شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
عنصر ميليشيا تبدو عليه السعادة بعد سيطرة حزب الله على القسم الغربي من بيروت. (أ ف ب)
استراتيجيا
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر سبتمبر 7, 2026 - 13:10
تتيح هذه السلسلة من المقالات فهماً أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل عن الحقائق. ونهجنا يترك للقارئ مسؤولية استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. أما الأجزاء الأربعة عشر السابقة فكانت قراءة جديدة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله، ونزاعاته المسلحة مع إسرائيل، وهيمنته على لبنان، منذ اتفاق الطائف وصولاً إلى اتفاق الدوحة. أيار (مايو) 2008، الجبل بعد بيروت. في 7 أيار (مايو) 2008، احتل حزب الله وحلفاؤه (حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي) بالقوة العسكرية مكاتب تيار المستقبل التابع لسعد الحريري في بيروت، وجزءاً كبيراً من الأحياء السنية في العاصمة التي كانت تشكل القاعدة الشعبية لتحالف 14 آذار. سقطت مواقع تيار المستقبل بسرعة بيد المهاجمين، إذ ابتعد الجيش إلى حد كبير عن هذه المواجهات، ولم تتمكن الوساطات السياسية من وقف العملية في الوقت المناسب. وقد واجه القائد العام للجيش معضلة حقيقية: فمن جهة، كان يدرك أن تدخل الجيش بالقوة في بيئة حضرية سيكلف أرواحاً بشرية غالية، مدنية وعسكرية على حد سواء، ناهيك عن الأضرار المادية؛ ومن جهة أخرى، كان يواجه إحباط الضباط، لا سيما السنة منهم، الذين رأوا أحياء ذويهم محرومة من حماية الجيش. مقر تلفزيون "المستقبل" بعد نهبه في بيروت. (فرانس برس) كانت هيئة الأركان لا تزال تحمل في ذاكرتها معركة نهر البارد التي خاضها الجيش ضد تنظيم فتح الإسلام الإرهابي قبل عام، والتي أودت بحياة 170 عسكرياً في معارك استمرت 105 أيام في ساحة عمليات أقل تحضراً وخالية من سكانها، لا تتجاوز مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً. أما معركة في بيروت ذات الكثافة السكانية العالية، فكانت ستكون باهظة الثمن من حيث الأرواح البشرية، وستمتد جغرافياً لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، ولن يكون لها نهاية، في ظل تمتع حزب الله بخطوط إمداد لوجستية مفتوحة على مصراعيها من سوريا. إلا أن الجيش وجد فرصته في الانتشار بقوة بين حزب الله وأنصار تيار المستقبل في شارع المزرعة، حيث منع بالقوة أي تحرك مسلح لعبور هذا الشارع من الجهتين، وحال دون شن أي هجوم على حي طريق الجديدة، معقل تيار المستقبل. كما شكلت القوات مربعات أمنية حول السرايا الحكومية حيث كان يتواجد رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وحول مقر إقامة وليد جنبلاط، أحد أبرز أقطاب تحالف 14 آذار. مسلحون شيعة قرب شارع الحمرا: الشخص الذي يحمل صاروخ آر بي جي-7 المضاد للدروع يرتدي بزة قوى الأمن الداخلي… (فرانس برس) ساهمت هذه الإجراءات، إضافة إلى الاتصالات التي أجرتها عواصم خليجية، في ثني حزب الله عن مهاجمة السرايا. غير أن الحزب الشيعي أراد السيطرة على معقل الدروز في جبل لبنان. وبلغت التوترات ذروتها في 9 أيار (مايو) حين أقدم مسلحون تابعون لحزب الله على خطف عناصر من الشرطة البلدية في عاليه، ما أثار رد فعل مسلح من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي. سرعان ما اتسعت رقعة المعارك لتشمل الشويفات وعاليه وسوق الغرب وبيصور. واستخدم الطرفان الأسلحة الثقيلة، فيما تمركز مقاتلو الحزب التقدمي الاشتراكي في التحصينات والخنادق القديمة الموروثة من الحرب الأهلية، ما مكّنهم من وقف تقدم حزب الله. وحاول الأخير احتلال التلة 888 المطلة على مطار بيروت، الواقعة بين عاليه وسوق الغرب، لكنه فشل في ذلك. في المقابل، نجح في احتلال قلعة نيحا القديمة في الشوف، بهدف تأمين خط إمداد لوجستي مباشر يربط البقاع بجنوب لبنان من دون الحاجة إلى المرور عبر الطريق الساحلي. الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط (في الواجهة، وسط الصورة) ووزير الإعلام غازي العريضي (وسط يسار الصورة) خلال مشاركتهما في تجمع شعبي في بلدة بيصور الدرزية بجبل لبنان، وذلك غداة رفع الحواجز عن طرقات العاصمة، وهو ما وضع حداً لأسبوع من الأحداث الدامية. (أ ف ب) خلال نهار الأحد 11 مايو/أيار، حاول حزب الله مهاجمة الباروك والشويفات دون جدوى، وقد كلّفه ذلك حياة 36 من مقاتليه، من بينهم قائد القوة المهاجمة في الشويفات. وفي اليوم نفسه، انتشر الجيش في المدينة وطالب الطرفين بالانسحاب. عندها سلّم الحزب التقدمي الاشتراكي مواقعه للجيش، وانسحب حزب الله حاملاً قتلاه وجرحاه. حاول مسؤولون سياسيون حلفاء لحزب الله، بطرق مباشرة وغير مباشرة، عرقلة انتشار الجيش في الشويفات، لكن دون جدوى. كان هدفهم منح حزب الله الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه واستئناف الهجوم وتحقيق نصر في المدينة، إلا أن قائد الوحدة المكلفة بالمهمة رفض الاستجابة لهذا الضغط، فجنّب المدينة مزيداً من الدمار وأراح القرى المجاورة، كفرشيما ووادي شحرور والبساتين، من ويلات القتال. ترك المسلحون على باب هذه الشقة في الشويفات رسالة واضحة تماماً... (أ ف ب) في اليوم نفسه، روّج حزب الله شائعات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، مفادها أن القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع تستعد لمهاجمة منزل ميشال عون، زعيم التيار الوطني الحر، في الرابية، وقرى الشيعة في قضاء جبيل. كان الهدف من هذه الشائعات توسيع رقعة النزاع المسلح لتشمل المناطق المسيحية، عبر إقحام التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فيه. غير أن أجهزة الاستخبارات العسكرية تدخلت ووضعت حداً لهذه الشائعات. ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة انساق تيار المستقبل وحلفاؤه في تحالف 14 آذار إلى التفاوض بعد هزيمتهم في 7 مايو/أيار 2008. وفرضت قطر نفسها وسيطاً، ورعت اتفاق الدوحة (مايو/أيار 2008) الذي جاء بمثابة تسوية لصالح حزب الله وحلفائه إلى حد كبير. وأفضى هذا الاتفاق إلى انتخاب قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية، فسدّ بذلك فراغاً رئاسياً دام ستة أشهر، إذ لم يكن بمقدور أي من مرشحي تحالفي 14 و8 آذار للرئاسة تأمين أغلبية كافية من الأصوات في البرلمان. أُعيد تكليف فؤاد السنيورة برئاسة الحكومة، وبمشاركة قطرية مباشرة، شكّل حكومة وحدة وطنية. غير أن هذه الحكومة كانت محكومة سلفاً بالشلل في القرارات الكبرى، إذ ضمّت 16 وزيراً ينتمون إلى الأغلبية البرلمانية لـ14 آذار، مقابل 11 وزيراً من المعارضة المنضوية في 8 آذار، بما فيها حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر. وبذلك كان بحوزة هؤلاء الأخيرين «الثلث المعطل». تضمّن البيان الوزاري لهذه الحكومة صيغة ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». وكانت هذه الصيغة قد بدأت مسيرتها مع إميل لحود وحسن نصر الله. فقد صرّح لحود، في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2006، أي بُعيد حرب يوليو/تموز بين حزب الله وإسرائيل، بالحرف الواحد: «... هذه الوحشية (الإسرائيلية) لم تُضعف شعبي، ولم تنَل من عزيمته على المقاومة، ولم تؤثر في تمسكه بالدولة والجيش والمقاومة الوطنية...». وكان لحود، منذ التسعينيات، حين كان قائداً للجيش، يشدد في خطاباته على الروابط التي لا تنفصم بين الجنود النظاميين والمواطنين والمقاومة في مواجهة إسرائيل. أما حسن نصر الله، فقد أوضح في خطاباته المتعددة بعد حرب الـ33 يوماً أن لبنان لم يستطع الصمود في وجه إسرائيل إلا بفضل التنسيق التلقائي بين الجيش والمقاتلين، ودعم الشعب.
