شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
لبنان: الكارثة التي لا تنتهي…
بقلم
منى فياض
نُشر

في محاولاتي لفهم ما يحصل لنا، ولفهم نفسي واستعادة بعض التوازن فيما نتعرض له،استعين بقراءة كتب وروايات لشعوب عانت ويلات الحرب كما نعانيها، وتمثل اليابان في هذا الميدان، مع ما عانته في الحرب العالمية الثانية وبعد تعرضها للقنبلة الذريه نموذجاً قد يساعدنا على موضعة وجعنا. ولا بد من الإشارة هنا الى ان ما أُلقي على لبنان من أسلحة، على مدى السنوات، بات يعادل أكثر من قنبلة هيروشيما وناكازاكي مجتمعتين. لدينا كتابان مناسبان هنا، “زهرة الشتاء” و”الصرخة الصامتة”.” زهرة الشتاء” كتب من قلب الحدث وعاين الخراب مباشرة وشهد ووصف ما رآه من مآس وتشويه وضياع. والكتاب الأخر، الصرخة الصامتة، كتب بعد خسارة اليابان الحرب، وشهد على خراب الإنسان في داخله. وقارنت بين ما يصفانه وما نعانيه. ووجدت ان الوضع في لبنان يجمع في آنٍ واحد كلا الوجعين، ودون فصل او وجود أي مرحلة زمنية فاصلة. هما كتابان يساعدان على تفكيك العنف، فهمه، وليس فقط النجاة منه نفسياً. هذا النوع من الكتابة لا يخفف الألم، لكنه يعطيه شكلاً ويضع له لغة، وبالتالي يخرجه من الفوضى إلى شيء يمكن الإمساك به. وفي الحروب تحديداً، هذه القدرة تكاد تكون فعل مقاومة. لأن الحرب تحوّل الإنسان إلى ردّ فعل، إلى جسد ينجو أو يتألم أو يهرب؛ بينما الكتابة (وقراءة هذا النوع من الأدب) تعيد موقعنا كـ ذات واعية، لا مجرد ضحية للظروف. باختصار، هناك شعوب عاشت الحروب، وأخرى عاشت الهزائم، وأخرى خرجت من تحت الركام لتعيد بناء نفسها. لكن ما يعيشه لبنان ليس حرباً بالمعنى التقليدي، ولا هزيمة يمكن تأريخها، ولا حتى كارثة يمكن احتواؤها ضمن زمن واضح. إنه شيء آخر. في التجربة اليابانية، كما تعكسها أعمال مثل “ زهرة الشتاء” و”الصرخة الصامتة”، كان هناك مسار- ولو أنه قاسياً: صدمة، ثم صمت، ثم وعي، ثم إعادة بناء. حتى في أقسى اللحظات، مثل قصف هيروشيما، كانت الكارثة نهائية بمعنى ما. انتهت الضربة، وبدأ التاريخ بعدها. أما في لبنان، فلا شيء ينتهي. هنا، لا توجد لحظة يمكن أن نقول عنها: "بعد". كل شيء يحدث في آن واحد: صدمة مستمرة، لا تُستوعب تفكير قسري، لا يكتمل سرديات متناقضة، لا تحسم شيئاً وحياة يومية تُستأنف فوق الركام، كأنها تنكر وجوده لبنان لا يعيش ما بعد الحرب. لبنان يعيش داخل الحرب… وداخل تفسيرها… وداخل إنكارها في الوقت نفسه. في أماكن أخرى من العالم، الكارثة تُنتج ذاكرة. الذاكرة تُنتج وعياً، والوعي ينتج، ولو بعد زمن، تغييراً. أما هنا، فالتسلسل مكسور: كارثة ثم صراخ ثم انقسام ثم نسيان جزئي فكارثة جديدة. لا ذاكرة تكتمل، ولا وعي يتراكم، ولا تغيير يحدث. في "زهرة الشتاء"، الإنسان مكسور، لكنه صادق في انكساره. في "الصرخة الصامتة"، الإنسان يحاول أن يفهم، أو أن يختبئ خلف روايات. أما في لبنان، فالوضع أكثر قسوة: إنسان مكسور… ومحروم من صدقه او التعبير عن انكساره، ومجبر على اختيار رواية، تحت ضغط الخوف أو الانتماء أو الاتهام. وهنا تكمن خصوصية الحالة اللبنانية، وربما فرادتها: ليست فقط تعددية في الآراء، بل تعددية في الواقع نفسه. كل مجموعة تعيش حرباً مختلفة، وتروي قصة مختلفة، وتبني ذاكرة مختلفة. والنتيجة: لا يوجد "حدث وطني" جامع، بل أحداث متوازية، لا تلتقي إلا في الألم. ما يجعل الوضع اللبناني غير مسبوق، خصوصاً في إطار الدولة الوطنية الحديثة، هو أن الدولة نفسها لا تؤدي دورها كمرجعية نهائية للمعنى أو للقرار. في معظم الدول: الدولة تُعلن الحرب أو تنهيها الدولة تحتكر العنف الدولة تصوغ الرواية الرسمية أما في لبنان: الحرب تحدث داخل الدولة وخارجها العنف موزع والرواية متنازع عليها إلى حد الانقسام الوجودي وهكذا، لا يعيش اللبنانيون فقط في أزمة سياسية، بل في فراغ مرجعي عميق. هذا الفراغ هو ما يجعل الكارثة تتكرر دون أن تتحول إلى نقطة تحول. كل ضربة، كل انفجار، كل مأساة، تُضاف إلى سلسلة طويلة، لكنها لا تُغلق الدائرة، ولا تؤسس لما بعدها. الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ"تطبيع اللامعقول": أن يصبح الموت رقماً وصورة على الحائط، والدم خبراً، والكارثة جزءاً من الروتين. ليس لأن الناس لا يشعرون، بل لأنهم استُنزفوا إلى حد لم يعودوا قادرين على تحويل الشعور إلى فعل. لبنان اليوم لا يشبه اليابان بعد الحرب، ولا يشبه أي بلد خرج من أي نزاع. لأنه لم يُمنح حتى فرصة الخروج. هو بلد: لم تنتهِ فيه الحرب، ولم يبدأ فيه السلم، ولم يُحسم فيه شيء. بل يُعاد إنتاج كل شيء، مرة بعد مرة. ربما لهذا يبدو الألم في لبنان مختلفاً: ليس فقط لأنه عميق، بل لأنه بلا أفق. ليس لأنه مفاجئ، بل لأنه متكرر. وليس لأنه غير مفهوم، بل لأنه مفهوم… دون أن يملك أحد القدرة على تغييره. هذه ليست مجرد مأساة وطن. هذه حالة إنسانية مركّبة، نادرة، وربما غير مسبوقة: دولة تعيش داخل حدودها المعترف بها، لكنها تفتقد إلى الزمن الطبيعي للدول: زمن البداية، والنهاية، والتحول. لبنان ليس فقط بلداً في أزمة. لبنان هو بلد عالق خارج أي تسلسل منطقي. وهذا، ربما، هو الشكل الأكثر قسوة للكارثة: أن لا تنتهي… وأن لا تبدأ من جديد.

