شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
رائحة النار والبارود تملأ الشرق الأوسط

تبخرّت الوعود السياسيّة والانتخابيّة التي نادى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا سيما في مجال السياسة الخارجيّة، وسقطت العناوين البراقة التي تحدث فيها عن إنهاء الحروب، وهو فعلاً تبجح بعد انتخابه بإنهاء "ثمانية حروب"، إلا أنه أطلق في المقابل حربين في فنزويلا وإيران، ويهدد جدياً كوبا بأن تكون محطته الثالثة. صحيحٌ أن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مر من دون إشعال ردة فعل فنزويلية بسبب تخلي النظام عن رئيسه والتعامل بواقعية شديدة مع الضغط الأميركي، إلا أن الأمر لا ينطبق على إيران. لقد خالفت التطورات الميدانية التوقعات الأميركيّة والإسرائيليّة، إذ سرعان ما تبيّن أن توقع انهيار النظام بمجرد اغتيال رأسه، المرشد الأعلى علي خامنئي ومعه عدد من القادر الكبار، لم يُفقد الحرس الثوري السيطرة على البلاد ولم يخفف من قبضته الحديديّة حولها. كما باء بالفشل أيضاً الرهان على اندلاع ثورة شعبيّة احتجاجيّة شعبيّة من الداخل الإيراني بمجرد اشتعال الحرب، ذلك أن المناخ الشعبي الإيراني- حتى ولو كان في قسم كبير منه يناوىء النظام- إلا أن لا يريد ركوب الموجة الأميركيّة. وإذا كان يرسخ في الذاكرة الشعبيّة والجماعيّة الإيرانيّة دور الولايات المتحدة الأميركيّة وجهاز الاستخبارات المركزي لديها في الإطاحة بحكومة مصّدق في انقلاب العام 1953، فلعل ثمة قناعة بأن الرهان على الأميركيين لا يمكن أن يستوي أو أن يسهم في التغيير الحقيقي، خصوصاً أن ترامب نفسه لا يكترث حقاً للتغيير السياسي من منطلق إصلاحي إنما حصراً من منطلق مصلحي. لم يكن ثمة مشكلة لدى الإدارة الأميركية في التعامل مع المرشد الجديد لو أنه أبدى ليونة كانت تتوقعها واشنطن، وعندئذٍ لم تكن لتكترث حقاً لمطالب الشعب الإيراني بالحرية والديمقراطيّة وحقوق الإنسان. المثال الفنزويلي لا يزال حاضراً، إذ أن ترامب استبعد زعيمة المعارضة رغم أنها تملقت له بتقديم جائزة "نوبل" للسلام، معتبرة أن تجييرها لأرفع جائزة دوليّة يمكن أن يزيد من حظوتها عند الرئيس الأميركي، فإذا به يتغاضى عن ذلك تماماً ويواصل العمل مع أركان نظام مادورو نفسه الذي يعتقله في زنزانة في مركز الاحتجاز الفدرالي في بروكلين- نيويورك، ويحقق ما يريده في مجال النفط. طبعاً، أحلام الشعب الفنزويلي بالتغيير تهاوت مع الريح أيضاً. الآن، يهدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب جزيرة كوبا التي أقلقت واشنطن على مدى عقود، وكانت بمثابة الشوكة في خاصرتها، ويبدو أنه سوف يطيح بكل جهود الاحتواء والمصالحة التي قام بها الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لطي صفحة الماضي، ويفتح حرباً جديدةً في اتجاهها، وهو ما يؤكد عدم اكتراث واشنطن لأي من بديهيات العمل الدولي أو الحاجة للمرور عبر منظمة الأمم المتحدة، لا بل ثمة سعي واضح لتقويض المنظومة الدوليّة التي قامت بعد حقبة الحرب العالميّة الثانية وإضعافها، وليس "مجلس السلام" (ولو أن لا يزال متعثراً) الذي أنشىء عقب حرب غزة إلا أحد الأمثلة الواضحة حيال هذه السياسة. ولكن، من قال أن إغفال واشنطن للمصالح الحقيقيّة للشعوب يصب فعلاً في مصلحتها؟ ومن قال أن توثيق تحالفاتها مع معظم الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط وخارجه يصب أيضاً في مصلحتها؟ صحيحٌ أن استيلاد النظم الديمقراطيّة لا يحصل بين ليلة وضحاها، وصحيح أن النظام الديمقراطي المستورد من الغرب قد لا ينجح تماماً في كل المجتمعات، ولكن الصحيح أيضاً أن قمع الشعوب يولد الانفجار السياسي والاجتماعي في لحظة ما. وإذا كانت تجربة الثورات العربيّة قد انتهت إلى مآلات مؤلمة نتيجة ظروف معقدة منها ما كان يتصل بانقضاض الأنظمة على الثورة (سوريا مثلاً) أو ما كان يتعلق بعدم قدرة أصحاب الثورة على تنظيم صفوفها والسبب الأساسي في ذلك هو أن السلطات الديكتاتورية دجنّت المجتمعات وأفرغتها من النخب القادرة على قيادة مشروع التغيير؛ إلا أن كل ذلك لا يبرر أن ينكفئ الغرب نحو سياسة إعادة تعويم الأنظمة أو استبدالها بأنظمة لا تقل قمعية عن تلك التي أسقطتها. فيما يخص الشرق الأوسط، المسألة لم تعد تتعلق حصراً بطبيعة المجتمعات السياسيّة في المنطقة العربية فحسب، بل أيضاً في إمعان إسرائيل في إشعال الحروب بصورة متواصلة والجديد إغراقها للولايات المتحدة معها في حروبها المتعددة الجبهات، حتى ولو لم يكن ثمة خطر حقيقي على الأمن القومي الأميركي كما تسوّق له إسرائيل، وآخر هذه الحروب هي الحرب على إيران التي لم تقصّر بدورها في إيذاء جيرانها من دول الخليج العربي الأمر الذي سوف يجعل التعايش المستقبلي تحدياً مستمراً. هذا الإصرار الإسرائيلي على إشاحة النظر عن فكرة السلام لا بل الانقضاض عليها من خلال الحروب والاحتلالات سيكون له تداعيات بالغة السلبية في المنطقة برمتها ولأجيال إلى الأمام. فلسطينياً، لا تكتفي إسرائيل بتدمير غزة ودكها يومياً حتى بعد وقف إطلاق النار (وصولاً إلى عدد مخيف من الشهداء يناهزون 75 ألفاً!)