شعار Levant Time
العودة إلى المقال
بوصلة المشرق

ضباب ال"لا انتصار" (1/2)

الولايات المتحدة وإيران كخاسرين رابحين

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم ريان البصير
نُشر أبريل 16, 2026 - 22:13

جاء القرار الأمريكي بشنّ حملة عسكرية واسعة النطاق ضد إيران نتاجَ تقاطع جملة من الضغوط. كان صقور المؤسسة الأمنية القومية يطالبون منذ أمد بعيد باتخاذ إجراء حاسم. وضغط اللوبي الموالي لإسرائيل بثقله على التدخل، ولا سيما بعد أن أخفقت ضربات حزيران/يونيو 2025 في إرساء ردع مستدام، في حين أمضت إسرائيل أشهراً تدفع واشنطن نحو موقف أشد مغالاةً. أسهمت هذه العوامل مجتمعةً في تهيئة الشروط السياسية للحرب. غير أن العامل الأكثر حسماً على الصعيد الاستراتيجي كان، في الأرجح، منطقاً مماثلاً لذلك المُعتمَد في فنزويلا. فالهدف المحوري للرئيس ترامب لا يقتصر على إضعاف القدرة العسكرية الإيرانية، بل يتجاوزها إلى إعادة رسم هندسة معاملات النفط على الصعيد العالمي، بما يشمل السيطرة لا على من يبيع النفط الخام فحسب، بل على من يشتريه والشروط التي يجري فيها هذا الشراء. وبصون الضغط الناجم عن العقوبات على الصادرات النفطية الإيرانية وتعميقه، تسعى واشنطن إلى تقليص وصول الصين إلى نفط مُدعَّم أو مُخفَّض السعر، في لحظة يشكّل فيها هذا الوصول رافداً لا يُستهان به لنمو الصين الصناعي والعسكري.

الانتصار التقليدي وحدوده

لا جدال فيما حققته القوات المسلحة الأمريكية في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2026. أسفرت الضربات الافتتاحية عن مقتل المرشد الأعلى، وتصفية كبار القادة العسكريين، وتدمير مجمعات مؤسسية حيوية، في مقدمتها المقر الرئيسي لأبحاث الدفاع والتطوير التابع للحرس الثوري. وقد جرى تحييد شريحة واسعة من منظومات الدفاع الجوي الإيراني في غضون الأربع والعشرين ساعة الأولى، مما منح الطائرات الأمريكية والإسرائيلية سيطرة فعلية شبه فورية على الأجواء الإيرانية. كما دُمِّر معظم منصات الصواريخ الباليستية الإيرانية خلال الأسبوعين الأولين، وتعرضت غالبية المواقع العسكرية-الصناعية الإيرانية المرصودة للقصف، مما أفضى إلى تراجع ملحوظ في الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيّرات على إسرائيل منذ الأسبوع الثاني من الحرب. وقد تعرضت المنشآت الرئيسية للتخصيب لأضرار بالغة، في بادئ الأمر خلال حزيران/يونيو 2025 ثم مجدداً في 2026، فيما أُغرِق عدد معتبر من السفن الحربية الإيرانية. وبأي معيار عسكري تقليدي، كانت الحملة نجاحاً باهراً.

بيد أن هذه الصورة من النجاح العسكري التقليدي تستدعي قدراً من التدقيق. فالموقف الاستراتيجي لإيران لم يرتكز قط في أساسه على قواتها التقليدية. إنه يقوم على استراتيجية الفسيفساء الدفاعية، شبكة متشابكة من الأدوات اللاتناظرية تضم أسراب المسيّرات والميليشيات الوكيلة والمضايقات البحرية والتهديد الكامن بإغلاق مضيق هرمز. لقد حيّدت الحملة الطبقة العسكرية التقليدية لإيران دون أن تمسّ قدراتها اللاتناظرية التي بقيت في معظمها سليمة. إن تفكيك منظومات البحرية والصواريخ الباليستية والدفاعات الجوية لدى خصم ما هو بلا شك ذو أهمية استراتيجية بالغة، غير أنه يبقى قاصراً حين تظل الأدوات الإكراهية الرئيسية لذلك الخصم قائمة على المسيّرات والشبكات الوكيلة والقدرة على تعطيل نقاط الاختناق البحرية الحيوية. ففي إضعاف القدرات التقليدية دون تحييد اللاتناظرية ما يشبه، في نهاية المطاف، انتزاع البندقية من يد العدو مع إبقاء المسدس مشحوناً.

