شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
عنصر ميليشيا تبدو عليه السعادة بعد سيطرة حزب الله على القسم الغربي من بيروت. (أ ف ب)
استراتيجيا
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو
نُشر سبتمبر 7, 2026 - 13:10
تتيح هذه السلسلة من المقالات فهماً أعمق للوضع الراهن في ضوء الماضي، بعيداً عن الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل عن الحقائق. ونهجنا يترك للقارئ مسؤولية استخلاص النتائج التي تفرض نفسها. أما الأجزاء الأربعة عشر السابقة فكانت قراءة جديدة للأحداث المتعلقة بصعود حزب الله، ونزاعاته المسلحة مع إسرائيل، وهيمنته على لبنان، منذ اتفاق الطائف وصولاً إلى اتفاق الدوحة. أيار (مايو) 2008، الجبل بعد بيروت. في 7 أيار (مايو) 2008، احتل حزب الله وحلفاؤه (حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي) بالقوة العسكرية مكاتب تيار المستقبل التابع لسعد الحريري في بيروت، وجزءاً كبيراً من الأحياء السنية في العاصمة التي كانت تشكل القاعدة الشعبية لتحالف 14 آذار. سقطت مواقع تيار المستقبل بسرعة بيد المهاجمين، إذ ابتعد الجيش إلى حد كبير عن هذه المواجهات، ولم تتمكن الوساطات السياسية من وقف العملية في الوقت المناسب. وقد واجه القائد العام للجيش معضلة حقيقية: فمن جهة، كان يدرك أن تدخل الجيش بالقوة في بيئة حضرية سيكلف أرواحاً بشرية غالية، مدنية وعسكرية على حد سواء، ناهيك عن الأضرار المادية؛ ومن جهة أخرى، كان يواجه إحباط الضباط، لا سيما السنة منهم، الذين رأوا أحياء ذويهم محرومة من حماية الجيش. مقر تلفزيون "المستقبل" بعد نهبه في بيروت. (فرانس برس) كانت هيئة الأركان لا تزال تحمل في ذاكرتها معركة نهر البارد التي خاضها الجيش ضد تنظيم فتح الإسلام الإرهابي قبل عام، والتي أودت بحياة 170 عسكرياً في معارك استمرت 105 أيام في ساحة عمليات أقل تحضراً وخالية من سكانها، لا تتجاوز مساحتها كيلومتراً مربعاً واحداً. أما معركة في بيروت ذات الكثافة السكانية العالية، فكانت ستكون باهظة الثمن من حيث الأرواح البشرية، وستمتد جغرافياً لتشمل كامل الأراضي اللبنانية، ولن يكون لها نهاية، في ظل تمتع حزب الله بخطوط إمداد لوجستية مفتوحة على مصراعيها من سوريا. إلا أن الجيش وجد فرصته في الانتشار بقوة بين حزب الله وأنصار تيار المستقبل في شارع المزرعة، حيث منع بالقوة أي تحرك مسلح لعبور هذا الشارع من الجهتين، وحال دون شن أي هجوم على حي طريق الجديدة، معقل تيار المستقبل. كما شكلت القوات مربعات أمنية حول السرايا الحكومية حيث كان يتواجد رئيس الوزراء فؤاد السنيورة، وحول مقر إقامة وليد جنبلاط، أحد أبرز أقطاب تحالف 14 آذار. مسلحون شيعة قرب شارع الحمرا: الشخص الذي يحمل صاروخ آر بي جي-7 المضاد للدروع يرتدي بزة قوى الأمن الداخلي… (فرانس برس) ساهمت هذه الإجراءات، إضافة إلى الاتصالات التي أجرتها عواصم خليجية، في ثني حزب الله عن مهاجمة السرايا. غير أن الحزب الشيعي أراد السيطرة على معقل الدروز في جبل لبنان. وبلغت التوترات ذروتها في 9 أيار (مايو) حين أقدم مسلحون تابعون لحزب الله على خطف عناصر من الشرطة البلدية في عاليه، ما أثار رد فعل مسلح من ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي. سرعان ما اتسعت رقعة المعارك لتشمل الشويفات وعاليه وسوق الغرب وبيصور. واستخدم الطرفان الأسلحة الثقيلة، فيما تمركز مقاتلو الحزب التقدمي الاشتراكي في التحصينات والخنادق القديمة الموروثة من الحرب الأهلية، ما مكّنهم من وقف تقدم حزب الله. وحاول الأخير احتلال التلة 888 المطلة على مطار بيروت، الواقعة بين عاليه وسوق الغرب، لكنه فشل في ذلك. في المقابل، نجح في احتلال قلعة نيحا القديمة في الشوف، بهدف تأمين خط إمداد لوجستي مباشر يربط البقاع بجنوب لبنان من دون الحاجة إلى المرور عبر الطريق الساحلي. الزعيم الدرزي اللبناني وليد جنبلاط (في الواجهة، وسط الصورة) ووزير الإعلام غازي العريضي (وسط يسار الصورة) خلال مشاركتهما في تجمع شعبي في بلدة بيصور الدرزية بجبل لبنان، وذلك غداة رفع الحواجز عن طرقات العاصمة، وهو ما وضع حداً لأسبوع من الأحداث الدامية. (أ ف ب) خلال نهار الأحد 11 مايو/أيار، حاول حزب الله مهاجمة الباروك والشويفات دون جدوى، وقد كلّفه ذلك حياة 36 من مقاتليه، من بينهم قائد القوة المهاجمة في الشويفات. وفي اليوم نفسه، انتشر الجيش في المدينة وطالب الطرفين بالانسحاب. عندها سلّم الحزب التقدمي الاشتراكي مواقعه للجيش، وانسحب حزب الله حاملاً قتلاه وجرحاه. حاول مسؤولون سياسيون حلفاء لحزب الله، بطرق مباشرة وغير مباشرة، عرقلة انتشار الجيش في الشويفات، لكن دون جدوى. كان هدفهم منح حزب الله الوقت الكافي لإعادة تنظيم صفوفه واستئناف الهجوم وتحقيق نصر في المدينة، إلا أن قائد الوحدة المكلفة بالمهمة رفض الاستجابة لهذا الضغط، فجنّب المدينة مزيداً من الدمار وأراح القرى المجاورة، كفرشيما ووادي شحرور والبساتين، من ويلات القتال. ترك المسلحون على باب هذه الشقة في الشويفات رسالة واضحة تماماً... (أ ف ب) في اليوم نفسه، روّج حزب الله شائعات لا أساس لها من الصحة على الإطلاق، مفادها أن القوات اللبنانية بقيادة سمير جعجع تستعد لمهاجمة منزل ميشال عون، زعيم التيار الوطني الحر، في الرابية، وقرى الشيعة في قضاء جبيل. كان الهدف من هذه الشائعات توسيع رقعة النزاع المسلح لتشمل المناطق المسيحية، عبر إقحام التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية فيه. غير أن أجهزة الاستخبارات العسكرية تدخلت ووضعت حداً لهذه الشائعات. ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة انساق تيار المستقبل وحلفاؤه في تحالف 14 آذار إلى التفاوض بعد هزيمتهم في 7 مايو/أيار 2008. وفرضت قطر نفسها وسيطاً، ورعت اتفاق الدوحة (مايو/أيار 2008) الذي جاء بمثابة تسوية لصالح حزب الله وحلفائه إلى حد كبير. وأفضى هذا الاتفاق إلى انتخاب قائد الجيش، العماد ميشال سليمان، رئيساً للجمهورية، فسدّ بذلك فراغاً رئاسياً دام ستة أشهر، إذ لم يكن بمقدور أي من مرشحي تحالفي 14 و8 آذار للرئاسة تأمين أغلبية كافية من الأصوات في البرلمان. أُعيد تكليف فؤاد السنيورة برئاسة الحكومة، وبمشاركة قطرية مباشرة، شكّل حكومة وحدة وطنية. غير أن هذه الحكومة كانت محكومة سلفاً بالشلل في القرارات الكبرى، إذ ضمّت 16 وزيراً ينتمون إلى الأغلبية البرلمانية لـ14 آذار، مقابل 11 وزيراً من المعارضة المنضوية في 8 آذار، بما فيها حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر. وبذلك كان بحوزة هؤلاء الأخيرين «الثلث المعطل». تضمّن البيان الوزاري لهذه الحكومة صيغة ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة». وكانت هذه الصيغة قد بدأت مسيرتها مع إميل لحود وحسن نصر الله. فقد صرّح لحود، في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 21 سبتمبر/أيلول 2006، أي بُعيد حرب يوليو/تموز بين حزب الله وإسرائيل، بالحرف الواحد: «... هذه الوحشية (الإسرائيلية) لم تُضعف شعبي، ولم تنَل من عزيمته على المقاومة، ولم تؤثر في تمسكه بالدولة والجيش والمقاومة الوطنية...». وكان لحود، منذ التسعينيات، حين كان قائداً للجيش، يشدد في خطاباته على الروابط التي لا تنفصم بين الجنود النظاميين والمواطنين والمقاومة في مواجهة إسرائيل. أما حسن نصر الله، فقد أوضح في خطاباته المتعددة بعد حرب الـ33 يوماً أن لبنان لم يستطع الصمود في وجه إسرائيل إلا بفضل التنسيق التلقائي بين الجيش والمقاتلين، ودعم الشعب.
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

في سلسلة من المقالات التي نستهلها اليوم، نتوخى مقاربة الواقع الراهن في ضوء تجارب الماضي، بمنأى عن ا لخطابات الحماسية أو الأيديولوجيات الرومانسية التي غالباً ما تغفل الواقع، تاركين للقارئ حرية استخلاص النتائج الضرورية. لقد آن الأوان، في هذا السياق، لمواجهة «سيمفونية»المقاومة العقيمة مواجهةً جدية؛ ليس عبر خطاب مضاد، بل من خلال مقاربة معمّقة تكرّس ثقافة دولة القانون، تلك الدولة التي لا يمكن أن تُبنى إلا على ركائز السيادة المطلقة. لفهم الحاضر، لا شيء يعلو فوق إعادة قراءة التاريخ المعاصر، الحاضر دوماً في الذاكرة. فالحروب التي وضعت إسرائيل وحزب الله في مواجهةمباشرة تستدعي مراجعةً عميقة، أولاها تلك التي دارت عام 1993 مع ما سبقها من أحداث مفصلية، ناهيك عن الانسحاب الإسرائيلي من لبنان في 25 أيار 2000، وما سبقه وتلاه من محطات، لا سيما حروب 1996، و2006، و2023-2024، و2026. ثلاثة وثلاثون عاماً من الصراعات التي قد تبدو، للوهلة الأولى، غارقة في الفوضى؛ لكنها في الواقع ليست سوى مسارٍ شديد الوضوح، يُمسك بخيوطه نظام الملالي في طهران. أحداثٌ لا تزال تتوالى وفق مشهدية تتقاطع فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تبرز الولايات المتحدة، بصفتها قوةً عالمية بلا منازع منذ عام 1990، بل وباتت - طوعاً أو كرهأ - قوةً إقليمية وازنة بحكم نفوذها المتغلغل في دول المنطقة كافة باستثناء إيران، وبفعل قواعدها العسكرية المنتشرة في العالم العربي. مصالح واشنطن وتل أبيب ودمشق والرياض وطهران تتقاطع فتتلاقى وتتباعد أو تتصادم في حركة ديناميكية مستمرة، بينما تبقى مصلحة لبنان الوحيدة - والمنسية منذ خمسين عاماً - متمثلةً في استعادة سيادته أولاً، ثم إعادة بناء مؤسسات الدولة. لقد لعب الفاعلون من خارج إطار الدولة، وهم كثر في لبنان، لاسيما حزب الله وحماس وغيرهما من التنظيمات المسلحة غير الشرعية، وحتى الأحزاب اللبنانية المتحالفة مع حزب الله - والمدعومة أو المهادنة من قِبل قوى إقليمية - أدواراً محورية طوال العقود الماضية، معرقلةً قيام سيادة لبنان. أما فرص استرداد هذه السيادة التي لاحت خلال تلك السنوات، فقد أُجهضت على أيدي صنّاع القرار المحليين؛ إما بسبب نقص الكفاءة، أو تغليباً لمصالح ضيقة وشخصية، أو بدافع الجبن والارتهان والمطامع والموالاة لجهات شتى. أجندات حزب الله الثلاثة يواصل حزب الله العمل وفق ثلاث أجندات متوازية. الأولى، إقليمية، تتمحور حول التدخل في الشؤون العربية لزعزعة استقرارها لصالح إيران، ولاسيما في العراق الجار الغربي للجمهورية الإسلامية، وذلك للحؤول دون بروز زعيم جديد على غرار صدام حسين، الذي لا يزال يشكل كابوساً لملالي طهران. أما الأجندة الثانية، فتتركز حول إسرائيل وتستند إلى خطاب «المقاومة»، الذي يُوظَّف لخدمة الأجندة الثالثة والمحلية، والمتمثلة في فرض الهيمنة المطلقة على لبنان. أما قاعدة الحزب الشعبية، المسكونة بأيديولوجيا دينية تجعلها فوق أي نقاش، فهي على قناعة تامة بأنها مؤتمنة على «مهمة إلهية». وهي في ذلك تستلهم النموذج الإيراني؛ حيث تقبع الدولة ككيان قائم شكلاً، بينما تظل القرارات الكبرى محصورة بيد الحرس الثوري الإيراني، وهو دولة عميقة داخل الدولة، بتشعبات اجتماعية واقتصادية وأمنية وعسكرية. إن النموذج اللبناني الذي يطمح إليه الحزب الموالي لإيران هو «دولة-واجهة» تقتصر مهامها على تصريف الأعمال والشؤون البروتوكولية، بينما يتمدد حزب الله داخل