شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الانتخابات الفلسطينية... "باقون"
بقلم
هشام دبسي
نُشر

بعد عملية ٧ اكتوبر "طوفان الاقصى"، كما سمّتها حركة حماس، تطوّر ردّ الفعل الاسرائيلي ليشمل الانتقام من الشعب الفلسطيني في غزة و الضفة الغربية وصولاً إلى حرب التهجير و الإبادة. حينها تًبًنّت السلطة الوطنية في رام الله مطلب الحماية الدولية، و رفعت شعار من كلمة واحدة هو "باقون" لِكسر التوحّش الاسرائيلي ؛ المدعوم من بعض الدول الغربية، فضلاً عن تنفيذ التطهير العرقي باتجاه صحراء سيناء. لولا أنّ مصر والأردن اتّخذتا موقفاً صلباً في دعم السُّلطة الوطنيّة ورئيسها محمود عباس خلف هذا الشعار، الذي ما زال معتمداً في كافّة المحافل السياسيّة والدوليّة، و ناظماً للنشاط اليومي الفلسطيني. هذا ما شهدناه في الانتخابات المحلية والبلدية التي جرت مؤخراً في الضفة الغربية و في مدينة واحدة في قطاع غزّة هي دير البلح. دير البلح النّاجِيَة إليها لجأ الزحف البشري من مدينة غزة في الشمال ورفح وخانيونس من الجنوب اثر عمليات التدمير المُمنهج. وتحوّلت المدينة الى كتلة بشرية متراكمة على بعضها البعض من النّاجين. وعلى الرّغم ممّا أصابها بالقصف و التدمير، إلّا أن الكثافة البشرية انتصرت على حرب الإبادة. سُمّيت هذه المدينة نسبةً للدير الذي أسّسهُ القِدّيس هيلاريون المُتَوفّى عام 372 م وهو اول دير مسيحي في قطاع غزة تحيط به غابة من النّخيل. بعدما كان اسمها الكنعاني "الداروم" او "الدارون" صار اسمها دير البلح. هكذا استمرّت عامرةً على خريطة البشرية منذ القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وفق ما تدل عليه آثارها الثقافية وقلعتها ومدافن من اسّسها وسكنها وعمّرها. إنّ إصرار السلطة الوطنية في "رام الله" على التمسُّك بالوحدة الجغرافيّة الفلسطينية جَعَلَ الخيار الوحيد لاجراء الانتخابات في هذه المدينة هو الخيار الممكن انتزاعه من رئيس "مجلس السلام" دونالد ترامب للبرهنة على بقاء مسار حل الدولتين حياً. هذا الانتصار الجزئي الذي حقّقه شعار "باقون" في وطننا يُبنى عليه الآن العمليات الانتخابية لإعادة انتاج الشرعية مجدداً في هذا العام. اشكالية دستورية ثار الجدل الداخلي ولم يهدأ بعد، حول المرسوم الرئاسي القاضي بتعديل "قانون 23" لسنة 2025 بشأن الانتخابات وجوهر التعديل هو العبارة التالية [إقرار مرشّحي القائمة بقبولهم الانتخابات المحليّة في القائمة والتزامهم بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثّلاً شرعيّاً و وحيداً للشعب الفلسطيني، و برنامجها السياسي الوطني، و قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة]. على هذا اتّحدت فصائل الاسلام السياسي واليسار القومي مثل "حماس" والجبهة الشعبية، التي قادها سابقاً الدكتور جورج حبش،على رفض المشاركة في الانتخابات بينما بعض النُّخب الفلسطينيه استمرّت بالمجادلة والطعن في شرعيتها والتقليل من أهميتها. هذا الجدل ليس جديداً وهذا التعديل ما هو إلّا تصحيحٌ لخطأ استراتيجيٍ سابقٍ ارتكبته السُّلطة الوطنية، لأنها سمحت في الانتخابات العامّة منذ تسعينيات القرن الماضي بمشاركة القوى المتطرّفة التي أعلنت الحرب على "اتفاق اوسلو" وعملت على إسقاط السلطة الوطنية و اتّهمتها بالخيانة. وما زالت حتى اليوم تسعى لتحقيق هذا الهدف، انطلاقاً من رفضها المطلق للبرنامج الوطني المُعلَن عام 1988 و "وثيقة اعلان استقلال فلسطين". ولما كانت الحالة السياسيّة الفلسطينيّة لم تنضج بعد لاعلان الدستور الذي يُشكّل المرجعية الاولى لشرعية اي سلطة منتخبة فإنّ مرجعية "وثيقة الاستقلال" و اعتراف غالبية دول العالم بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيداً، هو الأساس القانوني و الدستوري حتى نتمكن من إقرار دستور دولة فلسطين. في النتائج في اثر غياب القوائم الحزبية والفصائلية عن انتخابات البلديات، ارتفع وزن و دور العائلات والعشائر، باعتبارها الأُطُر الفاعلة في المجتمع الفلسطيني و ازدادت قدرتها بالتزامن مع ضعف السلطة وأجهزتها الأمنية في هذه المرحلة. إلّا أنّ هذا لم يُخْفِ إنتماء القوائم الانتخابية لأحد القطبين سواء فتح أو حماس في ظلّ انحسار و تراجع القوى المستقلّة خارج هذا الانقسام العمودي. واذا كانت النتائج في دير البلح والضفة الغربية جاءت لمصلحة فتح، فإنّ القياس هنا لا يُحْسَب للمنتصر بِقَدَر ما يُحْسَب لِنسبة المشاركة أوّلاً، إذ بَلَغَت في الضفة الغربية 56% بالمقارنة مع نسبة الإقتراع في عام 2017 التي لم تتجاوز 53.7% وهذا يعني أنّ إعلان المقاطعة لم يُخفِض نسبة الاقتراع على الرّغم من الضعف الشديد الذي تعانيه السلطة الوطنية من الإحتلال الإسرائيلي واجراءاته القمعية والمُذِلّة في آنٍ واحد. وفي تفسيرٍ آخر، يُمكن القول أنّ فتح التي تعاني من هبوطٍ في أداء تنظيمها وأداء كوادرها في أجهزة السُّلطة والوزارات لم تكُن هي الرافعة، بقَدَر ما كان التيار الفتحوي الجماهيري هو الرافعة لحركة فتح قبل التنظيم. وما زال هذا التيّار حاضراً في كافّة تشكيلات الحالة الفلسطينيّة بقوة مهما بلغت مشكلات التنظيم واجهزة حركة فتح. إنّ المسألة الأهم ليست فوز حركة فتح، إنّما قدرة السُّلطة الوطنية وهي تحت اقسى الضغوط على تحقيق شعارها "باقون" الذي يُؤرِّق حكومة إسرائيل الأكثر تطرُّفاً، ويبرهن على فشلها في التطهير العرقي والتهجير المُعْلَن. اما الانتخابات في دير البلح و هي وحدة الربط مع الضفة الغربية، ونموذج للنّاجين من الإبادة و"الباقون" في قطاع غزة فقد جَرَت المنافسة فيها على 15 مقعد في البلدية و شاركت فيها أربع قوائم انتخابية. حيثُ حصلت قائمة "نهضة دير البلح" المُقرّبة من حركة فتح على ستّة مقاعد وقائمة "مستقبل دير البلح" على خمسة مقاعد، بينما قائمة "السلام والبناء" المستقلّة حصلت على مقعدين، أمّا قائمة "دير البلح تجمعُنا" المُقرّبة من حماس حصلت على مقعدين أيضاً. إنّ أهمية إعادة الحياة للعملية الانتخابية ، مهما كانت نواقصها وثغراتها، هي الطريق الوحيد لإعادة تفعيل النظام السياسي الفلسطيني، من أجل تمكين المواطن من ممارسة حقه الانتخابي باعتباره جزء من حقه في تقرير مصيره؛ لا سيّما أن هذا العام سيشهد أيضاً قبل نهايته، انتخابات المجلس الوطني والمجلس التشريعي، و كذلك الانتخابات الرئاسيّة. فان استطاعت السلطة الوطنية إنجاز المرحلة الأكثر خطورةً وتعقيداً في الانتخابات يمكن أن ترسو سفينة فلسطين في ميناء غزة.

المفاوضات: الولايات المتحدة وإيران تلعبان ورقة الوقت

يمكن وضع الأسبوع الماضي تحت علامة المماطلة على مستوى المفاوضات الأمريكية الإيرانية، حيث لم يُسجل أي اختراق كبير رغم اقتراحين إيرانيين نقلهما الوسيط الباكستاني إلى الولايات المتحدة. حتى ذلك الحين، كان العديد من المحللين يؤكدون أن إيران تلعب ورقة الوقت، من خلال الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز، في مواجهة دونالد ترامب الذي سيكون في عجلة من أمره لإنهاء الحرب، قبل أن يضطر إلى تقديم حساب إلى الكونغرس، بعد 60 يوماً من الحرب، كما ينص الدستور الأمريكي. ولكن منذ ذلك الحين، حدث تحول في الوضع: الحصار الأمريكي على الموانئ الإيرانية هو الذي يضع ضغطاً على طهران. العواقب واضحة من خلال الانخفاض الكبير جداً في قيمة عملتها الوطنية والانهيار الاقتصادي الذي يصعب على السلطات الإيرانية إخفاؤه، رغم خطابها الانتصاري. في الوقت نفسه، تمكن الرئيس الأمريكي هذا الأسبوع من تجاوز عقبة الكونغرس من خلال اعتبار أنه نظراً لوقف إطلاق النار منذ 7 أبريل، فإن أيام الحرب لا تُحسب بـ 60 بل 38. فهل أصبح الوقت ينفد لدى الإيرانيين أكثر من الأمريكيين الآن؟ في حين بدأ الأسبوع برفض أمريكي لاقتراح إيراني أول، أرسل المفاوضون الإيرانيون يوم الجمعة اقتراحاً ثانياً إلى الولايات المتحدة عبر الوسيط الباكستاني. الشروط المطروحة تظل متطابقة تقريباً مع الأولى: مهلة شهر واحد لحسم القضايا الرئيسية العالقة، ووقف نهائي للأعمال العدائية على جميع الجبهات، خاصة في لبنان، وتأجيل المحادثات بشأن النووي، وإعادة فتح مضيق هرمز، وتعويضات عن أضرار الحرب، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة... «إيران لم تدفع بعد ثمناً باهظاً بما فيه الكفاية» على هذا الاقتراح، رد دونالد ترامب بشك (حتى لو لم يُعطَ الرد الأمريكي الرسمي بعد). أمام الصحفيين في البيت الأبيض، أكد أنه غير «راضٍ». ثم كتب على شبكته تروث سوشال (Truth Social): «إيران لم تدفع بعد ثمناً باهظاً بما فيه الكفاية». وحتى لو تميزت الأيام الأخيرة بالترقب على جبهة المفاوضات الإيرانية الأمريكية، فإن قرع طبول الحرب لم يختف تماماً. وهكذا، قرب نهاية الأسبوع، قدر الجيش الإيراني نفسه أن استئناف القتال مع الأمريكيين «محتمل»، متهماً إياهم مرة أخرى بعدم احترام أي اتفاق. من جانبه، نقل موقع أكسيوس (Axios) الأمريكي معلومات تفيد بأن القيادة المركزية الأمريكية للشرق الأوسط قد أعدت خطة لضربات قصيرة الأمد وعالية الكثافة على إيران، في حال كان ذلك ضرورياً لفتح باب المفاوضات. الإسرائيليون، المستاؤون منذ بداية هذه الهدنة في القتال، لم يقفوا مكتوفي الأيدي: يوم الخميس، قال وزير دفاعهم يسرائيل كاتس إن بلاده قد تتحرك مرة أخرى ضد إيران. تكلفة باهظة على جميع المستويات كان هذا الأسبوع أيضاً أسبوع عودة ظهور لاعب رئيسي آخر في الشرق الأوسط، كان متوارياً عن الأنظار حتى ذلك الحين: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي استقبل في نهاية الأسبوع الماضي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، أجرى محادثة هاتفية مع دونالد ترامب هذا الأسبوع. أعلن الكرملين أن بوتين أوضح لترامب العواقب الوخيمة التي قد تترتب على أي حملة عسكرية جديدة ضد إيران. على أي حال، هذه الحرب التي بدأت في 28 فبراير الماضي لها تكلفة على جميع المستويات. عالمياً، يجبر ارتفاع أسعار الوقود الحكومات في جميع أنحاء العالم على اتخاذ تدابير للحد من أضرارها، ويؤثر على جميع القطاعات: مثال صارخ هذا الأسبوع هو إيقاف شركة طيران أمريكية لأسطولها عن التحليق. بالنسبة للولايات المتحدة، كلف هذا الصراع 25 مليار دولار حتى الآن، وفقاً لتقديرات البنتاغون. تكلفة لإيران بالطبع، التي بدأت تظهر عليها علامات الإرهاق. وللصين أيضاً، بشكل غير مباشر، التي كانت تستورد جزءاً كبيراً من نفطها من إيران بأسعار تفضيلية. نتيجة أخرى للحرب في إيران، هي الاستمرار المحموم في اعتقال المعارضين والإعدامات. هذا الأسبوع، استنكرت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة 21 إعداماً وما يقرب من 4000 اعتقال في إيران منذ بداية الصراع السابق. تتزايد في وسائل الإعلام التقارير حول مخاوف الحرس الثوري من انتفاضة شعبية جديدة محتملة بسبب الصعوبات الاقتصادية. كذلك في الداخل الإيراني، تجدر الإشارة إلى تقرير نُشر هذا