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الثنائي الشيعي والفكر الأحادي
بقلم
يوسف معوض
نُشر

تعيش الطائفة الشيعية حالة أشبه بالـ«هانغوفر»، اي حالة من الصداع بعد الثمالة الثقيلة! فقد حملها الثنائي حزب الله–حركة أمل إلى ذروة قوتها: إذ تمكّنت من التغلغل في الدولة العميقة، فتحصّنت فيها، وتموضعت كفاعل إقليمي بعد قرون من التهميش والتمييز. ثم، ابتداءًمن أيلول/سبتمبر 2024، بدأ بيت الورق ينهار تحت الضربات الإسرائيلية المتتالية. وفي النهاية، آلاف العائلات النازحة والمشرّدة! مشهد يعتصر القلوب: سيارات مصطفّة كالسيل، توجّهت إلى الجنوب عند إعلان وقف إطلاق النارفي 17 نيسان/أبريل، ثم عادت أدراجها فوراً. إنها مأساة إنسانية مستمرة منذ أسابيع، تعاني منها طائفة بكاملها، ويُحمّل أفرادها عبء المسؤولية الناتجة من تكرار الإقتتال والحروب. لمحة تاريخية ما كان من شيء ينبىء بأن الشيعة الإثني عشرية مهيّأة لمثل هذا المصير القاسي، وهم الذين وُصفوا طويلاً بالميل إلى الهدوء والابتعاد عن الصخب السياسي. ففي عام 1967، كتب المؤرخ كمال صليبي: «إن تاريخاً طويلاً من الاضطهاد والقمع انعكس لدى الشيعة في حذرهم السياسي المميز وفي تنظيمهم الذي يبدو قليل البنية». لكن هذه الصورة قد تجاوزتها الأحداث إلى حد بعيد، إذ إن هذه «الملة» اللبنانية صعدت منذ الثمانينيات إلى الصفوف الأولى، وتمكّنت من المطالبة بمكانة بارزة على الساحتين اللبنانية والإقليمية. إلا أنه تحت ستارات الشعارات والخطابات التي تراوحت بين الحماسة المشتعلة والتطمين، لدى حزب الله وحركة أمل، كان هناك طموح واحد وفكرة عليا تعبّئ الأنصار كافة: إقامة كيان شيعي على ضفاف المتوسط، كنوع من استعادة رمزية لمجد الخلافة الفاطمية قبل ألف عام. وكأن الزمن الحالي أبى إلّا أن يثأر من التاريخ السحيق. طموحات مشروعة من لم يسمع الشيعي العادي يقول للمسيحي العادي: «تنحَّ جانباً، واترك لي مكانك، فهو من حقي أنا»؟ ومن لم يفاجأ بسماع أحد أنصار حزب الله أو نبيه بري يقول: «لن نسلّم سلاحنا إلا إذا مُنحنا مناصب كانت تقليدياً من حصة الموارنة، مثل رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش وحاكمية مصرف لبنان»؟ قد تبدو هذه الرغبات والطموحات مشروعة، وقد تتحقق تحت ضغط الثقل الديموغرافي والمالي والعسكري الذي يمتلكه هذا الثنائي. لكن… لكن هناك مشكلة لقد وُجد لبنان الكبير، منذ نشأته، ليكون ملاذاً أو حصناً للمسيحيين. فإذا فقد هؤلاء سلطتهم في رأس الدولة أو تخلّوا عن صلاحياتهم لمصلحة طوائف أخرى، فلن يبقى لهذا البلد سبب وجود ككيان مستقل عن سوريا. فلو افترضنا، في سيناريو معيّن، أن النظام الحاكم في دمشق اجتاح لبنان وأعلن ضمّه، هل تعتقدون أن الغرب المسيحي سيتحرّك إذا لم يعد لإخوته في الدين دور مؤثر، أو إذا صاروا مجرد أقلية هامشية؟ في مثل هذه الحالة، قد يقتصر الأمر على إدانات لفظية، كما حدث عندما ضمّ بوتين شبه جزيرة القرم. وفي سيناريو آخر: إذا لم يعد المسيحيون على رأس الدولة، وقررت سوريا وإسرائيل تقاسم لبنان كما فعل هتلر وستالين ببولندا عام1939، فأي عاصمة غربية ستتدخل لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه؟ وبالنتيجة، متى سندرك أن امتيازات المسيحيين في الدولة ليست فقط ضمانة لهم فحسب، بل أيضاً درعاً للأمة اللبنانية نفسها، إن كان هناك من أمة لبنانية؟ لماذا اختيار العدو الخطأ؟ من المفهوم أن يبقى ثنائي حزب الله–أمل على حذر، لكن إن كان لا بد من الحذر من شريك إقليمي، فالأجدر أن يكون من سوريا، حيث ارتُكبت فظائع، لا من مواطنيه اللبنانيين، سواء كانوا مسيحيين أو سنّة أو دروزاً. ليس هؤلاء من ينبغي افتعال الخصومة معهم! لكن كيف يمكن للعقل أن يسود عندما يفقد مجتمع ما حسّ الاعتدال بفعل الغرور، ويجد متعة مجانية في صناعة الأعداء؟ وقد بلغ الثنائي الشيعي، وهو في نشوة «انتصارات إلهية» مزعومة، حدّ وضع نفسه في مواجهة ليس فقط مع يهود إسرائيل، بل أيضاً مع سنّة سوريا ومسيحيي لبنان، فضلاً عن الدروز. فمن يزايد على ذلك؟

في اليوم السابع
بقلم
زينه زيادة
نُشر

في اليوم السابع هل نستريح؟ لا. بل ننتظر. نعيش دومًا على عتبة الانتظار. نتصفّح، على عدد دقائق الساعات الأربع والعشرين، مقالًا من هنا، تصريحًا أو تغريدة من هناك، كي نرسم يومنا. هنا لا خارطة طريق إلّا تلك التي يضعها لنا من لا يتكلّمون لغتنا. ونحن نتلقّى. نتلقّى… ونفكّك. نقرأ ما بين السطور أكثر مما نقرأ السطور نفسها. نحلّل الصمت، ونشكّ بكلّ ما يبدو طبيعيًا. فالطبيعي لم يعد طبيعيًا. والهدوء، في بلادنا، ليس راحة… بل استراحة من لم يختر أن يحارب. في اليوم السابع، تفتح بعض المحال أبوابها على استحياء. نصف باب مرفوع، نصف قرار. الكراسي تعود إلى الأرصفة، القهوة تُشعل من جديد، والحديث يدور حول أمور صغيرة: أسعار، كهرباء، ماء، وخطط مؤجلة. الكلّ يراقب ويترقّب. الوجوه نفسها… لكن بملامح مشدودة لم تُنهِ خوفها بعد. وخلف كلّ جملة، ظلّ جملة أخرى: “إذا رجعت…” إذا رجعت؟ بس ما خلصت لترجع. على بعد كيلومترات قليلة، الأرض تُنسف، ودماء تسيل فوقها وتحتها. الهدوء هنا ليس غيابًا… بل مسافة. وفي هذا الهدوء القلق، يعلو ضجيج آخر. ضجيج لا يُسمع… بل يُفكَّر. نحلّل كل شيء: وجوه السياسيين، أصابعهم المرفوعة، نبرة الصوت، توقيت البيان. نراقب السماء لا لصفائها، بل لمدى صمتها. طائرة بعيدة، دراجة تمرّ، باب يُغلق بقوّة، كلّها احتمالات. نعدّ الأيام. اليوم السابع. الهدوء هنا ليس سلامًا. هو فسحة بين ضربتين. وفي هذه الفسحة، نحاول أن نعيش. قليلًا. نضحك… بلا ثقة. نخطّط… بلا يقين. ننام… بنصف وعي. جزء منا يبقى مستيقظًا، كحارس لا نراه. نستيقظ على المنبّه، لا على القصف فنستغرب. نُحضّر القهوة ببطء، كأننا نعيد تعلّمها. نفتح الأخبار قبل النوافذ. نكتب: “كيفك؟” ويأتينا الجواب: “منيح… لهلّق”. نخرج إلى الشارع. ننظر إلى بعضنا، كأننا نبحث عن طمأنينة ضائعة. حتى السلام صار سريعًا، مقتضبًا، لا يحتمل الإطالة. نحن لا نخاف فقط من الحرب، بل من اعتيادها. من أن تصبح جزءًا من يومنا، من حديثنا، من مزاحنا. نضحك أحيانًا… ثم نسكت فجأة. كأن الضحكة نفسها تراجعت. في اليوم السابع، سؤال يتسلّل بهدوء: ماذا نفعل بكلّ هذا التعب؟ القذائف قد تتوقّف، لكن أثرها لا يفعل. تعب في الجسد، في العين، في القلب الذي تعلّم أن يقفز عند أي صوت. لا نثق بالهدوء بما يكفي لنسترخي. نعيش على أهبة الراحة. راحة مؤجلة، مشروطة، قابلة للإلغاء. نرتّب أشياءنا بطريقة مختلفة. نشحن هواتفنا أكثر مما نستخدمها. نحسب الوقت… لأي احتمال. وفي داخلنا، شوق بسيط جدًا: هدوء… فقط. هدوء لا يُفسَّر، ولا يُراقَب، ولا يُخاف منه. لكننا لا نعرف كيف نصدّقه. فنعود إلى الانتظار. نراقب، نحلّل، نقرأ، ثم نعيد القراءة. نرتّب يومنا على احتمالات، لا على يقين. نقول: “لنشوف!” كأن حياتنا كلّها جملة معلّقة. وفي اليوم السابع، لا نعلن النصر، ولا نرثي الخسارة. نقف في المنتصف. بين حرب وسلام، بين خوف وطمأنينة، بين صوت وصمت. هذا المنتصف… صار مكاننا. قلقنا من هذا الهدوء ليس ضعفًا، بل ذاكرة. ذاكرة تعلّمت أن الهدوء قد يكون إنذارًا. ومع ذلك… نستمر. نصنع قهوتنا، نفتح نوافذنا، نراقب السماء، نردّ على الرسائل، نضحك حين نستطيع، ونسكت حين لا نستطيع. نشتري خبزنا، نمرّ على محطة الوقود، نؤجّل خططًا، ونخفي قلقًا. ونحاول، رغم كل شيء، أن نعيش يومًا عاديًا… حتى لو كان هذا “العادي” قائمًا على عتبة الانتظار.

تطور الحرب مرتبط بحسم الصراع الداخلي في إيران

بينما يستمر الغموض التام يسيطر على تطور الصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، تستأنف المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل يوم الخميس 23 أبريل في واشنطن، بعد الظهر (بتوقيت المشرق)، تحت رعاية وزارة الخارجية. وأشارت مصادر محلية موثوقة يوم الأربعاء إلى أن الوفد اللبناني سيطالب بتمديد وقف إطلاق النار في الجنوب لمدة شهر واحد. وقد تتناول المناقشات، بالتوازي، التنظيم العملي (الجدول الزمني، مكان الاجتماعات...) وجدول أعمال المفاوضات الثنائية المقبلة. على صعيد العمليات العسكرية والوضع الميداني، أعلنت الرئاسة الفرنسية بعد ظهر الأربعاء أن جندياً فرنسياً ثانياً من قوات حفظ السلام التابعة لليونيفيل قد توفي متأثراً بجروحه التي أصيب بها يوم السبت الماضي عندما أطلق مسلحون من حزب الله النار على دورية فرنسية تابعة للقوة الأممية. وقد قُتل أحد الجنود على الفور. وبذلك يرتفع عدد ضحايا هذا الكمين إلى قتيلين وجريحين في صفوف العسكريين الفرنسيين. على صعيد آخر تماماً، ارتكب الجيش الإسرائيلي الأربعاء عدواناً جديداً ضد صحافيين بقصفه قطاعاً في بلدة الطيري (قضاء بنت جبيل) حيث كانت تتواجد الزميلتان أمال خليل وزينب فرج. وقد تمكنت زينب فرج، التي أصيبت بجروح طفيفة، من الإخلاء بواسطة الصليب الأحمر اللبناني عقب مساعي الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام (من باريس) ووزير الإعلام بول مرقص. أما أمال خليل، فقد عُثر على جثتها تحت أنقاض منزل دمره القصف الإسرائيلي.. علاوة على ذلك، نفذت طائرة إسرائيلية بدون طيار هجوماً على بلدة يحمر حيث أصيب أربعة أشخاص. عقاب جندي إسرائيلي لتدنيسه صليبًا على صعيد آخر تماماً، قامت منظمة أمريكية غير حكومية السامري الصالح بإيصال مساعدات غذائية وإنسانية إلى سكان القرى المسيحية الواقعة بالقرب من الحدود اللبنانية الإسرائيلية. وكانت المنظمة نفسها قد حاولت إيصال هذه المساعدات من لبنان، لكن حزب الله منعها من ذلك. وقد اضطرت بالتالي إلى تقديم المساعدة المذكورة من إسرائيل بسبب الوضع الهش لهذه القرى المسيحية التي زارها السفير البابوي في بيروت يوم الأربعاء. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الجندي الإسرائيلي الذي دنس صليباً في قرية مسيحية بالجنوب قد عوقب من قبل قيادته وحكم عليه بالسجن لمدة شهر واحد. وقد أدان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقيادة الجيش الإسرائيلي بشدة الحادث، وكلفت الوحدة الإسرائيلية الموجودة في المنطقة بإعادة الصليب إلى مكانه. خلافات بين أقطاب النظام الإيراني على الصعيد الإقليمي، يستمر الصراع المسلح بين الولايات المتحدة وإيران على وقع سلسلة من وقف إطلاق النار تتخللها مهل، وإنذارات، وتهديدات متكررة تميز تصريحات الرئيس دونالد ترامب اليومية. وخلافاً للمعتاد: وقف إطلاق النار الجديد الذي مدده رئيس البيت الأبيض مساء الثلاثاء لا يرتبط بموعد نهائي محدد. هذا «الغموض» (آخر من نوعه...) لا يعني أن الهدنة غير محدودة، بل يعني، على العكس تماماً، أن الرئيس ترامب يحتفظ بالحق في إنهائها في اللحظة التي يراها مناسبة. وفقاً لبعض المعلومات، أبلغت واشنطن إسرائيل أن الهدنة الحالية ستنتهي الأحد المقبل، إذا لم يسجل أي تقدم في المحادثات الأمريكية الإيرانية بحلول ذلك الوقت. وتبدو الأوساط الأمريكية في واشنطن متفائلة في هذا الصدد بشأن انفراج إيراني، مما يعطي الانطباع بأن الإدارة الأمريكية تبدو «تتوسل»، نوعاً ما، للنظام الإيراني للموافقة على مخرج للأزمة، بينما من المفترض أن تكون طهران في موقف ضعف. نقطة تفصيلية تجدر الإشارة إليها في هذا الصدد: وفقاً لبعض وسائل الإعلام عبر الإنترنت، فإن مئات الطائرات العسكرية للنقل تقوم بنقل وتفريغ الذخائر في إسرائيل، ومن المتوقع أن ينتهي هذا الجسر الجوي... يوم الأحد. على أي حال، يمكن تفسير هذا الغموض الكبير الذي يميز تطور الصراع بالخلافات العميقة التي تتأكد على مستوى النظام الإيراني. ويقسم الانقسام الجناح المتشدد الذي يمثله الحرس الثوري (الباسداران) والتيار الذي يوصف بـ «المعتدل» الذي يضم المسؤولين السياسيين الرسميين المكلفين بالمفاوضات مع الأمريكيين. وهذا يفسر عدم تمكن المفاوضين الإيرانيين من التوجه إلى إسلام أباد لحضور الجولة الثانية من المفاوضات التي كانت مقررة يوم الثلاثاء. وستحدد نتيجة هذا الانقسام الداخلي مستقبل الصراع ومصير منطقة المشرق بأكملها دون شك.