الدولة وخارجها عبر ميليشياته ومؤسساته السياسية والثقافية والاجتماعية. وبذلك، ينفرد هو باتخاذ القرارات الاستراتيجية ويُسقطها على البرلمان والحكومة. أما بالنسبة لجمهوره، فهو يجسد مفهومهم للسيادة، وضمانتهم الاجتماعية والأمنية، وقبل كل شيء، طموحاتهم الأيديولوجية. هذه المعضلة تقع اليوم في صلب الحدث، لكن مسار الحزب «الإلهي» على مدى العقود الأربعة الماضية، والذي أفضى إلى الواقع الراهن، يستحق إعادة قراءة متأنية، لاسيما من أجل الأجيال اللبنانية التي وُلدت في ظل هيمنته. فبالنسبة لهذه الأجيال، بات الحزب جزءاً من يومياتها، بل ويرى البعض إمكانية التعايش مع سلاحه باسم «مقاومة» تتمدد منذ 44 عاماً. وفي هذا السياق، تبدو بعض الأرقام والوقائع شديدة الدلالة: فالحرب التي انتهت بمعاهدة وستفاليا دامت 30 عاماً؛ والحرب العالمية الأولى أربع سنوات؛ والثانية ست سنوات؛ وحرب الهند الصينية تسع سنوات؛ وحرب فيتنام عشر سنوات؛ بينما الصراع العربي-الإسرائيلي (بمعزل عن فلسطين) استمر 25 عاماً... بات من الجليّ أن حزب الله، ومنذ 44 عاماً، لا يستمد شرعيته إلا من عباءة «حالة الحرب» المستمرة؛ ومن هنا، فليس له أي مصلحة في وضع حدٍّ لحروبه مع إسرائيل. لقد أضحى واضحاً أن اللبنانيين وحدهم يملكون مفتاح الحل لأزماتهم، وذلك عبر إنهاء حالة الحرب مع الدولة العبرية، دون الضرورة للذهاب نحو معاهدة سلام. ست دول عربية سبقت بيروت في هذا المضمار. وبمقدور لبنان تحقيق ذلك بالاستناد إلى دعم هذه الدول العربية والدول الصديقة. اتفاق الطائف وبالعودة إلى إعادة قراءة الماضي القريب، تشكل محطة اتفاق الطائف نقطة الانطلاق، وهو الذي وُقّع في 22 تشرين الأول 1989 في المملكة العربية السعودية بمباركة أميركية. كان الهدف منه وضع حد للحروب التي توالت على لبنان طوال 15 عاماً. أما الحربان الأخيرتان اللتان عجّلتا في توقيع هذا الاتفاق وفرض تطبيقه بالقوة، فكانتا الأكثر دماراً، ونقصد بهما «حرب التحرير» اللبنانية-السورية و«حرب الإلغاء» اللبنانية-اللبنانية. فقد هددت هاتان الحربان بتقسيم الدول العربية وعرقلة مسار الاستقرار الإقليمي المعقد الذي كانت تنشده واشنطن والرياض مع نهاية حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران. لقد صار تطبيق الاتفاق، الذي تعثر لشهور، أولوية لدى رعاته عقب الغزو العراقي للكويت في 2 آب 1990؛ إذ كان وقف الحروب المستمرة في لبنان، بالنسبة لجميع اللاعبين الدوليين والإقليميين، أمراً لا بد منه، بعد توقيع الاتفاق المذكور. وبناءً عليه، أعطى المجتمع الدولي والعربيالضوء الأخضر لسوريا البعثية لفرض الاستقرار في لبنان بالقوة العسكرية، مقابل انضمامها إلى التحالف العربي-الدولي المناهض للعراق والرامي إلى تحرير الكويت. وهكذا، اجتاحت قوات دمشق، في 13 تشرين الأول 1990، قصر بعبدا ووزارة الدفاع الوطني، الخاضعين لسلطة الحكومة العسكرية اللبنانية برئاسة العماد ميشال عون. وبعد بضعة أشهر، وتحديداً في مطلع عام 1991، دُحرت القوات العراقية من الكويت واحتلت قوات التحالف الدولي المناهض لصدام أجزاءً من العراق. كانت النتيجة إضعاف نظام صدام حسين، وهو ما أفسح المجال لتعاظم نفوذ إيران وحليفها حزب الله. وشكّلت تلك المرحلة نقطة الانطلاق للحروب التي خاضها الحزب ضد إسرائيل، بما لها وما عليها، قبل انسحاب إسرائيل من لبنان في 24 أيار 2000. شهدت تلك الحقبة انقلاباً في المشهد العالمي مع سقوط جدار برلين، وتراجع الاتحاد السوفياتي وحلفائه الإقليميين، بمن فيهم العراق وسوريا، ثم تقارب الأخيرة مع الولايات المتحدة، مما منحها حرية تحرك واسعة في لبنان. علاوة على ذلك، كانت دول الخليج، الحليفة للولايات المتحدة (التي باتت القوة الوحيدة بلا منازع على الساحة الدولية)، مصطفّة إلى جانب سوريا الأسد، وتُهادن إيران في مواجهة عراق صدام. غير أن هذه الواقعة، التي اختلفت جذرياً عما سبقها، لم يحسن قراءتها آنذاك رئيس الحكومة العسكرية العماد عون، مما أدى إلى كارثة 13 تشرين الأول 1990. (يتبع)

مفاوضات لبنان وإسرائيل: لحظة «تاريخية» أخرى في واشنطن

«تاريخي». وجدت هذه الكلمة طريقها إلى جميع الخطابات تقريبًا التي أُلقيت مساء الخميس (ليلًا في لبنان) في واشنطن، على هامش الجولة الثانية من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، برعاية أمريكية. محادثات عُقدت هذه المرة في البيت الأبيض وليس في وزارة الخارجية، بالإضافة إلى ذلك، بحضور الرئيس الأمريكي نفسه، دونالد ترامب، مما أعطى بعدًا مختلفًا تمامًا للحدث. مثل لبنان مرة أخرى سفيرته ندى معوض. بالإضافة إلى سفير إسرائيل في واشنطن، يحيل ليتر، حضر العديد من السياسيين الأمريكيين: نائب الرئيس جي دي فانس، وزير الخارجية ماركو روبيو، سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى (من أصل لبناني)، سفير الولايات المتحدة في إسرائيل، مايك هوكابي. كانت المطالب الرئيسية التي نقلتها السفيرة اللبنانية، كما كان متوقعًا، تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يومًا، ووقف تفجير المنازل وإنهاء الاعتداءات الإسرائيلية في جنوب البلاد. أعلن دونالد ترامب نفسه عن تمديد وقف إطلاق النار على شبكته الاجتماعية Truth Social , وكتب أن المهلة الجديدة هي «ثلاثة أسابيع»، بأحرف كبيرة لإبراز أنها إنجاز. ثلاثة أسابيع إذن (بدلاً من الستين يومًا المتوقعة)، اعتبارًا من الأحد، وهو ما كان يجب أن يكون الموعد النهائي لوقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 16 أبريل في منتصف