لبنان... حارس الرجاء
بقلم
فادي نون
نُشر

بين فكيْ دولتين مارقتين، لا يجد لبنان مفراً من استمالة الأقرب إليه جغرافياً، ذاك الرابض عند حدوده. إنه فن السلام تمليه الحكمة والبداهة؛ فلا حاجة لأن يكون المرء "صن تزو" ليدرك ذلك، ولا ليوقن بأن لبنان جزء من العالم العربي لا العالم الإسلامي، وأنه يستند في مساره هذا إلى تضامن عربي لا نجد له نظيراً في "الإسلام الحركي" الإيراني. بالتأكيد، تبقى القضية الفلسطينية مقدسة، ويظل اغتصاب فلسطين وصمة عار في جبين العالم العربي. بيد أن ذلك لا يشكل ذريعة للتضحية بقضية مقدسة أخرى، هي قضية لبنان؛ تلك الجوهرة الجغرافية والثقافية الفذة، وذاك الوعد بالحرية الدينية الذي أهداه التاريخ للكنيسة المارونية، ومن خلالها لجميع الطوائف اللبنانية. إن ضياع هذا اللبنان لن يكون مجرد خسارة، بل تدنيساً للمقدسات، أو على حد تعبير البابا يوحنا بولس الثاني: «أحد مواجع ضمير العالم». «لبنان أكبر من نفسه»، هكذا وصفه إيمانويل ماكرون في آذار الماضي من معهد العالم العربي. وبالفعل، فإن لبنان هو «ضربة عبقرية» من يد التاريخ، صاغه ليكون بوتقة لفن العيش المشترك بين عقيدتين دينيتين كبريين، قد تبدوان متناقضتين في وجوه عدة، إلا أن تلاقيهما – كما تجسد في لبنان – نجح في أن يكون «نموذجاً للحرية والتعددية للشرق والغرب معاً»، دائماً وفق كلمات يوحنا بولس الثاني. جزء من الفضاء الفرانكفوني علاوة على ذلك، فإن الورقة الرابحة التي لا يزال لبنان يمتلكها هي انتماؤه إلى الفضاء الفرانكفوني، ومن خلاله إلى منظومة منفتحة على فرنسا والغرب، مع بقائه في آنٍ معاً متديناً في العمق، مسالماً في العمق، ومتجذراً في أعماق الشرق. وكيف يمكن للأمر، أصلاً، أن يكون خلاف ذلك في بلدٍ بمثل هذه المساحة الضيقة؟ لذا، لا بد من العمل على أن يخرج لبنان الكبير منتصراً من أتون المحن القاسية التي نكابدها، ليتغلب على «اللبنانات» الصغيرة" التي لا تزال تحاول تشكيل نفسها «بالفكر أو بالقول»؛ ولا سيما على اليوتوبيا الخمينية التي تهدف إلى بسط سلطة طهران على لبنان، وتمكين إيران من التمركز على حدود إسرائيل وعلى ضفاف المتوسط، وصولاً إلى تدمير إسرائيل في مغامرة تتقاطع فيها الدوافع الدينية بالرؤى الغيبية الأخروية، أي باللامنطق والمجهول. لم يكن لهذه المطامع إلا أن تثير لدى المكونات اللبنانية الأخرى ردود فعل غريزية للدفاع عن النفس. وإن أحد الأسباب التي ستجعل لبنان عصياً على هذا الاستعمار الأيديولوجي للطائفة الشيعية، هو أنه في مواجهة «عصبيتها»، تبرز «عصبية» أخرى، مارونية هذه المرة، متمسكة بضراوة باستقلاليتها في الفكر والعمل، وبحصتها من هذه الأرض التي آلت إليها بعد قرون من المخاض والمعاناة؛ تلك الأرض التي سددت ثمنها دماً طويلاً على مر القرون التاسع عشر والعشرين والحادي والعشرين، ولا تزال تدفع الثمن حتى اللحظة في القرى الحدودية. عِبرة لبنان الكبير نحن نقول ذلك ونحن على يقين بأن الموارنة قد استوعبوا بذكاء، وبثمن باهظ دفعوه على مدى القرن المنصرم، العبرة الأساسية للبنان الكبير عام 1920: وهي ألا يطمحوا بعد اليوم إلى لبنان يكونون فيه أحراراً ومستقلين فحسب، بل أن يضعوا أنفسهم في خدمته بعد أن تحقق لهم مناله. فبانتقالهم من جنين أمة إلى لبنان الكبير، انتقل الموارنة بالفعل – ولم يكن ذلك بلا آلام وتراجعات وتردد وأخطاء جسيمة – من مرحلة المراهقة إلى مرحلة النضج؛ من طائفة تطمح لأن تكون أمة، إلى أمة تنهض بمسؤولياتها تجاه كافة المكونات التي انضوت تحت لوائها وانخرطت في مشروعها. ولكي تبقى «العصبية» المارونية، التي نشعر بنبضها في هذه اللحظة، وفيةً لنفسها، عليها أن تتذكر دائماً أنها في خدمة الحضارة اللبنانية الكبرى حصراً؛ خدمة العيش المشترك، والحداثة المؤمنة، والعلمانية الإيجابية، والأخوّة الدينية، ورفض أي استغلال للدين في السياسة. عليها أن تتذكر أنها في خدمة الترفع الرؤيوي في الجيوسياسة، وفي خدمة الحرية والتعددية، وأنها تقع على طرفي نقيض من أي شكل من أشكال الانعزال. ودعماً لما سلف، نستذكر هذا المقطع من كلمة ألقاها رئيس المؤسسة المارونية للانتشار، الراحل ميشال إده، في شباط 2011، خلال حفل إزاحة الستار عن تمثال مار مارون في الباحة الخارجية لكاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان: «إن هذا اللبنان (...) كان الموارنةُ أولَ من صاغ منه وطناً، ثم دولةً حديثة. ولم يشاؤوا أن يجعلوا منه أمةً مارونية أو مسيحية، ولا دولةً للموارنة أو المسيحيين، رغم أن ذلك كان في متناول أيديهم في حينه. بل أرادوه وطناً للعيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين، وطناً يرتكز على الاعتراف بالحق في الاختلاف، وعلى