لبنان على حافة الهاوية: الحجّة لصالح قوة دولية

الخطّ الأصفر المرسوم على أرض جنوب لبنان ليس مجرّد خطٍّ عسكريٍّ للتحديد. إنّه تحذيرٌ من التاريخ. أقامت إسرائيل منطقةً عسكريةً تمتدّ نحو عشرة كيلومترات شمالَ الحدود، داخل الأراضي اللبنانية الجنوبية. وقد أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي موقفه بلا لبس: “هذا شريطٌ أمنيٌّ بعمق عشرة كيلومترات، أكثر صلابةً وكثافةً واستمراريّةً وتماسكاً ممّا كان لدينا من قبل. نحن هناك ولن نغادر.” [1] المفردات مألوفة. وصف محلّلون ما يجري بأنّه “غزوة” لجنوب لبنان — بعد أن أصدر وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتز أوامره للجيش بهدم القرى الحدودية اللبنانية على غرار نموذجَي بيت حانون ورفح. [2] نعرف كيف تبدو تلك النماذج. لم يبقَ شيء. التوازي مع غزة وحده مقلقٌ بما فيه الكفاية. غير أنّ ثمّة سابقةً أعمق وأقرب إلى لبنان ذاته: مرتفعات الجولان. [3] تفريغٌ من السكان، يعقبه احتلالٌ عسكريٌّ مديد، يعقبه ضمّ. وبحلول منتصف أبريل، كان أكثر من مليون لبناني قد اضطُرّوا للنزوح، وأكثر من ألفي شخص قضوا. [4] جرى تفريغ أكثر من ثمانين بلدةً وقريةً، واقتُلع أكثر من خمسة عشر بالمئة من سكان لبنان من أرضهم. [5] الأرض التي أُفرغت من أهلها أرضٌ أُتيحت لأغراض أخرى. إن أتاح لبنان لهذه الديناميكية أن ترسخ — وبقي الجنوب خاليًا، وجسوره مدمّرة، وقراه مهدومة — فإنّ الضمّ الزاحف لأراضيه لن يحتاج إلى إعلانٍ رسمي، بل سيغدو ببساطة أمرًا واقعًا، كما جرى في الجولان منذ خمسة عقود. أمضى ما يُسمّى «محور المقاومة» عقودًا يُلفّ المواجهة العسكرية بلغة التحرير، دون أن يستردّ متراً واحداً من مرتفعات الجولان؛ ومهما بلغ الصدى العاطفي لتلك النبرة بين أنصاره، فإنّها لم تكن يومًا استراتيجيةً — كانت تمثيليّةً، تخلط بين التحدّي والفاعلية، وتأبى بعنادٍ أن تقارب ميزان القوى الحقيقي. الأداة الوحيدة القادرة على عكس هذا المسار هي الدبلوماسية. والدبلوماسية تستلزم دولةً تملك السلطة لممارستها. ينبغي تسمية من أوقع بلبنان هذه الكارثة حزب الله هو الذي جرَّ لبنان إلى هذه الحرب — لا دفاعًا عن السيادة اللبنانية، بل خدمةً لإيران. حين ضربت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في أواخر فبراير 2026 وقتلتا المرشد الأعلى خامنئي، أطلق حزب الله صواريخ على إسرائيل معلنًا أنّ ذلك جاء ردًّا على اغتيال خامنئي. [6] وقد وصف رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام هذا الفعل بما يستحقّ: إنّه تصرّفٌ “متهوّر” يُعرِّض أمن لبنان وسلامته للخطر. لم تكن الدولة اللبنانية قرّرت الحرب. لم تُستشَر حكومته. فاعلٌ غير حكومي، تابعٌ لقوة أجنبية، اتّخذ مرّةً أخرى هذا القرار نيابةً عن الشعب اللبناني. كان الحرس الثوري الإيراني، الذي يعمل داخل لبنان بجوازات سفر مزوّرة، يُدير العمليات العسكرية لحزب الله. لم يختَر لبنان هذه الحرب. جُنِّد فيها رغمًا عنه، وجرى توظيف أراضيه منصّةً للاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، فدفع شعبه الثمن دمًا وتشريدًا. في الخامس من أغسطس 2025، عقد الوزراء اللبنانيون اجتماعًا تاريخيًا في قصر بعبدا وكلّفوا الجيش اللبناني بوضع خطّة لتوحيد جميع الأسلحة الموجودة في البلاد تحت سلطة قوّات الأمن الرسمية. [7] وفي السابع من الشهر نفسه، ردّت الحكومة رسميًا على المقترحات الأمريكية بالتزامها بعملية نزع سلاح تدريجية. كان جواب حزب الله ازدراءً. أقسم حزب الله ألّا نزع للسلاح، وأنذر صراحةً بأنّ أيّ محاولة لمواجهته تعني “لا حياة” للبنان. [8] بعبارة أخرى: استسلموا وإلّا الحرب الأهلية. هذه ليست ردّة فعل حركة مقاومة. إنّها ردّة فعل احتلالٍ من الداخل. ثمّ جاء الثاني من مارس 2026 — تاريخٌ ينبغي أن يُنقش في الذاكرة السياسية اللبنانية. في أعقاب اجتماعٍ طارئ لمجلس الوزراء، أعلنت الحكومة حظرًا شاملاً على جميع أنشطة حزب الله العسكرية، مطالبةً إيّاه بتسليم أسلحته للدولة والاقتصار على العمل السياسي. وأكّدت أنّ قرارات الحرب والسلم تعود حصرًا للدولة اللبنانية. [9] كان ذلك أوضح تأكيدٍ للسيادة أطلقته بيروت في مواجهة حزب الله منذ عقود. كما طالبت الحكومة القوات المسلحة اللبنانية بالشروع فورًا وبحزمٍ في تطبيق خطّة نزع السلاح شمال نهر الليطاني، مستخدمةً كلّ الوسائل الضرورية. [10] ردّ حزب الله باتّهام الحكومة اللبنانية بـ”طعنه في الظهر” إذ أعلنت أنشطته العسكرية غير قانونية، واتّهامها بأنّها باتت أداةً في يد إسرائيل. [11] القرارات التاريخية تستلزم تنفيذًا بحجم التاريخ كانا قرارا الخامس والسابع من أغسطس، بأيّ معيار، غير مسبوقَين. للمرّة الأولى تُكلِّف حكومةٌ لبنانية جيشها رسميًا بإرساء الاحتكار الحصري للدولة على السلاح — تحدٍّ مباشرٌ للبنية العسكرية الموازية لحزب الله. بيد أنّ الهوّة بين القرار والتطبيق ظلّت الغموض الجوهري الذي يميّز الحالة السياسية اللبنانية — وهذا الغموض بات الآن خطيرًا بطريقة بالغة الدقّة. حين تُعلن دولةٌ أنّها تحتكر القوّة ولكنّها تعجز عن إنفاذ ذلك الإعلان، فهي لا تُظهر السيادة، بل تُظهر الضعف. وتفتح الباب أمام كارثتَين متوازيتَين تتعزّز كلٌّ منهما بالأخرى: تمنح حزب الله إشارةً بأنّ الحكومة يمكن تحدّيها بلا عقاب، وتمنح إسرائيل الذريعة للتصرّف بدلاً عن لبنان. هل أخفق التطبيق بسبب انعدام الإرادة أم انعدام القدرة؟ لا يستطيع لبنان أن يُبقي هذا السؤال معلّقًا. إن كان الأمر يتعلّق بالإرادة، فعلى الحكومة أن تجد الشجاعة السياسية للتحرّك، مستندةً إلى الرأي العام اللبناني الواسع الذي أنهكته حروبٌ خاضها نيابةً عن أربابٍ أجانب. وإن كان يتعلّق بالقدرة — وهو الجواب الأكثر صدقًا — فعلى لبنان أن يسعى عاجلاً إلى اكتساب تلك القدرة. الحجّة لصالح قوة دولية اتّخذت الحكومة اللبنانية قراراتها. ما تحتاجه الآن هو أن تقف الجماعة الدولية وراءها سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، حتّى لا تبقى تصريحات السيادة حبرًا على ورق. يواجه الجيش اللبناني، المقيَّد بولايته الدستورية، بيئةً عملياتيةً بالغة التعقيد — محاصَرٌ بين فاعلٍ غير حكومي مسلَّح بثقل، تدعمه قوّةٌ إقليمية ويساند شريحةً من اللبنانيين من جهة، وجيشٍ إسرائيلي يحتلّ أراضيه الجنوبية من جهة أخرى — ولا يمكن توقّع معقول منه وحده حلّ هذه المعادلة دون دعمٍ دوليٍّ وافر في الموارد والعتاد والسند السياسي. هنا تصبح قوّةٌ عسكرية دولية ليست مفيدةً فحسب، بل ضرورةً لا غنى عنها — قوّةٌ تدعم الجيش اللبناني في إنفاذ قرارات الحكومة ذاتها، وتطبيق قراري مجلس الأمن 1559 [12] و1701 [13] حرفًا وروحًا، اللذَين أوجبا نزع سلاح الجماعات المسلّحة غير الحكومية في لبنان ومدَّ سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها. تدخل اليونيفيل عامها الأخير من العمليات، في أعقاب قرار مجلس الأمن في أغسطس 2025 بتمديد ولايتها للمرّة الأخيرة حتّى الحادي والثلاثين من ديسمبر 2026. [14] هذا الختام ليس مجرّد موعدٍ لوجستي. إنّه فرصةٌ سياسية. السؤال ليس ما إذا كان ينبغي استبدال اليونيفيل، بل بماذا وبأيّ ولاية. قوّةٌ خلَفٌ — سواء أكانت تحت مظلّة الأمم المتحدة أم تشكّلت بوصفها تحالف دول راغبة — ينبغي أن تختلف اختلافًا جوهريًا عن سابقتها. لقد فُضِح نهج اليونيفيل السلبي، الذي اكتفى بالدوريات فيما أعاد حزب الله بناء ترسانته حوله. إن كانت ديناميكيات مجلس الأمن الدولي — ولا سيّما التهديد باستخدام حقّ النقض [15] — تجعل ولايةً رسميةً من الأمم المتحدة أمرًا متعذّرًا، فإنّ نموذج تحالف الراغبين يغدو البديلَ القابل للتطبيق. للبنان أصدقاء. له حلفاء يتشاركون مصلحةً استراتيجية في دولةٍ لبنانية مستقرّة وسيّدة: إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا، والولايات المتحدة، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، وقطر، ومصر، وسواها من الشركاء الإقليميين والدوليين الذين أعربوا عن دعمهم لسيادة لبنان وتعافيه المؤسّسي وتحرّره من كلّ هيمنةٍ خارجية — أولئك الذين أوضحوا تأييدهم للبنانٍ بعيدٍ عن الوصاية الإيرانية؛ والولايات المتحدة التي توفّر مستوىً غير مسبوق من الاستثمار الدبلوماسي في مسار لبنان. يستحقّ هذا الدعم الأمريكي تأكيدًا خاصًّا. أعلن الرئيس ترامب وقف إطلاق النار شخصيًا، مصرِّحًا بأنّ واشنطن منعت إسرائيل من قصف لبنان وستعمل مع بيروت على معالجة ملفّ حزب الله. وإدارة ترامب هي، في هذه اللحظة، الفاعل الخارجي الوحيد القادر على ممارسة ضغطٍ فاعل على إسرائيل — ضغطٍ يحتاجه لبنان بإلحاحٍ لانتزاع الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب ومنع تحوّل الخطّ الأصفر إلى خطٍّ دائم. هذا التزامٌ، وعلى لبنان أن يُوظّفه. نافذةٌ لن تظلّ مفتوحة تحوّلت البيئة الجيوسياسية الإقليمية لصالح لبنان بطرق بدت قبل عامَين بعيدةَ الاحتمال. إيران منهكة، وشبكتها الإقليمية متداعية. وقد بلغ العالم العربي — من الرياض إلى أبوظبي مرورًا بالقاهرة — إجماعًا نادرًا: لا بدّ من استعادة السيادة اللبنانية، ولا يجوز بعد الآن أن يكون لبنان مسرحًا لحروب إيران بالوكالة. ثمّة توافقٌ في المصالح بين بيروت وواشنطن والعالم العربي والجزء الأكبر من أوروبا، لم يحظَ به لبنان في آنٍ واحد من قبل، إن كان قد حظي. هذه النافذة لن تبقى مفتوحة. الخطّ الأصفر يُصبُّ في الأسمنت وتُشيَّد معه القرى المهدومة. كلّ أسبوعٍ يمرّ دون تطبيق قرارات الحكومة ذاتها هو أسبوعٌ تتصلّب فيه الوقائع الميدانية ضدّ مصالح لبنان. أبدت الحكومة اللبنانية شجاعةً مؤسّسيةً لافتة — في أغسطس 2025، وفي مارس 2026، وفي المحادثات المباشرة في واشنطن، وفي إصرار الرئيس عون الثابت على أنّ لبنان سيتفاوض على مستقبله بنفسه. هذه الخطوة الملموسة ينبغي أن يقابلها ردٌّ دوليٌّ بجرأةٍ مماثلة. قوّةٌ متعدّدة الجنسيات وفاعلة ذات ولايةٍ راسخة، مدعومةٌ بضغطٍ سياسي أمريكي على إسرائيل وبدعمٍ عربيٍّ اقتصادي للإعمار، ليست ضربًا من الخيال. هي بالضبط ما تقتضيه المرحلة. ضاع الجولان لأنّ أحدًا لم يأتِ. لا يستطيع لبنان تحمّل تكرار هذا الدرس. [1] Al Jazeera, Lebanon coverage, 2026 — https://www.aljazeera.com/tag/lebanon [2] Al Jazeera – Coverage of Southern Lebanon / Israeli Buffer Zone / Lebanon Conflict — https://www.aljazeera.com/tag/lebanon/ [3] Golan Heights — https://en.wikipedia.org/wiki/Golan_Heights [4] Reuters – More than One Million Displaced by Israeli Strikes in Lebanon — https://www.reuters.com/pictures/lebanon-more-than-million-displaced-by-israeli-strikes-2026-04-15/ [5] US-Israel war on Iran: What next for Lebanon? — https://www.chathamhouse.org/events/all/standard-event/us-israel-war-iran-what-next-lebanon [6] Security Council Report — https://www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2026-03/lebanon-37.php [7] Lebanese Government Instructs Army to Develop Plan for State Monopoly on Weapons as Hezbollah Refuses to Disarm — https://www.fdd.org/analysis/2025/08/05/lebanese-government-instructs-army-to-develop-plan-for-state-monopoly-on-weapons-as-hezbollah-refuses-to-disarm/ [8] Lebanon's Hezbollah rejects disarmament, warns of civil war — https://www.dw.com/en/lebanons-hezbollah-rejects-disarmament-warns-of-civil-war/a-73730563 [9] Government announces 'total ban on any military activity' by Hezbollah — https://today.lorientlejour.com/article/1496916/government-announces-total-ban-on-any-military-activity-by-hezbollah.html [10] Security Council Report — https://www.securitycouncilreport.org/monthly-forecast/2026-03/lebanon-37.php [11] Hezbollah leader urges Lebanon's government to pull out of Israel talks — https://www.aljazeera.com/news/2026/4/13/hezbollah-leader-urges-lebanon-government-to-pull-out-of-israel-talks [12] UN Security Council Resolution 1559 (2004) — https://undocs.org/S/RES/1559(2004) [13] UN Security Council Resolution 1701 (2006) — https://undocs.org/S/RES/1701(2006) [14] Security Council Report — https://www.securitycouncilreport.org/un-documents/lebanon/ [15] UN Security Council Working Methods — https://www.securitycouncilreport.org/un-security-council-working-methods/the-veto

من برسيبوليس إلى طهران: فنٌّ واحدٌ في الحرب
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

ملاحظة تحريرية : الدراسة التالية المكرَّسة لتحليل مستفيض لمنطق الحرب في الروح والممارسة الفارسية-الإيرانية على ضوء النزاع الراهن مع الولايات المتحدة، ليست للقراءة دفعةً واحدة بل على مراحل؛ إذ لا يتلاءم الدعم الرقمي مع طول النص. يُستحسن طباعة المقال وقراءته على الورق. يعتذر الكاتب مسبقاً للقارئ عن هذا الإزعاج، غير أن المقاربة الأكاديمية المتَّبعة لا تحتمل التجزئة في مقالات عدة ولا ملخَّصاً يُضعف مضمونها ودقة تفاصيلها. Mea maxima culpa، إذاً. في مساء يوم الثلاثاء الواقع في الحادي والعشرين من أبريل 2026، أعلنت طهران أنها لن تشارك في مفاوضات إسلام آباد المقررة مع واشنطن في اليوم التالي، متذرِّعةً بـ”شروط تعجيزية” فرضها الأمريكيون. كان وقف إطلاق النار المبرَم في الثامن من أبريل عقب خمسين يوماً من الحرب المفتوحة قد انتهى للتوّ، وقد وجد دونالد ترامب نفسه مضطراً إلى تمديده لإتاحة المزيد من الوقت للجمهورية الإسلامية كي تتوصل إلى اتفاق. كان مضيق هرمز قد أُعلن مفتوحاً كلياً أمام الملاحة التجارية يوم الجمعة، مما أدى إلى انهيار أسعار النفط بما يزيد على 10%، قبل أن تُعيد إيران إغلاقه يوم السبت حين رفضت واشنطن رفع الحصار البحري. وكان ترامب قد وصف وقف إطلاق النار بأنه انتهى فعلياً “مساء الأربعاء بتوقيت واشنطن”، في حين أوفد مفاوضَين إلى باكستان. ووصفت طهران، وفق ما أوردته وكالة إيرنا الرسمية، التصريحات الأمريكية بأنها “لعبة إعلامية” رامية إلى الضغط عبر “لعبة اللوم”، مع إبقاء القناة الباكستانية مفتوحةً حتى ليلة الثلاثاء، ساعةَ المفاجأة الكبرى. إذ إن المفاجأة هي الآتية: أعلنت طهران رفضها لوقف إطلاق النار الذي اقترحه ترامب، معلِنةً بطلان اتفاق الثامن من أبريل، وفاتحةً رسمياً الباب أمام استئناف الأعمال العدائية… إن هذا الارتباك الدبلوماسي الذي يتكشَّف أمام العالم بأسره، كمغازلةٍ خطيرة من الدرجة الدنيا لا تُفهم في شيء، ليس في الواقع كذلك. طهران تُطبِّق عقيدة. هذا هو النمط الاستراتيجي ذاته، يُعاد تمثيله بأدوات القرن الحادي والعشرين (صواريخ باليستية، ومسيّرات FPV، وحصار نفطي، وبيانات وكالات شبه رسمية)، النمط الذي كان بمقدور المراقب اليقظ أن يصفه عقب ماراثون، وسلاميس، أو سلام كالياس (الذي لا يزال المؤرخون يتجادلون في وجوده الفعلي أصلاً). طوال خمسة وعشرين قرناً لم تتغير ثوابت القوة الفارسية حين تبلغ الضغوط أقصاها. ومن بينها فنٌّ رفيع ومُتقَن في التبديل بين الحرارة والبرودة، وإنكار ما يُفعل في حين يُفعل، والإمساك بالخط الفاصل بين الحرب والسلام في حالة من التأرجح المقصود. تُعيد إيران المعاصرة، المنخرطة منذ الثامن والعشرين من فبراير 2026 في أخطر نزاع وجودي في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إحياءَ نماذج مواجهة لم تُفلح في طمسها لا فتوحات الإسكندر، ولا الإسلام العربي، ولا الثورة الخمينية. هذا التكرار ينبثق من عوامل جيوسياسية، وبالتالي ثابتة عبر القرون: الجغرافيا الداخلية للقوة، ومنطق الهضبة في مواجهة البحر، ثم القلب في مواجهة الأطراف، وهي عوامل لا تنفك تُهيكل التاريخ العسكري بأكمله لهذه الحضارة. سبعة ثوابت بوليمولوجية تعبر هذا الطيف المتصل. أولاً: حرب الزمن، أو السيادة «على العتبة» أولى هذه الثوابت دون شك الأقل وضوحاً لمراقب غير متمرِّس على عادات فارس وتاريخها. غير أنها تُشكّل العنصر الأعمق، والأقل ظهوراً بصورة مفارقة، في الاستراتيجية الميدية: عقيدة التوقيت سلاحاً. ما يُسمَّى عادةً بـ«الازدواجية» الإيرانية في المفاوضات ليس الحيلة الدبلوماسية العادية، بمعنى الكذبة الظرفية الرامية إلى تضليل خصم في نقطة بعينها. إنه ليس حصان طروادة أوليس. إنها ازدواجية بنيوية، تأسيسية للعقيدة ذاتها، تتجلى في القدرة على الإمساك في آنٍ واحد بخطابين متناقضين دون أن يُعاش التناقض بوصفه تناقضاً داخلياً… لأنه يُعاش بوصفه الإدارة الطبيعية لزمنية لا تشبه زمنية الخصم الغربي. هذا الفكر الباطني ما قبل السقراطي، الذي يعجز الغرب عن فهمه كلما أراد التعامل مع طهران والتفاوض معها، يشبه الأطروحة الوحدانية الديناميكية التي دافع عنها هيراقليطس الأفسسي (وابن عربي لاحقاً) قبل بزوغ الثنائية الأنطولوجية الأفلاطونية. بحسب هيراقليطس، التعارض ليس تناقضاً، بل توترٌ بين طرفَي المبدأ ذاته يسحبان في اتجاهين متعاكسين. بالمعنى الفارسي، توجد هذه اللاثنائية بين الظاهر، المعلَن والظاهري والخارجي، والباطن، الخفي والباطني والداخلي. يتعايش المستويان لأنهما ينتميان إلى مستويين مختلفين من الواقع. الواحد يحتوي القطبين كلَيهما، ومنهما يأتي بمثابة تجليَّين. التقية إذاً ليست كذباً بالمعنى الغربي للكلمة، بل هي الاعتراف بهذين الحالتين اللتين تُشكِّلان نظامَين منفصلَين يتعايشان في آنٍ واحد دون أن يتناقضا. الإمساك بخطاب مزدوج، واعتبار أن كل معرفة لا تتعرَّف على نفسها بذاتها بل بحكم ما بقي من المعرفة يستوجب بعدُ اكتسابَه، أي بنفي الموجود، يُعدّ بالتالي مساراً سليماً ومشروعاً، وعلامةً على حكمة أنطولوجية. التأرجح الإيراني بين الحرب والسلام هو إذاً الموقف المنشود من إيران. لا موقف سواه. المتناقضات تتعايش وهي بذلك متسقة. ما يُجنِّن الغربيين الباحثين عن الحقيقة خلف القناع، حين لا قناع أصلاً، بل مجرد «موقفَين متغيِّرَين» من الموقف ذاته الذي لم يسعَ قط إلى وحدة “منطقية”. شهادة هيرودوتس هيرودوتس هو من وثَّق عن غير قصد، أول مرة في التاريخ، الترجمة الآلية الأقدم لهذه الفكرة. بعد معركة ماراثون (490 ق.م.) لا يستسلم داريوس ولا يفاوض ولا يفعل شيئاً مقروءاً يمكن استيعابه عقلياً. يشبه في ذلك بعض الشبه سارون من «سيد الخواتم»؛ ينتظر ويستعد في صمت، يراكم طوال عشر سنوات ماكينة الغزو الثاني. بعد معركة سلاميس (480 ق.م.) ينسحب أحشويروش لكنه يترك ماردونيوس بجيش كامل في ثيساليا. لا سلام ولا حرب إذاً، بل حالة مُعلَّقة من التردد الاستراتيجي تُنهك المدن اليونانية سياسياً واقتصادياً، بكفاءة أعلى بكثير مما كانت ستفعله معركة جديدة. سلام كالياس (449 ق.م.، الذي لا يزال المؤرخون يتجادلون في وجوده الحقيقي، وهو ما يحمل دلالته بذاته) كان سيُنهي رسمياً الحروب الميدية. لكن الفرس واصلوا في الوقت ذاته تمويل إسبرطة ضد أثينا، ثم أثينا ضد إسبرطة، محوِّلين الحرب البيلوبونيزية أداةً لسياستهم دون أن يظهروا فيها رسمياً. هاهي أصول الحرب الإيرانية الراهنة بالوكالة المالية، وإفساد النخب، وصون الفوضى المتعمَّد لدى الخصم، كل ذلك دون خط جبهي، عبر لعبة خفية على تناقضات الآخرين. ما لم يفهمه الإغريق أن الفرس ببساطة لم يكن لهم الوضع الأنطولوجي ذاته في علاقتهم بالزمن. حيث كانت المدينة-الدولة اليونانية تفكِّر بمصطلحات الآغون (الصدام الحاسم، والمعركة المحسومة، والنتيجة القاطعة)، كانت الإمبراطورية الإيرانية تُفكِّر بمصطلحات المدة والصبر والتراكم البطيء والانقلاب المؤجَّل. يجد هذا النمط ترجمته في الفقه الإسلامي نفسه، عبر مفهوم الهدنة، الهدنة المؤقتة التي ليست سلاماً، العقد المُعلَّق الذي يتيح استراحةً لإعادة التسلح وإعادة التموضع قبل أن تستأنف المعركة. الهدنة لا تُعدّ استسلاماً، بل هي قوس تكتيكي في حرب أفقها الاستراتيجي لا يزال قائماً. كان قورش وخلفاؤه بعيدين بالطبع عن امتلاك هذا المفهوم الفقهي-الديني… لكنهم كانوا قد طوَّروا ممارسته الحدسية المطلقة… الغموض بوصفه موقفاً استراتيجياً الاستراتيجية النووية الإيرانية منذ عام 2003 (وكذلك استراتيجية حزب الله في لبنان الذي يصرخ انتصاراً وسط الأنقاض ما إن يصمت مدفع العدو) تُشكِّل الحالة النموذجية الحديثة لهذه العقيدة. أكثر من عشرين عاماً من المفاوضات، والتنازلات الجزئية، والانتهاكات المحسوبة، والعودة إلى الطاولة، وعتبات التخصيب المتجاوَزة ثم المجمَّدة، وتوقيعات اتفاقيات لم يجفَّ حبرها حتى كانت غموض التطبيق قد بدأ يُستغل فيها… بالنسبة لطهران، اتفاقية JCPOA لعام 2015 لم تكن فعل نزع تسلح، بل فعل إدارة زمنية: كانت طهران تشتري الوقت تحت ضغط أقصاه، مع الإبقاء في الوقت ذاته على العتبة في متناول إعادة النشر السريعة. وهذا هو المنطق ذاته الذي يعمل حالياً: إنكار المحادثات مع إيفاد مندوبين، وفتح المضيق يوم الجمعة لإغلاقه يوم السبت، وتسمية الحوار الأمريكي «لعبة إعلامية» مع إبقاء القناة الباكستانية نشطة… إيران لا تتعامل بالغموض مصادفةً قط. تفعل ذلك لأن الغموض موقفها الاستراتيجي الطبيعي، المحيط الذي تتنفس فيه منذ خمسة وعشرين قرناً، والذي تعلم تمام العلم أنه يُنهك خصومها المتجذِّرين في الزمن التاريخي الهيغلي الدياكروني. ما يأبى الغرب فهمه هو أن معنى التاريخ، بالنسبة للنيوفرس، يسير أيضاً بالعكس… بل وفي تعالٍ، في ذاك الزمان اللطيف الذي عرَّفه السهروردي، ذلك الزمن بين الأزمنة الذي لا قيمة له بحسابات الزمن التاريخي الدياكروني (انظر في هذا الشأن المقال المنشور في هذا الموقع بتاريخ 7 مارس 2026 تحت عنوان “نهاية وهم”). ثانياً: الدفاع المتقدِّم، أو الحرب في ما وراء الهضبة النمط البنيوي الثاني هو ما كان الاستراتيجيون الأخمينيون يمارسونه دون أن يُسمُّوه، وما نظَّرته الجمهورية الإسلامية تحت مسمى “دفاع پيشگين”. أدرك الأخمينيون أن ضعف الإمبراطورية يكمن في سطحها؛ إذ كانت واسعةً جداً للدفاع عنها من الداخل، فكان لا بد من مضاعفة الشرائح الهامشية الحاجزة وتحويل الساتراپيات إلى مناطق عازلة مُعسكَرة، حتى يكون القتال بعيداً قدر الإمكان عن قلب فارس. فلم يكن داريوس الأول قد أطلق جيوشه نحو تراقيا ومقدونيا شهوةً في الغزو المجاني. كان هدفه إبعاد التهديدات عن الهضبة الإيرانية. وهو السبب ذاته الذي دفع أحشويروش إلى عبور الهلسبونت (مضيق الدردنيل اليوم)، ليصطدم بعد ذلك بالثلاثمئة إسبرطي بقيادة ليونيداس عند ممر ثيرموبيلا. إيران الملالي أعادت إنتاج المنطق ذاته بالضبط. منذ عام 1982 دفع الحرس الثوري الإسلامي بمستشاريه (ومنهم الدبلوماسيون الأربعة الشهيرون الذين اختطفتهم لاحقاً القوات اللبنانية بقيادة إيلي حبيقة) إلى وادي البقاع لتنظيم ما سيصبح حزب الله، التجربة الأولى الناجحة للدفاع المتقدِّم الحديث، أول تصدير للثورة الإسلامية. وكما كان الساتراپيون الأخمينيون يرفعون جيوشهم باسم ملك الملوك، كانت مليشيات محور المقاومة (حزب الله، وحماس، والحوثيون، وفصائل الحشد الشعبي العراقي) تُشكِّل ساتراپيات عسكرية تابعة لطهران دون أن تكون رسمياً ذراعها. المبدأ الذي أرساه طهران: أن تجري الحروب خارج الحدود الإيرانية دون أن تكون التربة الفارسية يوماً مسرحاً لها… غير أن هذا المبدأ كان له دائماً وجهه الداخلي المعكوس، الذي يؤكده كل من التاريخ الأخميني والإسلامي بانتظام: كلما أسقطت الإمبراطورية قوتها على الأطراف أكثر، كلما وجدت نفسها مضطرة إلى ضغط مركزها الداخلي وتقييده أكثر. الثورات الساتراپية التي تتخلل التاريخ الأخميني (مصر، وليديا، وبابل، وغيرها) هي المرادف الداخلي المتماثل لكل حملة خارجية كبرى. ليس من قبيل الصدفة التقويمية أن تكون الجمهورية الإسلامية قد ذبحت متظاهريها في يناير 2026، قبل أسابيع قليلة من إطلاقها الحرب في فبراير. إنه المنطق الضغطي ذاته يعمل، والانعكاس الإمبريالي ذاته الذي يستوجب سحق الداخل كي يُهاجَم الخارج. ومن هذا المنظور، الدفاع المتقدِّم هو دائماً، في جوهره، طغيان داخلي. ثالثاً: الحرب المركَّبة، أو فن التحالفات التابعة كان الجيش الأخميني فسيفساءً عرقية تأسيسية، يتألف خلطاً من الميديين والبكتريين والليديين والهنود والأحباش والمصريين وغيرهم. كانت كل ساتراپية تُقدِّم فصائلها وفق نظام جزية عسكرية متدرِّجة، إذ دفع الأقرب إلى فارس ضرائب أقل وخدم تحت السلاح أكثر. هيرودوتس في قوائم جيوش أحشويروش يرسم عن غير قصد صورة قوة لا تحارب منفردةً قط وتخوض حروبها دائماً عبر وسطائها. إيران المعاصرة أعادت إنتاج هذه البنية بالضبط: حزب الله وحماس والمليشيات العراقية والحوثيون شكَّلوا شبكةً إقليمية قادرة على العمل دون العتبة النووية المحتملة، مفرِضةً تكاليف موزَّعة على خصومها دون أن تستثير رداً مكثَّفاً على الأراضي الإيرانية. حتى وشيجة القيادة تُشبه نظيرتها بين الفرس والملالي؛ فالساتراپيون كانوا حكاماً مُعيَّنين ومُراقَبين، “عيون وآذان الملك” المشرفين على ولائهم. مليشيات محور المقاومة تعتمد كذلك على الرقابة المالية والإشراف العسكري لطهران، تحت القيادة السياسية والدينية لوليّ الفقيه، وعقيدته الشيعية العابرة للحدود الوطنية التي توحِّد الجسم الإمبراطوري رغم تعدد خصائص كل فصيل مسلح وبيئته. ولا بد من الإشارة إلى أن الانتماء إلى ولاية الفقيه قد تجاوز الإطار الشيعي، إذ جرى “تحويل” شرائح من مجتمعات أخرى (في لبنان مثلاً)، عبر تلقين خفي وتخريبي، لخدمة المشروع، تحت سقف يسار عالمي معادٍ للأمريكية ومعادٍ لإسرائيل (نضال المظلومين ضد الشيطان الأكبر الإمبريالي وذيله الإقليمي المشروع الصهيوني)، وقضية فلسطينية خذلها العرب، وأيديولوجيا التحالف بين الأقليات وحمايتها… رابعاً: السيطرة على المضايق، أو الجيوسياسة عند الخناق أحشويروش لم يكتفِ بعبور الهلسبونت عام 480 ق.م.، بل عمل على إحكام السيطرة عليه، فأمر ببناء جسر من السفن ليدل رمزياً ومادياً على هيمنته على الممر بين العالمين. كان الأسطول الأخميني في جوهره أداة للتحكم في مسالك الملاحة (السواحل الأيونية والمتوسط الشرقي والخليج الفارسي). فمن يمسك الخناق يمسك العالم في الجيوسياسة؛ إنها البديهة الأقدم والأثبت في الفكر الاستراتيجي الإيراني. في عام 2026 استهدفت إيران البنية التحتية النفطية في المنطقة، ولا سيما السفن في مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من نفط العالم. التهديد بالإغلاق التام، المتكرر بإصرار متصاعد، يُنشِّط هذه العقيدة متعددة الآلاف من السنين. النجاح التكتيكي لإشباع البحر بمسيّرات FPV في مارس 2026 (الذي أعاد سيناريو Millennium Challenge 2002 بتحسينات تكنولوجية وافرة) أوقع الأسطول الأمريكي في أزمة استنزاف بذخيرة الاعتراض. وأثبت الإيرانيون بذلك أن حرب الأسراب هي التجسيد التكنولوجي لحرب الإنهاك البحرية التي كان الفرس يمارسونها ضد الثلاثيات اليونانية. ما جرى يوم السبت 19 أبريل في المضيق (من الفتح والإغلاق والسفن المحاصَرة بالنيران في منتصف العبور) كان التسلسل الكوريغرافي ذاته… بفارق ألفين وخمسمئة عام! خامساً: الحرب غير المتماثلة، أو الرفض الأنطولوجي للصدام الجبهي منذ معركة ماراثون، راهن الفرس على الإشباع بالنبال (السلاح البعيد، ذاك الذي يُشوِّه قبل المواجهة) بدلاً من الصدام الفالانجي. كانت الفرسية الأخمينية قوةَ إنهاك وتطويق وكسر الأجناب، تتجنب الصدام المركزي بكل الوسائل. لا يجوز رؤية جبن في هذا الرفض للقتال الجسدي، بل مجرد عقيدة ترمي إلى النصر بالاستنزاف. حيث سعى المحارب اليوناني إلى الحسم، سعى الاستراتيجي الفارسي إلى الزمن… مما يُثبت أن الفكر الفلسفي يطبع حتماً وسائل خوض الحرب… الاستراتيجية الإيرانية طويلة الأمد دأبت دائماً على تفادي المواجهة المباشرة مع قوات متفوقة عسكرياً، بامتداد النفوذ بالوسائل غير المباشرة. في عام 2026 تبنَّت طهران موقفاً مقصوداً في التفاوت: مئات المسيّرات والصواريخ الباليستية لإشباع الدفاعات المعادية، وضربات البنية التحتية الطاقوية لرفع الثمن السياسي للحرب على واشنطن وتل أبيب، ورفضٌ عنيد للانخراط البري الذي سيكشف الهشاشة التقليدية للجيش الإيراني. المسافة سلاحاً (القوس بالأمس، والصاروخ الباليستي والمسيّرة FPV اليوم) تبقى التوقيع البوليمولوجي الثابت للمحارب الإيراني. يُضاف إلى ذلك إرادة فتح جبهات قتال متعددة في آنٍ واحد، وهو ما نادى به تشي غيفارا حين أراد إيجاد “فيتنامات عدة” لاستنزاف “الإمبريالية الأمريكية”. فارس الأخمينية كانت تستخدم الحيلة ذاتها لإنهاك خصومها وإيقاع بعضهم ببعض. سادساً: قطع الرأس وهشاشة المركز السادس من الثوابت ربما هو الأكثر مأساويةً. الهشاشة المطلقة لمركز القيادة حين تنهار استراتيجية الدفاع المتقدِّم وتعود الحرب إلى الهضبة، تُمثِّل كعب آخيل لكل إمبراطورية من هذا الطراز. فهم الإسكندر عام 330 ق.م. أن الإمبراطورية الأخمينية رغم ضخامتها كانت تقوم بنيوياً على شخص الملك العظيم؛ فإرغام داريوس الثالث على الفرار في غوغاميلا كان بمثابة قطع رأس الشرعية السياسية والقيادة العسكرية لآلة الإمبراطورية بأسرها في آنٍ واحد. ولذلك لم يسعَ الجنرالات المقدونيون قط إلى الإمساك بكل ساتراپية واحدةً تلو الأخرى؛ بل استهدفوا العقدة الرمزية والعملية للإمبراطورية. افتتاح عملية Epic Fury في الثامن والعشرين من فبراير 2026 أزال قلب وعقل النظام الإيراني باستهداف علي خامنئي، مُوقِعاً القيادة الإيرانية في دوامة من التشويش القراري العميق. جُرى انتخاب مجتبى خامنئي في الثامن من مارس خلفاً لوالده، غير أن الانتخاب المتسرِّع لخليفة (وهو نفسه ضحية هجوم عسكري ومصيره لا يزال غامضاً) لم يُعِد بناء الشرعية المتراكمة خلال خمسة وأربعين عاماً من السلطة الرمزية. وصفت صحيفة نيويورك تايمز في نهاية مارس قيادةً مشلولة عملياً، تكاد تتوقف آليات صنع القرار فيها. خمسة وعشرون قرناً تفصل بين خيمة داريوس الثالث الفارّ من غوغاميلا وبنكرات الحرس الثوري الإسلامي بعد Epic Fury، غير أن المنطق البنيوي متطابق تطابقاً دقيقاً. إمبراطورية مبنية على إرادة حاكم واحد (سواء كان ملك الملوك أم مرشد الثورة الإسلامية) يمكن أن تنهار بإزالة تلك العقدة المركزية. الفارق ربما أن الإسكندر كان قد سمت نفسه فبكى على جثة عدوه واتخذ من والدته والدةً له. أما ترامب… ولا شك أن البعض سيجادل بأن داريوس الثالث كان يستحق معاملةً نبيلة وفق المنطق السياسي الفروسي القائم على احترام صاحب الحق ولو كان عدواً، في حين أن خامنئي… أفرز شلل المركز الإيراني عواقب أخرى أقل ظهوراً لكنها أثقل بنيوياً. فقد فتح اغتيال المرشد الأعلى فضاءً من التنافس بين الباسداران (حرّاس الثورة المسلَّحة الذين يسير منطقهم نحو الحرب الشاملة ورفض أي تنازل) والخيار السياسي الذي يُجسِّده المفاوضون وجزء من حكومة بزشكيان الأكثر حساسيةً للتكاليف الاقتصادية والإنسانية للنزاع. هذه الهوّة ليست جديدة؛ فقد اخترقت الجمهورية الإسلامية في صمت منذ سنوات، غير أن اغتيال خامنئي جعلها صارخة. حيثما كان الولي يحكم ويُذيب التناقضات في وحدة شخصه الإلهي، وكان بمقدوره التلاعب بالمشهد كما يشاء (والميكيافيلية تقتضي) رافعاً الصقور وخافضاً الحمائم وفق الفرص السياسية، بات الفراغ يحكم الآن بحكم الاضطرار لصالح الأشد تطرفاً. والأسباب واضحة: في نظام تستند شرعيته إلى المقاومة والمنطق الثوري، لا يمكن لأي فاعل سياسي أن يتحمَّل الظهور بمظهر من يستسلم. هذا بالضبط هو الآلية (آلية قطع الرأس التي تُجذِّر تطرف الجسم المُقطَّع رأسه) التي لم يضطر المقدونيون لمواجهتها بعد غوغاميلا، لعدم وجود جسم أيديولوجي منظَّم بما يكفي للبقاء رغم فرار الملك واغتياله. سابعاً: حرب الشرعية، أو الرواية سلاحاً بعيداً عن كونه مجرد صراع جيوش، كانت الحرب الإيرانية دائماً وفي آنٍ واحد معركةً لتحديد مَن يحق له خوض الحرب وباسم ماذا. الشرعية الأيديولوجية والحرب النفسية يُشكِّلان وجهَي نمط واحد: الرواية بوصفها امتداداً للعنف العسكري، والعنف العسكري بوصفه تأكيداً للرواية. ونجد هنا مجدداً هذا الغياب الأنطولوجي للثنائية الفارسية: الظاهر والباطن بوصفهما مستويَين صادقَين في آنٍ واحد من واقع واحد. ابتكرت فارس أداةً فريدة في الغزو الناعم قبل استراتيجية التروتسكيين الإيداعية بكثير: أسطوانة قورش، حرب رواية صُمِّمت لإدخال بابل دون قتال، عبر تقديم الذات محرِّراً لا غازياً، ومُعيداً لآلهة أهل البلد لا أيقونوكلاستاً إمبرياً. أسطوانة قورش كُتبت بالخط المسماري الأكدي على الأرجح عام 539 ق.م.، فوراً بعد سقوط بابل؛ والأسطوانة نص مُملَى من قِبَل قورش (أو باسمه) يُقدِّم فيه نفسه “محرِّراً” مُفوَّضاً من مردوخ، الإله الأعلى البابلي، لاستعادة النظام الذي أخلَّ به الملك السابق نابونيدوس. يُعلن عودة الشعوب المُهجَّرة إلى أوطانها وإعادة بناء المعابد وحرية العبادات المحلية. وعلى هذا النص تستند التقليد (الذي رسَّخته الأمم المتحدة في القرن العشرين حين أعادت إنتاج الأسطوانة عام 1971) القائلُ بأن قورش أعلن أولَ ميثاق لحقوق الإنسان. على الصعيد البوليمولوجي تُشكِّل الأسطوانة عملية حرب نفسية بسطح تعقيد لم يتجاوزه القرن العشرون. عبر هذه العملية الميفيستوفيلية، يقلب قورش شرعية العدو على نفسها بتقديم ذاته باسم مردوخ الإله البابلي الذي يزعم أنه عبده المختار، لا باسم الآلهة الفارسية. إنه استعمار رمزي يسبق الاستعمار الإقليمي؛ قبل أن يدخل الجيش الفارسي بابل كان الخطاب الفارسي قد احتل البانثيون البابلي. نابونيدوس مُسقَط الشرعية على يد إله بابل نفسها. وقورش ليس سوى تعبيره… وبذلك يجعل قورش الغزو غير قابل للتمييز عن التحرير. بابل “تُردُّ إلى ذاتها”، ولا تسقط. هذا التلاعب الدلالي يُحيِّد كل مقاومة مشروعة: مقاومة قورش تعني مقاومة مردوخ ونظامه المُستعاد. إنه الظاهر للتسامح سلاحاً لباطن الضم… هل يُحرِّر حزب الله الأرض أم يُعبِّد باسمها الطريق للسيطرة على السلطة في بيروت؟ غموض إيماءة قورش ليس عرَضياً. لا يزال المؤرخون يتجادلون حول ما إذا كانت الأسطوانة تعكس قناعاته الحقيقية أم مجرد استراتيجية تلاعب. لكن مرةً أخرى، السؤال مطروح بصورة خاطئة ببساطة. في عقيدة «المواقف المتغيِّرة» لا حقيقة مختبئة خلف النص؛ الظاهر سياسة، والباطن أيضاً سياسة، في مستويَين صادقَين معاً. هل آمن قورش بمردوخ؟ السؤال لا جواب ثنائياً له حيث لا وجود للثنائية ذاتها. كان يتصرف كأنه يؤمن به، وكان أداؤه في آنٍ واحد صادقاً واستراتيجياً… تماماً كما تتصرف الجمهورية الإسلامية كما لو كانت مهمتها الإقليمية مُفوَّضةً لاهوتياً وعادلة، دون أن يحول ذلك دون أبرد حسابات القوة… وتضحية الوطن الثوري، أراضيه وبشره. مارس الأخمينيون إذاً الإكراه الناعم (soft coercion) قبل أن توجد الفئة ذاتها. سفارات مخيفة، وعروض استسلام شريفة، وإخراجيات في مشهدية الرحمة الملكية… سائر أساليب الحرب النفسية الساعية إلى إحباط معنويات الخصم قبل الصدمة الأولى. حيثما خفَّف قورش السلطة باحترام الشعائر المحلية، ركَّزت الجمهورية الإسلامية السلطة على شخصية المرشد الوحيدة، مُهشِّبةً بذلك كل الجهاز فور أن أُزيلت هذه العقدة. التوازي مع ولاية الفقيه الإمام الخميني لم يخترع حرب الشرعية عبر الرواية. لقد أسلمها ولاهوتها فحسب. حيثما استعار قورش إله العدو ليتشرعن، بنى الخميني، مستعيناً بالتشيع، عقيدةً فقهية-لاهوتية (ولاية الفقيه) تحوِّل كل مليشيا وكل وكيل وكل تدخل إقليمي إلى فعل تعبُّد. في المنطق النيوفارسي، حزب الله أكثر من الذراع المسلحة لطهران. إنه الظاهر من الرواية، مجتمع إيماني في المقاومة. وقليلٌ أهميةً ما إذا كانت هذه المسرحية الروائية “حقيقية”. المهم أن الدعوة، الخطاب، تكون فعّالةً عملياً على الصعيد الاستراتيجي. هنا الغاية تبرر الوسيلة، ولا وقت يُضاع بين “الحق” و”الباطل”، و”الكذب” و”الحقيقة”، و”الواقع” و”الوهم”. كل هذا موجود في أزواج وحدانية، باسم “اتساق” يُسمَّى “حكمةً” ويُبرِّره مبدأ الانتصار النهائي… تؤدي ولاية الفقيه إذاً تماماً الدور البنيوي ذاته الذي تؤديه الدعاية الأخمينية للتسامح. تحوِّل التوسع الإقليمي الإيراني إلى مهمة وصاية إلهية، وولاية لاهوتية على المجتمع المظلوم. لكن حيثما راهن قورش على الرحمة، طوَّرت العقيدة الإيرانية المعاصرة ما يمكن تسميته الشهادانيّة المرضية (martyropathie) — التضحية بوصفها عقيدة تشغيلية تحوِّل الموت إلى انتصار روائي، وتجعل كل هزيمة عسكرية مقروءةً ارتفاعاً روحياً، وتُلحم المقاتلين في مواجهة التفوق التقليدي للخصم… في حين تُعجز النظام بنيوياً عن التفاوض على الهزيمة دون أن يُدمِّر نفسه رمزياً. إنها حرب نفسية تنقلب على ذاتها بقدر ما تنقلب على العدو: قوتها القصوى هي أيضاً حدّها المطلق. ما الحل؟ كيف يجب التعامل مع هذا النوع من الخصم؟ هذا هو السؤال الذي طرحه ثيميستوكليس والإسكندر وهنري كيسنجر ومايك بومبيو، بإجابات مختلفة تماماً ونجاحات متفاوتة. وهو نفسه الذي يطرحه ترامب من جديد في هذا الربيع من عام 2026، دون أن يجد إجابةً متسقة بعد. الخطأ الأول، والأكثر ثباتاً، هو محاولة تثبيت الخصم ذي المواقف المتغيِّرة، وإرغامه على حالة تحدِّدها نهائية. كل أجل مُعلَن (“افتحوا المضيق وإلا ضربنا”، “الفرصة الأخيرة للتفاوض”) يُتيح له بالضبط مناسبةً جديدة لإنتاج رد هو في آنٍ واحد الاثنان معاً، مما يُنهك السائل ويكشف صلابته الذهنية. الضغط الأقصى، المبني على فرضية أن الخصم عند مستوى معين من الألم يجب أن يختار بين الاستسلام والقتال، يصطدم بالعقبة ذاتها. الخصم ذو المواقف المتغيِّرة لا يحتاج بنيوياً إلى الاختيار، لأن المعاناة والتفاوض والمقاومة والانتظار ليست لديه حالات متناقضة بل مستويات يمكنه سكنها في آنٍ واحد. ما تقرأه العقيدة الأمريكية بوصفه لاعقلانية هو في الواقع عقلانية من رتبة مختلفة، تعمل على محور زمني لا تقدر الديمقراطيات الانتخابية، المحكومة بالزمن القصير للدورة السياسية، على تحمُّله دستورياً. ما يُجدي نفعاً، جزئياً وبصورة ناقصة لكن موثَّقة تاريخياً، هو أن يتبنى المرء بنفسه جزءاً من هذه الزمنية، دون أن يجعلها مطلقاً. إن كان الإسكندر قد انتصر على الفرس فليس بإرغامهم على القتال وفق قواعد إغريقية. لقد قاتل بسرعتهم وحراكهم مع الحفاظ على تفوق الصدمة في اللحظة الحاسمة التي يختارها وحده. كيسنجر، أمام هانوي (خصم آخر ذو مواقف متغيِّرة وحضارة أخرى “عند العتبة”)، أدرك في نهاية المطاف أنه يجب التفاوض على مستويَين: الطاولة الرسمية للظاهر، والقنوات السرية للباطن، دون أن يُطالب قط بتطابق الاثنين. تجاوز الثنائية عملياً، هذا يعني ألا تُطرح أسئلة يُطلب لها جواب ثنائي، بل أسئلة إجرائية: “ما هي الخطوة التالية؟” لا “هل توافقون؟”، لأن خطوةً تتحقق حيث اتفاق يمكن أن يبقى مقبولاً ومرفوضاً في آنٍ واحد. لذا ينبغي الإمساك بالعتبة الخاصة دون الإعلان عنها. بهذا المعنى، الردع الفعّال ضد هذا الفاعل هو الردع المبهم، ذاك الذي يعلم الخصم بوجوده دون أن يعرف مُحرِّكه. وهو بالفعل ما فهمه إسرائيل، رغم كل شيء، أفضل من واشنطن في هذا النزاع. لكن الحقيقة الأصعب صياغةً هي ربما أنه لن يكون ثمة معاهدة نهائية مع إيران، بل سلسلة من الهُدَن، وتوازنات هشة مُصانة، و”مواقف متغيِّرة” مُدارة في الأمد البعيد. السلام مع هذا الخصم هو ممارسة مستمرة. لا يُكتسب بضربة واحدة إلا بوسائل مُدمِّرة فعلاً كتلك التي أسقطت اليابان وأنهت الحرب العالمية الثانية. الانتصار الكامل الوحيد على هذا النوع من الخصوم (وقد أدرك الإسكندر ذلك حين أعلن نفسه وارثاً للأخمينيين، أي حين لعب الظاهر الفارسي أفضل من الفرس أنفسهم) يفترض عمقاً ثقافياً وصبراً استراتيجياً لا يملكه أي فاعل معاصر. مما يُبقي الآخرين في الموقف الواقعي الوحيد: تعلُّم التعايش مع التأرجح، وإدارة العتبة لا إلغاؤها… وعدم الخلط مطلقاً بين وقف إطلاق نار موقَّع وبين نهاية الحرب. “البومرانج” قانوناً بنيوياً فيما وراء كل ما سبق، ثمة قانون أعمق من مجرد تكرار الأنماط. هذا القانون، الذي لم يُفلح قورش ولا الخميني في استيعابه، يقضي بأن كل استراتيجية إيرانية تحمل في صميمها، بنيوياً، آلية انقلابها على ذاتها. الدفاع المتقدِّم يُنشئ، في الأطراف التي يسعى إلى السيطرة عليها، شروط تحالف معادٍ ينتهي بضرب المركز. الحرب المركَّبة تولِّد وكلاء تفلت استقلاليتهم الجزئية من القيادة المركزية في اللحظة الحاسمة. السيطرة على الخناق تحوِّل المضيق إلى هدف للحصار فور أن يقرر الخصم عدم تحمُّل الابتزاز. عقيدة العتبة والبين-بين، في نهاية المطاف، تستفز الضربة الوقائية التي كانت بالضبط مصمَّمة لمنعها، لأن خصماً صبوراً بما يكفي يُقرر في نهاية المطاف دائماً أن الغموض المُصان أخطر من الحرب المفتوحة. الإمبراطورية الأخمينية اختبرت ذلك مع الإسكندر. الجمهورية الإسلامية تكرِّر التجربة في عام 2026. هذا “البومرانج” هو العاقبة التراجيدية والضرورية، المنقوشة في منطق هذه الإمبراطورية ذاته منذ اليوم الأول. إنها تحمل في صميمها، في مكان ما، حدودها الخاصة، بل جراثيم سقوطها. مأساة الاستمرارية ما يلفت الانتباه في نهاية هذا العبور البوليمولوجي عبر خمسة وعشرين قرناً من التاريخ العسكري الإيراني، هو بالتأكيد التشابه في أشكال الحرب، لكنه قبل ذلك استمرار التناقض الجوهري ذاته. استراتيجية الإسقاط الإيرانية دائماً ما خلقت، في الأطراف التي أرادت السيطرة عليها، شروط انقلابها على ذاتها. الدفاع المتقدِّم أنتج البومرانج الاستراتيجي. الحرب المركَّبة أولدت التحالف المعادي. السيطرة على الخناق حوَّلت المضيق إلى هدف للحصار. عقيدة البين-بين، هذه السيادة “على العتبة” التي هي أعمق ثوابت القوة الإيرانية، لا يمكنها العمل إلى ما لا نهاية. إنها تفترض خصماً عاجزاً عن تحمُّل الغموض في الأمد البعيد، وقد أعلنت واشنطن بضربة الثامن والعشرين من فبراير 2026 أن لهذا الصبر حدوداً. في هذا الحادي والعشرين من أبريل، انتهى وقف إطلاق النار للتوّ. أغلقت طهران باب إسلام آباد مستندةً إلى شروط تعجيزية. إيران تنفي إرسال مندوبين في حين كانت قد أرسلتهم حتى هذه المساء. أعادت فتح المضيق الجمعة لتُغلقه السبت. أعلنت موت المفاوضات مع إبقاء القناة الباكستانية حيّة، حتى مفاجأة الليلة. قال قورش، وفق ما أوردته هيرودوتس، إن الشعوب الطريّة تأتي من أراضٍ طريّة. كان يعتقد أن الهضبة الإيرانية تصنع رجالاً أصلاء. ما يعلِّمنا إياه التاريخ الطويل للقوة الفارسية هو على العكس من ذلك أن الهضبة الإيرانية تصنع إمبراطوريات عظمتها لا تنفصل عن هشاشتها. إمبراطوريات الأطراف المسيطَر عليها، والعتبة المُمسَك بها، التي تنهار حين تنقلب الأطراف على المركز، وحين يلحق زمن الخصم في نهاية المطاف بزمنها، ويُغلق البين-بين الذي كانت تزدهر فيه طويلاً بقسوة كالملقط. حيث يواصل بعضهم رؤية “انتصار” ما في الموقف الإيراني، ينبغي تجنُّب الانزلاق الخطر الذي يبدؤه هؤلاء نحو عالم لا تاريخي، يُشبه عالم الطوائف المنفصلة عن الواقع. لا يمكن لطهران أن تواصل عضَّ ذيلها إلى ما لا نهاية أمام القوة النارية الأمريكية وخصم بالغ الوحشية كالذي تواجهه حالياً (للمرة الأولى منذ صدام حسين)، لا يبالي هو نفسه بالزمن التاريخي ولا بالمبادئ الديمقراطية، وتصطدم أمامه الثنائية والفكر الباطني وسائر القوى الناعمة حتماً بخليط خام من الواقعية السياسية العدمية، وصبر رجل الأعمال الماكر، والقيصرية الدموية الشعبوية، ومسيحانية استعلائية تعتقد هي أيضاً أنها مُكلَّفة بمهمة إلهية باسم الرب وأمريك، والعسكرية الفاتنغيريستية مدفوعةً إلى ذروتها… من يمسك بشارب النمر طويلاً جداً، ينتهي حتماً إلى أن يُفترس.

المفاوضات الأميركية-الإيرانية: طهران تحظى بمهلة إضافية

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الثلاثاء، تمديد اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، ولكن من دون تحديد مهلة زمنية، وذلك بغية منح طهران مزيداً من الوقت للتفاوض. غير أنه قال إنه يعتزم الإبقاء على حصار الموانئ الإيرانية، بما لا تشتهيه الجمهورية الإسلامية. وفي تدوينة عبر منصته «تروث سوشال»، أشار الرئيس الأميركي إلى أنه قرر «تمديد الهدنة إلى حين تقديم إيران مقترحاً وإتمام المباحثات، بطريقة أو بأخرى». وأوضح ترامب أنه اتخذ هذا القرار في ظل «الانقسامات الحادة داخل الحكومة الإيرانية»، واستجابة لطلب باكستان، الدولة الوسيطة الرئيسية. بيد أنه أشار أنه «أصدر أوامره للقوات المسلحة الأميركية بمواصلة الحصار» البحري. ومن جانبها، لم تعلّق طهران ــ التي كانت قد اشترطت رفع الحصار للمشاركة في محادثات إسلام آباد ــ على خطوة تمديد الهدنة، فيما أفادت وكالة «تسنيم» للأنباء (شبه الرسمية) بأن الموقف الإيراني سيصدر «في وقت لاحق». ويأتي إعلان الرئيس الأميركي في وقت شهدت فيه واشنطن وطهران تضارباً بشأن موعد انقضاء الهدنة؛ إذ تحدث الجانب الأميركي عن ليل الأربعاء بتوقيت واشنطن، بينما أشارت طهران إلى منتصف ليل الثلاثاء (توقيت غرينتش). وقد جاء هذا الإعلان ليضع حداً ليوٍم طويل مضى على وقع سيل من المعلومات المتناقضة، والمناخ المشحون بالتهديدات والتهديدات المضادة بين واشنطن وطهران، في وقت آثرت فيه الجمهورية الإسلامية انتهاج سياسة الغموض المتعمد حيال نواياها. وفي هذا السياق، كانت الحكومة الباكستانية قد أعلنت، مساء الثلاثاء، أنها لا تزال «في انتظار رد رسمي من الجانب الإيراني لتأكيد مشاركة وفده في محادثات السلام في إسلام آباد»، وفق ما صرح به وزير الإعلام عطاء الله ترار. وأشار الأخير، في تدوينة عبر منصة "إكس"، إلى أن اتخاذ القرار يكتسي أهمية «جوهرية»، قبل ساعات قليلة عن موعد انتهاء الهدنة. من جهته، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن طهران لم تتخذ قرارها النهائي بعد، وعزا ذلك إلى ما وصفه بـ «الرسائل المتناقضة والإجراءات الأميركية غير المقبولة». وفي ظل غياب الرد الإيراني الحاسم، لم يتوجه الوفد الأميركي بدوره إلى إسلام آباد؛ إذ كان نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، المفترض أن يقود الوفد، يترأس اجتماعات في البيت الأبيض مساء الثلاثاء. هل تعتزم طهران الإبقاء على حالة التشويق حتى اللحظة الأخيرة؟ وهل تسعى إلى ممارسة ضغوط قصوى على الرئيس ترامب، المثقل بأزماته الداخلية، والذي تلمس لديه رغبة جامحة في إبرام اتفاق سريع يضع حداً لحرب يُخشى اندلاعها مجدداً اعتباراً من الخميس؟ لا تزال الجمهورية الإسلامية تنتهج سياسة السيخ والماء؛ ففي حين تؤكد استعدادها للبحث في صياغة اتفاق مع الولايات المتحدة، تعلن في آن واحد ممانعتها للمشاركة في محادثات إسلام آباد، بذريعة أن الشروط الأميركية مجحفة وتعجيزية. بيد أن المبدأ الجوهري للمفاوضات بين طرفين على طرفي نقيض، يقضي برفع سقف المطالب إلى أقصى الحدود، لضمان الحفاظ على المكتسبات الأساسية لحظة تقديم التنازلات. وهي استراتيجية تعكس، في هذه الحالة تحديداً، تفوق واشنطن التي تفاوض من موقع قوة أمام إيران الخارجة من حرب استنزفت قواها، لكنها لا تزال تحاول فرض شروطها والمخاطرة بكل شيء، على أمل دفع دونالد ترامب نحو الرضوخ لمطالبها. وكانت إيران قد اشترطت لاستئناف الحوار رفع الحصار الأميركي المفروض على موانئها. وفي هذا السياق، جدد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية الثلاثاء تأكيد رفض طهران «التفاوض تحت وطأة التهديد»، مشدداً على أن بلاده «سترد بصورة أكثر عنفاً مما مضى» في حال تعرضها لأي هجوم جديد. ويأتي هذا الموقف رداً غير مباشر على الرئيس ترامب الذي لوح باستئناف الضربات العسكرية فور انقضاء مهلة الهدنة. ووفقاً لوكالة تسنيم، فإن طهران استعدت «جيداً» خلال الأسبوعين الماضيين لهذا الاحتمال، وهي «تختزن مفاجآت للأميركيين». إلى ذلك، من شأن قيام البحرية الأميركية في بحر عُمان بمصادرة سفينة إيرانية مدرجة على قائمة العقوبات ــ وهو ما اعتبرته طهران جريمة حرب وخرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار ــ أن يزيد المشهد تعقيداً، لا سيما إذا ما قرر دونالد ترامب عدم تمديد الهدنة، وفق ما أعلنه في مقابلته مع قناة سي إن بي سي. خرق حزب الله لوقف إطلاق النار بقي الرئيس الأميركي، الذي اتهم إيران بارتكاب خروق متعددة لاتفاق وقف إطلاق النار، متمسكاً بتفاؤله حيال التوصل إلى «اتفاق عظيم»، مؤكداً أن الولايات المتحدة في «موقع قوة» لا يتزعزع. وقال في مقابلته مع قناة "سي إن بي سي"، في إشارة إلى القادة الإيرانيين: «أعتقد أنه لا خيار أمامهم». بيد أن إيران لا تزال تملك أوراقاً عدة للمناورة، من بينها إعادة تفعيل «جبهات الإسناد». ففي سياق مواجهة ليّ الأذرع مع الولايات المتحدة، يندرج القصف الصاروخي الأول الذي نفذه حزب الله منذ دخول وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ ليل الخميس الجمعة الماضي. ومساء الثلاثاء، أعلن الجيش الإسرائيلي عن إطلاق حزب الله قذائف باتجاه جنوده المتمركزين عند الحدود الجنوبية، بالتزامن مع إطلاق مسيّرة نحو المستوطنات في الشمال الإسرائيلي. وقد ندد الجيش الإسرائيلي بما وصفه «خرقاً صارخاً لاتفاق وقف إطلاق النار»؛ وهو خرق يأتي، تحديداً، في وقت يستعد فيه لبنان الرسمي لاستئناف مفاوضاته المباشرة مع إسرائيل الخميس في واشنطن، وبعدما جدد تأكيد عزمه على بسط سلطته الحصرية على كامل أراضيه، مدافعاً عن خيار التفاوض المباشر مع تل أبيب. وقد حمل رئيس الحكومة، نواف سلام، هذه الرسالة المزدوجة إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ، ومن ثم إلى قصر الإليزيه حيث استقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وفي لوكسمبورغ، أوضح سلام أن لبنان اتخذ هذا الخيار لوضع حد للحرب التي استدرجه إليها حزب الله ولإعادة بسط سيادته، مؤكداً أن هذا القرار «هو ثمرة مسؤولية وطنية»، وشدد على أن الهدف النهائي يكمن في التوصل إلى تسوية شاملة للنزاع مع إسرائيل. علاوة على ذلك، جدد رئيس الوزراء تأكيد رغبة الدولة في إنهاء ظاهرة السلاح غير الشرعي؛ وهو موقف لاقى ترحيباً من الرئيس ماكرون الذي اعتبر أنه «من الضروري أن يكفّ حزب الله عن تقمص دور الدولة اللبنانية»، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك مع ضيفه اللبناني. وأوضح سلام أن القرار اللبناني بالانخراط في حوار مع تل أبيب لا رجعة فيه، مشدداً على أن السلطات لن تسمح لحزب الله بترهيبها، ومضيفاً: «نحن لا نريد مواجهة معه». وهي مواقف تقاطعت مع ما أكده رئيس الجمهورية جوزيف عون من بيروت، بتذكيره أن لبنان، من خلال انخراطه في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، «لا يتنازل عن سيادته، بل يسعى إلى حل مشكلاته الجسيمة». ويبقى السؤال عما إذا كان حزب الله، الذي كبّل المسؤولين اللبنانيين بتهديداته، سيحاول تقويض استئناف المحادثات عبر معاودة هجماته ضد الإسرائيليين. وكان الحزب ــ الذي حظرت الحكومة اللبنانية أنشطته شبه العسكرية ــ قد نشر يوم الثلاثاء شريطاً مصوراً يعلن فيه استئناف عمليات «المقاومة» تحت عنوان بليغ: «عودة كابوس إسرائيل: أسلحة المقاومة الفعالة». بيد أن هذه العودة قد تكتب فصل النهاية للحزب في ظل التهديدات الإسرائيلية؛ إذ جدد وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، الثلاثاء، التأكيد أن هدف تل أبيب هو تدمير حزب الله. وخلال مراسم إحياء «يوم الجنود القتلى وضحايا الإرهاب»، كرر وعيده بتصفية الأمين العام للحزب، نعيم قاسم.