الليل. كانت التصريحات حماسية بشكل خاص بعد الاجتماع، وتراوحت من «لحظة تاريخية كبرى» لجي دي فانس، إلى تصريحات ماركو روبيو حول «دولتين ترغبان في السلام». شكر ميشال عيسى دونالد ترامب على «لحظة تاريخية تقرب دولتين لم تكونا أبدًا جنبًا إلى جنب». كذلك فعلت ندى معوض التي شكرت دونالد ترامب على جعل هذا الحدث «لحظة تاريخية» بحضوره، معربة عن أملها في أن يتمكن لبنان بدعمه من استعادة عظمته. لم تغب الاتهامات الموجهة ضد حزب الله، لا سيما من جانب مايك هوكابي، الذي يرى أن المشكلة «ليست لبنان، ولا إسرائيل، بل حزب الله». أكد ماركو روبيو أن لبنان وإسرائيل «ضحيتان لنفس المنظمة الإرهابية». وعد دونالد ترامب نفسه بأن الولايات المتحدة ستواصل «حماية لبنان ضد حزب الله»، مؤكدًا أن الراعي الإيراني يجب أن يتوقف عن تمويل وكيله في لبنان. الجديد، مساء الخميس، هو أن الرئيس الأمريكي أعلن أن وقف هذا التمويل (الإيراني لحزب الله) هو شرط «لا غنى عنه» لإبرام اتفاق على طاولة المفاوضات الأخرى، تلك التي بين إيران والولايات المتحدة. بالإضافة إلى هذه الجولة الجديدة من المفاوضات، أعرب دونالد ترامب مرة أخرى عن تفاؤله بإبرام اتفاق بين لبنان وإسرائيل «هذا العام». تحدث عن ضرورة عقد لقاء بين الرئيس اللبناني جوزف عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض «في الأسابيع المقبلة»، وهو احتمال لا يزال الأول يرفضه لأسباب واضحة تتعلق بخلافات داخلية لبنانية والانتهاكات التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، وكذلك الشكوك حول نتيجة هذه المفاوضات، حيث يرى الكثيرون أن مثل هذا اللقاء يجب أن يأتي بعد اتفاق محتمل وليس قبله. على الأرض في جنوب لبنان، تتواصل المعارك بوتيرة مماثلة رغم وقف إطلاق النار وتمديده، وكأن الطرفين المتحاربين لا يباليان بجهود السلام. كانت ليلة الخميس إلى الجمعة ويوم الجمعة مضطربين ودمويين بشكل خاص في الجنوب. بينما تواصل إسرائيل تفجير المنازل بشكل منهجي في القرى وقصفها، كثف حزب الله عملياته ضد شمال إسرائيل وتجمعات الجنود في الجنوب، متخذًا من ذلك نقطة شرف لتكثيف بياناته حول عملياته في الوقت الذي كانت فيه المفاوضات التي يرفضها تجري في واشنطن. لم تهدأ الخطاب أيضًا، فقد دعا رئيس كتلة حزب الله محمد رعد الدولة إلى الانسحاب من المفاوضات التي لا تخدم إلا تغطية الاعتداءات الإسرائيلية حسب قوله، بينما أعلن النائب عن الكتلة نفسها علي فياض أن وقف إطلاق النار لا معنى له بالنظر إلى الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة. عون في القمة الأوروبية في قبرص الحدث السياسي الآخر لهذا الجمعة هو مشاركة الرئيس اللبناني في القمة الأوروبية التي تعقد في قبرص. قمة تجمع أيضًا قادة عرب آخرين، منهم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس السوري أحمد الشارح، في نفس الوقت مع قادة الدول السبع والعشرين. كان الوضع المتفجر في لبنان والمفاوضات مع إسرائيل على جدول أعمال المناقشات. كان هناك تصريح ملحوظ من كايا كالاس، الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، التي تحدثت عن نقاش حول إمكانية نشر قوات أوروبية عندما تنتهي مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) في ديسمبر 2026، معتبرة أن الجيش اللبناني سيحتاج إلى دعم لنزع سلاح حزب الله وتوسيع سيادته على البلاد. ووعد رئيس المجلس الأوروبي، بدوره، «بدعم لبنان بهدف نزع سلاح حزب الله». وشملت محادثات الرئيس عون الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني. وصرح بأن «لبنان يتفاوض باسمه الخاص» و«يرفض أن يكون ورقة في يد أي أحد». وأضاف أن البلاد «تقف عند مفترق طرق وأن الخيارات التي ستتخذها سيكون لها تأثير على استقرار المنطقة». واعتبر جوزيف عون أيضًا أن «هذه المرحلة ليست مجرد اختبار، بل هي فرصة أيضًا». بعبارة أخرى، أعاد التأكيد على عملية المفاوضات واحتكار الدولة للأسلحة، وتلقى دعمًا مؤكدًا لنهجه. عراقجي في باكستان على صعيد المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، التي توقفت منذ الأربعاء بينما مدّد الرئيس ترامب وقف إطلاق النار إلى تاريخ غير محدد، كان تطور هذا الجمعة هو الإعلان عن زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام أباد. بعد الظهر، أعلنت باكستان عن وصول وفد أمريكي جديد في نفس اليوم. ومع ذلك، بعد فترة وجيزة، أشار مسؤول باكستاني لقناة الحدث السعودية إلى أن «عراقجي أوضح أن زيارته إلى إسلام أباد تهدف فقط إلى إجراء محادثات مع نظرائه الباكستانيين، وليس مفاوضات مع الجانب الأمريكي». ومع ذلك، يتوقع المسؤولون الباكستانيون «انفراجًا» في المفاوضات بعد هذه الزيارة، حسب القناة. لكن العودة إلى طاولة المفاوضات لا تزال غير مؤكدة أكثر من أي وقت مضى. في غضون ذلك، لا يزال التوتر ملموسًا على الأرض، وتُسمع أصوات حربية. وفقًا لموقع أكسيوس، زرعت إيران ألغامًا إضافية في مضيق هرمز. وحذر وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث من أن الولايات المتحدة «لا تزال تسيطر على الزناد». ومن دلائل التصعيد المحتمل الأخرى، إرسال أكثر من 4000 جندي أمريكي إلى المنطقة، وفقًا لصحيفة واشنطن بوست. أي سيناريو يجب أن نتوقعه في المستقبل القريب؟ تصعيد أم صفقة لا تزال غير مرجحة؟ وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس، ليس لديه شك: فقد أعلن يوم الجمعة أن إسرائيل تنتظر الضوء الأخضر الأمريكي لشن هجوم جديد ضد إيران، والذي سيكون «حاسمًا».