احترام الآخر وقبوله في تمايزه. بعبارة أخرى، أرادوه وطناً قائماً على الحرية والديمقراطية». تقاربات ومع ذلك، ودعماً لخيار التفاهم السلمي مع الدولة القائمة عند حدودنا، لا بد من الإدراك بأن ثمة أواصر ثقافية ودينية تجمع لبنان المسيحي بإسرائيل الدينية؛ فالكنيسة والكنس يتلوان صلواتهما ويبتهلان من كتاب المزامير نفسه، وكلاهما يستمدان جوهرهما من الروايات الكبرى ذاتها في الكتاب المقدس. كما تملك الكنيسة المارونية المشرقية من الحكمة ما يجعلها تدرك أنه إذا كانت الكنيسة الجامعة قد أججت مشاعر معاداة السامية إبان استقلالها عن الكنس، فإنها هي (أي المارونية) غير ملزمة بتحمل أوزار خطايا الماضي. لذا، يمكنها الانضواء بحرية، ودون أفكار مسبقة، تحت راية الإعلان المجمعي «في عصرنا» ( Nostra aetate ) الذي يؤكد: «وأن تكن سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرّضت على قتل المسيح، لا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما اقترف أثناء آلامه، الى كل اليهود الذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا الى يهود اليوم. وإن تكن الكنيسة شعب الله الجديد، يجب مع ذلك ألّا ينظر الى اليهود كمن رذلهم الله ولعنهم، كما لو كان ذلك ناتجًا من الكتب المقدّسة». وهي (الكنيسة) لا تنسى أيضاً أن تنظر «بعين الاعتبار الى المسلمين الذين يعبدون الإله الواحد الحيّ القيوم الرحيم الضابط الكلّ خالق السماء والأرض، المكلّم البشر». وفي هذا المجال، يمكنها حتى أن تزايد في انفتاحها، إذ يظل لبنان، وبامتياز، هو المساحة الفضلى لـحوار الحياة الإسلامي-المسيحي. رسالة لبنان ختاماً، وإذا كان الكنس هو شقيقها الأكبر تاريخياً، فلا يسع الكنيسة أن تنسى أن الله قد جعل منها حارسة للرجاء؛ رجاء أن يأتي يوم «يدعو فيه الجميع باسم الرب ليعبدوه بكتف واحدة» (صفنيا 3: 9)، وأن عليها أن تقودهم عبر التاريخ، بـ«وشائج الروح القدس اللطيفة» ، إلى ملء التجلي الذي تلقّته هي نفسها. لا يجوز للبنان، وريث القيم السامية التي نقلتها طوائفه، أن يغفل لحظةً عن عظمة رسالته. لذا، يقع على عاتقه واجب أخلاقي، في الحالة الفلسطينية تحديداً، أن يشهر أسلحة الروح وينبه جاره الجنوبي إلى أنه، ومهما بلغ حجم صدمته من أحداث 7 تشرين الأول 2023 وما رافقها من فظائع، فإنه يخاطر بفقدان روحه عبر ممارسة العنف الإبادي ضد الفلسطينيين كما رأينا. فمن خلال تجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وإطفاء أي تعاطف مع هذا الشعب في قلوبهم(أي قلوب الإسرائيليين)، يجرّد الإسرائيليون أنفسهم من إنسانيتهم، بحسب ما يرى مؤرخوهم. فهل ستنقذ الحرب إسرائيل؟ كلا، إن إعطاء الفلسطينيين مستقبلاً هو السبيل الوحيد لتعيش بسلام. ذلك أن أي سلام مفروض لا يستند إلى قواعد العدل، بل إلى القوة، هو سلام مهدد بالانهيار بين عشية وضحاها. السلام الحقيقي هو الذي يرتكز على الحقوق غير القابلة للتصرف لكل فرد وكل جماعة بشرية، كما بلورتها حضارة يهودية-مسيحية دامت ألفي عام؛ وهو السلام الذي يجب أن تطمح إليه كل الأمم التي تنشد العدل أمام الله، وهو ما يدّعيه الخصمان الوطنيان في هذه المأساة التي تدور رحاها فوق الأرض المقدسة. ثمة سبب آخر، قد يكون أكثر ظرفية، يدفع باتجاه القبول بسلام مع إسرائيل؛ وهو ما سيسمح به هذا السلام من فتح للحدود نحو الأماكن المقدسة. فبالتأكيد، يمتلك لبنان في صيدا وصور آثاراً نفيسة لمرور يسوع المسيح فوق أرضه. وبالتأكيد أيضاً، يمتلك فوق قمم جباله وفي أعماق وديانه مزارات مقدسة غالية يشخص إليها بالبصر. بيد أن كل ذلك لا يشكل مبرراً كافياً لنسيان حجارة القدس، أو لصرف النظر عن بيت لحم والناصرة، التي تظل لكل مسيحي شواهد لا تُعوَّض على حياة يسوع. لا للامركزية الانعزال تحذيرٌ أخير قبل الختام: مهما كان الثمن الذي سيتطلبه السلام مع إسرائيل، لا بد من تجنب كافة صيغ اللامركزية التي قد تؤدي إلى عزل المكونات اللبنانية عن بعضها البعض. فلبنان «العميق» ملزمٌ بالبقاء منفتحاً وقريباً من كل الذين بنوه أو يبنونه، وفياً لتقاسم الأتراح والأفراح، والمآتم والأعياد، مع الجميع. وأخيراً، لا يجوز للازدهار الاقتصادي في لبنان أن يتحقق على حساب رسالته الروحية. فقبل أن يكون لبنان كازينو، أو مستشفى، أو محطة للتزلج، أو وجهة سياحية – وتلك ليست سوى سبل لكسب العيش – عليه أن يسعى ليكون المركزالفكري للشرق الأوسط؛ فضاءً للحرية والإبداع والتعددية، ومختبراً لـ«حضارة المحبة» التي نادى بها البابا بولس السادس. ومن أجل ذلك، تضطلع جامعاته ومعاهده العليا بدور محوري؛ إذ يجب أن يُدرج «البحث عن المعنى» ضمن قائمة «الاختصاصات اللبنانية»، جنباً إلى جنب مع «المازة».