، فهي تنقض أيضاً على الضفة الغربيّة وتزرع فيها مستوطناتها ما يقطع الطريق تماماً على أي حلول سلميّة أو مشروع الدولتين التاريخي الذي لن يكتب له النور إذا ما واصلت إسرائيل سياساتها في المنطقة. وسياسة فرض الأمر الواقع تعتمدها إسرائيل أيضاً في جنوب لبنان وجنوب سوريا التي احتلت منها مساحات إضافية بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024، فضلاً طبعاً عن احتلالها للجولان السوري منذ العام 1967، ورفضها الانسحاب منه، لا بل قامت بضمه رسمياً إليها ولن تتراجع عن ذلك الضم. ما لم تعد المنطقة إلى ضبط الإيقاع الإسرائيلي على قواعد ثابتة منها الضغط عليها للاقلاع عن سياسة الحروب الدائمة والمتدحرجة، ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، فإنها لن تتمكن من استدامة مشروعها الاحتلالي، إذ تبين أن الاتفاقات الإبراهيمية لم تنفس الاحتقان في المنطقة لا بل فاقمته، ولم توفر الأمن لإسرائيل وهو الشعار الذي تبحث عنه من خلال الحروب تلو الحروب. رائحة النار والبارود تملأ الشرق الأوسط، فلا مفر من مقاربات جديدة وسياسات جديدة أيضاً.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2)

ستتيح هذه السلسلة من المقالات فهمًا أفضل للوضع الراهن في ضوء الماضي، متجاوزةً الخطابات العاطفية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي لا تُحقق الغاية المرجوة، تاركةً للقارئ حرية استخلاص استنتاجاته. علاوة على ذلك، فقد آن الأوان لمواجهة خطاب المقاومة العقيم بجدية، لا بخطاب مضاد، بل بعمل جاد من خلال تعزيز سيادة القانون، التي لا يمكن إرساءها إلا من خلال السيادة. استعرض الجزء الأول الوضع الدولي والإقليمي الذي أدى إلى اتفاق الطائف وبداية صعود حزب الله إلى السلطة. يُبين هذا الجزء الثاني كيف استمرت ميليشيا حزب الله في الوجود وتعزيز قوتها تحت رعاية مزدوجة من سوريا وإيران. يهدف دمشق إلى تعزيز موقفها على طاولة مفاوضات السلام مع إسرائيل، بينما يهدف طهران إلى تقويض أي محاولة للسلام بين إسرائيل من جهة، وسوريا ولبنان من جهة أخرى. الجزء الثاني : تنفيذ اتفاق الطائف صاغ اللبنانيون أنفسهم اتفاق الطائف، الموقع في 22 أكتوبر/تشرين الأول 1989، ولا سيما بنوده المتعلقة بالإصلاحات الدستورية الداخلية. وكان هذا الاتفاق ثمرة جولات عديدة من الحوار بين الأطراف اللبنانية، جرت على مراحل منذ عام 1976. وقد غيّر هذا الاتفاق موازين القوى بين الطوائف في البلاد، ومنح مجلس الوزراء صلاحيات أوسع على حساب رئيس الجمهورية. علاوة على ذلك، كان الوثيقة الوحيدة التي هدفت إلى إنهاء الحروب التي كانت تعصف بالبلاد. بل إنه نصّ صراحةً على تفكيك الميليشيات المسلحة. ومع ذلك، فقد سلّط خبراء القانون الدستوري الضوء، ولا يزالون يسلطون الضوء، على العديد من أوجه القصور الدستورية التي خلّفها الاتفاق. ولم تكن هذه هي أوجه القصور الوحيدة، إذ تضمن الاتفاق عيبًا آخر أكثر أهمية، ولكنه الآن لاغٍ: وهو الاعتراف الضمني باحتلال حزب البعث السوري للبنان، بموافقة الدول العربية والمجتمع الدولي، ولا سيما الولايات المتحدة. كانت واشنطن قلقة بشأن استقرار لبنان، ورأت أن هذا الاستقرار لا يمكن ضمانه إلا من خلال نظام دمشق، حتى لو كان ذلك على حساب قمع الحريات. كان من الضروري، في نظرها، تمهيد الطريق لاتفاقية سلام بين إسرائيل وسوريا، ثم ضم لبنان، الذي كان خاضعًا للاحتلال السوري. عندما غزت قوات الرئيس العراقي صدام حسين الكويت في أغسطس/آب 1990، بعد أشهر قليلة من توقيع اتفاقية الطائف التي عارضتها حكومة الجنرال ميشال عون، أصبح استقرار لبنان أولوية قصوى ليس فقط للداعمين العرب للاتفاقية، بل وأكثر من ذلك للأمريكيين، الذين لم يعودوا يرغبون في تشتيت انتباههم بلبنان، وأرادوا التركيز على أزمة الكويت. في 13 أكتوبر/تشرين الأول 1990، حصلت دمشق على موافقة عربية ودولية لغزو الجزء اللبناني الذي لم تكن تسيطر عليه، مقابل الانضمام إلى التحالف المناهض لصدام والمكلف بتحرير الكويت. وباستغلال سيطرته شبه الكاملة على لبنان، نفّذ حافظ الأسد اتفاقية الطائف بشكل انتقائي فقط، وفقًا لاحتياجاته لترسيخ احتلاله للبلاد. وهكذا، عيّن النظام السوري إلياس الهراوي ثم إميل لحود رئيسين للدولة، كلٌّ منهما لمدة تسع سنوات، في مخالفةٍ لأحكام الدستور. وخلال فترة رئاستهما، تمتع حزب الله بحريةٍ غير مسبوقة، وكثّف من تسليحه من إيران عبر سوريا. ولم يكن لرئيسي الوزراء والوزراء المتعاقبين في عهد الهراوي ولحود أي سلطة على الشؤون العسكرية والأمنية، إذ كانت هذه الأمور حكرًا على السوريين، الذين تمثّلت استراتيجيتهم في ممارسة ضغطٍ شديد على إسرائيل من لبنان، عبر حزب الله، الذي كان يعمل بحرية في جنوب البلاد وفي سهل البقاع. الخطوة الأولى: تفكيك الميليشيات باستثناء حزب الله خلال عام ١٩٩١، وبعد غزوهم، حرص السوريون على تفكيك الميليشيات الخارجة عن سيطرتهم. ولم يُمنح حزب الله حصانةً من اتفاق الطائف فحسب، بل شجّعته دمشق ودعمته أيضًا لشنّ حرب عصابات ضد القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل جزءًا من جنوب لبنان. كان الهدف هو الضغط على تل أبيب لتحسين موقف حافظ الأسد في مفاوضات السلام مع إسرائيل، التي بدأت عقب مؤتمر مدريد الذي عُقد في العام نفسه. من جانبها، دعمت طهران حزب الله لترسيخ وجودها على الساحة اللبنانية، والتغلغل في الدولة اللبنانية، وإضعافها، وتصدير ثورة الخميني، وفقًا للدستور الإيراني. تجدر الإشارة إلى أن هذا الدعم المزدوج ابقى نفوذ حزب الله حتى انسحاب القوات السورية من لبنان في 26 أبريل/نيسان 2005. ومنذ ذلك الحين، أصبح حزب الله تحت وصاية إيرانية في المقام الأول، وقد تعزز هذا النفوذ ولا يزال مستمراً حتى اليوم. المرحلة الثانية: حرب الأيام السبعة بين حزب الله وإسرائيل اشتدّت حرب العصابات التي شنّها حزب الله ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي وحليفها جيش لبنان الجنوبي في عامي 1992 و1993، تحت شعار "المقاومة". وفي 25 يوليو/تموز 1993، ردّت إسرائيل بشنّ أول حرب كبرى لها ضد حزب الله، والتي أُطلق عليها اسم "عملية تصفية الحسابات"، والمعروفة أيضاً باسم "حرب الأيام السبعة". انتهت هذه الحرب في 31 يوليو/تموز 1993، تحت ضغط من الولايات المتحدة، وتحديداً من وزير الخارجية وارن كريستوفر. تمثّلت أهداف إسرائيل في تدمير البنية التحتية لحزب الله، وقطع إمداداته، والقضاء عليه في منطقة جنوب لبنان، والضغط على الحكومة اللبنانية بتهجير المدنيين إلى بيروت. انتهت هذه الحرب التي استمرت سبعة أيام باتفاق غير مكتوب بين الجانبين، عُرف باسم "اتفاق يوليو"، ينص على عدم استهداف المدنيين من كلا الجانبين، مع استمرار العمليات العسكرية ضد الأهداف العسكرية لدى كلا الجانبين. منذ بداية الأعمال العدائية، تدخلت واشنطن سريعًا للتوسط في هذا الاتفاق، سعيًا منها لإبقاء سوريا ضمن عملية السلام في مدريد. ورأت إدارة الرئيس جورج بوش الأب أن الاستخدام المفرط للقوة من جانب إسرائيل عاملٌ قد يُجبر سوريا على الانسحاب من المفاوضات. أسفرت "عملية تصفية الحسابات" عن مقتل 120 مدنيًا لبنانيًا وإصابة 500 آخرين، ونزوح 300 ألف شخص، وتدمير وإلحاق أضرار بآلاف المباني. بلغت خسائر حزب الله عددًا غير محدد من القتلى، ودُمرت عشرات المواقع القتالية. أما إسرائيل، فقد خسرت جنديين ومدنيًا واحدًا. (يتبع) إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

هدنة ترامب توفر غطاءً لخيار السلام

في خطوة هامة جديدة، يوم الأربعاء 16 أبريل/نيسان، اتُخذت خطوة نحو استعادة لبنان استقلاليته في صنع القرار، بعيدًا عن أي إملاءات إقليمية. دخل وقف إطلاق النار لمدة عشرة أيام بين إسرائيل ولبنان (بما في ذلك حزب الله) حيز التنفيذ منتصف ليل الخميس، عقب مكالمتين هاتفيتين أجراهما الرئيس دونالد ترامب في وقت متأخر من بعد الظهر مع الرئيس يوسف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأعلن رئيس البيت الأبيض بنفسه وقف إطلاق النار في وقت مبكر من المساء خلال حديث ودي مع الصحفيين. يحمل إعلان وقف إطلاق النار هذا، برعاية إدارة ترامب، أهمية استراتيجية مزدوجة: أولًا، يُرسّخ على أعلى المستويات الفصل بين الجانبين اللبناني والإيراني في الصراع الدائر، إذ سعت طهران جاهدة في الأيام الأخيرة إلى إخضاع أي اتفاق لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لسيطرتها، بهدف السيطرة على لبنان؛ وثانيًا، يُضفي شرعية كبيرة على قرار الإدارة الأمريكية بالدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، على أمل التوصل إلى اتفاق سلام بين البلدين، ويعززه. أشار الرئيس ترامب، عقب إعلان وقف إطلاق النار، إلى أنه كلف نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان رازين كين، بالعمل على تحقيق سلام لبناني إسرائيلي دائم. كما أكد الرئيس الأمريكي عزمه دعوة الرئيس عون والسيد نتنياهو إلى اجتماع في البيت الأبيض خلال أسبوعين. يُعدّ هذا التدخل الأمريكي القوي في عملية حل النزاعات العالقة بين لبنان وإسرائيل بالغ الأهمية للحكومة اللبنانية. وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي مساء الأربعاء أن الجيش الإسرائيلي سيُبقي على وجوده في جنوب لبنان، حتى نهر الليطاني، لتعزيز المنطقة العازلة الممتدة عشرة كيلومترات من الحدود الدولية. وبالتالي، سيحتاج لبنان إلى دعم الولايات المتحدة للتفاوض، في أفضل الظروف الممكنة، على انسحاب إسرائيلي وإبرام اتفاق سلام، على أن يكون تفكيك جهاز حزب الله شرطًا أساسيًا وخطوة جوهرية. وقد أعلن مجلس الوزراء، علاوة على ذلك، حزب الله منظمة غير شرعية. أعضاء البرلمان في بيروت... تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الحكومة حظيت بدعم سياسي برلماني كبير يوم الأربعاء. فقد عقد نواب بيروت، ممثلين لجميع الانتماءات الدينية والسياسية، مؤتمراً يوم الأربعاء في فندق فينيسيا تحت شعار: "من أجل بيروت آمنة، بيروت خالية من جميع الأسلحة غير المشروعة". وتحدث عدد من النواب، ممثلين للأحزاب الرئيسية في البرلمان، في هذا الحدث، معلنين دعمهم القاطع لموقف الحكومة بشأن عدم شرعية ميليشيا حزب الله، وعدم شرعية وجود الحرس الثوري الإيراني في البلاد، وضرورة حصر الأسلحة في أيدي القوى الشرعية. باختصار، يضمن هذا المؤتمر لنواب بيروت شرعية شعبية وغطاءً سياسياً أساسياً للسياسات السيادية التي تنتهجها الرئاسة والحكومة، الأمر الذي أثار استياء حزب الله ونظام الملالي، اللذين ينتهزان كل فرصة للتنديد بسياسة السلام الحكومية.

ضباب ال"لا انتصار" (1/2)
بقلم
ريان البصير
نُشر

جاء القرار الأمريكي بشنّ حملة عسكرية واسعة النطاق ضد إيران نتاجَ تقاطع جملة من الضغوط. كان صقور المؤسسة الأمنية القومية يطالبون منذ أمد بعيد باتخاذ إجراء حاسم. وضغط اللوبي الموالي لإسرائيل بثقله على التدخل، ولا سيما بعد أن أخفقت ضربات حزيران/يونيو 2025 في إرساء ردع مستدام، في حين أمضت إسرائيل أشهراً تدفع واشنطن نحو موقف أشد مغالاةً. أسهمت هذه العوامل مجتمعةً في تهيئة الشروط السياسية للحرب. غير أن العامل الأكثر حسماً على الصعيد الاستراتيجي كان، في الأرجح، منطقاً مماثلاً لذلك المُعتمَد في فنزويلا. فالهدف المحوري للرئيس ترامب لا يقتصر على إضعاف القدرة العسكرية الإيرانية، بل يتجاوزها إلى إعادة رسم هندسة معاملات النفط على الصعيد العالمي، بما يشمل السيطرة لا على من يبيع النفط الخام فحسب، بل على من يشتريه والشروط التي يجري فيها هذا الشراء. وبصون الضغط الناجم عن العقوبات على الصادرات النفطية الإيرانية وتعميقه، تسعى واشنطن إلى تقليص وصول الصين إلى نفط مُدعَّم أو مُخفَّض السعر، في لحظة يشكّل فيها هذا الوصول رافداً لا يُستهان به لنمو الصين الصناعي والعسكري. الانتصار التقليدي وحدوده لا جدال فيما حققته القوات المسلحة الأمريكية في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026. أسفرت الضربات الافتتاحية عن مقتل المرشد الأعلى، وتصفية كبار القادة العسكريين، وتدمير مجمعات مؤسسية حيوية، في مقدمتها المقر الرئيسي لأبحاث الدفاع والتطوير التابع للحرس الثوري. وقد جرى تحييد شريحة واسعة من منظومات الدفاع الجوي الإيراني في غضون الأربع والعشرين ساعة الأولى، مما منح الطائرات الأمريكية والإسرائيلية سيطرة فعلية شبه فورية على الأجواء الإيرانية. كما دُمِّر معظم منصات الصواريخ الباليستية الإيرانية خلال الأسبوعين الأولين، وتعرضت غالبية المواقع العسكرية-الصناعية الإيرانية المرصودة للقصف، مما أفضى إلى تراجع ملحوظ في الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات على إسرائيل منذ الأسبوع الثاني من الحرب. وقد تعرضت المنشآت الرئيسية للتخصيب لأضرار بالغة، في بادئ الأمر خلال حزيران/يونيو 2025 ثم مجدداً في 2026، فيما أُغرِق عدد معتبر من السفن الحربية الإيرانية. وبأي معيار عسكري تقليدي، كانت الحملة نجاحاً باهراً. بيد أن هذه الصورة من النجاح العسكري التقليدي تستدعي قدراً من التدقيق. فالموقف الاستراتيجي لإيران لم يرتكز قط في أساسه على قواتها التقليدية. إنه يقوم على استراتيجية الفسيفساء الدفاعية، شبكة متشابكة من الأدوات اللاتناظرية تضم أسراب المسيّرات والميليشيات الوكيلة والمضايقات البحرية والتهديد الكامن بإغلاق مضيق هرمز. لقد حيّدت الحملة الطبقة العسكرية التقليدية لإيران دون أن تمسّ قدراتها اللاتناظرية التي بقيت في معظمها سليمة. إن تفكيك منظومات البحرية والصواريخ الباليستية والدفاعات الجوية لدى خصم ما هو بلا شك ذو أهمية استراتيجية بالغة، غير أنه يبقى قاصراً حين تظل الأدوات الإكراهية الرئيسية لذلك الخصم قائمة على المسيّرات والشبكات الوكيلة والقدرة على تعطيل نقاط الاختناق البحرية الحيوية. ففي إضعاف القدرات التقليدية دون تحييد اللاتناظرية ما يشبه، في نهاية المطاف، انتزاع البندقية من يد العدو مع إبقاء المسدس مشحوناً. هدنة مبهمة تبدو حدود ما تحقق جليةً بالفعل في ملامح اتفاق وقف إطلاق النار. فالاتفاق، الذي لم يُفصح عنه قط، وُصف على نطاق واسع بأنه مبهم. والأشد وطأةً في ذلك كله أن الملف النووي لا يزال معلقاً دون حلّ، رغم أنه الملف الوحيد الذي كانت فيه إدارة ترامب ومنتقدوها على اتفاق. وقدرات إيران الباليستية، وإن كانت قد تضررت بشدة، فهي ليست معطّلة إلى الأبد، إذ يتوقف إعادة بنائها على الموارد لا على الإرادة، وأي تخفيف للعقوبات مُدمَج في اتفاق وقف إطلاق النار سيُعيد فعلياً تشغيل ساعة إعادة التسلح. والحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان والفصائل الموالية لإيران في العراق باتوا يعيدون بناء أنفسهم. فبالنسبة لهؤلاء الفاعلين، لا يمثل وقف إطلاق النار هزيمة، بل توقفاً تكتيكياً وفرصة لإعادة التماسك. إيران ما بعد الحرب لن يكون أقل تضليلاً تصوير موقف إيران على أنه انتصار أو صمود. النظام الذي نجا من هذه الحرب ليس النظام الذي خاضها. قُتل ما يزيد على خمسين مسؤولاً رفيعاً. وتعرض الجهاز العسكري لضربات بالغة. وارتدّ البرنامج النووي سنوات إلى الوراء. والاقتصاد، الذي كان أصلاً يرزح تحت وطأة عقود من العقوبات، وجد نفسه على حافة الانهيار البنيوي. أضرار البنية التحتية واسعة النطاق، والعقد الاجتماعي بين النظام ومواطنيه، الذي كان أصلاً آخذاً في التفكك، بات يتحمل ضغطاً جديداً استثنائياً. وبنى السلطة داخل النظام تعاني احتقاناً داخلياً إذ تتنافس فصائل متعددة على تحديد شكل إيران في مرحلة ما بعد الحرب وعلى زعامتها. ولعل إيران تكون قد أفلتت من أسوأ السيناريوهات، وهو انهيار النظام، غير أن التحديات الجسيمة التي تواجهها اليوم بعيدة كل البعد عن النصر. التناقض بين المواقف المُعلَنة لإيران وسلوكها الفعلي في نيسان/أبريل 2026 صارخ. كان المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي يعلن على الدوام أنه لن تكون ثمة مفاوضات مع الولايات المتحدة. وفي آذار/مارس 2026، أكد المسؤولون الإيرانيون مراراً أن أي وقف لإطلاق النار سيستلزم ضمانات ردع كاملة. وبين السابع والعاشر من نيسان/أبريل، أعلن عدد من المسؤولين الإيرانيين علناً أنه لن تجري أي محادثات في إسلام آباد ما لم توقف إسرائيل عملياتها ضد حزب الله أولاً. ولم تتوقف إسرائيل، بل