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3)

في سلسلة مقالات، نسعى إلى تسليط الضوء على الوضع الراهن في ضوء الماضي، متجاوزين الخطابات الحماسية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تغفل الهدف وتترك للقارئ حرية استخلاص استنتاجاته. في هذا السياق، آن الأوان لمواجهة الخطاب العقيم للمقاومة، ليس بخطاب مضاد، بل بنهج معمق يدعم سيادة القانون، التي لا يمكن بناؤها إلا على أساس السيادة. قدّمت المقالتان الأوليان إعادة تفسير للأحداث المحيطة بصعود حزب الله إلى السلطة، بدءًا من اتفاق الطائف مرورًا بعملية "تصفية الحسابات" و"اتفاق يوليو" (1993)، وصولًا إلى عشية حربه الثانية مع إسرائيل. المرحلة الثالثة: حرب عصابات حزب الله ضد أوسلو ومدريد على مدى ثلاث سنوات تلت عملية "تصفية الحسابات" (يوليو/تموز 1993)، لم يتقدم تنفيذ اتفاقيات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل إلا ببطء شديد، مدفوعًا بضغوط واشنطن التي تمسكت باستراتيجيتها مهما كلف الأمر لاحتواء الصراع بين إسرائيل وحزب الله، بهدف منعه من تقويض عملية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، وسعيًا في الوقت نفسه إلى تعزيز جهود التقارب بين تل أبيب ودمشق. علاوة على ذلك، ناقشت واشنطن وتل أبيب علنًا إمكانية إجراء مفاوضات إسرائيلية لبنانية وشيكة، في ضوء أنباء من لبنان تشير إلى أن جيش البعث السوري شن حملة قمع ضد حزب الله. لاحقًا، تبين أن هذه الأنباء كانت تضليلًا إعلاميًا دبره الإيرانيون بتواطؤ من حافظ الأسد. لإضفاء مصداقية على خداعها، سربت طهران معلومات تشير إلى أن إيران ستقدم الآن مساعدات عسكرية لحزب الله عبر قنوات أخرى غير سوريا، ما يوحي بأن سوريا مستعدة لخفض التوترات في جنوب لبنان. ولزيادة إقناع المراقبين بحسن نوايا سوريا، أرسل الإيرانيون بالفعل شحنة أسلحة، تم اعتراضها في تركيا، الأمر الذي أثار استياء أنقرة. في الواقع، كان السوريون يلعبون بورقتين متناقضتين: من جهة، ورقة السلام، التي سمحت لهم بالتلاعب بواشنطن، ومن جهة أخرى، ورقة فشل مفاوضات السلام. كان الأمريكيون، بعد أن اعتقدوا أن السوريين اختاروا السلام، مقتنعين بأن ضغطهم على تل أبيب ودمشق قد أتى ثماره... بينما في الحقيقة، لم يكن الأمر كذلك. كان حافظ الأسد في الواقع يستعد لفشل عمليتي أوسلو ومدريد، متقاربًا أكثر فأكثر مع إيران، ويلتقي سرًا بصدام حسين، الذي كان خاضعًا للعقوبات الأمريكية. استغل الأسد وطهران استراتيجية الاسترضاء الأمريكية، واقتناعاً منهما بحدود ضغط واشنطن، عززا مصالحهما في لبنان، لا سيما من خلال دعم حزب الله وتسليحه وتقويته. وبين عامي 1993 و1996، شنّ حزب الله حرب استنزاف ضد جيش لبنان الجنوبي والجيش الإسرائيلي، مستخدماً الصواريخ والقذائف والعبوات الناسفة المزروعة على جوانب الطرق. وردّ جيش لبنان الجنوبي والجيش الإسرائيلي، من جانبهما، بالمدفعية والقوة الجوية. وحاول المتحاربون تجنيب المدنيين وفقاً لـ"اتفاقية يوليو 1993"، لكن دون جدوى. وفي كل مواجهة، تدخلت الولايات المتحدة سريعاً كوسيط، مانعةً إسرائيل من تصعيد أعمالها الانتقامية إلى ما بعد نقطة حرجة. وبحلول أوائل عام 1996، كان عدد القتلى الإسرائيليين في ازدياد. فمنذ انتهاء عملية "تصفية الحسابات"، وبسبب التكتيكات المتقدمة لحزب الله، قُتل 210 جنود إسرائيليين و110 جنود من جيش لبنان الجنوبي. بالإضافة إلى ذلك، سقط ما بين 60 و80 مدنياً لبنانياً داخل وخارج "المنطقة الأمنية"، نتيجة غارات عشوائية أو انفجارات. من جانبه، خسر حزب الله 200 مقاتل، بينهم عناصر اغتيلوا، وآخرون أُسروا، وآخرون نجوا من محاولات القبض عليهم. الخطوة الرابعة: عملية "عناقيد الغضب" الإسرائيلية ضد حزب الله أنهت الحرب الثانية بين حزب الله وإسرائيل، والتي أُطلق عليها اسم عملية "عناقيد الغضب" (11-27 أبريل/نيسان 1996)، "اتفاق يوليو/تموز"، ومثّلت تصعيداً خطيراً يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة بين الجانبين. كان هدف إسرائيل الضغط على لبنان وسوريا لاحتواء عمليات حزب الله. خلال هذه العملية، نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي 1800 طلعة جوية، واستهدف 500 هدف، شملت بنى تحتية مدنية وعسكرية، وهجّر 400 ألف مدني - وهو رقم يتطابق تماماً مع الوضع الراهن، بالإضافة إلى تدمير قرى في الجنوب. بلغت هذه الحرب ذروتها بقصف المدفعية الإسرائيلية لمركز تابع لقوات اليونيفيل في بلدة قانا، حيث كان مئات المدنيين يسعون للجوء، مما أسفر عن مقتل 106 أشخاص. زعمت إسرائيل أن ما حدث كان خطأً، بينما وصفه حزب الله بأنه متعمد. ومع ذلك، أثارت مجزرة قانا ضغوطًا دولية هائلة، مما أدى إلى وقف إطلاق النار. فشلت عملية "عناقيد الغضب" في وقف إطلاق صواريخ كاتيوشا على إسرائيل، وانتهت بعد ستة عشر يومًا من القتال باتفاق مكتوب غير موقع، أُطلق عليه اسم "اتفاق أبريل"، بوساطة من فرنسا والولايات المتحدة. نصّ هذا الاتفاق على قاعدة اشتباك هشة وغير واضحة المعالم: "لن يطلق حزب الله النار من المناطق المأهولة بالسكان، ولن تقصف إسرائيل المناطق المأهولة بالسكان". علاوة على ذلك، شُكّلت لجنة تضم الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل لمراقبة الانتهاكات والتحقيق في الشكاوى. وهي تشبه إلى حد كبير "الآلية" التي أُنشئت بموجب اتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، والذي أعقب حرب غزة، وضمّ الأعضاء أنفسهم باستثناء سوريا، بالإضافة إلى قوات اليونيفيل. وبعد مرور 33 عامًا، أثبتت هاتان اللجنتان عدم فعاليتهما في وقف الأعمال العدائية. أكد "اتفاق أبريل 1996" حق حزب الله في استهداف مواقع عسكرية داخل "المنطقة الأمنية" جنوب نهر الليطاني، التي تحتلها إسرائيل ويسيطر عليها جيش لبنان الجنوبي، مع تجنيب المدنيين والمناطق السكنية على ضفتي النهر وفي إسرائيل. واعتُبر هذا الاتفاق نقطة تحول حاسمة، إذ أضفى شرعية ضمنية على عمليات حزب الله ضد الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي داخل الأراضي اللبنانية، وعزز بشكل غير مباشر النفوذ الإيراني المتنامي في لبنان. في الواقع، كانت طهران الرابح الأكبر من هذا الاتفاق، وأثبتت لحلفائها السوريين والفلسطينيين، وكذلك لأعدائها الأمريكيين والإسرائيليين، قدرتها على شن حروب عبر وكلائها، وبالتالي تقويض مساري أوسلو ومدريد للسلام. ومن المفارقات، أن وقف إطلاق النار واستمرار أنشطة حزب الله يتوافقان تمامًا مع الأهداف الأمريكية المتمثلة في الضغط على إسرائيل لتقديم تنازلات لسوريا، وتشجيع سوريا على التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل (يتبع). إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