هدنة مبهمة

تبدو حدود ما تحقق جليةً بالفعل في ملامح اتفاق وقف إطلاق النار. فالاتفاق، الذي لم يُفصح عنه قط، وُصف على نطاق واسع بأنه مبهم. والأشد وطأةً في ذلك كله أن الملف النووي لا يزال معلقاً دون حلّ، رغم أنه الملف الوحيد الذي كانت فيه إدارة ترامب ومنتقدوها على اتفاق. وقدرات إيران الباليستية، وإن كانت قد تضررت بشدة، فهي ليست معطّلة إلى الأبد، إذ يتوقف إعادة بنائها على الموارد لا على الإرادة، وأي تخفيف للعقوبات مُدمَج في اتفاق وقف إطلاق النار سيُعيد فعلياً تشغيل ساعة إعادة التسلح. والحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان والفصائل الموالية لإيران في العراق باتوا يعيدون بناء أنفسهم. فبالنسبة لهؤلاء الفاعلين، لا يمثل وقف إطلاق النار هزيمة، بل توقفاً تكتيكياً وفرصة لإعادة التماسك.

إيران ما بعد الحرب

لن يكون أقل تضليلاً تصوير موقف إيران على أنه انتصار أو صمود. النظام الذي نجا من هذه الحرب ليس النظام الذي خاضها. قُتل ما يزيد على خمسين مسؤولاً رفيعاً. وتعرض الجهاز العسكري لضربات بالغة. وارتدّ البرنامج النووي سنوات إلى الوراء. والاقتصاد، الذي كان أصلاً يرزح تحت وطأة عقود من العقوبات، وجد نفسه على حافة الانهيار البنيوي. أضرار البنية التحتية واسعة النطاق، والعقد الاجتماعي بين النظام ومواطنيه، الذي كان أصلاً آخذاً في التفكك، بات يتحمل ضغطاً جديداً استثنائياً. وبنى السلطة داخل النظام تعاني احتقاناً داخلياً إذ تتنافس فصائل متعددة على تحديد شكل إيران في مرحلة ما بعد الحرب وعلى زعامتها. ولعل إيران تكون قد أفلتت من أسوأ السيناريوهات، وهو انهيار النظام، غير أن التحديات الجسيمة التي تواجهها اليوم بعيدة كل البعد عن النصر.

التناقض بين المواقف المُعلَنة لإيران وسلوكها الفعلي في نيسان/أبريل 2026 صارخ. كان المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي يعلن على الدوام أنه لن تكون ثمة مفاوضات مع الولايات المتحدة. وفي آذار/مارس 2026، أكد المسؤولون الإيرانيون مراراً أن أي وقف لإطلاق النار سيستلزم ضمانات ردع كاملة. وبين السابع والعاشر من نيسان/أبريل، أعلن عدد من المسؤولين الإيرانيين علناً أنه لن تجري أي محادثات في إسلام آباد ما لم توقف إسرائيل عملياتها ضد حزب الله أولاً. ولم تتوقف إسرائيل، بل شنّت في الثامن من نيسان/أبريل واحدةً من أضخم عملياتها المنفردة ضد حزب الله. ومع ذلك، توجّه الوفد الإيراني جواً إلى إسلام آباد وجلس إلى طاولة المفاوضات. لا خطاب انتصاري، مهما بلغ من الزيف والمراء، قادر على تغيير هذه الحقيقة.