شنّت في الثامن من نيسان/أبريل واحدةً من أضخم عملياتها المنفردة ضد حزب الله. ومع ذلك، توجّه الوفد الإيراني جواً إلى إسلام آباد وجلس إلى طاولة المفاوضات. لا خطاب انتصاري، مهما بلغ من الزيف والمراء، قادر على تغيير هذه الحقيقة. ثابت أمريكي تمتلك الولايات المتحدة سجلاً موثقاً من العجز عن تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية. في لبنان عام 1983، في أعقاب التفجير الذي أودى بحياة 241 جندياً أمريكياً، سارعت إدارة ريغان إلى الانسحاب في غضون أشهر، تاركةً فراغاً أسرع حزب الله إلى ملئه. وفي عام 2003، أطاحت الولايات المتحدة بصدام حسين بدقة عسكرية منقطعة النظير، لكن دون أي خطة متماسكة لمرحلة ما بعد، فأفضى ذلك إلى فراغ في السلطة هرعت الميليشيات المدعومة إيرانياً إلى شغله ولم تتركه قط. وأجّج الانسحاب المبكر من العراق عام 2011 تآكلَ القدرات المؤسسية وسلطة الدولة في لحظة محورية، مضاعفاً إخفاقات الحوكمة التي استطاع داعش استغلالها بشكل منهجي اعتباراً من 2014. وفي عام 2013، رسم الرئيس أوباما خطاً أحمر علنياً حول الأسلحة الكيميائية في سوريا، ثم أحجم عن تطبيقه حين عبره الأسد في الغوطة. فانهارت المصداقية الأمريكية، وتدخلت روسيا، وأعادت الحرب السورية رسم توازنات المنطقة بأثر لا يزال يتردد صداه. وفي آب/أغسطس 2021، أهدى الانسحاب الفوضوي من أفغانستان طالبان انتصاراً بلا ثمن، وبعث برسالة في كل ساحة كان للولايات المتحدة فيها شركاء. وفي أيار/مايو 2025، أعلن ترامب أن الحوثيين قد «استسلموا»، في حين أصر هؤلاء على أن واشنطن هي من تراجعت. تنتسب هدنة نيسان/أبريل إلى سياق كل هذه الحلقات، ويجمعها المنطق ذاته من قوة ساحقة وأثر سياسي منقوص وخصوم يتكيفون لملء الفراغ. العجز البنيوي لواشنطن إن عجز واشنطن البنيوي عن الإبقاء على انخراط استراتيجي في أعقاب العمل العسكري ليس أمراً عَرَضياً. إنه نتاج البنية السياسية الداخلية التي تُشكّل كل قرار من قرارات السياسة الخارجية. لا تدخل الولايات المتحدة الحروب ولا تخرج منها بإرادة وطنية موحدة، بل تفعل ذلك عبر تصادم مصالح متضاربة نادراً ما يمكن التوفيق بينها. والمقاولون في قطاع الدفاع والمجمع الصناعي-العسكري يمتلكون حوافز مؤسسية تدفع نحو دورات التصعيد عوضاً عن التسويات. والاستقطاب الحزبي يجعل كل سياسة مرتبطة بإدارة ما هدفاً للإدارة الأخرى، بصرف النظر عن قيمتها الاستراتيجية. عارض الانعزاليون من تيار ماغا الحرب منذ البداية؛ وأراد الموالون لإسرائيل المضي فيها أبعد؛ فيما ترى المؤسسات التقليدية لصنع السياسة الخارجية، يساراً ويميناً، أن الحصيلة لا تعدو نصف حل. ولا يوجد ائتلاف متماسك قادر على الحفاظ على الاستثمار السياسي الذي تقتضيه أي تسوية مستدامة. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تُضعف الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار النفط موقف الإدارة والحزب الجمهوري. والنتيجة المتوقعة هي الضغط ذاته نحو الانسحاب المبكر الذي ترك، في كل حلقة مماثلة، المشكلة الاستراتيجية الجذرية دون حل، وجعل المواجهة التالية أكثر كلفة من سابقتها. خاتمة لم تُفرز الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أي منتصر. لقد أنتجت منطقةً أكثر تشرذماً مما كانت عليه، وملفاً نووياً أشد خطورةً بفعل إهمال حلّه، وخصمين سيعودان إلى المواجهة، وإن في أشكال مغايرة، في ظل ظروف ساهم كلاهما في تفاقمها. ضباب ال”لا انتصار” ليس استعارة. إنه الواقع الاستراتيجي الذي سيرسم ملامح الفصل القادم، الذي يتناوله الجزء الثاني من هذا التحليل. المقال القادم: ضباب ال"اللا انتصار": الاضطراب الجديد في المنطقة

حرب مفتوحة... فرصة لبنان
بقلم
هشام دبسي
نُشر

مقاربة المسار التفاوضي الذي انتهى في العاصمة اسلام آباد باعتباره جزء من الصراع الدائر بي الطرفين، بأشكالٍ متعددة، يُعفينا من تقييمه وفق مزدوجة النجاح أو الفشل. بل يمكن تسليط الضوء على الحدث من زاوية اللقاء المباشر الأول بين الجمهورية الاسلامية و "الشيطان الأكبر" . بعد نحو نصف قرن من التصلب المَحْسوب ، وليس الايديولوجي فقط. إلا أن الإنجاز الأهم للطّرفين هو النزول السّلِس من أعلى الشجرة، و وقف الحرب المدمِّرة لإيران و المُكْلِفَة لأمريكا. فكّ الحِداد عنوان مقال لمن غادرنا مُبَكّراً المبدع سمير قصير ، في لحظة " التحرير"، ودعوته لحزب الله ان يخلع السّواد ، لكنهم خلعوا عباءة الحِداد على أحبابه واصدقائه و البلد أيضاً . لو كان سمير قصير معنا اليوم ، ربما كتب عن "قاليباف" أنه هو من فكّ الحِداد، و فتح منصّة المفاوضات أمام احتمال جَدّي للتفاهم مع نظيره الاميركي، ذلك لأن العرض الإيراني السَّخِيّ "لمُبادَراتٍ للمستقبل"، يُفيد بإمكانية انتقال الاقتصاد الايراني إلى الحضن الامريكي، لكنّ ترمب لا يشتري سمكاً ما زال في البحر ، بل يريد الامساك بالبضاعة المطلوبة بيده في الملف النووي ، باعتباره الملف المفتاحي لكل الملفات الاخرى. لذا حسب تصريح قاليباف "فشلت امريکا في کسب ثقة ایران" و هو تصريح يعكِس العنجهيّة الايرانية ، لكن لو قلبنا الكلام على وجهه الآخر اي " فشلت ايران فى كسب ثقة امريكا" لكان اقرب إلى الواقع. على كل حال، ما جرى في الباكستان رَسَمَ الخطوط السياسية التفاوضية بوضوح، إنّه انجاز بحدّ ذاته ، و الانجاز الآخر هو تظهير الاولويات الأمريكيّة المختلفة عن الأولويات الايرانية، وهذه قضية تحتاج إلى المزيد من تعديل موازين القوى السياسيّة والاقتصاديّة و العسكريّة. هذا ما نراه اليوم وسنراه أيضاً حتى موعد الجولة التفاوضية الثانية، وإن لم يُعلن عنها بعد. مشتركات اي مراقب لِما يدور من صراعٍ مفتوح بين واشنطن وطهران، يلاحظ بعض المشتركات في العقلية و السلوك بينهما مثل استخدام لغة متشابهة في مفرداتها و معانيها الفوقيّة و سلوك الاستعلاء واستحضار ماضٍ لا يمكن ترجمته في تعديل نسبة القوى من الجانب الإيراني، وما يشبه هذه اللغة في البيت الابيض مع فارق القدرة على التحشيد. و ثمّة مشترك آخر يجمعهما و هو السّعي إلى مُراكَمَة القوة في الاقليم ، ولو على حساب الدول الاخرى او على حساب الجماعات المُوالِية نفسها ، في محاولةٍ لإجبار دول الاقليم على قبول متطلبات طهران، او التعايش معها. وهذا ما تفعله ايضاً واشنطن من خلال تابعها الاسرائيلي و لغته الموازية وسلوكه العملي. والمهم أيضا أن الطرفين يستنزفان الوسائل القانونية والدبلوماسية، و يذهبان معاً لتجاوزها ، على حساب الهيئات الدولية و دول المنطقة والعالم أجمع، مهما كانت الوسيلة قذرة لتنفيذ الاهداف المعلنة، كما شهدنا ونشهد على مدار الساعة. بالخلاصة، نحن إزاء ثُلاثي التّطرّف (امريكا، اسرائیل، ایران) ثُلاثي لا يردعه شيء عن الوصول إلى أهدافه المباشرة والبعيدة ، أيّاً كانت الأكلاف البشرية والاقتصادية وهذا ما تدفع ثمنه الدول العربية عامّةً و فلسطين و لبنان على وجه الخصوص. فصل المصلحة مبادرة الرئيس جوزاف عون و قرارات حكومة الرئيس نواف سلام، شكّلا معاً انعطافة تاريخية في مسار تصحيح دور السلطة اللبنانية السياسي- السيادي ، وحمايتها للوطن و الشعب و الدولة. مبادرة أدّت إلى فصل المصلحة الوطنية اللبنانية عن أي إرتباط خارجي ، وإعادة إنتاج نظام المصلحة اللبنانية وفق ما ترتضيه الغالبية الساحقة من الشعب و نوّابه و احزابه . وكذلك سَدَنِة العائلات الروحية المشكّلة للخصوصية اللبنانية ، بما يجعل خروج حزب عن هذا الاجماع أو معارضته لنظام المصلحة ، مسألة تحتاج لمعالجة تنسجم مع الهدف النبيل المُرتَجى، من دون السماح بأي إعاقة لمسار هذه المبادرة التاريخية. واذا كان اليوم يُذَكّرنا بلحظةٍ أليمة أرّخت للحرب الأهلية في لبنان ، فإنّ ما جاء في كلمة رئيس الوزراء، حول المرجعيّات المعتمدة لِصَوْن السلم الأهلي، هي المعيار الذي يُرَشِّدْ الجميع إلى مفاتيح الحل وليس أي مقاربة أخرى تنتمي للغة الحرب و السلاح المنبوذة من غالبية الشعب اللبناني ومعه مجتمعات اللجوء أيضاً من فلسطينيين وسوريين وغيرهم، وعلى هذا التقدير شواهد لا داعي لذكرها. و عليه تبدو سياسة البيت الأبيض من خلال الضغط على حكومة نتنياهو قد أدركت أهمية المبادرة الرئاسية وضرورة معالجة الملف اللبناني ، بعيداً عن المفاوضات الجارية مع ايران. كما أن المبادرة الرئاسية مكّنت المملكة العربية السعودية و مصر وفرنسا و اصدقاء لبنان الكُثُر من بريطانيا إلى أستراليا ، التحرّك في الاتجاه نفسه ، بما يدعو للاطمئنان أن المعركة التفاوضية المقبلة مع اسرائيل ، لن يكون لبنان فيها بلا قدرات تمكّنه من حماية مصالحه الوطنية. و أن التفوق العسكري الاسرائيلي ، ليس هو العنصر الحاسم في كل شيء، و أن احتلال ارض الجنوب، لا يعطي حكومة اسرائيل ما تريد و ما ترغب به و هو كثير كما يصرّح جنرالاتها. لأن الفضاء السياسي اللبناني و حُسن التّدبير أكبر وأكثر غنى و اتّساع من العقل الاسرائيلي المتطرّف و هو يُكيل دائماً بميزان القوّة والقوّة المفرطة فقط. حماية السِّلْم الأهلي في هذه الأيام العَصيبَة والصّعبة يحتاج لبنان إلى أعلامه الكبار من نساءٍ و رجال من كافة الطوائف كي تتقدم الصفوف ، من أجل إنقاذ الناس والوطن معاً ، و أفترض أن الانسان الرائع،الذي غادَرَنا مُؤخّراً، محمد حسين شمس الدين و لَحِقَ بتوأم روحه البيك الاحمر سمير فرنجية لقال الآن جملةً واحدة: لا بدّ من عقد مؤتمرٍ وطنيٍّ شامل لحماية الشعب والوطن على قاعدة تحقيق العدالة و نبذ العنف. ولا بد من دعوة الجميع سواسيةً بصفتهم أفراد في هذا الوطن يتشاركون مصيرهم فيه و يصنعون مستقبل ابنائهم ، ويضعون حدّاً للحرب المفتوحة حتى يبقى لبنان منارةً عربيةً شرق اوسطية عالمية. حقّاً: انها فرصة لبنان.. لمن يجرؤ.

فيكتور أوربان، عرّاب العداء لأوروبا وبطل الفساد

بعدما أحكم قبضته على السلطة في المجر منذ عام 2010، خسر رئيس الوزراء فيكتور أوربان الانتخابات مؤخراً، مدفوعاً بسأم المجريين من الفساد ومن المساس بدولة القانون. وقد فرض الرجل البالغ من العمر 62 عاماً نفسه على الساحة الدولية عبر صداماته المتكررة مع بروكسل، وعلاقاته المعلنة مع الرئيسين الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين. كما أثار أوربان الصدمة بمهادنته لتيارات اليمين المتطرف والمجموعات الاستبدادية في أوروبا والعالم. فيكتور أوربان في ضيافة توني بلير في « 10 داونينغ ستريت » في كانون الثاني 2002، أي قبل عام واحد من الغزو المشؤوم للعراق، والذي استند إلى ذرائع واهية. وبحسب فولتير: « السياسة هي فن الكذب في الوقت المناسب » . (جيري بيني/ وكالة الصحافة الفرنسية) في قمة حلف شمال الأطلسي بـواشنطن عام 1999، التبس الأمر على رجال الأمن فظنوا فيكتور أوربان – وكان حينها رئيساً شاباً لوزراء المجر التي انضمت حديثاً إلى الحلف – مترجماً فورياً. فما كان منه إلا أن ردّ على الشرطي قائلاً: «كلا يا سيدي، أنا رئيس وزراء المجر، ولكن يمكنني العمل كمترجم إذا أردت». تجسد هذه المفارقة، التي كشفت عن غياب شهرته آنذاك، تلك المكانة الهامشية التي كانت تشغلها الديمقراطيات الناشئة في وسط أوروبا ضمن المنظومة الأورو-أطلسية في نهاية التسعينيات. فالمجر التي كانت قد خرجت لتوّها من الفلك السوفياتي، لم تكن تُصنّف بعد كلاعب سياسي محوري، فكيف الحال بـقائدها. بطل «الديمقراطية غير الليبرالية» تحوّل ذاك الرجل الذي التبس أمره على الأمن يوماً فظنوه مترجماً، إلى أحد أبرز وجوه «الديمقراطية غير الليبرالية». وهذا المفهوم الذي روّج له أوربان بنفسه، يجسد نظاماً تُمارس فيه السلطة عبر التفافٍ على الحريات الفردية ودولة القانون وفصل السلطات، مع الحفاظ على القشرة المؤسساتية للديمقراطية. وعلى أرض الواقع، تبقى الانتخابات قائمة، غير أن الصحافة والمعارضة ترزحان تحت الضغوط، في حين تفقد العدالة استقلاليتها وتضعُف السلطات المضادة. وفي الحالة المجرية، يضاف إلى ذلك قومية متطرفة ومحافظة اجتماعية بائدة، ما يجعل التقاطع مع الشعبوية أمراً حتمياً وليس مجرد صدفة. مع أن أوربان الشاب كان قد خبر بنفسه واقع الدكتاتورية الشيوعية حين كانت المجر تدور في الفلك السوفياتي. فهو قد برز كليبرالي عتيد حين شارك في تأسيس «تحالف الديمقراطيين الشباب»، الذي سيشكل لاحقاً العمود الفقري لحزب «فيدس»، وتحدى النظام عام 1989 بـخطاب ناري ناصر فيه الديمقراطية. إلا أن التحول جاء تدريجياً؛ إذ تبنى أوربان خطاباً أكثر تسلطاً، مستهدفاً استقلالية القضاء والإعلام والمؤسسات. ومع عودته إلى السلطة عام 2010 في بلاد أنهكتها الأزمة الاقتصادية، شرع في إحكام قبضة حزبه بشكل منهجي على مفاصل الدولة والجامعات ووسائل الإعلام، وذلك تحت غطاء الدفاع عن «الأمة المجرية». وقد أدى مساسه بالحريات، ولا سيما تلك المتعلقة بمجتمع «الميم»، إلى توترات حادة مع الاتحاد الأوروبي، الذي قرر بدوره تجميد مليارات اليورو من المساعدات المخصصة للمجر. إن الدفاع عن القيم العائلية أو الريفية أو المسيحية ليس أمراً مذموماً في حد ذاته، لكن المذموم هو استخدام استراتيجية محكمة تقوم على استغلال المخاوف سبيلاً للوصول إلى السلطة، ونشر كراهية الأجانب، وتغذية العداء لأوروبا بذريعة الوطنية. ما بعد الشيوعية لقد خاضت أوروبا الشيوعية سابقاً مرحلة انتقالية مؤلمة، حيث واجهت مجتمعات الشرق صدمة حقيقية إبّان التحول نحو الديمقراطية الليبرالية. فبالرغم من قيود النظام القديم، إلا أنه كان يؤمّن شكلاً من الاستقرار و«منطقة راحة» لمواطنيه؛ فكان عليهم أن يتعلموا كيفية إدارة شؤونهم بأنفسهم، دون امتلاكهم لخبرة المجتمعات الغربية في هذا المجال. ولا تزال الفوارق بين شطري القارة العجوز ملموسة حتى يومنا هذا، وكأن الجدار الذي اندثر لا يزال قائماً في حيز غير مرئي. أيلول 1989: مواطنون من ألمانيا الشرقية يعبرون الحدود المجرية في طريقهم إلى ألمانيا الغربية، على متن سياراتهم من طراز « ترابانت » التي باتت أسطورية، بوصفها رمزاً لتداعي الاقتصادات الشيوعية. (كريستوف سيمون/ وكالة الصحافة الفرنسية) ففي ألمانيا على سبيل المثال، لا يزال «الغربيون» يسخرون أحياناً من «الشرقيين»، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على توحيد البلاد. ولعل صورة سيارات «ترابانت» الشرقية، المصنوعة من ألياف القطن والراتنج، في مواجهة سيارات «بي إم دبليو» الغربية، خير تجسيد لهذا التباين. هذا الشرخ لا يقتصر على الاقتصاد أو التكنولوجيا فحسب، بل يمتد ليشمل العقليات أيضاً؛ لذا، ليس من المستغرب أن تحقق أحزاب اليمين المتطرف اليوم نتائج أعلى في المناطق الشيوعية السابقة. الانعطاف القومي بعدما أحكم فيكتور أوربان قبضته على قاعدته المحافظة، اتكأ على شعور قومي متجذر في المجتمع المجري؛ وهو مجتمع يطغى عليه إحساس تاريخي بالعزلة وانعدام الأمان، لكونه يعيش ضمن أمة محاطة بثلاث مجموعات ثقافية كبرى: السلافية، واللاتينية، والجرمانية. رد الفعل هذا ليس حكراً على المجر وحده؛ ففي بولندا وصربيا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا، لا يزال التوجس من «الأجنبي» يشكل محركاً سياسياً قويّاً. وفي هذا السياق، يقف أوربان في مواجهة مباشرة مع سياسات الهجرة الأوروبية، وقد ذهب إلى حد تشييد، عام 2015، سياج حدودي يمتد مئات الكيلومترات لمنع دخول المهاجرين. وتقوم استراتيجيته على فكرة «تحديد عدو خارجي»؛ وهي منطق سمح له بالفوز بأغلبية ساحقة في انتخابات 2014 و2018 و2022، كما تؤكد المحللة السياسية والنائبة المجرية سوزانا سيليني. العلاقات الخطرة مع روسيا بعد الشيوعيين والمهاجرين، تصدرت أوكرانيا قائمة الاستهداف في حملته الأخيرة؛ إذ جرى تصويرها كطرف يسعى لجرّ المجر إلى أتون الحرب مع روسيا، لتتحول إلى «كبش فداء» في خطاب يمعن في الاستقطاب. وقد استندت هذه الحملة بشكل خاص إلى التضليل الإعلامي واستخدام محتويات مولدة عبر الذكاء الاصطناعي؛ حيث عمدت الصحف المقربة من السلطة إلى نشر صور متلاعب بها، تولّت شبكات من الحسابات الوهمية تضخيمها ونشرها. أوربان لم يقطع يوماً روابطه مع بوتين، حتى بعد غزو أوكرانيا وعزل روسيا دولياً. (ألكسندر نيمينوف/ وكالة الصحافة الفرنسية) وفي هذا السياق، يتحدث خبراء عن عمليات نفوذ روسية شملت مقاطع فيديو مفبركة (deepfake) ومحتويات قُدّمت للجمهور على أنها مقالات صحفية موثوقة. وتُظهر ملصقات مُموَّلة من أموال عامة فولوديمير زيلينسكي في مظهر سلبي، وأحياناً إلى جانب شخصيات أوروبية، ضمن إخراج يهدف إلى الاستفزاز المتعمد. ولم يتردد أوربان في التصريح خلال أحد التجمعات قائلاً: «علينا أن نختار من سيشكل الحكومة: أنا أو زيلينسكي!» ورغم ما يشوب هذه الخطابة من مبالغات، إلا أنها تضرب على وتر خوف حقيقي: وهو الخشية من رؤية المجر تنجرف إلى صراع مسلح. وتشير سوزانا سيليني، في تصريح نقلته وكالة «فرانس برس»، إلى أن «حزب فيدس يخاطب الحاجة العميقة للأمن الوجودي»، معتبرة أن رسالتهم مفادها: «حين ينهار العالم من حولكم، تمسكوا بما لديكم». النزعة «الهُويّاتية» والروابط اللبنانية على مدى السنوات الأخيرة، عمل فيكتور أوربان بشكل منهجي على بناء شبكة عابرة للحدود، تتمحور حول الهوية وسياسية للمسيحية، باعتبارها