صورة لبنانيّة تختزل الوقاحة الإيرانيّة
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

على خلفية ما يزيد على مليون نازح وركام ما يزيد على 55 قرية وبلدة لبنانية في الجنوب، أحيت "الجمهوريّة الإسلاميّة" في بيروت، عاصمة لبنان، أربعين "المرشد" الإيراني علي خامنئي الذي اغتالته اميركا وإسرائيل في 28 شباط – فبراير الماضي. ينمّ مشهد إحياء ذكرى خامنئي عن وقاحة ليس بعدها وقاحة، خصوصا أنه جلس في مقدم الحضور السفير الإيراني محمد رضا شيباني الذي اعتبرته الحكومة اللبنانية "شخصا غير مرغوب به". ليس بقاء السفير في بيروت، على الرغم من أنّه لم يقدّم أوراق اعتماده يوما، سوى دليل على مدى الاستخفاف الإيراني بلبنان واللبنانيين، وهو في الأصل استخفاف فارسي يستند إلى الاستعلاء على كلّ ما هو عربي في المنطقة. تختزل صورة الجالسين في الصفّ الأوّل، بينهم وزير الصحّة، أحد ممثلي "حزب الله" في الحكومة الوقاحة الإيرانيّة في لبنان. عمليا، تختزل الصورة رهان "الجمهوريّة الإسلاميّة" المستمرّ على الإمساك بلبنان وتحويله ورقة من أوراقها. لا تزال "الجمهوريّة الإسلاميّة" تراهن على الورقة اللبنانية منذ دخول طلائع "الحرس الثوري" مدينة بعلبك في ذلك اليوم المشؤوم من صيف العام 1982. ليس صدفة اختيار "الحرس الثوري"، الذي دخل إلى سهل البقاع من الأراضي السوريّة بحجة المشاركة في مواجهة إسرائيل، التمركز في ثكنة للجيش اللبناني اسمها ثكنة الشيخ عبدالله. كان المسّ بالجيش اللبناني هدفا أوّل لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة" ممثلة بـ"الحرس الثوري". تبدو صورة إحياء ذكرى أربعين الخامنئي أكثر من معبّرة. إنّّها تكشف أوّلا رفض "الجمهوريّة الإسلاميّة" الاقتناع بأن لبنان فصل مساره عن مسارها. لا تستطيع "الجمهوريّة الإسلاميّة" تصديق ذلك وتصديق أن لبنان يسعى إلى أن يكون بلدا خارج السيطرة الإيرانيّة المباشرة. يعود ذلك إلى عجز عن التعاطي مع الواقعين الإقليمي والدولي اللذين أديا إلى انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني بعد سنوات طويلة من نجاح منقطع النظير في استخدام الأدوات الإيرانية، خصوصا "حزب الله" اللبناني في ابتزاز العالم والعرب. ما بدأ بدخول "الحرس الثوري" إلى بعلبك وتمركزه في ثكنة للجيش اللبناني، في تحدّ لكل القوانين والأعراف الدوليّة، استمر بحملة إيرانيّة استهدفت الجامعة الأميركيّة في بيروت. خطف الإيرانيون، صيف 1982، بواسطة ادواتهم اللبنانيّة رئيس الجامعة ديفيد دودج من بيروت ونقلوه إلى طهران. ما لبثت السلطات الإيرانية أن أطلقت دودج بعد جهود بذلها رفعت الأسد، الذي كان يسعى إلى التقرب من الأميركيين وإظهار أنّ في استطاعته أن يكون يوما ما خليفة لشقيقه حافظ. استطاعت إيران طرد الولايات المتحدة من لبنان. انتصرت بالفعل على الوجود الأميركي في البلد، خصوصا بعد نسف السفارة الأميركيّة في بيروت في نيسان – ابريل 1983 ومقرّ "المارينز" قرب مطار بيروت في الشهر العاشر من تلك السنة. لحقت بأميركا، لدى نسف مقر المارينز الخسائر البشرية الأكبر منذ حرب فيتنام. قتل وقتذاك 245 عسكريا أميركيّا. لم تتوقف الحملة الإيرانيّة على الوجود الأميركي في لبنان يوما. لا حاجة إلى استعادة عمليات خطف الأميركيين في بيروت ولا اغتيال ملكوم كير رئيس الجامعة الأميركية في 1984... وصولا إلى يوم اغتيل فيه رفيق الحريري في 14 شباط – فبراير 2005 وما تلاه من فرض كامل للوصاية الإيرانية على البلد نتيجة الانسحاب العسكري والأمني السوري منه. يوجد عجز إيراني عن تصديق أن لبنان تغيّر وأن المنطقة تغيّرت. تؤكّد صورة إحياء ذكرى أربعين "المرشد" هذا العجز الذي تحوّل إلى وقاحة. لا تستطيع بقايا القيادة الإيرانية تخيّل "الجمهورية الإسلاميّة" من دون لبنان كبلد تابع لها. هناك رفض لواقع يتمثّل في أن لبنان يستطيع استعادة وضعه كدولة مستقلّة ذات سيادة والتخلّص في الوقت ذاته من وضع اليد الإيرانية التي أخذته إلى الكارثة الحالية. إنّّا كارثة لحقت بالشيعة قبل غيرهم وبأرض الجنوب وقراه وبلداته وأهله... لن تستطيع "الجمهوريّة الإسلاميّة" الهروب من الواقع الدولي والإقليمي إلى ما لا نهاية. يبدو جليّا أن الوقاحة التي لجأت إليها في لبنان جزء من هذا الهروب الإيراني بأبعاده المختلفة. من بين هذه الأبعاد الردّ على أميركا وإسرائيل باعتداءات على دول الخليج العربي. لا يمكن الاستمرار لأي بلد في العالم متابعة الهروب من الواقع إلى ما لا نهاية. الواقع يقول أن "الجمهوريّة الإسلاميّة" خسرت كل الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة، أكان ذلك في لبنان أو في سوريا أو في غزّة نفسها التي ابادتها إسرائيل من الوجود مثلما أبادت في الوقت ذاته قيادة "حزب الله". تظلّ خسارة سوريا الخسارة الأهمّ لإيران كونها الجسر إلى لبنان. لم يعد من وجود لـ"الهلال الشيعي" الذي كان يبدأ في طهران وينتهي في بيروت ويتمدد في اتجاه جنوب لبنان. باختصار شديد لا يمكن للوقاحة تغطية العجز. لا يغطي العجز غير الاعتراف بأن لبنان لم يعد محميّة إيرانية كما كانت سوريا في أيام حافظ الأسد وبشار الأسد، إيام كان فيها "الهلال الشيعي" حيّا يرزق.

​عفوٌ شيعي عام ... من أجل دخول العصر

تابعت مرة حديثاً طويلاً لأمين عام "حزب الله" الراحل السيد حسن نصرالله روى فيه بالتفاصيل الدقيقة ما حدث "يوم سبي نساء النبيّ"، وكان شديد التأثر. وأذكر أنني استغربت جداً استحضار الحادثة الأليمة كأنها وقعت قبل يومين أو ثلاثة، وعرضها بأسلوب لا يقبل الجدل في صحتها، لكأنها منقولة عن شهود عيان لا سبيل إلى الشك في صحة أقوالهم. بالطبع مرت في ذهني صور نساء قرويات يدمعن في الكنائس يوم الجمعة العظيمة لدى سماعهن ترتيلة "واحبيبي" أو "أنا الأم الحزينة"، لكن تلك الطقوس تبقى مربوطة بصبغتها الروحية وليس بزمن الحادثة ومكانها وظروفها كما في مراسم إحياء عاشوراء ومن إيامها "سبي نساء النبي". وأقول اليوم ​لعلّها المفارقة الأكبر في الذاكرة الجماعية لغالبية شيعية تكمن في البقاء أسرى لحظة "الطف"، كأن الزمن توقف هناك في كربلاء سنة 61 للهجرة. وبالأمس القريب، مطلع عام 2024، شهدت بغداد مشهداً سريالياً بامتياز: محاكمة ليزيد بن معاوية، لكأنّ القضاء المعاصر قادرٌ على حسم صراعٍ عمره أربعة عشر قرناً بقرار محكمة. ​والحقيقة أن هذه القضية الشديدة الحساسية لن تجد خواتيمها في أروقة المحاكم، بل في دهاليز النفس والذهنية التي تأبى حتى اليوم الخروج من "الحداد الأبدي". ​لقد آن الأوان لخطوة جريئة، ربما "صادمة" للبعض، لكنها ضرورية لمن يريد فعلاً عبور جسر التاريخ نحو المستقبل. نحن بحاجة إلى "عفو شيعي عام"، ليس من قبيل نسيان الجريمة، بل من باب التسليم بأن ما حدث كان صراعاً على السلطة، شأنه شأن آلاف الصراعات التي مرت بها الشعوب والدول عبر التاريخ، من مصر الفرعونية إلى امبراطوريات الفرس وبلاد ما بين النهرين وأثينا وروما إلى باريس وصولاً إلى أميركا. ​هذا العفو يجب أن يشمل الجميع، وحتى المتهم شمر بن ذي الجوشن، انطلاقاً من قاعدة "أنهم لا يدرون ماذا يفعلون". فالجميع كانوا أدوات في آلة حكمٍ لا ترحم، وقوداً لصراعٍ بشريّ صِرْف على الكرسي والنفوذ. ​وإذا كان الهاجس هو "العدالة"، فقد تولى المختار الثقفي المهمة في حينه، وأعمل السيف في رقاب القتلة وجميع المشاركين في تلك الفاجعة، او غالبيتهم ، فأغلق الحساب الدموي بالدم. أما استمرار الاستحضار النفسي للثأر اليوم وكل يوم، فهو وصفة لمزيد من الفواجع والنكبات والكوارث إلى أبد الآبدين. ` ​فتح صفحة جديدة ليس ترفاً، بل هو ملحّ. فدخول العصر مستحيل بذاكرة محملة بالدماء والندم والخصومات التاريخية ونداءات استعادة الكرامة الجريحة. نحن البشر نحتاج إلى غفران لنرتاح، إلى "العفو" لنمشي إلى الأمام. والتاريخ نقرأه لنتعلم منه، لا لنعيش فيه. اقلبوا الصفحة. صدقوني لا أجمل من الولادة من جديد صباح كل يوم. ​

الولايات المتحدة وإيران: صراع متجمد على خلفية الانقسام الإيراني

تتجه الأنظار إلى واشنطن، حيث تُعقد الجولة الثانية من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في تمام الساعة الحادية عشرة مساءً بتوقيت بيروت، على مستوى السفراء. في غضون ذلك، لا يزال الصراع بين إيران والولايات المتحدة عالقًا في منطقة التوتر الرمادية التي انزلق إليها. إلا أن هذه المنطقة الرمادية تتيح إمكانية التحول في أي لحظة نحو التصعيد أو خفض التصعيد، إذا ما تمكن الوسطاء، ولا سيما باكستان، من التوصل إلى اتفاق مقبول للطرفين. بالنسبة للبنان، فإن المخاطر أكبر بكثير وتتمحور حول هدفين، أحدهما قصير الأجل والآخر طويل الأجل: على المدى القصير، تتمثل الخطوة الأولى في ضمان تمديد وقف إطلاق النار. لاحقًا - وهذا سيكون أكثر تعقيدًا طالما بقي حزب الله مسلحًا - يتمثل الهدف في ضمان وقف العنف الإسرائيلي في جنوب لبنان، حيث يواصل جنود تل أبيب إنشاء منطقة عازلة من خلال عمليات الهدم، فضلًا عن الانسحاب النهائي لهذه القوات والإفراج عن الأسرى اللبنانيين المحتجزين في إسرائيل. هذه هي القضايا التي ستُناقش في البيت الأبيض، وليس في وزارة الخارجية، وفقًا لموقع أكسيوس. من المتوقع أن تطلب سفيرة لبنان، ندى معوض، بناءً على تعليمات من بيروت، تمديد وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ يوم الخميس الماضي، والذي يسري لمدة عشرة أيام فقط. كما يُتوقع أن تُطالب، خلال هذه الهدنة، الجيش الإسرائيلي بتعليق استهدافه للمنازل والمستشفيات والمؤسسات التعليمية وأماكن العبادة والصحفيين. سيحضر وزير الخارجية ماركو روبيو الاجتماع، إلى جانب السفيرين اللبناني والإسرائيلي، واللذين من المتوقع أن يلتقيا بالرئيس ترامب. على المدى البعيد، تأمل السلطات اللبنانية في التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل - قد يُسمى اتفاق سلام أو أي مسمى آخر - من السابق لأوانه تحديد ذلك - هدفه الرئيسي منع لبنان من الانخراط في حروب أخرى. ببدء حوار مباشر مع إسرائيل، تسلك الحكومة مسارًا محفوفًا بالعقبات، ولكنه ضروري لتحرير البلاد من حالة التبعية لإيران التي أغرقها فيها حزب الله. للمرة الأولى، تتمتع الحكومة اللبنانية بحرية التصرف بما يخدم مصالح الشعب اللبناني فقط، دون أن تُجبر، تحت ضغط حزب الله وحلفائه، على إعطاء الأولوية للحسابات الاستراتيجية لمختلف الأطراف. ومن هذا المنطلق وحده يجب فهم احتجاج حزب الله على العملية الدبلوماسية الجارية. وسيمثل اختتامها نهاية الدولة التابعة وظهور دولة ذات سيادة، إذا ما مضت الحكومة قدماً في مبادرتها السيادية ووقفت بحزم في وجه العقبات التي سيضعها المحور الموالي لإيران في طريقها بلا شك. وقد عقد