الأسبوع من قبل وكالة رويترز (Reuters) يُظهر سيطرة الحرس الثوري الإيراني على البلاد من الآن فصاعداً، في ظل مرشد أعلى ضعيف. الساحة اللبنانية، ضحية تصادم الأجندات بموازاة حالة الترقب في الملف الإيراني، تغلي الساحة اللبنانية على مستويات عدة. وتبقى محكومة بالتجاذبات بين المعسكر الذي لا يزال متمسكاً بالنفوذ الإيراني، والسلطات الرسمية اللبنانية التي تحاول انتشال البلاد من هذه الهيمنة، حتى وإن كانت معرضة لضغوط أمريكية متزايدة الإلحاح. تجلت هذه التجاذبات هذا الأسبوع في فشل اجتماع كان مقرراً في القصر الجمهوري في بعبدا بين رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس البرلمان نبيه بري (وهو أيضاً رئيس حركة أمل، الحركة الشيعية الحليفة لحزب الله) ورئيس الوزراء نواف سلام، لمناقشة آليات المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، والتي بدأت في الأسبوع الأول من شهر مارس. التردد جاء من بري، الذي كان قد أبدى سابقاً تفضيله للمفاوضات غير المباشرة، معتبراً في مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط أنه «ليس من المبرر التفاوض تحت النيران الإسرائيلية». الرئيس عون، من جانبه، يتعرض لضغط أمريكي مكثف من أجل عقد لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض. لكنه يستمر في رفض ذلك ما لم يكن هناك وقف كامل لإطلاق النار، قائلاً إنه يفضل، وفقاً لمصادر بعبدا لقناة إم تي في (MTV)، أن تأتي «الصورة» التي تبحث عنها واشنطن لتتويج اتفاق محتمل، وليس أن تسبقه. في مواجهة الضغوط الداخلية، صرح الرئيس بوضوح هذا الأسبوع بأنه سيرفض «اتفاقاً مهيناً للبنان». على الجانب الأمريكي، بدأ نفاد الصبر يظهر. ذكر دونالد ترامب، في أحد تصريحاته المباغتة، أن لقاء عون ونتنياهو سيعقد «في غضون أسبوعين». لكن الضغط الأكثر إلحاحاً جاء من بيان للسفارة الأمريكية في بيروت يوم الخميس، والذي يسلط الضوء على «إمكانية أن يحصل لبنان على ضمانات ملموسة للسيادة الكاملة، واستعادة كامل أراضيه، وأمن حدوده، ودعم إنساني ومساعدة في إعادة الإعمار» من قبل الولايات المتحدة، إذا قبل بمثل هذا اللقاء. البيان يتحدث عن «فرصة تاريخية». لا شك أن الرئيس عون هو في قلب كل التجاذبات، تماماً مثل رئيس الوزراء نواف سلام. إنهما مستهدفان بانتظام بحملات تشهير تتزايد في تنظيمها وشراستها من قبل «جمهور المقاومة». هذا الأسبوع، تحدث تقرير للاستخبارات الإسرائيلية، نقلته وسائل إعلام إسرائيلية، عن تهديدات «محتملة» لحياة الرئيس اللبناني بسبب التزامه بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل. تهديد «تأخذه بعبدا على محمل الجد»، وفقاً لمصادرها لوسائل إعلام لبنانية، لكنه «لن يدفع الرئيس للتراجع عن مبادرته لإنقاذ لبنان». «الطيور الغاضبة» والعنف في الجنوب يتمسك جوزيف عون إذن بمبادئه لعبور العاصفة، التي تشتد أيضاً من الداخل. نشرت الكتلة النيابية لحزب الله بياناً شديد اللهجة بشكل خاص هذا الأسبوع، تندد فيه بـ«انحدار» السلطات اللبنانية في التزامها بالمفاوضات مع تل أبيب، متهمة إياها بـ«الخضوع للإملاءات» الأمريكية. انتقلت التوترات أيضاً إلى الفضاء الافتراضي: فقد أثار فيديو رسوم متحركة ساخر نشرته قناة (LBCI) يُظهر قادة حزب الله، وخاصة أمينه العام نعيم قاسم، في شكل شخصيات «الطيور الغاضبة» (Angry Birds)، استياءً كبيراً بين «جمهور حزب الله» والكثير من الشتائم. وقد صب هؤلاء غضبهم على البطريرك الماروني بشارة الراعي، الذي كان ضحية حملة تشويه تجاوزت كل الخطوط الحمراء الممكنة، والتي تمت إدانتها من قبل أقطاب السلطة الثلاثة. تُفسر حالة التوتر هذه في قواعد حزب الله بشكل خاص بالوضع في جنوب البلاد: فقد كان الأسبوع عنيفاً للغاية، مع تزايد أعداد الغارات الجوية والقصف وتفجير قرى بأكملها والوفيات. وحتى لو بدت إسرائيل هي الأخرى عالقة في مستنقع، فإن الأضرار تكاد تكون ضئيلة من جانبها مقارنة بتلك التي تكبدها حزب الله والشعب اللبناني. يوم الأحد، أطلق الجيش الإسرائيلي مجدداً دعوة لإخلاء إحدى عشرة قرية جديدة. يُسجل هذا الأسبوع، طلب تقدم به نتنياهو خلال اتصال هاتفي مع ترامب، لتوسيع العمليات في لبنان. وهو طلب رفضه الرئيس الأمريكي الذي لا يريد تعريض المفاوضات حول الملفين للخطر. وقد «نصح» هذا الأخير رئيس الوزراء الإسرائيلي بالتوقف عن تدمير المباني في لبنان لأن ذلك «يسيء إلى صورة إسرائيل».

عن اختفاء المكتبات في زمن الحرب
بقلم
ريتا باروتا
نُشر

"الذاكرة في خطر. كتبكم وكتبنا في خطر داهم ". بهذه العبارة علّقت رشا الأمير، الكاتبة والناشرة اللبنانية، على صورة مكتبة عزة بيضون، الباحثة التي تعنى بقضايا المرأة، في بنت جبيل. فلا خبر مؤكّد عن وضع المنزل. ولا عن مصير المكتبة. هنالك فقط الكثير من القلق الذي يتنقّل بين الناس، وأسئلة تُطرح بلا جواب: من معه الخبر اليقين؟ ماذا بقي؟ ماذا اختفى؟ في طيات هذا القلق تحديداً، يبدأ معنى الفقد الذي يتشكّل في لحظة غياب اليقين. ها هو الانتظار معلّق بين صور أقمار صناعية غير واضحة، وبين ذاكرة تستبق الكارثة. فالاختفاء لا يحتاج إلى تأكيد كي يصبح واقعاً نفسياً، والخسارة تُعاش قبل أن تُثبت. لعلها تعاش بالف شكل، والف سيناريو محتمل، كل سيناريو افظع من الآخر. ماذا يعني أن تختفي مكتبة، وتحديدا مكتبة شخصية، قضى صاحبها سنوات طوال في جمعها، وحبها، ولمسها، وجعلها ارثا له. من لديه مكتبة شخصية- ونحن كثر كثر كثر في هذا البلد- نعي بأنها ليست مجرد رفوف وكتب. هي زمننا المتراكم، طبقات قراءاتنا، طبقات من تبعثر انتباهنا، من الرحيل عنها، والعودة اليها. كتبنا، تحملنا ولا نحملها. تحمل أثر يدنا التي مرّت عليها، خطوطا بقلمنا، تعليقاً في الهامش، إشارة إلى صفحة ستُقرأ لاحقاً. ولن تقرأ. كتبنا، تركيبة حية لذاكرتنا، التي في كثير من الاحيان، لا نتذكرها الا حين تذكرنا بنفسها. فمكتبتنا هي المكان الذي تتشكّل فيه علاقتنا البطيئة مع المعرفة. لذا، هي حميمة، وغالية، ولا تعوّض. وخسارتها هي خسارة الشيء الحسي الوحيد الذي يشبه دهاليز نفسنا. في رواية "شرطة الذاكرة"، ليوكو أوغاوا، تختفي الأشياء تدريجياً. تُمحى من الواقع، ثم من الذاكرة. فهناك من سلطة تنظّم هذا الاختفاء، وتراقبه، وتفرض منطقه. لينسى الناس، ويتكيّفون مع النسيان، إلى أن يصبح الغياب جزءاً من نظام لا خلل فيه. تختفي الأشياء، وتختفي معها الكلمات التي كانت تسميها، إلى أن يصبح من الصعب حتى استعادة فكرة أنها كانت موجودة يوماً. في سياقنا، يحدث الاختفاء بطريقة مختلفة. فلا جهة واحدة تفرضه، ولا زمن يسمح باستيعابه. فالأشياء تختفي لأن العالم الذي يحتويها يتداعى: الكتب تختفي مع البيوت، مع الغرف، مع الأيدي التي كانت تقرأها. ويحدث ذلك دفعة واحدة، بسرعة تفوق القدرة على الإدراك، وتمنع تشكّل أي مسافة تسمح بالتأمّل أو الاستيعاب. عبر التاريخ، لم يكن تدمير الكتب حادثاً عرضياً. حين تُستهدف المكتبات، يُستهدف ما تحمله من معرفة وذاكرة واستمرارية. يستخدم مفهومان لوصف هذا الفعل biblioclasm ، أي تدمير الكتب، و libricide ، أي تدمير الكتب والمكتبات كفعل موجّه. من دون ريب ولا شك، يعتبر ذلك شكلاً من أشكال «قتل الكتب»، اي عنف يستهدف الذاكرة نفسها، ويعمل على محو أثرها وقطع امتدادها. لا يقتصر استهداف الكتب على إزالتها من التداول، بل يمتد إلى تقليص ما يمكن أن يُفكَّر فيه أو يُعاد تصوّره. لهذا السبب، تكرّر استهداف الكتب عبر الأزمنة، من مكتبات العالم القديم التي اختفت، إلى إحراق الكتب في أوروبا، إلى تدمير الأرشيفات في الحروب الحديثة، ظلّ الكتاب هدفاً دائماً. هدفت السيطرة على المعرفة التحكم بما يمكن أن يُروى، وبما يجب ان يُمحى، وبما يُترك خارج الحكاية. فكل مكتبة تُدمَّر تحمل معها احتمالاً أقل لفهم ما حدث، أو لإعادة روايته. في المقابل، يقدّم التاريخ أيضاً حكاية موازية. ففي لحظات الخطر، حاول الناس إنقاذ الكتب بطرق شتّى. أخفوا مخطوطات، دفنوا نصوصاً، أو نقلوها إلى أماكن بعيدة. في الصين القديمة على سبيل المثال، حين أُحرقت الكتب، اختار بعض العلماء إخفاءها. وفي أزمنة أخرى، حُفظت نصوص داخل كهوف أو بين جدران مغلقة، لتظهر بعد قرون. أحياناً كثيرة، لم يبقَ النص كما هو، بل كُتب فوقه نص آخر، في طبقات متراكمة من المعنى. كأن الذاكرة، حتى حين تتعرّض للمحو، تبحث عن شكل آخر للبقاء، وعن طريقة للعودة. لا تعني هذه الحكايات أن الكتب لا تختفي، لانها تشير إلى أن اختفاءها كان يُقابل بمحاولة او محاولات لدرىء هذا الاختفاء. اما في أماكن أخرى من هذا الكوكب العليل، كان الاختفاء يحدث في لحظة واحدة واضحة. حين احترقت مكتبة سراييفو، لم يكن الأمر مجرد حريق، بل إزالة لذاكرة مدينة كاملة، لحظة يمكن الإشارة إليها، تأريخها، والعودة إليها بوصفها حدثاً مفصلياً. أما في الحرب اللبنانية، فقد اتخذ اختفاء الكتب شكلاً مختلفاً. لم يكن هناك حدث واحد يختصر القصة. فقد تآكلت المكتبات عبر النهب، والتبعثر، والانتقال من يدٍ إلى أخرى. ومع انهيار مؤسسات الدولة، تحوّلت الممتلكات الثقافية إلى أجزاء متناثرة: كتب بيعت، أخرى سُرقت، وثالثة تُركت في بيوت مهجورة. تفكّكت الذاكرة إلى عناصر منفصلة، من دون سياق يجمعها، ومن دون إمكانية تتبّع مسارها. يتكرّر هذا المشهد اليوم بطريقة أكثر قسوة. تختفي مكتبات شخصية بصمت مطبق. كأن رثاء مكتبة يصبح ترفاً في زمن يموت فيه أطفال وتُهدم قرى. تختفي المكتبات من دون توثيق، ومن دون يقين كامل بخسارتها لأن المكان الذي كانت فيه لم يعد موجوداً، أو لم يعد من الممكن الوصول اليه. تشبه المكتبات الخاصة مخازن الذاكرة، بذور لما كنّا عليه، وربما لما يمكن أن نكونه. فكل مكتبة تحمل ترتيباً خاصاً، وذائقة، ومسار حياة. ترتيبنا للكتب على الرفوف ليس عشوائياً، بل يعكس علاقة فردية مع المعرفة. وحين تختفي هذه المكتبات، لا تختفي الكتب وحدها، بل تحديدا هذا الترتيب، وهذه العلاقة، وهذه السيرة غير المكتوبة. في كتابها "اختراع الكتب: اللامتناهي في بردية" (دار الآداب، 2024، ترجمة مارك جمال)، تتتبّع إيريني باييخو تاريخ الكتب كرحلة نجاة طويلة. استمرّت النصوص عبر قرارات متكرّرة: أن يحملها أحدهم، أن ينسخها، أن يخفيها، أن ينتشلها من حريق أو من إهمال أو من نسيان. فتاريخ الكتاب هو تاريخ هذا الإصرار المتواصل على إبقائه حيّاً، رغم هشاشته. ما يتبدّل اليوم يمسّ هذه السلسلة نفسها. فهشاشة الكتب كانت دائماً جزءاً من قصتها. اما الجديد فهو انقطاع اليد التي تلتقطها في اللحظة الأخيرة. حين تختفي مكتبة تنكسر حركة كاملة من النقل وتتلاشى إمكانية أن يُعاد فتح الكتاب في زمن آخر، وأن يُقرأ على نحو مختلف. فالخسارة تمتدّ إلى ما كان يمكن أن يستمر عبره. وندخل معاً في هذا الفراغ: فراغ السرد، وفراغ الذاكرة، وفراغ المعنى الذي لم يُبنَ. هناك، يعود صوت رشا الأمير، لا كتعليق، بل كمرثية: "الذاكرة في خطر". نرثي، لأننا نعرف جيداً ما يمكن أن يكون قد اختفى.

انسحاب عسكري أمريكي من ألمانيا: ترامب يصفي حساباته مع أوروبا

الخبر الرئيسي لهذا السبت لا يتعلق بالصراع بين طهران وواشنطن بل بإحدى عواقبه، ألا وهي الأزمة الناشئة بين أوروبا والولايات المتحدة التي تدرس خفض وجودها العسكري في ألمانيا بشكل كبير. تخطط واشنطن بالفعل لسحب حوالي 15٪ من بين 36 ألف جندي متمركزين في ألمانيا، أي ما يقرب من 5000 عسكري، وهو انسحاب يقدر البنتاغون إمكانية إكماله في «غضون الأشهر الستة إلى الاثني عشر القادمة»، وفقاً للمتحدث باسمه شون بارنيل. ستكون هذه الخطة، التي أعلنها البنتاغون، هي النتيجة الأولى للمواجهة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، التي انتقدها الأخير مراراً بسبب سلبيتها في الحرب التي يواجه فيها إيران منذ 28 فبراير. وكان دونالد ترامب قد أعرب الأسبوع الماضي عن انزعاجه من المستشار الألماني، بعد تبادل حاد بينهما حول الحرب في إيران. ويوم الجمعة، انتقد أيضاً إيطاليا وإسبانيا لنفس السبب. هل سيكون سحب القوات الأمريكية من ألمانيا الخطوة الأولى نحو انسحاب أمريكي كامل من الحلف الأطلسي؟ لا يزال من السابق لأوانه الإجابة على هذا السؤال. لأنه، في حين أخذت برلين علماً يوم السبت بالقرار الأمريكي ودعت أوروبا إلى تعزيز أمنها، يعتزم حلف شمال الأطلسي من جانبه التباحث مع واشنطن من أجل «فهم أفضل» لهذا القرار. وبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، فاجأ هذا القرار العديد من الدول الأوروبية، بل وحتى مسؤولين عسكريين أمريكيين لم يعتقدوا أن الرئيس الأمريكي سينفذ تهديداته. ومع ذلك، يبدو أن ألمانيا كانت تتوقع ذلك، كما أعلن وزير الدفاع الألماني. وعلق بوريس بيستوريوس قائلاً: «كان من المتوقع أن تنسحب قوات الولايات المتحدة من أوروبا ومن ألمانيا أيضاً». وأضاف: «نحن كأوروبيين، يجب أن نتحمل المزيد من المسؤوليات من أجل أمننا». وقالت متحدثة باسم الحلف يوم السبت إن حلف شمال الأطلسي «يعمل» من جانبه مع الولايات المتحدة من أجل «فهم أفضل» لقرار واشنطن. توصل دونالد ترامب إلى هذا الإعلان بعد أن اعتبر المستشار فريدريش ميرتس يوم الاثنين أن «الأمريكيين ليس لديهم بوضوح أي استراتيجية» في إيران وأن طهران «تهين» القوة العظمى الأولى في العالم. ورد دونالد ترامب يوم الثلاثاء قائلاً: «إنه يعتقد أنه من المقبول أن تمتلك إيران سلاحاً نووياً. إنه لا يعرف عمّا يتحدث!». وبدون الرد بشكل مباشر، دعا فريدريش ميرتس يوم الخميس إلى «شراكة موثوقة عبر الأطلسي». ويوم الجمعة، قال دونالد ترامب أيضاً إنه يفكر في خفض القوات الأمريكية المتمركزة في إيطاليا وإسبانيا، معتبراً أن روما «لم تكن ذات أي عون» لواشنطن وأن مدريد «كانت بغيضة». كما هاجم ألمانيا وصادراتها الكبيرة من السيارات بشكل غير مباشر من خلال إعلان رغبته في رفع الرسوم الجمركية إلى 25٪ «الأسبوع المقبل» على السيارات المستوردة إلى الولايات المتحدة من الاتحاد الأوروبي. غير أن انسحاباً أمريكياً من حلف شمال الأطلسي ستكون له عواقب وخيمة على أوروبا على الصعيدين الدفاعي والمالي. فالولايات المتحدة هي الممول الرئيسي للحلف. وانسحابها منه سيجبر الدول الأعضاء على إعادة النظر في استراتيجيتها الدفاعية، خاصة في المجال النووي، وتخصيص مبالغ ضخمة لتعويض أي توقف محتمل للتدفق المالي والمعدات الدفاعية الأمريكية. جاء هذا التطور في وقت لا تزال فيه الجهود المبذولة لاستئناف المحادثات بين طهران وواشنطن، في إسلام آباد، في طريق مسدود، حيث أكد دونالد ترامب يوم الجمعة أنه غير راضٍ عن المقترحات الإيرانية الجديدة. استئناف الحرب؟ تثير حالة الجمود هذه على وجه الخصوص مخاوف من استئناف الصراع العسكري، وهو أمر يعتبره محمد جعفر أسدي، المفتش المساعد لقيادة مقر خاتم الأنبياء للقوات المسلحة، مرجحاً للغاية، وفقاً لما نقلته وكالة أنباء فارس. وبحسب قوله، فإن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة تماماً لأي هجوم أمريكي جديد، في حين يبدو أن الرئيس الأمريكي يفضل الضغوط الاقتصادية، من خلال الحصار المفروض على الموانئ الأمريكية. تظل هذه الضغوط أقل تكلفة من الخيار العسكري بالنسبة للولايات المتحدة، لكنها مدمرة لإيران، التي تعاني من معدل تضخم مرتفع وتواجه شللاً تاماً في تجارة النفط. وقد بدأت طهران، التي تشهد بالفعل تشبعاً في مستودعاتها النفطية، في تقليل إنتاجها النفطي. وبالتوازي مع ذلك، حث مرشدها الأعلى، مجتبى خامنئي، في رسالة مكتوبة، شركات البلاد على تجنب تسريح العمال قدر الإمكان. في مواجهة هذا المأزق، لا يستبعد بعض المحللين محاولة الإيرانيين كسر الحصار الأمريكي من خلال عملية عسكرية من شأنها إرباك خطط واشنطن، في حين كان دونالد ترامب قد طمأن الكونغرس لتوّه بأن الحرب قد انتهت وأنه يستعد لفرض حصار «طويل» على الموانئ الإيرانية. أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، يوم السبت أن «الكرة الآن في ملعب الولايات المتحدة. لقد قدمنا لهم خطة لإنهاء الحرب بشكل دائم». وأضاف أمام السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية في العاصمة الإيرانية: «يجب عليهم الاختيار بين المسار الدبلوماسي أو مواصلة النهج التصادمي. إيران، من أجل ضمان مصالحها الوطنية وأمنها، مستعدة لكلا الخيارين». حرب الكلمات والصور في لبنان على الجبهة اللبنانية، طغت الحملة الدنيئة التي قادها الجيش الإلكتروني التابع لحزب الله ضد رئيس الكنيسة المارونية، البطريرك بشارة الراعي، إلى حد ما على عنف تبادل إطلاق النار بين إسرائيل وهذه الميليشيا في جنوب لبنان حيث قُتل، وفقاً لوزارة الصحة، ما لا يقل عن 41 شخصاً في أقل من 24 ساعة. نشر علي بركات، الملقب بـ «منشد حزب الله» على حسابه على منصة إكس، صوراً مهينة للبطريرك، زاعماً أنها رد على فيديو كاريكاتوري لرئيس الميليشيا، نعيم قاسم، بثته قناة LBCI. هذه الصور، التي يُفترض أن تُظهر خضوع البطريرك لإسرائيل، تم تداولها بسرعة من قبل أنصار الحزب على وسائل التواصل الاجتماعي، مما أثار ردود فعل غاضبة في لبنان. وقد لقيت هذه الحملة تنديداً واسعاً من قبل العديد من المسؤولين، لا سيما رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري، بالإضافة إلى مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان. في الوقت نفسه، استمر تداول صورة كاريكاتورية للرئيس عون تصوره كحاخام إسرائيلي على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وهو سلوك يعكس في النهاية الإفلاس التام لمجموعة تتجه نحو حملات التشهير والتهديدات واتهامات الخيانة، وذلك لإخفاء عجزها عن تقديم أي حجة معقولة للمغامرة الانتحارية التي جرت البلاد إليها ولرفضها للجهود التي تقودها السلطات لإنهاء دوامة العنف التي تتحمل مسؤوليتها.

السلطة التشريعية وفاعليتها واستقلاليتها

أضيفت إلى مقدمة الدستور اللبناني بموجب القانون الدستوري الصادر في 1990/9/21 أحكام أساسية من أن لبنان وطن حر مستقل، وطن نهائي لجميع أبنائه، واحداً أرضاً وشعباً ومؤسسات في حدوده المعترف بها دولياً، وبأن لبنان عربي lلهوية والانتماء. وفي الفقرة (ج)، أن لبنان جمهورية ديمقراطية برلمانية. وهنا ينبغي تسليط الضوء على فاعلية الحكم البرلماني بعد اتفاق الطائف والحكم الديمقراطي الذي أثبت عدم الفعالية في بناء الدولة ومؤسساتها، وعما إذا كان ممثلاً صادقاً للشعب الذي انتخبه مرات. وهو مجال أصبح يكتسب أهمية متزايد، ويأخذ وصفته بأنه مهمة حيوية، مكثف وطويلة مع تطورات مأسوية في حرب وأزمات سياسية مؤكدة مرات عديدة. لطالما اعتبر مفهوم البرلمانية ليس متناقضاً مع الدبلوماسية، التي تُعد بطبيعتها وظيفة سيادية لمعالجة أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية لم يتحسن فيها الوضع اللبناني. لكن دور البرلمانيين أصبح محل تساؤل في ظل الأزمة الوجودية الحالية التاي يتعرض لها لبنان في ظل الحرب الإسرائيلية الرابعة أو الخامسة على التوالي منذ العام 1969، وهي تثبت عدم صدقيّة تمثيل السلطة التشريعية كعامل استقرار داخلي وخارجي من خلال عدم التزامها المبادئ الدستورية المتعارف عليها دولياً. وتتحصن الطبقة السياسية اللبنانية على مدى عقود من السنيين خلف واجهة مناخ ديمقراطي راعياً لها في المحاصصة والزبائنية والمذهبية بخلاف أي مجتمع سياسي آخر عربي وغربي يعّي المبادئ الديمقراطية ويهتم بترسيخها في قوانين ثابتة من خلال سيادة القانون والدولة والتزام شروطها في المساواة المواطنيّة والشمولية والعدالة. لم تشر مراجعة العملية البرلمانية في ممارساتها وسلوكياتها في الحكم منذ تسعينات القرن الماضي، إلى التزام الأصول المتعارف عليها في اصدار القوانين (على محدوديتها سنوياً)، وسط غياب فاضح للمراسم التطبيقية، ولم تلتزم في غالبيتها حقوق الإنسان وسيادة القانون. أي أن ديمقراطية الحكم تستقيم، إذا التزم هذا الحكم الشرعيّة الدستورية الداخلية والدولية الناظمة. فالتزام الشرعية الداخلية يحددها الدستور الذي يشكله العقد الاجتماعي الذي ارتضاه الشعب طوعاً بكل ما ورد فيه من مبادئ وقواعد وآليات. والدولة تصبح ذات صدقيّة ديمقراطية حصينة وتتسم بالاستقرار والازدهار. هذا لم يحصل في لبنان "المؤجل"، نتيجة شوائب طغيان الأكثرية، والبطء في اصدار القوانين، وعدم محاسبة الندوة البرلمانية للسلطة التنفيذية، التي عادة ما تكون توافقية ومتآلفة، ولذلك تأتي الحلول بمثابة تسويات حزبية أو ميليشياوية توتاليتارية. والأخطر من ذلك، أن الناس لا تعرف ماذا يجري غالباً. فإن عمل النواب الآخرين يتسم بقدر أكبر من السرية، بل قد يكون مفرطاً في السرية، أو البلاهة السياسة في عدم دراسة الملفات وفقاً لبعض الآراء القلية ذات الاختصاص في الندوة الحالية التي يتزعمها الرئيس نبيه بري، التي لا تزال قيد التمديد، من دون تنسيق مبادرات البرلمانيين من خلال تعزيز المعلومات والتشاور المتبادل" ومن خلال خبرات الدعم أو التدقيق في صياغة مشاريع القوانين ذات الطابع التقني. وهؤلاء يعملون في ملاكات السلطة الاجرائية. وبالتالي عدداً من المشاريع التي تعرض على السلطة تأتي من الحكومات أكثر مما تقوم به المجالس التشريعية المتعاقبة. على الصعيد التشريعي، يظل تأثير البرلمانيين اللبنانيين محدودًا جدًا في مجال السياسة المحلية. تعمل الأغلبية بشكل أساسي كجهات تسجيل للمصادقة على مشاريع القوانين، التي لا يجري التفاوض عليها قبل التوقيع من قبل الحكومات، والتي لا يمكن للنواب تعديلها. إن تصريحات السلطة التنفيذية في هذا الشأن، يليها نقاش، وربما تصويت (غير ملزم)، وهو أيضًا من التمارين الخطابيّة الفلكلورية ذات الفائدة المتواضعة، والتي نادرًا ما تملأ قاعات المجلس بصخب، وهو الموزع بين "مناطق نفوذ"بالنسبة للاقتراحات، التي لا تناقش بدقة، ويصوت عليها شكلياً من دون قيمة رمزية بحتة تعني المجتمع المدني. فهي غير ملزمة، ولا تلزم تحميل الحكومة بأي شيء في سياساتها. والسؤال عن أداء المؤسسات ومدى استجاباتها في دور الانماء والإصلاح الذي يجب أن يتعزز. وقد تصطدم هذه الصلاحيات العائدة للمجلس التشريعي بتحديات أخرى لا تستطيع تجاوزها في بلد يعتمد على نظام الأعراف الطائفية، وهي على حال تتعارض مع الأسس الديمقراطية المستندة إلى ما يقبله الشعب اللبناني أو يقرره أو يستجيب له من منطق صدقيّة التمثيل الشعبي المباشر. لذلك، يجيز رئيس البرلمان اللبناني لنفسه في حالات تجاوز السلطة التشريعية، والنظام الداخلي يحدد نطاقاً معيناً للإطار التشريعي له واسع نسبياً على حساب البرلمانيين ودور الكتل البرلمانية المحدود كمرجعية قائمة وفاعلة. ولعل المجالس النيابية المنتخبة تضطر أحياناً كثيرة إلى استجابة مطالب وقضايا تخدم الكتل الضاغطة، أو تضطر إلى تفويض السلطة الاجرائية، أو بشكل ثنائي لرئيس المجلس يعمل ما يناسبه، دون أن تنشأ علاقات بين البرلمانيين، بصفتهم ممثلين للشعب اللبناني كله. هكذا تمكنت الطبقة السياسية اللبنانية من خلق "مناطق نفوذ" على حساب أن يكون كلام النواب أنفسهم مسموعاً (حتى لدى اقرار موازنة عامة دقيقة، أو مشاريع إصلاحية مالية تتعثر لسنوات). وبذلك تقوم السلطة التشريعية بخرق المبادئ المطلوبة منها في الدستور. بينما يبدو أن ردود فعل السلطة التنفيذية على هذه المبادرات البرلمانية تتراوح بين اللامبالاة والانتقاد، من "مصادر رسميّة ". ليس كقيمة مضافة، بل مجرد إزعاج في علاقة " تيسير متبادلة "، لعمل طويل الأمد في الاستجابة للأزمات بسرعة. ويمكن أن تشكل عائقًا حقيقيًا في العلاقات الثنائية. بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. النظام البرلماني اللبناني على حافة الهاوية. والتمديد المستمر مرات عديدة يعطي انطباعًا بديمقراطية قديمة. وهذا ما نتوقعه في السنتين المقبلتين من عمر المجلس الحالي. وهذا ما يريده السياسيون الحاليون برفض أي تغيير منطقي على نحو أكثر مرونة بالنسبة للبنانيين. يُنظر إلى الكرسي السياسي في لبنان على أنه "صيد ثمين لامتيازات لانهاية لها ومتوارثة، وإلى نوع من الطبقيّة والاستعلاء في هذا الشأن، حيث تنتهي الأمور أيضاً في مناصب وزارية أكثر استقطاباً بين الجماعات السياسية المتنافسة على الوزارات ذات الميزانيات العالية. إنه نقص في التقدير الديمقراطي، مما يجعل الأمر أكثر إحباطًا، لا يحقق سوى القليل من النقاط على المستوى الانتخابي، وعلى مستوى أن اللبنانيين جميعاً سواء أمام القانون ويتمتعون دون تمييز بحق متساوٍ في التمتع بحمايته في الرأي السياسي أو غير السياسي، وفي المنفعة العامة والخير العام، أو كأن يحظر في القانون أية دعاية للحرب، أي دعوة الى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، تشكل تحريضاً على التمييز أو العداوة الداخلية أو العنف. والمعروف أن الضمانة الأساسية لديمقراطية الحكم هي في فاعلية السلطة التشريعية ذاتها، لأنها تتمثل بمجالس منتخبة كما تنص المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان والمادة 25 من الحقوق المدنية والسياسية عن ارادة الشعب الذي هو صاحب السيادة في قرار الحرب والسلم. والسلطة التشريعية تضمن أيضاً كما يجب أن يضمن الدستور استقلال القضاء، والتأكد من أداء السلطة الاجرائية تحت طائلة الاجراءات المناسبة فضلاً عن استقلاليتها أيضاً في حرص القانون الدولي على حرية التعبير من دون تردد. لكنه حرص على وضع ممارسة هذه الحرية ضمن دوائر النظام العام وحرية الآخرين وتعزيز التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم غير العنصرية أو الدينية. تشكل السلطة التشريعية الناظم الأساسي لضبط علاقات الدولة الداخلية والخارجية. هذا الشكل من البرلمانية المفقود في لبنان لا يشمل عمل المجالس البرلمانية، التي تمثل الشعب مباشرة وتعبر عن آماله وأوضاعه، وتلتزم الشرعيّة الدولية متحددة ضرورة ابرام الاتفاقيات الدوليّة الشارعة، وتعهد حماية حقوق الإنسان (الفرد والشعب)، ما يدفع الملفات المقبلة إلى الأمام، مع إجراءات تلتزم النصوص في الشرعيتين الداخلية والدولية، وتتسم بالفعالية والديمقراطية، ويمكن للنواب المساهمة في هذا البناء. وهذا أمر جيد في قواعد الامتثال ذات الصدقيّة. إنه نداء الجمهورية اللبنانية الجديدة.

وأخيرًا، محاكمات دمشق!
بقلم
يوسف معوض
نُشر

لقد شهد العالم محاكمات في نورمبرغ (1945-1946) وطوكيو (1946-1948)، بل وحتى في إسطنبول، حيث نُصبت المشانق في يوليو 1919 لإعدام بعض قادة «تركيا الفتاة» المسؤولين عن الإبادة الجماعية للأرمن. ومع ذلك، كان من المشروع التساؤل عن سبب تأخر سلطة أحمد الشرع في إطلاق عجلة القضاء في سوريا. فهل كان هذا الأخير مترددًا في معاقبة الانتهاكات التي ارتكبت بحق شعب كامل على يد سلالة الطغاة آل الأسد وحاشيتهم؟ وكان هذا التساؤل أكثر إلحاحًا في ظل توقيف أكثر من عشرين مسؤولًا — من الصفين الأول والثاني إن صحّ التعبير — مازالوا يقبعون في السجون بانتظار محاكمتهم. وها هي في السادس والعشرين من أبريل تُفتتح في دمشق أولى الجلسات العلنية بهذه العبارة التي أعلنها القاضي فخر الدين العريان: «اليوم نبدأ أولى المحاكمات في إطار العدالة الانتقالية في سوريا». مقارنة موجزة من منا لا يتمنى لجارتنا سوريا أن تشهد محاكمات علنية تُدين مجرمي النظام البعثي، لا بدافع الانتقام بل تحقيقًا للعدالة؟ ولكن، أليس من الضروري تجنّب الاقتداء بالنموذج العراقي أو اللبناني؟ فلنذكر أنه في العراق، جرى عام 2006 ما يشبه المحاكمة الصورية، تلك المعروفة بمحاكمة صدام حسين. فقد أُعدم على عجل بعد إدانته في قضية الدجيل، وقبل أن تُستكمل محاكمته في قضية حلبجة التي تعود إلى عام 1988، حيث استُخدمت الأسلحة الكيميائية ضد السكان المدنيين. وهكذا، حُرم الأكراد، كما غيرهم من ذوي الضحايا، من عدالة سليمة كان من شأنها أن تخفف من شعورهم العميق بالظلم، إذ إن محاكمة حسب الأصول كانت ستُسهم بلا شك في عملية التئام الجراح. أما في لبنان، هذا البلد الاستثنائي الذي شهد خمسة عشر عامًا من حرب أهلية كامنة واحتلالات أجنبية، فقد كان الأمر أكثر اختصارًا وصرامة: إذ جاء قانون العفو لعام 1991 ليمحو بجرّة قلم كل الفظائع التي ارتُكبت*. في انتظار بشار وماهر وغيرهما فهل ستكون الأمور مختلفة في سوريا؟ على أي حال، يبدو أن المحاكم السورية لا تعرف عطلة، إذ عُقدت أولى الجلسات يوم أحد، في إطار مسار سيكشف بلا شك فظائع النظام السابق. لقد غاب عن الجلسة اثنين من أبرز الملاحقين : الرئيس المخلوع بشار الأسد وشقيقه ماهر. كما اختفى غيرهما من المرتكبين الذين ينعمون اليوم بحياة مريحة في روسيا أو لبنان أو العراق أو إيران، بل وحتى في ألمانيا والسويد وبلجيكا، كما يُقال! إن عدد مجرمي النظام الذين سيفلتون من عدالة بلادهم يُقدّر بالآلاف. وسيدفع «صغار المنفذين» الثمن بدلًا من أولئك الذين خططوا وأمروا بعمليات القتل والتعذيب المنهجي، تلك السمة المميزة لنظام السجون السوري. العدالة الانتقالية وسيادة القانون؟ لا بد من المحاكمات، أقلّه لأثرها التطهيري. ولكن ليس بدافع الانتقام ! إن «العدالة الانتقالية» التي أشار إليها القاضي العريان لا يجوز أن تتحول إلى تصفية حسابات، بل ينبغي أن تهدف إلى إظهارالحقيقة، وتعويض الضحايا، وتمهيد الطريق للمصالحة الوطنية. ولكن، أليس هذا مجرد أمل طوباوي؟ لقد كان أساتذتنا في الصغر يحذروننا من الأوهام والمثالية. فكما أن الإحسان، كذلك العدالة، لا يمكن أن تكون في تطبيقها إلا «جزئية ومنحازة». *على أن بعض الجرائم، ولا سيما تلك المرتكبة بحق شخصيات سياسية أو دينية أو دبلوماسية، لم تكن مشمولة بقانون العفو.