّ قيادات من رام الله برئاسة سفير فلسطيني في لبنان ومعه معظم القيادات المحلية الصرح البطريركي في بكركي مقدماً لغبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير و عموم العائلات المسيحية في لبنان وثيقة صدرت عن القيادة الفلسطينية تحت عنوان"كلمة شرف و عهد وفاء لاخوتنا المسيحيين في لبنان". جاء فيها ما نصّه: [اننا كفلسطينيين، مسلمين ومسيحيين، نعتبر انفسنا في فلسطين و اياكم في لبنان جزءًا اصيلاً من اكثرية عربية، من شأنه ان ينهض الآن، مثلما نهض في الماضي القريب، بدور ريادي في نهضة عامة، لنشر رسالة السلام و المحبة و الترقي و الانفتاح، .... واننا اذ اعربنا عن خياراتنا وتوجهاتنا في هذا البلد المعطاء، اردناها مراجعة صادقة وصريحة، فإننا نخصُّكم بكلمة الشرف هذه ونعاهد انفسنا واياكم على: اولاً: الاحترام الكامل لخصوصيتكم اللبنانية والمشرقية، وان نكون معاً لدرء الاذى الذي يترصّد لبنان العزيز،بوصفه كياناً مستقلاً ودولة سيدة. ثانياً: مقاومة اي محاولة لحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان على حساب هذا الوطن، او بعيداً عما تنص عليه قرارات الشرعية الدولية في هذا الشأن وفي مقدمها حق العودة وفقاً للقرار الدولي 194. ثالثاً: العمل على شفاء النفوس وتنقية الذاكرة، وتعزيز روح المصالحة، كي يبقى وطنكم لبنان، ووطننا فلسطين منبع الاشعاع الروحي،ومنصة التعبير الحضاري والثقافي، كما كانا عبر العصور. تلك كلمة شرف وعهد وفاء نرجو ان نوثّقهما بأعمال تُرضي الله وضميرنا الوطني.] التوقيع: سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية تلك المبادرة و غيرها من المبادرات حفرت مجرى جديد للمصالحة وتنقية الذاكرة. لكن ما يمكن قوله الآن في السياسة، هو ان الحكومة اللبنانية الحالية في سياق قراراتها لحصرية السلاح بيد الدولة، كلّفت "لجنة الحوار اللبناني-الفلسطيني" المعنيّة بمعالجة قضايا مجتمع اللجوء ، بإعداد ورقة سياسيّة أوليّة تحت عنوان ( الخطة الوطنية اللبنانية لِحَوْكَمَة المخيمات الفلسطينية في لبنان) وهذه المبادرة هي الاولى من نوعها على مستوى الدولة اللبنانية ، لاخراج المخيمات من دائرة المعالجات الامنية الى كنف رعاية الدولة وبسط سيادتها على اراضيها وسحب السلاح الفلسطيني من المخيمات و تأمين الحياة اللائقة باللاجئ حتى لحظة عودته. يمكن القول اخيراً ان المستقبل يحمل وعداً بتجاوز الماضي.