النائب حسن فضل الله، الذي يبدو أنه عُيّن متحدثاً باسم الحزب، مؤتمراً صحفياً آخر يوم الخميس ليحذر من استئناف المحادثات المباشرة مع إسرائيل. وإلى جانب التهديدات المبطنة المعتادة، استغل فضل الله المشاعر في خطابه، متطرقاً إلى الاستهداف الجبان والمشين للصحفية أمل خليل، التي قُتلت يوم الأربعاء في غارة جوية إسرائيلية في منطقة الطيري، التابعة لبلدة بنت جبيل. إن تصريحاته، شأنها شأن تصريحات زعيمه نعيم قاسم، تميل إلى تشويه الواقع بهدف تصوير أنفسهم كمنقذين وهميين في وضع كارثي تتحمل منظمتهم مسؤوليته الكاملة، وقبل كل شيء، للدفاع عن شرعية زائفة لدولة شاذة يسعون إلى إدامة وجودها. وتُبرز هذه التصريحات، قبل كل شيء، التناقض بين نهجين: أحدهما يسعى إلى إبقاء لبنان رهينة لمصالح استراتيجية عابرة للحدود، حيث أثبت حزب الله بما لا يدع مجالاً للشك أنه لا يطيع إلا أوامر طهران، والآخر، بقيادة الحكومة اللبنانية، يتمثل في اتخاذ المبادرات والتدابير اللازمة لحماية الشعب اللبناني من المخاطر التي يعرضه لها حزب الله. وفي هذا السياق، أكد الرئيس جوزيف عون، خلال اجتماع مجلس الوزراء يوم الخميس، استعداده للسفر إلى واشنطن لإجراء محادثات مع الرئيس دونالد ترامب بشأن القضية اللبنانية الإسرائيلية، مشدداً على أهمية هذا الاجتماع للتطورات المستقبلية، ولا سيما لإعادة إعمار لبنان. لم يُعلّق على تصريحات السيد ترامب التي أعلن فيها نيّته دعوة نظيره اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لإجراء محادثات، لكن رئاسة الجمهورية صرّحت عبر حسابها على مواقع التواصل الاجتماعي بأن جوزيف عون "لم يُفكّر قط في التواصل مع نتنياهو". وفي هذه العملية لاستعادة السيادة اللبنانية، يحظى لبنان بدعم غالبية الشعب اللبناني والمجتمع العربي والدولي. أما المملكة العربية السعودية، التي تُراقب الوضع عن كثب،على الرغم من الحوار الجاري بين بيروت وتل أبيب، وتركيز السعودية المستمر على إنعاش لبنان، فقد أرسلت مبعوثًا إلى العاصمة اللبنانية. وأجرى الأمير يزيد بن فرحان، مستشار وزير الخارجية السعودي، سلسلة من المباحثات مع مسؤولين، من بينهم رئيس مجلس النواب نبيه بري، حليف حزب الله. وخلال هذه المحادثات، شدد المبعوث السعودي على ضرورة تنفيذ اتفاق الطائف، الذي ينص، من بين أمور أخرى، على نزع سلاح جميع الفصائل المسلحة، واستطلع آراء مضيفيه اللبنانيين بشأن الحوار مع إسرائيل. استقالة قاليباف؟ يجري هذا الحوار في ظل تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، الذي يستغل هذه "المقاومة" الغامضة لإطلاق طائرات مسيرة، بدلًا من الصواريخ، على شمال إسرائيل. وفي المنطقة التي يرسمها "الخط الأصفر" سيئ السمعة، وهو خط وهمي يهدف إلى تحديد حدود منطقة عمليات الجيش الإسرائيلي، يبدو الأمر كما لو أن الحرب لم تتوقف. مع ذلك، مساء الخميس، نفّذ الجيش الإسرائيلي عملية خارج هذه المنطقة، مستهدفًا سيارة على طريق شوكين (حي النتابية) ومُتسببًا في مقتل ثلاثة أشخاص. ويبدو من الجانبين الإيراني والأمريكي أن الوضع هادئٌ نسبيًا في الوقت الراهن، حيث يتبادل الخصمان المراقبة عن بُعد، في تحدٍّ لمعرفة من سيتراجع أولًا. والخبر الوحيد الذي كسر هذا الروتين من الضغط هو احتمال استقالة رئيس البرلمان الإيراني محمد قاليباف من منصبه كرئيس للوفد التفاوضي. وقد أفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية بذلك، لكن لم تؤكده بعد مصادر إيرانية رسمية. وإذا ما تأكدت صحة هذا الخبر، فإن استقالة قاليباف ستُظهر بوضوح مدى الانقسامات داخل القيادة الإيرانية. في الوقت الراهن، لا يزال التوتر بين طهران وواشنطن يدور حول مضيق هرمز، الخاضع لسيطرة الجمهورية الإسلامية، والحصار الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية. وقد أعلنت إيران أنها بدأت بتحصيل رسوم عبور من سفن الشحن التي تسمح لها بالمرور عبر المضيق، بينما أعلن دونالد ترامب أنه أصدر أوامره للبحرية الأمريكية باستهداف كاسحات الألغام. وصرح حميد رضا حاجي بابائي، نائب رئيس البرلمان الإيراني، لوكالة أنباء تسنيم، قائلاً: "تم إيداع أولى إيرادات رسوم عبور مضيق هرمز في حساب البنك المركزي". وفي الوقت نفسه، أعلن الحرس الثوري الإيراني سيطرته على سفينتي شحن في خليج عُمان، في ما يبدو أنه رد على احتجاز البحرية الأمريكية لسفينة تجارية إيرانية. وعلى شبكته الاجتماعية "تروث سوشيال"، زعم دونالد ترامب أنه أمر البحرية "بإسقاط كل قارب، مهما صغر حجمه، يزرع ألغامًا" في مضيق هرمز. وأضاف: "كاسحات الألغام التابعة لنا تقوم بتطهير المضيق الآن. وأمر بمواصلة هذا النشاط، ولكن بثلاثة أضعاف مستواه الحالي". ويبقى أن نرى إلى متى ستستمر استراتيجية الضغط المحسوبة هذه التي تنتهجها إيران والولايات المتحدة. هل ينتظرون انفراجة ما في جهود استئناف المحادثات في إسلام آباد؟ بينما يتفق الطرفان على إعطاء الأولوية للدبلوماسية في مواجهتهما بشأن القضايا النووية والصواريخ الباليستية، ولبنان من الجانب الإيراني - وهو موقف ترفضه واشنطن - يبدو أن رؤيتهما أقل وضوحًا بشأن نتائج استئناف العمليات العسكرية. إسرائيل وحدها، التي تدّعي باستمرار استعدادها لشنّ هجوم عسكري، تبدو وكأنها تمتلك فكرة واضحة عن هذا الأمر. صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل ساعر يوم الخميس بأن تل أبيب "تنتظر فقط الضوء الأخضر الأمريكي للقضاء على سلالة خامنئي وإعادة إيران إلى العصر الحجري".