محادثات واشنطن: خطوة أولى نحو سلام لبناني-إسرائيلي

إن اللحظة، بلا شك، تاريخية من أكثر من جانب: على المستوى الرمزي، أولاً؛ وعلى مستوى الأهمية السياسية والبعد الاستراتيجي للحدث، من جهة أخرى. يُعد الجانب الرمزي، أولاً، ذا أهمية خاصة في السياق المحلي والإقليمي الذي لا يجهله أحد: سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض تجتمع وجهاً لوجه في وزارة الخارجية بواشنطن مع سفير إسرائيل يحيئيل ليتر، تحت رعاية وزير الخارجية ماركو روبيو، وخلفهم الأعلام اللبنانية والإسرائيلية والأمريكية، جنباً إلى جنب... كانت هذه الصورة لتعتبر من وحي الخيال السياسي قبل بضعة أشهر فقط. السفيرة ندى حمادة معوض يتبعها سفير إسرائيل يحيئيل ليتر لدى وصولهما إلى قاعة الاجتماعات. لكن البعد الجيوسياسي هو الذي يكتسب طابعاً تاريخياً وحيوياً للبنان. فلقد رسخ الاجتماع الثنائي اللبناني الإسرائيلي توجهاً أساسياً اتخذته وزارة الخارجية وحكومة سلام، وهو الفصل التام بين السياسة الخارجية والخيارات الاستراتيجية للبنان من جهة، والخيارات السياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى. ولهذا التوجه الذي حدده الرئيس جوزيف عون وحكومة سلام نتيجة طبيعية: ضرورة وضع حد للتجاوزات السياسية (والميليشياوية...) لدولة حزب الله المصغرة والخارجة عن القانون، والتي تعمل منذ أكثر من عقدين على تطبيق استراتيجية لتفكيك الدولة اللبنانية ومؤسساتها. اجتماع استغرق ساعتين وقد تمت الإشارة إلى هذا التوجه الجيوسياسي خلال الاجتماع الذي استغرق ساعتين وعُقد في الساعة 11 صباحاً بتوقيت واشنطن (الساعة 6 مساءً بتوقيت بيروت) برئاسة وزير الخارجية. وقد رحب وزير الخارجية الأمريكي في هذا الإطار بـ «فرصة تاريخية» للبنان وإسرائيل لإحلال السلام. وصرح قائلاً: «يتعلق الأمر بإنهاء نفوذ حزب الله في هذا الجزء من العالم بشكل نهائي بعد 20 أو 30 عاماً». «هذا يتجاوز مجرد يوم واحد، سيستغرق وقتاً طويلاً». صرح السيد روبيو: «لن نسمح بعد الآن بأن تمارس إيران نفوذها على الخيارات السياسية للبنان». وفي هذا الصدد، أشار حزب الله إلى أن المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان هي «استسلام» وعبر عن رفضه بإطلاق صواريخ على 13 بلدة حدودية إسرائيلية في الوقت الذي بدأت فيه الاجتماع في وزارة الخارجية. لم تتسرب سوى القليل من المعلومات حول فحوى المناقشات. طالبت سفيرة لبنان بوقف إطلاق النار في جنوب لبنان؛ ويُزعم أن نظيرها الإسرائيلي رد بأن حكومته ستدرس الطلب اللبناني. كما يُزعم أنه تم اتخاذ قرار ببدء مفاوضات ثنائية لمناقشة القضايا التي تقع في صلب النزاع بين البلدين. وسيتم تحديد مكان وموعد بدء هذه المحادثات قريباً. “ تبادل ممتاز” في ختام الاجتماع، تحدث السفير الإسرائيلي إلى الصحفيين وأشاد بـ «التبادل الممتاز» خلال المناقشات، مشيراً إلى أن إسرائيل ولبنان أصبحا الآن «في نفس الجانب». أكد قائلاً وهو يغادر وزارة الخارجية: «اكتشفنا اليوم أننا في نفس الجانب» بين لبنان وإسرائيل. قال: «هذا هو أكثر شيء إيجابي استطعنا استخلاصه من هذا اللقاء. كلانا متحدون في رغبتنا بتحرير لبنان من احتلال، من قوة تسيطر عليها إيران وتسمى حزب الله»، قبل أن يضيف أن «نعيم قاسم وحزب الله أصبحا جزءاً من الماضي». في وقت مبكر من المساء، كان من المقرر أن تصدر وزارة الخارجية بياناً مشتركاً يؤكد أن الولايات المتحدة تأمل في أن تتجاوز المحادثات «اتفاق 2024 للتوصل إلى سلام شامل». «تدعم الولايات المتحدة جهود الحكومة اللبنانية الرامية إلى استعادة احتكار العنف المشروع وإنهاء نفوذ إيران»، يؤكد البيان الذي يضيف أن الولايات المتحدة تدعم حق إسرائيل في «الدفاع عن نفسها ضد هجمات حزب الله». ويشدد البيان على أن «أي اتفاق يهدف إلى إنهاء الأعمال العدائية يجب أن يُناقش بين الحكومتين، تحت رعاية الولايات المتحدة، وليس عبر أي طريق آخر» (إشارة إلى رغبة إيران في ربط وقف إطلاق النار في لبنان بالجزء الإيراني من المحادثات مع واشنطن). عون: بداية النهاية على صعيد ردود الفعل، أعرب الرئيس جوزيف عون عن أمله في أن تمثل المفاوضات «بداية نهاية معاناة اللبنانيين». لكنه أضاف: «لن يتم استعادة الاستقرار في الجنوب إذا استمرت إسرائيل في احتلال الأراضي هناك». من جانبه، صرح وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر: «نريد التوصل إلى السلام والتطبيع مع الدولة اللبنانية. لا توجد خلافات كبيرة بين إسرائيل ولبنان. المشكلة هي حزب الله». العمليات في الجنوب في غضون ذلك في الجنوب، لا تزال المعارك مستعرة على الجبهة الرئيسية، وهي مدينة بنت جبيل الاستراتيجية، في حين تستمر عمليات القصف الإسرائيلي على جميع مناطق الجنوب، بالإضافة إلى تدمير القرى. الجيش الإسرائيلي يدعي سيطرته على بنت جبيل. في هذا السياق، أعلن الجيش الإسرائيلي يوم الثلاثاء عن اعتقال ثلاثة من عناصر حزب الله، أحدهم أصيب بجروح خطيرة واثنان بجروح طفيفة. وقد تم نقلهم إلى إسرائيل. في وقت سابق، كان الجيش الإسرائيلي قد أشار منذ يوم الاثنين أنه يحاصر بنت جبيل حيث يتحصن عشرات المسلحين. ومع ذلك، لا تزال المعارك عنيفة حيث اعترف الجانب الإسرائيلي بإصابة عشرة من جنوده في الساعات الأخيرة في الجنوب، ووفاة أحدهم. مضيق هرمز تجدر الإشارة إلى أنه على الجبهة الإيرانية، عبرت عدة سفن يوم الثلاثاء مضيق هرمز، لكنها لم تكن متجهة إلى أي من الموانئ الإيرانية الخاضعة للحصار الأمريكي. ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد رد الفعل الصيني العنيف بشأن هذا الحصار، والذي وصفته الصين بـ «الخطير وغير المسؤول». التطور الهام الآخر لهذا الثلاثاء، فيما يتعلق بالمضيق، كان الإعلان عن مؤتمر يوم الجمعة، برئاسة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، بمشاركة الدول «غير المتحاربة» التي ستكون مستعدة للمساهمة في مهمة متعددة الأطراف و«دفاعية بحتة». عملية تهدف إلى «تحرير» مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة فيه. هل يمثل هذا تغييراً في مسار الدول الأوروبية، التي كانت حتى الآن معادية لأي تدخل في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد النظام الإيراني؟

عندما تصبح قاعات التدريس ساحات قتال

في لبنان، التعليم مُعَدٌ لتحرير العقول، لكن أذرع إيران حوّلته سلاحاً. اعتزّ لبنان طويلاً بشيء نادر في هذه المنطقة: الإيمان بأن التعليم ليس امتيازاً بل مساراً. بلدٌ لا يزال فيه الآباء، رغم الحروب والانهيارات المتتالية والتفسّخ السياسي، يجمعون ما تيسّر لهم ليُرسلوا أبناءهم إلى المدارس. بلدٌ أنتجت فصوله الدراسية تاريخياً أطباءً ومهندسين وكتّاباً ومفكّرين، لا شهداء في خدمة الحرس الثوري الإيراني. الأرقام تروي جزءاً من هذه القصة. يمتلك لبنان أحد أعلى معدلات الإلمام بالقراءة والكتابة في المنطقة، إذ يقترب من 98 بالمئة. وطوال سنوات، صنّفته المؤشرات الدولية في مقدمة الدول من حيث جودة التعليم. الرياضيات والعلوم ليست هنا ترفاً بل ضرورة، تُدرَّس في الغالب بالإنجليزية أو الفرنسية منذ السنوات الأولى. والتعليم هنا ليس مجرد تحصيل معرفة؛ إنه حراك اجتماعي وكرامة وطريق للخروج من أسر الطائفية والعنف والحدود الخانقة التي تفرضها الجغرافيا. غير أن هذه الفكرة نفسها باتت اليوم تحت الهجوم. التهديدات والأفعال الأخيرة للحرس الثوري الإيراني ضد المؤسسات الأمريكية في لبنان والمنطقة ليست مجرد حلقة إضافية في سلسلة تصعيد طويلة. إنها تكشف شيئاً أعمق وأشد خطورة: محاولة متعمّدة لإعادة تعريف ما يعنيه التعليم في بلدان كلبنان. لأن حزب الله، أكثر أذرع الحرس الثوري ترسّخاً في لبنان، لا يرى في التعليم أداةً للتحرر. بل يراه أداةً للسيطرة. حيث ترى العائلات اللبنانية في المدارس جسوراً نحو العالم، يرى فيها حزب الله مصانع ولاء. وحيث يأمل الآباء أن يتعلم أبناؤهم الجبر ليبنوا مستقبلاً، يرى الحزب في الهندسة وسيلةً لحساب المسارات. الفيزياء لم تعد لفهم العالم الطبيعي؛ صارت وسيلة لضبط مسار صاروخ أو ضمان ثبات طائرة مسيّرة. والكيمياء جُرّدت من فضولها وأُعيدت صياغتها أداةً للفتك. هذا ليس مجازاً. إنه عقيدة. المنظومة التعليمية لحزب الله — مدارسه وكشّافته وبرامجه الشبابية ومؤسساته الثقافية — تعمل منذ أمد بعيد كنظام موازٍ يحاكي الدولة في شكله لكنه يُقوّض غايتها في جوهره. الأطفال لا يتعلمون القراءة والكتابة فحسب؛ يتعلمون الطاعة والتبجيل، وفي النهاية القتال. خطاب المقاومة يتسلّل مبكّراً، مُلفّفاً برموز الشهادة والتضحية، حتى يغدو جزءاً لا ينفصل عن الهوية ذاتها. وفي هذا السياق، فإن استهداف المؤسسات الأمريكية مؤخراً، سواء على الصعيد الخطابي أو العملياتي، يندرج في منطق متسق تماماً. جامعات كالجامعة الأمريكية في بيروت ليست مجرد مبانٍ. إنها تجسّد فكرةً تتعارض رأساً مع ما يسعى حزب الله والحرس الثوري إلى فرضه. إنها تجسّد الشك في مواجهة العقيدة. التساؤل في مواجهة التلقين. مساحةٌ يستطيع فيها الطالب أن يُسائل السلطة بدل الاستسلام لها. ولهذا بالضبط تُعدّ تهديداً. ولعل أشد التداعيات دماراً ليس تسليح التعليم في حد ذاته، بل التدمير الصامت للبيئة التي جعلت التعليم اللبناني استثنائياً يوماً ما. لقد أخذ حزب الله، بالتواطؤ مع طبقة سياسية اختارت تطبيع نظامه الموازي والتكيّف معه وإضفاء الشرعية عليه في النهاية، يُفكّك تدريجياً التنوّع الذي كان يغذّي الحياة الفكرية في هذا البلد. لم يكن النموذج التعليمي اللبناني يوماً مسألة مناهج أو تصنيفات فحسب؛ كان مسألة تعدّدية. فصول دراسية تتقاطع فيها اللغات، وتتنازع فيها الروايات التاريخية، وتتعايش فيها الهويات دون أن تذوب بعضها في بعض. هذه البيئة الهشّة لكن الحيوية كانت محرّك إبداع أنتج أجيالاً قادرة على التفكير خارج أسوار الطائفة والأيديولوجيا والخوف. أمّا اليوم فهذه المساحة تتضيّق، لا بمرسوم رسمي بل تحت وطأة الضغط والترهيب والخنق البطيء للمعارضة. ما يُفقَد ليس الاستقلالية المؤسسية فحسب، بل الشرط الأساسي الذي جعل للتعلّم معنىً في لبنان: حرية أن تكون مختلفاً. وليس من قبيل الصدفة أن الأنظمة والميليشيات المبنية على الجمود الأيديولوجي تخشى الحرم الجامعي أكثر مما تخشى الجيوش. يمكن ردع الجيوش والتفاوض معها وحتى هزيمتها. أمّا الأفكار فإذا انطلقت يصعب احتواؤها. طالبٌ نشأ على التفكير النقدي يشكّل خطراً على أي مشروع سلطوي أشد بكثير من أي خصم خارجي. لبنان يقف اليوم عند مفترق هاتين الرؤيتين. من جهة، إيمانٌ هشٌ لكنه عنيدٌ بالتعليم وسيلةً للبقاء والتجاوز. ومن جهة أخرى، مسعىٌ منضبطٌ جيد التمويل لإفراغ هذا الإيمان من مضمونه واستبداله برؤية مُسلّحة للعالم لا تخدم فيها المعرفة إلّا ميدان القتال. المأساة ليست فقط في تعايش هذين النظامين. بل في أن أحدهما يتمدّد بلا هوادة على حساب الآخر. حين يتعلّم طفلٌ الرياضيات لحل المعادلات، يُعَدّ لبناء شيء ما: اقتصاداً أو مهنةً أو حياةً. وحين تُعاد توجيه هذه المعرفة نفسها نحو ضبط مدفع أو برمجة طائرة مسيّرة، تتحوّل إلى شيء آخر كلياً: سلاحٌ متنكّر في هيئة تعليم. وفي لبنان، يجري هذا التحوّل على مرأى من الجميع. الهجوم على المؤسسات التعليمية، سواء اتّخذ شكل التهديد أو الترهيب أو ما هو أشد، ليس عرضياً إذن. إنه استراتيجي. إنه محاولة لقطع لبنان عن إحدى ركائزه القليلة الباقية التي تربطه بالعالم وبنفسه. لأن لبنانَ الذي يواصل تعليمه بحرية لا يمكن السيطرة عليه كلياً. وهذا في النهاية هو ما يدور حوله الأمر. ليس الصواريخ. ولا الطائرات المسيّرة. ولا حتى الجيوسياسة بمعناها الأضيق. بل المعركة الأشد حسماً على الإطلاق: المعركة حول ما ستتعلّمه الأجيال اللبنانية القادمة، وما ستصير إليه.

ترامب يجدد الحرب الاقتصادية ضد نظام الملالي

هذه هي النتيجة المباشرة الأولى لفشل مفاوضات إسلام أباد، نهاية الأسبوع الماضي، بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية. فرضت القوات البحرية للجيش الأمريكي يوم الاثنين، الساعة 17:00 (بتوقيت بيروت)، حصارًا كاملاً على جميع الموانئ الإيرانية ومضيق هرمز. تم نشر عدة سفن حربية لتطبيق هذا الحصار الذي يشمل جميع السفن التي يُفترض أن تستخدم الموانئ الإيرانية، سواء عند المغادرة أو الوصول. ولن يُسمح بالرسو في الموانئ إلا للسفن التي تنقل المساعدات الإنسانية، ولكن بعد تفتيشها بدقة. أما السفن غير المعنية بالحركة البحرية مع إيران، فستتمكن من عبور مضيق هرمز دون عوائق. يحمل هذا الحصار البحري أهمية استراتيجية أساسية على صعيدين. فإذا تم تطبيقه بصرامة، فإنه سيعرقل إلى حد كبير المساعدات من الأسلحة والذخائر التي يقدمها نظام الملالي لوكلائه في لبنان واليمن، على وجه الخصوص. تحذير الرئيس الإيراني ولكن الأهم من ذلك، فإن الحصار لن يفوّت فرصة لتوجيه ضربة قاسية بشكل خاص (ربما قاتلة؟) للاقتصاد الإيراني، الذي اهتز بالفعل بشدة بسبب سياسة "الضغوط القصوى" التي فرضها الرئيس ترامب. لقد دمرت القصفات الجوية المكثفة التي ميزت العمليات العسكرية منذ 28 فبراير صناعات البتروكيماويات والحديد والصلب في الجمهورية الإسلامية، التي كانت تعتمد حتى الآن على صادراتها النفطية التي كانت الصين المستفيد الرئيسي منها. بفرضه هذا الحصار البحري، يحرم الرئيس ترامب عمليًا النظام الإيراني من آخر إيراداته النفطية، دون الحاجة إلى شن هجوم بري للسيطرة، على سبيل المثال، على جزيرة خرج الاستراتيجية (المحصنة بشكل كبير) التي يمر عبرها 90 بالمائة من صادرات النفط الإيرانية. وبشلّ جميع الأنشطة الاقتصادية في هذه الجزيرة باللجوء إلى "الأسلوب الناعم"، دون اللجوء إلى القوة العسكرية، يعمل الرئيس ترامب عمليًا على خنق الاقتصاد الإيراني بشكل خطير على المدى القصير. ووفقًا لمصادر معلومات مختلفة في إيران، فإن الرئيس الإيراني كان قد حذر الحرس الثوري من خطر انهيار الاقتصاد الإيراني في غضون ثلاثة أسابيع كحد أقصى، إذا لم يتم إيجاد مخرج للأزمة في وقت قريب. حصار بنت جبيل على الجبهة اللبنانية، أكد الجيش الإسرائيلي بعد ظهر الاثنين أنه أكمل حصاره لمدينة بنت جبيل الاستراتيجية، حيث يتحصن عشرات المسلحين من حزب الله. وفي الوقت نفسه، أفاد الحزب الموالي لإيران، في وقت متأخر من بعد الظهر، بـ "اشتباكات قريبة" في بنت جبيل مع وحدات الجيش الإسرائيلي، مما يشير ضمنيًا إلى أن القوات الإسرائيلية قد حققت اختراقات في بعض قطاعات البلدة. وفي الواقع، أوضحت الدولة العبرية في نهاية اليوم أن الهجوم على المدينة قد بدأ. يأتي هذا التصعيد عشية انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل يوم الثلاثاء 14 أبريل، في واشنطن، في مكتب وزير الخارجية ماركو روبيو، بمشاركة سفيري لبنان وإسرائيل في العاصمة الفيدرالية. جوزيف عون وجو راجي يذكّران... تم إبراز الأهمية الحقيقية لهذا الاجتماع الدبلوماسي، الذي من المتوقع أن يطلق سلسلة من جلسات العمل بين البلدين، يوم السبت من قبل رئيس الدبلوماسية اللبنانية، جو راجي، الذي أكد، كتذكير (لمن يريد أن يسمع...)، أن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل ترسخ في الواقع الفصل بين الملف اللبناني والجانب الإيراني من الصراع الحالي – وهو فصل يكتسب، بوضوح، أهمية استراتيجية ورمزية عالية بالنسبة للبنان. أكد الرئيس جوزيف عون في هذا السياق أن "المفاوضات مع إسرائيل تقع على عاتق الدولة اللبنانية وحدها، وليس على عاتق أي طرف آخر، لأنها مسألة ذات طابع سيادي لا تخص إلا لبنان". وأشار رئيس الدولة إلى أن السلطات اللبنانية اتخذت "سلسلة من الإجراءات الأمنية لمنع تهريب الأسلحة أو دخول الأموال إلى البلاد بطريقة غير قانونية". على أي حال، على الأرض، يُقال إن الجيش الإسرائيلي تلقى تعليمات لتعزيز وتطوير تقدمه في الجنوب، خاصة في بنت جبيل، قبل اجتماع الثلاثاء الثنائي نظرًا لأن بيروت قد تطالب بإلحاح، كما أشار السيد راجي يوم الاثنين، بدخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وهو إنجاز قد يسمح للحكومة اللبنانية، وفقًا لعدة مراقبين، بإضفاء الشرعية على الحوار المباشر مع تل أبيب وتعزيزه. نعيم قاسم عاد... نلاحظ في هذا السياق أنه بعد غياب طويل عن المشهد الإعلامي السمعي البصري، عاد الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، للظهور مساء أمس ليصم، في خطاب متلفز، أولئك الذين يلومون حزب الله على جر البلاد إلى حرب جديدة (!). واعترف ضمنًا في هذا الصدد بأن حزبه الموالي لإيران يستخدم لبنان لخدمة مصالح أجنبية بحتة، مؤكداً أن "الحرب في لبنان تهدف إلى تخفيف الضغط على الجبهات الأخرى" (!). ووصف بـ "الخونة" كل من يعارض الحرب التي أشعلها الحزب الإيراني. أدان الشيخ قاسم بوضوح المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، مطالبًا الدولة بإلغاء هذه المحادثات الثنائية. وخاطب الرئيس جوزيف عون قائلاً: "فلنبني لبنان معًا!"، لكنه لم يوضح كيف يمكن لمثل هذا المشروع المشترك للنهوض أن يكون ممكنًا بينما يرى الحزب الموالي لإيران الكيان اللبناني مجرد أداة مناورة في أيدي قوة إقليمية ذات أهداف هيمنة مزعزعة للاستقرار وعدوانية إلى حد كبير.

الكارثة كصورة
بقلم
ريتا باروتا
نُشر

مئات الصور يوميًا. الرمادي كلون أساسي، لربما بعض من البرتقالي، ودفتر تلوين ودمية. أحيانًا أخرى، تصل الصور ملطّخة بذكريات أناس، لا نعرفهم، ولا يعرفوننا، ولا حتى هم انفسهم، يتعرفون على تلك الذكريات. إنها ذكريات معلّقة، تمر سريعًا، ومضات على شاشات الهواتف. سريعة على شاشات التلفزة، وخط أحمر أسفلها، كُتب على عجالة، بأخطاء نحوية وإملائية، يذكر اسم المكان، من اجل الدقّة، أو تخرج على شكل مقاطع قصيرة، تضمن التدفّق الذي لا ينقطع. في هذا التدفّق، لا تعود الصورة حدثًا، بل تصبح جزءًا من نظام بصري مستمر، يُعيد تشكيل علاقتنا بالحرب، وبما نراه منها. ومع التحولات التقنية التي جعلت الالتقاط فوريًا، والنشر لحظيًا، والتداول بلا حدود، تبدّل موقع الصورة، وتبدّل معه موقع من ينظر إليها: فهي تتكون داخل الحدث، وتصلنا، في الآن نفسه. تنتشر والحدث لا يزال يحدث. ونحن، المتلقون العائمون في بحر من القصف البصري، نتساءل عن الألم، عمّا يصلنا منه، عمّا نسقطه، عمّا نخزّنه، وما الذي يفلت منّا. ولربما ايضا، عن جدوى النظر. ضمن هذا النظام البصري المتسارع، تتحول الكارثة إلى حضور دائم يترك أثرًا غير مكتمل في الذاكرة. هذا إن ترك أثرًا أصلًا. عمِلت بعد حرب تموز 2006، على مشروع أطروحة يضع المصور الصحافي كزاوية بحث أساسية: تساءلت عن موقعه، القرارات التي يتوجب عليه اتخاذها، والقرارات التي تسبق الصورة. وقد أجابني العديد ممن التقيتهم آنذاك، بأن الصورة لم تكن نتيجة لحظة عابرة، بل بناءً يتشكّل من زاوية وتوقيت واختيار. اخبرني أحدهم بأنه كان يشعر دومًا بمسؤولية كبيرة، كونه يحدّد كيف تُرى الحرب، ويقرّر ما يدخل في الإطار وما يُستبعد منه. الصورة، منذ عقدين من الزمن، كانت تُشاهَد وتُحفَظ، وكان لها زمنها الخاص. ووقعها. وصيرورتها وديمومتها. أما اليوم، فهي تتراكم إلى حدّ يصعب احتواؤها داخل سرد واحد. هذا التراكم لا يترسّخ كذاكرة، بل يخلق حالة من التشتت. في كتابها “فيما يتعلق بألم الآخري”، تتوقف سوزان سونتاغ عند علاقة الصورة بالألم وحدود ما يمكن أن تنقله. “الصور لا تشرح، بل تُقِرّ بوجود ما حدث”. فهي إذ تثبّت وقوع الحدث، لا تقدّم مفاتيح فهمه. ومع الوتيرة المتسارعة لبث الصورة، تفقد قدرتها على حمل معنى ثابت، فتتحول إلى عنصر ضمن تدفّق بصري. يرتبط التبلّد الذي تتحدث عنه سوزان سونتا بكثافة الصور وسرعة تداولها، كما بشروط النظر نفسها، وبالموقع الذي يُوضع فيه المتلقي داخل هذا النظام البصري. هنا تتعقّد مسألة المعنى. “الوعي بالمعاناة ليس أمرًا معطًى، بل هو أمر يُبنى”. ما نراه لا يكفي وحده لإدراك الكارثة، إذ إن المعنى يتشكّل ضمن سياق، ومن خلال موقع من ينظر ومن يتلقى. لتحذّر من افتراض وحدة التجربة في النظر: “لا ينبغي افتراض وجود “نحن” واحدة حين يكون الموضوع هو النظر إلى ألم الآخرين”. وقد كتب الكثير حول "صمت العالم" امام هول الابادة في غزة. كيف يصمت "الآخرون" امام الاطفال العراة؟ وها نحن أيضًا نكتب اليوم في لبنان، أشياء شبيهة، حول ردود أفعالنا تجاه بلدة أبيدت. هل نملك نفس العلاقة بالبلدة؟ هل نستعين بالاسقاط، لنستشعر بعضًا من تعاطف؟ هل يصل البعض منا إلى اللامبالاة كاستراتيجية دفاعية؟ النظر ليس تجربة مشتركة، لانه يتحدد بالمسافة وبإمكانية التعرّض وبالعلاقة مع الخطر. فالدراسات الحديثة حول صور العنف والتي بدأت بالسؤال عمّا تفعله هذه الصور بنا، باتت تسائل فعل النظر ذاته: كيف ننظر، ومتى، وتحت أي شروط؟ في لبنان، أخذ التحول البصري شكلًا مكثفًا خلال العقد الأخير. فالصورة خرجت من موقع التوثيق إلى موقع التجربة المباشرة. من يصوّر يصبح في كثير من الأحيان داخل الحدث نفسه. أصبح الهاتف امتدادًا للجسد: الاهتزاز، الصوت، والصدمة، كل تلك الأمور انتقلت لتستقر داخل إطار الصورة. في هذه اللحظة، لم يعد موقع النظر مستقرًا. فالمُشاهد يعيش داخل الصورة، ويراقبها في الوقت نفسه. فنحن، إن صحّ الحديث عن «نحن» واحدة، لم نعد من ينظر إلى الكارثة عن بعد، بل أصبحنا من يُنظر إليه. هذا التحول لا يتوقف عند حدود الحدث. فها هو يتكرّر مع كل أزمة، ومع كل تصعيد، ومع كل “كارثة جديدة”. لكن، منذ حرب غزة، مرورًا بالحربين الأخيرتين على لبنان (وما زلنا فيها)، ظهرت طبقة إضافية داخل هذا النظام البصري: فالصور لم تعد تقتصر على التوثيق، بل شملت صورًا مزيّفة، مُولّدة بالذكاء الاصطناعي، أو منزوعة من سياقات أخرى. هذه الصور تنتشر بالسرعة نفسها، وتُنتج استجابات حقيقية رغم غياب الحدث الذي تدّعيه. بقدر ما يتعلق الأمر بخطأ في التمثيل، فهو ايضا يتعلّق بزعزعة موقع الصورة كدليل. وفي كثير من الحالات، لا يكون من الممكن الجزم بحقيقتها. “الصورة ليست بديلًا عن الواقع” تكتب سونتاغ. فهي انتقلت من الاشارة إلى حدث، الى التحرك داخله، واعادة تشكيل إدراكه، لتصبح جزءًا من تجربته. في هذا المشهد، ينزاح موقع النظر ويرتبط أكثر بالتعرّض المستمر، ويبتعد عن الفهم المتماسك. لتصبح الصورة حضورًا مستمرًا بلا لحظة تركيز. ... . تحتاج الذاكرة، لكي تتماسك، إلى حدود زمنية واضحة، إلى بداية ونهاية. وفي حالة التدفّق الذي نعيش داخله، فإن ما يبقى هو أثر عام، غير محدد. تكتب سونتاغ بأن “التعاطف شعور غير مستقر، يحتاج إلى أن يتحول إلى فعل، وإلا يذبل”. ضمن تدفّق الصور، يتبدد التعاطف مع الصورة التالية. فبعض الصور يظل عالقًا دون تفسير. والبعض يختفي رغم شدته. وعليه، ما يُحفظ لا يتبع منطق الأهمية، بل منطق القدرة على الاستمرار داخل هذا التدفق. في بعض الحالات، يتعامل العقل مع هذا الفيض عبر الإزاحة أو المحو الجزئي. في الحالتين، لا يترتبط السبب بغياب الأهمية، بل بسبب فائض التعرض. فالصورة لا تختفي، لكنها لا تترسّخ. من هنا، يبرز احتمال آخر: الامتناع عن النظر، كموقف. فبعض الصور، مع تكرارها، تتحول إلى استنزاف لمعناها، أو إلى إعادة إنتاج للعنف الذي تحمله. ومع ذلك، لا يقدّم هذا الامتناع مخرجًا واضحًا، إذ إن حجب الصور لا يلغي وجودها، ولا يوقف أثرها. ما ترانا فاعلين بهذا الكم الهائل من المباني التي تسقط؟ القطط التي تفقد عيونها؟ قرى وبلدات عرفناها ربما، لكنها تظهر وكأنها نتاج فيلم ابوكالبتيّ؟ يعتقد البعض بأن النظر، فعل طبقّي، أي أن من ينظر اليوم إلى الحرب، باستطاعته أن ينظر. هذا لأنه حي، وفي مأمن، لأن من سقط تحت الركام، صار الصورة. ويؤمن البعض الآخر، بأننا اصبحنا نعيش داخل صورة، تعاد صناعتها من دون تدخلنا. ليجيب آخرون بأن النظر أيضًا فعل سياسي، بمعنى أننا، أي الشهود الأحياء، نلعب دورًا حقيقيًا في صيرورة الكارثة، امتدادها وتوثيقها. ولكننا لا نوثق شيئًا. لا نشعر بالكثير، هذا لأننا “اعتدنا” النظر. لعل الكارثة الفعلية، هي تحديدًا بأننا، اعتدنا على المشهد.