حاضنة حضارية وأداة نفوذ في آنٍ واحد. وقد تُرجمت هذه الاستراتيجية من خلال تنظيم مؤتمرات ومنتديات عدة في بودابست، ضمت فاعلين محافظين ومسيحيين من أوروبا والشرق الأوسط، ضمن منطق صريح يسعى إلى التقارب الأيديولوجي. وفي هذا الإطار، شارك رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، منذ عام 2019، في مؤتمر حول «اضطهاد المسيحيين» في المجر، حيث حصل على دعم مالي لمشاريع كنسية. وبالتوازي مع ذلك، وبالروحية نفسها، أطلقت بودابست صندوقاً لـ «إعادة إعمار الكنائس» في لبنان. وقد تعززت هذه النزعة عام 2025 مع انعقاد مؤتمر دولي في بودابست بعنوان «مستقبل لبنان من منظور مسيحي»، بتنظيم ودعم من الحكومة المجرية، وبمشاركة أحزاب مسيحية لبنانية عدة. وتندرج هذه المبادرة ضمن سياسة أوسع تنتهجها بودابست، تهدف إلى تقديم نفسها كـ«حامية لمسيحيي الشرق»، مع نسج تحالفات سياسية مع ممثليهم. وفي هذا المخطط، تبرز الأحزاب المسيحية في الشرق الأوسط، ولا سيما التيار الوطني الحر، كشركاء ثانويين لكنهم ذوو قيمة رمزية كبيرة؛ إذ يتيحون لأوربان ترسيخ مشروعه القائم على «أوروبا القوميات المسيحية» ضمن أبعاد عالمية، جيوسياسية وحضارية في آن معاً. باسم هذه الخطابة نفسها القائمة على «حماية مسيحيي الشرق»، تدخل فلاديمير بوتين في سوريا. علماً أن بودابست كانت قد اعتمدت، منذ منتصف العقد الماضي ومع اندلاع الحرب السورية، خطّاً متفرداً داخل الاتحاد الأوروبي برفضها القطيعة التامة مع دمشق. فمن دون الاعتراف رسمياً بالنظام، حافظت الحكومة المجرية على قنوات اتصال مفتوحة، وعارضت أي سياسة تهدف إلى تغيير النظام في سوريا. ويندرج هذا الموقف ضمن رؤية جيوسياسية أوسع، يرى أوربان من خلالها أن سقوط الأسد سيفتح الطريق أمام القوى الإسلامية الراديكالية وموجات هجرة جديدة نحو أوروبا. ومن هذا المنظور، كفَّ الأسد عن كونه مجرد حاكم سلطوي يطرح إشكاليات، ليصبح في خطاب بودابست الضمني بمثابة سدّ منيع. هذا التقارب غير المباشر تجسّد أيضاً من خلال السياسة المجرية المسمّاة «حماية المسيحيين»، والتي يقودها بشكل خاص برنامج (Hungary Helps). فقد موّل هذا البرنامج مشاريع إعادة إعمار في سوريا، غالباً في مناطق خاضعة لسيطرة النظام، مما أثار انتقادات داخل الاتحاد الأوروبي، حيث رأى البعض في ذلك شكلاً من أشكال «التطبيع الزاحف» مع دمشق. وهكذا، ومن دون أن يتبنى الأسد صراحةً، ساهم أوربان في إحداث شرخ في الإجماع الأوروبي القائم على العزلة، من خلال إدخال منطق بديل: منطق «البراغماتية الحضارية»، حيث تبرر نجاة المجتمعات المسيحية الحفاظ على علاقات، ولو غير مباشرة، مع السلطة القائمة. العداء لأوروبا على سبيل المفارقة، وبينما تستفيد المجر بشكل كبير من تمويل أوروبي، تبنت حكومة أوربان جحوداً مطلقاً تجاه الاتحاد الأوروبي. فلسنوات، تعين على بروكسل التعايش مع قائد مقرب من موسكو وواشنطن، دأب على عرقلة المبادرات، لا سيما في ما يخص المساعدات الموجهة لأوكرانيا أو العقوبات المفروضة على روسيا. وقد استخدم أوربان حق الفيتو بانتظام لكبح المبادرات الأوروبية، مساهماً بذلك في شلّ ملفات كبرى وحساسة. والأخطر من ذلك، ما كشفته صحيفة «واشنطن بوست» حول تسريبات لمعلومات حساسة إلى روسيا؛ إذ تفيد هذه المعلومات بأن وزير الخارجية المجري كان يطلع موسكو، أولاً بأول، على المداولات الداخلية للاتحاد الأوروبي. وأمام هذه الاتهامات، تتأرجح الردود الرسمية في بودابست بين التهوين من شأن المسألة وبين التحدي. فسادٌ صارخ لكنَّ الفساد كان، قبل كل شيء، السبب الذي عجّل بسقوط أوربان. فبالرغم من الحملة الانتخابية التي صيغت بدقة، عاقب الناخبون نظاماً طغى عليه الثراء الفاحش للمقربين من رئيس الوزراء، وتدهور الخدمات العامة. رسمياً، يصرّح أوربان بامتلاك ثروة متواضعة؛ ولكن في بلدٍ يُصنف ضمن الدول الأكثر فساداً في الاتحاد الأوروبي، فإن هذا «الزهد» المعلن لم يعد قادراً على إقناع أحد. ويندد المجريون بنظامٍ «شبه إقطاعي»، حيث يراكم المقربون من السلطة الثروات والنفوذ. فقد شهد والده، وصهره، وحلفاؤه الاقتصاديون تضخماً هائلاً في ثرواتهم، غالباً بفضل صفقات عمومية ممولة من الاتحاد الأوروبي. وبحسب منظمة «الشفافية الدولية» (Transparency International)، تختفي مليارات اليورو سنوياً بسبب ممارسات الفساد، في وقتٍ تواصل فيه بروكسل تجميد أموال ضخمة مخصصة للمجر. ماذا عن البديل؟ بيتر ماجيار، الفائز في الانتخابات البرلمانية، يرتدي السترة المجرية التقليدية، البوسكاي، في تجمع انتخابي في مارس الماضي. (بالينت زينتجالاي/نورفوتو عبر وكالة فرانس برس) يرث الفائز في انتخابات الأحد، بيتر ماجيار، ورشة عمل هائلة: تفكيك البنية السياسية التي شيدها أوربان، وترميم المؤسسات، وإعادة وصل ما انقطع مع الاتحاد الأوروبي. وباعتباره عضواً سابقاً في «النظام»، فإنه لا يزال يحتفظ ببعض المواقف الحازمة التي تبناها سلفه، لا سيما في ما يتعلق بالهجرة والقضايا المجتمعية، لكنه يعد بترسيخ دولة القانون ومحاربة الفساد. وبالنسبة للكثير من الأوروبيين، فهو يجسد نموذج «أوربان بلا فساد وبلا عداء لأوروبا»؛ وهي معادلة يبقى اختبارهابرسم المستقبل. بعيداً عن المجر، يبقى الرهان عالمياً؛ فقد تحول أوربان إلى مرجعٍ للكثير من الحركات القومية. لذا، فإن سقوطه يشكل انتكاسة رمزية لليمين المتطرف، دون أن يعني ذلك بالضرورة زواله. ففي أوروبا الوسطى، كما هو الحال في الولايات المتحدة مع معسكر «MAGA» (اجعل أمريكا عظيمة مجدداً)، أو في روسيا، لا تزال الديناميكيات التي حملت أوربان إلى السلطة نشطة. ربما تُطوى الصفحة في بودابست، لكن هذا «النموذج» نفسه لم يقل كلمته الأخيرة بعد.