ثابت أمريكي

تمتلك الولايات المتحدة سجلاً موثقاً من العجز عن تحويل تفوقها العسكري إلى مكاسب سياسية. في لبنان عام 1983، في أعقاب التفجير الذي أودى بحياة 241 جندياً أمريكياً، سارعت إدارة ريغان إلى الانسحاب في غضون أشهر، تاركةً فراغاً أسرع حزب الله إلى ملئه. وفي عام 2003، أطاحت الولايات المتحدة بصدام حسين بدقة عسكرية منقطعة النظير، لكن دون أي خطة متماسكة لمرحلة ما بعد، فأفضى ذلك إلى فراغ في السلطة هرعت الميليشيات المدعومة إيرانياً إلى شغله ولم تتركه قط. وأجّج الانسحاب المبكر من العراق عام 2011 تآكلَ القدرات المؤسسية وسلطة الدولة في لحظة محورية، مضاعفاً إخفاقات الحوكمة التي استطاع داعش استغلالها بشكل منهجي اعتباراً من 2014. وفي عام 2013، رسم الرئيس أوباما خطاً أحمر علنياً حول الأسلحة الكيميائية في سوريا، ثم أحجم عن تطبيقه حين عبره الأسد في الغوطة. فانهارت المصداقية الأمريكية، وتدخلت روسيا، وأعادت الحرب السورية رسم توازنات المنطقة بأثر لا يزال يتردد صداه. وفي آب/أغسطس 2021، أهدى الانسحاب الفوضوي من أفغانستان طالبان انتصاراً بلا ثمن، وبعث برسالة في كل ساحة كان للولايات المتحدة فيها شركاء. وفي أيار/مايو 2025، أعلن ترامب أن الحوثيين قد «استسلموا»، في حين أصر هؤلاء على أن واشنطن هي من تراجعت. تنتسب هدنة نيسان/أبريل إلى سياق كل هذه الحلقات، ويجمعها المنطق ذاته من قوة ساحقة وأثر سياسي منقوص وخصوم يتكيفون لملء الفراغ.

العجز البنيوي لواشنطن

إن عجز واشنطن البنيوي عن الإبقاء على انخراط استراتيجي في أعقاب العمل العسكري ليس أمراً عَرَضياً. إنه نتاج البنية السياسية الداخلية التي تُشكّل كل قرار من قرارات السياسة الخارجية. لا تدخل الولايات المتحدة الحروب ولا تخرج منها بإرادة وطنية موحدة، بل تفعل ذلك عبر تصادم مصالح متضاربة نادراً ما يمكن التوفيق بينها. والمقاولون في قطاع الدفاع والمجمع الصناعي-العسكري يمتلكون حوافز مؤسسية تدفع نحو دورات التصعيد عوضاً عن التسويات. والاستقطاب الحزبي يجعل كل سياسة مرتبطة بإدارة ما هدفاً للإدارة الأخرى، بصرف النظر عن قيمتها الاستراتيجية. عارض الانعزاليون من تيار ماغا الحرب منذ البداية؛ وأراد الموالون لإسرائيل المضي فيها أبعد؛ فيما ترى المؤسسات التقليدية لصنع السياسة الخارجية، يساراً ويميناً، أن الحصيلة لا تعدو نصف حل. ولا يوجد ائتلاف متماسك قادر على الحفاظ على الاستثمار السياسي الذي تقتضيه أي تسوية مستدامة. ومع اقتراب انتخابات التجديد النصفي، تُضعف الضغوط التضخمية وارتفاع أسعار النفط موقف الإدارة والحزب الجمهوري. والنتيجة المتوقعة هي الضغط ذاته نحو الانسحاب المبكر الذي ترك، في كل حلقة مماثلة، المشكلة الاستراتيجية الجذرية دون حل، وجعل المواجهة التالية أكثر كلفة من سابقتها.

خاتمة

لم تُفرز الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أي منتصر. لقد أنتجت منطقةً أكثر تشرذماً مما كانت عليه، وملفاً نووياً أشد خطورةً بفعل إهمال حلّه، وخصمين سيعودان إلى المواجهة، وإن في أشكال مغايرة، في ظل ظروف ساهم كلاهما في تفاقمها. ضباب ال”لا انتصار” ليس استعارة. إنه الواقع الاستراتيجي الذي سيرسم ملامح الفصل القادم، الذي يتناوله الجزء الثاني من هذا التحليل.

المقال القادم:

ضباب ال"اللا انتصار": الاضطراب الجديد في المنطقة

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل