شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (3/3)

كما أشرنا في مقالات سابقة، جبران خليل جبران فنانٌ متعدد المواهب فهو الشاعر والمفكّر والكاتب والرسام ذو الموهبة الفذة. ورغم أن شهرته في الغرب تقوم أساسًا على مؤلَّفه الأدبي «النبي»، الذي نُشر بلغات عديدة، فإن رسوماته لا تقلّ تميزًا، وقد حظيت بالتقدير والاعتراف بها في حياته. «الفن هو تعبير عن الفكر بالفرشاة، أو الإزميل، أو القلم، أو النغم. إنه تلك الشرارة الإلهية التي تشتعل في أعماق كلّ منا». «أودّ أن أرسم ما يكمن في أعمق أعماق القلب البشري». أظهر جبران براعة في الرسم منذ طفولته. وفي عام 1904، عُرضت رسومه الأولى في محترف فريد هولاند داي في بوسطن، بفضل ماري هاسكل، مرشدته وراعيته. وفي عام 1908، وبتشجيع منها، التحق بأكاديمية جوليان وبمحترف النحات أوغست رودان في باريس، بهدف صقل تقنيته في الرسم. وقد ترك هذا اللقاء مع رودان أثراً عميقاً في رؤيته للجسد البشري، حتى إن رودان شبّه جبران بالفنان وليم بليك. وعلى غرار بليك، حرص جبران على تزيين نصوصه برسومه الخاصة، سعياً منه لتقديم عمل فني « متكامل » يتناغم فيه الحرف والصورة صدىً واستجابة. وفي باريس أيضاً، تتلمذ جبران على يد الرسام بيير مارسيل بيرونو، الذي نالت مزاياه ونزعاته الروحية إعجاباً خاصاً منه. إن جبران الرسام، تماماً كجبران الكاتب، خلاصة دمجٍ بين عالمين: من جهة، الولايات المتحدة الأميركية ودراسته الأكاديمية الباريسية، ومن جهة أخرى، جذوره اللبنانية الغارقة في جمال الجبل وروحانيته الغيبية. «الاستغراق في الذات، 1914». لوحة زيتية على قماش. (متحف جبران خليل جبران) نتاجه الفني يُعدّ جبران في الجوهر فناناً عصامياً، وقد أنتج أعمالاً فنية غزيرة. فمنذ بداياته، عُرضت نتاجاته في قاعات مرموقة، لا سيما في «غاليري مونتروس» (Montross Gallery) وعند «إم كْنودلر أند كو» (M. Knoedler & Co) في نيويورك. أسلوبه: الرمزية الغيبية «لا يكمن الفن في محاكاة الواقع، بل في التقاط العاطفة التي يوقظها هذا الواقع في نفوسنا». تأتي أعمال جبران التشكيلية امتداداً لفلسفته؛ فنتاجاته لم تُصنع لمجرد النظر إليها، بل لتكون محطّ تأمل عميق. يندرج أسلوب جبران ضمن رمزية رومانسية وروحانية، نأت بنفسها عن التيارات السائدة في عصره كالتكعيبية أو الوحشية. فقد منح الصدارة للجسد البشري، الذي رأى فيه هيكلاً للروح و«الجمال في أصفى تجلياته». ومن خلال الملامح البشرية، سعى إلى التقرب من الخالق وإظهار وحدة الكون. وتبدو شخوصه، وغالباً ما تكون عارية، تجسيداً للبشرية في حالة طهرها الأصيل، مجردةً من القيود والاعتبارات الاجتماعية. أما الأجساد ذات الخطوط الضبابية والأثيرية، فتبدو وكأنها تنبثق من ضباب أو حلم، في إشارة إلى أن الروح تنعتق من المادة. غالباً ما وظّف جبران الألوان الخافتة، بتدرجات البني، والأزرق الشاحب، والبيج الوردي. وتأتي ضربات ريشته المائية خفيفة، تكاد تكون شفافة. وقد برع في الرسم بأقلام الرصاص، والفحم، والألوان المائية. كما حافظت لوحاته الزيتية على النعومة الانسيابية ذاتها، مُغلِّبةً العاطفة على حساب الواقعية. «الموناليزا الحزينة، 1914». لوحة زيتية على قماش. (متحف جبران خليل جبران) أين يمكن مشاهدة أعماله؟ يضمّ متحف جبران في بشرّي بلبنان المجموعة الأكبر من أعماله. كما تتوزّع نتاجاته الفنية على كبرى المتاحف الأميركية، وفي مقدّمها متحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك، ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن، ومتحف نيوارك، بالإضافة إلى متحف للفن الحديث في قطر. متحف جبران يقع المتحف في مسقط رأسه، بشرّي، الرابضة في وادي قاديشا، وتحديداً في دير مار سركيس القديم، وهو موقع محفور في الصخر تعود جذوره إلى القرن السابع للميلاد. في أواخر أيام حياته، تمنّى جبران تملّك هذا الدير ليكون صومعته الأخيرة ومدفناً له. وبعد وفاته، حققت شقيقته ماريانا أمنيته بشرائها المكان، مدعومةً من راعيته ماري هاسكل. وقد افتتح المتحف أبوابه رسمياً عام 1975، حيث يتوزع على ست عشرة قاعة، ويحتضن ضريح جبران بالإضافة إلى أكثر من 440 لوحة وعملاً فنيّاً أصليّاً. كما يضم مقتنياته الشخصية، ومكتبته الخاصة، وأثاث محترفه في نيويورك، ومخطوطاته، والأهم من ذلك كله، كتابه المقدس. وتتولى اللجنة الوطنية لجبران إدارة هذا الصرح، ساهرةً بحرص شديد على صون إرثه الثقافي ونقله إلى الأجيال. «المنفيّ عن الحب، 1914». لوحة زيتية على قماش. (متحف جبران خليل جبران) (إعادة) اكتشاف جبران «عندما تبلغون قمة الجبل، تبدأون حينها بالصعود». إن السبيل الوحيد لـ (إعادة) اكتشاف جبران الرسام، يكمن في زيارة متحفه في بشرّي، والانغماس في الأجواء الفريدة التي يكتنزها المكان والطبيعة المحيطة به، ومن ثمّ التمهّل للتأمل أمام لوحاته. أما بالنسبة إلى الكاتب، فالأمر يتطلب اقتناء مؤلفاته الكاملة وقراءتها رويداً رويداً بلغتها الأصيلة، مع تذوّق كل كلمة كرحيق ثقيل وثمين. «بُرهة وجيزة، وقفة راحة على أجنحة الريح، وتلدني امرأة أخرى». (النبي) اقرأ أيضاً: جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (1/3) جبران خليل جبران: جسر ضوء بين الشرق والغرب (2/3)

الأردن بعد ثمانين سنة على الإستقلال
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

ليس صدفة أن المملكة الأردنية الهاشميّة التي تحتفل في الخامس والعشرين من أيار – مايو الجاري بالذكرى الثمانين للإستقلال باتت من حجار الزاوية في مجال حماية الأمن العربي... أو ما بقي منه. سقطت في مزبلة التاريخ كلّ النظريات التي استخفت بالأردن الذي تبين أنّه لم يفقد يوما دوره على الصعيد الإقليمي. صمد الأردن على الرغم من كلّ الهزات الداخليّة والعواصف التي تعرّض لها وعلى الرغم من التغييرات الكبيرة التي شهدتها المنطقة. في العام 1921، عام الإعلان عن قيام إمارة شرق الأردن، انعقد في القاهرة مؤتمر ضمّ جهابذة السياسة البريطانية برئاسة ونستون تشرشل. كان لورنس العرب بين الحضور ومعظم المختصين البريطانيين في الشأن العربي والعراقي وشؤون المنطقة عموما، خصوصا فلسطين. في مقدّم هؤلاء الليدي جيرترود بلّ التي كانت تعتبر الشخصية البريطانية الأهمّ في العراق وصاحبة النفوذ الأكبر فيه. رسمت بلّ الخريطة الحالية للعراق ولعبت دوا أساسيا في الإتيان بالهاشميين إلى بغداد وتتويج فيصل بن الحسين ملكا. مع مرور السنوات، تبيّن أنّ مؤتمر القاهرة، الذي استهدف تقسيم المنطقة إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا، كان، من جهة نتائجه، فشلا ذريعا على كلّ المستويات. من بين عناوين هذا الفشل الإنقلاب العسكري ذو الطابع الدموي على النظام الملكي في العراق في 1958 وقبل ذلك حرب السويس في 1956. كانت تلك الحرب تكريسا لأفول نجم بريطانيا الإمبراطورية التي "لم تكن الشمس تغيب عنها"... كان بين العناوين اللافتة في مؤتمر القاهرة التقليل من قيمة الأمير عبدالله بن الحسين الذي وُضع على رأس إمارة شرق الأردن ثم اصبح في 1946 ملكا مع إعلان استقلال المملكة الأردنيّة الهاشمية. إذا نظرنا إلى ما حل بفلسطين وما حلّ بالعراق، يمكن اعتبار الأردن قصة النجاح الوحيدة لمؤتمر القاهرة. لا تزال قصة النجاح هذه مستمرّة إلى يومنا هذا، خصوصا بعدما تبيّن متانة المؤسسات التي قامت في الأردن، خصوصا منذ العام 1952 حين صار الحسين بن طلال ملكا وكان لا يزال في الـ17 من العمر. ليس مؤتمر القاهرة في 1921، الذي يعبّر أفضل تعبير عن فشل السياسة البريطانية في المنطقة، الحدث الوحيد الذي يستأهل التوقف عنده. هناك أحداث كثيرة في التاريخ الأردني الحديث تستأهل الاهتمام. بين هذه الأحداث الدور الذي لعبته الملكة زين الشرف والدة الملك حسين في فرض ابنها ملكا على الرغم من صغر سنّه. مثّل الملك حسين بن طلال ظاهرة في تاريخ البلد بعدما خلف والده الذي كان يعاني من مرض نفسي جعله غير مؤهل للبقاء على العرش. في عهد الحسين بن طلال صار الأردن، بفضل مؤسساته صاحب دور على كلّ صعيد على الرغم من كلّ الهزات التي تعرّض لها والمؤامرات التي استهدفته بدءا بصعود الموجة الناصريّة (نسبة إلى جمال عبدالناصر)، وهي موجة قادت إلى مجموعة من الكوارث بينها الإنقلاب العسكري على النظام الملكي في العراق في 1958 والوحدة المصرية – السوريّة في شباط – فبراير من تلك السنة... والهزيمة العربيّة في 1967 وهي هزيمة لا تزال المنطقة تعاني منها إلى يومنا. واجه الأردن كلّ الأحداث والعواصف برباطة جأش بدءا بحؤوله دون تنفيذ مشروع الوطن البديل في العام 1970. وقتذاك، تصدّى الجيش الأردني لمحاولة المنظمات الفلسطينية المختلفة الإستيلاء على المملكة. حمئ الفلسطينيين من انفسهم. ساعده في ذلك التماسك بين الشرق أردنيين والعرش. تحوّل هذا التماسك في أيامنا هذه إلى تلاحم بين كلّ المكونات الأردنية. تحوّل الفلسطينيون، في ضوء التجارب التي مروا فيها، إلى أكثر المتمسكين بالعرش الهاشمي وبالملك عبدالله الثاني الذي لم يتوقف يوما، منذ سنوات طويلة، في دعم خيار الدولتين وهو الخيار الواقعي الوحيد لتسوية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في المدى الطويل. أي عندما يتخلّى اليمين الإسرائيلي عن اوهامه وعندما تقوم قيادة فلسطينية، غير مترهّلة، تستطيع الإرتقاء إلى مستوى الأحداث. في العام 2026 لم يعد يوجد من يستخف بالأردن، خصوصا في ظلّ روح الإستمرارية التي تتميز بها مملكة استطاعت المحافظة على نفسها في كلّ وقت، في مواجهة التقلبات العراقيّة والتقلبات السوريّة والتقلبات الإسرائيليّة. حمى الأردن نفسه عندما وقع اتفاق وادي عربة مع إسرائيل في العام 1994. كانت مسألة توقيع الاتفاق مسألة مرتبطة باستغلال الفرصة المتاحة في ضوء ذهاب ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، إلى إتفاق أوسلو في خريف 1993. كان عامل الإستمرارية، عامل الحذر في التعاطي مع "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران منذ قيامها على سبيل المثال، بين أهم العوامل التي ميزت الأردن. يؤكّد هذه الإستمرارية الإنتقال الهادئ للعرش إلى الملك عبداالله الثاني مع وفاة الحسين بن طلال في 1999. من راهن على هشاشة المملكة الأردنيّة الهاشمية راهن على سراب، خصوصا بعدما اثبت عبدالله الثاني قدرته على لعب دور قيادي في الأردن وخارجه، بما في ذلك في الولايات المتحدة. المملكة اليوم دولة تلعب دورا حيويا في استقرار الإقليم على الرغم من كل المؤامرات التي استهدفت هذا الدور. بات الأردن ملاذا للاجئين من سوريا وغيرها من الدول. قبل ذلك احتضن اللاجئين الفلسطينيين من كلّ حدب وصوب! تثبت الأحداث يوميا كيف استطاع عبدالله الثاني التحوّل إلى لاعب أساسي في المنطقة وتوسيع الإلتفاف الداخلي حول مؤسسة العرش. ظهر أن كل كلام عن تراجع الدور الأردني إقليميا أقرب إلى هراء. كلّما مرّ الوقت تظهر الحاجة إلى الدور الأردني في مواجهة كلّ أنواع التطرف، تطرّف الإخوان المسلمين وتطرّف النظام الإيراني وأدواته المختلفة. الأهمّ من ذلك كلّه، يظهر يوميا كم أن الأمن الخليجي من أمن الأردن وكم أن أمن الأردن من أمن الخليج...

الصراع الإيراني: مفاوضات «الفرصة الأخيرة»

كان جنوب لبنان في موعد مع تصعيد جديد في ليل الثلاثاء، ثم مجدداً يوم الأربعاء، بينما على الصعيد الإقليمي، يعمل باكستان بهدوء مستمر للحد من صراع يهدد بالانفجار في أي لحظة، نظراً لتبادل التهديدات بين واشنطن وطهران. شن الجيش الإسرائيلي خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية سلسلة من الضربات القاتلة الجوية والمدفعية ضد عدد كبير من مواقع ومنشآت حزب الله في قرى ومواقع جنوب لبنان. وفقاً لآخر حصيلة أصدرتها وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت هذه الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن 20 شخصاً في آخر 24 ساعة، من بينهم 13 في قرية ديرقانون النهر وحدها. غير أن هذا الرقم قد يرتفع مع استمرار عمليات البحث يوم الأربعاء في أنقاض المنازل المستهدفة. تفاقمت الحالة صباح الأربعاء برغم غارات متتالية تقريباً على مواقع الحزب الموالي لإيران في بلدتي بنت جبيل والنبطية، بينما أفاد حزب الله من خلال سلسلة بيانات بتضاربات أرضية عنيفة مع القوات في المنطقة الحدودية. وأعلن الجيش الإسرائيلي من جانبه في بيان أن أحد ضباطه أصيب بجروح بالغة في هجوم بطائرة مسيرة لحزب الله، كما أصيب جندي آخر بإصابات طفيفة وفقاً للبيان. أحبطت هذه الموجة من العنف في جنوب لبنان آمال التهدئة التي كانت بيروت تتطلع إليها بعد تمديد الهدنة لمدة 45 يوماً، والتي تم التفاوض عليها في واشنطن. نحو حل في الخليج؟ يأتي هذا في الوقت الذي يحاول فيه باكستان، الوسيط الرئيسي بين واشنطن وطهران، مجدداً إيجاد حد أدنى من التسويات لتمكين استئناف المفاوضات بين العاصمتين. توجه وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي بهذا الصدد للمرة الثانية في أقل من أسبوع إلى طهران. يأتي هذا الزيار في خضم التوتر المتزايد بين طهران وواشنطن. حذر رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، وهو أيضاً كبير المفاوضين الإيرانيين في محادثات إسلام أباد، من أن بلده جهز 'رداً قوياً' لأي هجوم أمريكي أو إسرائيلي جديد. وحذرت فيالق الحرس الثوري أيضاً من أن الحرب في الشرق الأوسط ستمتد 'خارج المنطقة' في حالة شن هجمات. في رد على أسئلة الصحفيين في البيت الأبيض، ألمح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن استئناف الضربات لا يزال قيد النظر في حالة فشل الجهود الدبلوماسية، التي أشادت بها أيضاً السعودية. "نحن في المرحلة النهائية من المحادثات مع إيران. سنرى ما سيحدث. إما أن نتوصل إلى اتفاق، أو سنضرب بقوة. نأمل ألا يحدث ذلك"، قال، مؤكداً عدم رغبته في التسرع. "أنا لست في عجلة من أمري"، صرح. "يتحدث الجميع عن انتخابات التجديد النصفي، لكنني لست في عجلة من أمري. من الناحية المثالية، أود أن أرى عدداً أقل من الأشخاص القتلى بدلاً من عدد أكبر"، قال. أسطول غزة: فيديو يثير السخط أفاد الرئيس ترامب أيضاً بأنه يسير على نفس الموجة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه حالياً أزمة جديدة تسببها المعاملة القاسية للنشطاء في 'أسطول غزة'. أثار سلوك وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي نشر فيديو له مع النشطاء وهم ركع ومقيدون بعد توقيفهم، ردود أفعال غاضبة في أوروبا والعالم، رغم انتقادات نتنياهو ووزير الخارجية جدعون ساعار. لم تتأخر ردود الفعل الأجنبية. اعتبرت روما المعاملة المحجوزة للمعتقلين "غير مقبولة" وطالبت "باعتذارات"، بينما وصفتها مدريد بأنها "وحشية وغير لائقة وغير إنسانية"، وأوتاوا بـ "كريهة". وقالت دبلن إنها "مذهولة ومصدومة". أعلنت فرنسا استدعاء السفير الإسرائيلي للاحتجاج على "الأعمال غير المقبولة" لوزير بن غفير، المعروف بتصريحاته الاستفزازية، وفعلت بلجيكا الشيء ذاته معتبرة الصور "مقلقة للغاية". وصفت ألمانيا الواقعة بـ "غير مقبول تماماً"، بينما أدانت تركيا "العقلية البربرية" للحكومة الإسرائيلية. صرحت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر عبر منصة إكس بأن هذه الصور "تنتهك أدنى معايير الاحترام والكرامة في معاملة الأشخاص". انتقد السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي "أعمالاً مخزية". بوتين في بكين بعيداً عن النزاع الإقليمي، كانت الانتباهات تتجه يوم الأربعاء نحو المناقشات في بكين بين الرئيسين الصيني والروسي شي جين بينج وفلاديمير بوتين، وتأتي زيارته بعد أقل من أسبوع من زيارة الرئيس ترامب. أكد البلدان على ضرورة العودة للحوار والتفاوض في أسرع وقت ممكن بشأن الشرق الأوسط، وفقاً لنص البيان المشترك الذي نشره الكرملين، فيما أعلنت طهران السماح لحوالي خمسين ناقلة نفط ترفع أعلام "دول تتنسق معنا" بعبور مضيق هرمز.

فاروق الشرع و"الرواية المفقودة"
بقلم
نبيل مملوك
نُشر

لم تكن تجربتي عمومًا مع أدب المذكّرات موفّقة، وينطبق ذلك بوضوح على الجزء الأوّل من مذكّرات وزير الخارجيّة السوري الأسبق فاروق الشرع المعنون "الرواية المفقودة" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات – 2015). فالكتاب يبدو، منذ مطلعه الشاعريّ الذاتيّ والانطباعيّ، وكأنّه يعد القارئ بنصّ تأمّلي شخصي، قبل أن يوقعه في قراءة تاريخ سياسي مكتوب بانحياز كامل لسلطة آل الأسد وشخصيّة الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد. حافظ الأسد بين الأسطورة السياسيّة وصناعة الصورة يظهر حافظ الأسد في أوراق الشرع كأنّه بطل خارق أو "فرنكشتاين دمشق": رجل يغلق الهاتف في وجه الرئيس الأميركي رونالد ريغان، ويفرض على وزير الخارجيّة الأميركي جيمس بيكر نقل مؤتمر السلام من أمستردام إلى مدريد، فيما يبدو الشرع نفسه مقرّبًا ومدلّلًا على حساب نائب الرئيس السوري الأسبق عبد الحليم خدام. هذا البناء السردي لا يقدّم قراءة نقديّة للسلطة، بل يعيد إنتاج روايتها الرسميّة. الغائب الأكبر: أحداث مفصليّة خارج النص تغيب عن المذكرات أحداث مفصليّة في التاريخ السوري واللبناني، أبرزها: اختفاء الإمام موسى الصدر ورفيقيه. أحداث حماة عام 1982. اغتيال الزعيم اللبناني كمال جنبلاط. سياسة "ترييف المدينة" عبر التضخّم الوظيفي في القطاع العام، وهي الظاهرة التي تناولها الأكاديمي زياد ماجد بالتفصيل في كتابه سوريا: الثورة اليتيمة. إنّ هذا الغياب لا يبدو سهوًا بقدر ما يعكس اختيارًا واعيًا بالقفز فوق محطات إشكاليّة. الوزير المطيع لا صاحب التجربة لا يمنح الشرع نفسه في هذه الأوراق سوى دور "الوزير المطيع" للرئيس؛ وزير ينجز المعاملات السياسيّة للأسد، يظهر مرنًا مع ياسر عرفات، ومفاوضًا مع صدام حسين، من دون بناء سرديّة شخصيّة مستقلّة أو مراجعة ذاتيّة لتجربته السياسيّة. أوراق سياسيّة لا مذكّرات ما كتبه الشرع أقرب إلى ملفّ سياسي مفصّل منه إلى مذكّرات بالمعنى الأدبي أو الإنساني. وهو ما يذكّر بما فعله الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل حين عرض مواقفه السياسيّة في كتاب توثيقي من دون أن يبني مشهديّة التجربة الشخصيّة للقارئ. مقارنة مع تقاليد المذكرات السياسيّة على خلاف مذكّرات شخصيّات سياسيّة عالميّة مثل هنري كيسنجر، التي تجمع بين توثيق الحدث وبناء التجربة الذاتيّة، يعتمد الشرع سياسة "القفز فوق الأحداث" والتحايل السردي عبر كتابة تاريخ سياسي ذاتي، لا سيرة حيّة لصاحبها. خلاصة: لماذا تبقى "الرواية" مفقودة؟ باختصار، لا يبدو "الرواية المفقودة" مذكّرات بقدر ما هو دفاع سياسي متأخّر عن مرحلة وسلطة. لذلك يستحق الجزء الأوّل عنوانه تمامًا: رواية مفقودة فعلًا، وربّما ستبقى كذلك، وهو ما لا يشجّع كثيرًا على متابعة الجزء الثاني ما دام النهج نفسه قائمًا على تغييب الأسئلة الصعبة بدل مواجهتها.

78 عاماً والنكبة مستمرة…
بقلم
رامي الريّس
نُشر

استذكار نكبة فلسطين كطقس سنوي تُستعاد فيه ذكرى استلاب تلك البلاد من أهلها الأصليين واستعمارها من قبل الكيان الإسرائيلي لا يوحي تماماً بأن النكبة لا تزال مستمرة بينما هي كذلك فعلاً. فكأنه لا يكفي هذا الشعب ما عاناه من تهجير وتدمير وهزائم، حتى تتحوّل الحقائق إلى تساؤلات تبدو مشروعة للرأي العام بينما هي في الأساس بعيدة عن الواقع الفعلي. من هذه الأسئلة الرائجة جداً في الإعلام الغربي والتي يُمكر فيها أي ضيف يدافع عن الحق الفلسطيني مثل سؤال: "هل تقر بحق إسرائيل في الوجود؟". ولعل المقررة الخاصة للأراضي الفلسطينية فرانسيسكا البانيزي كانت أكثر من عالج هذا الأمر بكثير من الفطنة عندما قالت: "لا أحد يسأل عن حق إيطاليا في الوجود أو إسبانيا أو أي دولة أخرى في العالم!". بطبيعة الحال، السؤال يستبطن هدفاً آخراً وهو تحويل الأنظار عن الحق الفلسطيني والإيحاء بأن إسرائيل دائماً في صف المظلومين، والأهم أنه يستبطن إخفاء التاريخ المرتبط بنكبة 1948 وما سبقها من أعمال تهجير قسري لمئات الآلاف من الفلسطينيين من بيوتهم وأملاكهم وأرزاقهم لكي يتسنى للحركة الصهيونيّة إقامة مشروعها المتمثل بدولة يهوديّة على أرض فلسطين. والسؤال إياه يستبطن هدفاً إضافياً يتمثلُ في إشاحة النظر عمّا قامت به إسرائيل عام 1967 من توسيع احتلالها لأراض عربيّة جديدة أبرزها القدس الشرقيّة والضفة الغربيّة والجولان السوريّة وسيناء المصريّة. وإذا كانت إسرائيل قد انسحبت من سيناء بموجب إتفاقيّة كامب ديفيد للسلام مع مصر أواخر السبعينات، إلا أنها ضمّت الجولان رسمياً إلى أراضيها، ولا تكتفي برفض الانسحاب من الضفة الغربيّة (نواة ما تبقى من الدولة الفلسطينية الموعودة والمنتظرة)، بل إنها تزرعها بالمستوطنات ما يولد استحالات ميدانيّة تقضي على مشروع الدولة، تضيفها إلى الاستحالات السياسيّة والعسكريّة والقانونيّة. وثمّة من لا يعير الاهتمام (لا سيما في صفوف الدول المؤيدة لإسرائيل) أنه ليس ثمّة حدود رسميّة لهذه الدولة التي حظيت باعتراف دولي في غضون دقائق من أهم دول العالم عند إعلان "ولادتها" سنة 1948. وليس إبقاء موضوع الحدود مبهماً هفوة سياسية بالطبع بل هو قرار مسبق يتصل بالمشاريع الصهيونيّة التوسعيّة التي لن تقف على ما يبدو عند حدود 1948، أو حتى ربما المساحات الإضافيّة التي تم ضمّها بعد حرب 1967! صحيحٌ أن "المجتمع الدولي" لم ينجح في الضغط على إسرائيل في التقيّد بمشروع الدولتين على مدى عقود، إلا أن حتى هذا العنوان العريض لم يعد مطروحاً في الأدبيّات السياسيّة الدوليّة، أقله الأميركيّة (بما تمثله من ثقل ووزن دولي وعلاقة استراتيجيّة غير قابلة للفكاك مع إسرائيل). وهذا التراجع السياسي الكبير أتاح لإسرائيل إستئناف مشاريعها العدوانيّة وسمح لها الإمعان في رفض المقترحات التسووية بالكامل من مدريد (1991) إلى المبادرة العربيّة للسلام التي أقرت في قمة بيروت (2002) التي أكدت على مبدأ الأرض مقابل السلام. أما إتفاقيّة أوسلو (1993) فإن السلوك السياسي الإسرائيلي يهدف إلى إفراغها من مضمونها تماماً وعدم السماح بتقديم أي مكتسبات فعليّة للشعب الفلسطيني. لقد سمح فائض القوة الإسرائيلي مسنوداً بدعم أميركي غير منقطع بأن تفلت إسرائيل من العقاب رغم كل ما ارتكبته على مدى عقود من قتل متعمد وتهجير وإبادة وكانت ذروتها في غزة ولبنان. أما مذكرة توقيف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، رغم أهميتها القانونيّة والمعنويّة الكبيرة، إلا أنها بقيت حبراً على ورق حيث سافر الرجل مراراً إلى خارج إسرائيل بعد صدورها مع تلافي المرور في عدد محدود من الدول التي قالت أنها سوف تقوم باعتقاله في حال مروره في أراضيها! في ذكرى الـ 78 للنكبة، تبدو فلسطين أمام منعطف تاريخي، فالمقاومة المسلحة للاحتلال قوبلت بإبادة جماعيّة، والتفاوض السياسي تعثّر بالتعنّت الإسرائيلي المتعمّد ووصل إلى حائط مسدود بسبب عدم رغبة إسرائيل تحقيق أي تقدّم في هذا المجال. ويفاقم هذا الوضع الصعب الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني وهو انقسام حيال خيارات استراتيجية وليس قضايا تفصيليّة أو تكتيكية. ولكن، لا مفر من الاعتراف بأن محاولة الالتفاف على القضيّة الفلسطينية من خلال إبرام اتفاقات اقليميّة، سواء من خلال خطوات التطبيع المتلاحقة (التي تستفيد منها إسرائيل أولاً وأخيراً) أو من خلال محاولة اختصار هذه القضيّة إلى أن تكون مسألة عقاريّة أو إقتصاديّة، لم يُكتب له النجاح. وتبيّن أن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا من خلال حل القضيّة الفلسطينيّة على قواعد عادلة ودائمة. الأكيد أن النكبة مستمرة…

ترامب يغير رأيه، إيران تريد تغيير استراتيجيتها

بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الاثنين أنه ألغى في اللحظة الأخيرة هجوماً جديداً على إيران كان يجب أن يتم في اليوم التالي، توعد مجدداً يوم الثلاثاء بضرب إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق. رد الجيش الإيراني بتهديد واشنطن بفتح "جبهات جديدة" في حالة استئناف هجماتها. من البيت الأبيض، حيث كان يعرض على الصحافيين مشروع تجديد الجناح الشرقي للمقر الرئاسي، كرر ترامب أمله في عدم الاضطرار إلى خوض حرب. وقال: "لكننا قد نضطر إلى ضربهم ضربة كبيرة أخرى. لست متأكداً في الوقت الراهن". عندما سأله أحدهم عن المدة التي هو مستعد للانتظار حتى تأتي إيران إلى طاولة المفاوضات، أجاب بغموض: "يومين أو ثلاثة أيام، ربما الجمعة أو السبت أو الأحد، شيء من هذا القبيل، ربما في بداية الأسبوع القادم". أطلع دونالد ترامب الصحافيين يوم الثلاثاء على موقع البناء الخاص بقاعة الحفلات الجديدة في البيت الأبيض، متجاهلاً الأسئلة حول تمويل المبنى وتكلفة المعيشة. (وكالة فرانس برس) من طهران، وبعد أن تم الإعلان بالفعل عن إيقاف الضربات، استمر الجيش الإيراني في تهديداته، معلناً أنه سيفتح "جبهات جديدة" إذا استؤنفت الضربات. تشير مقالة في صحيفة نيويورك تايمز إلى أن المسؤولين الإيرانيين قد يفكرون في تكتيكات جديدة إذا استؤنفت الاشتباكات، مثل محاولة السيطرة على مضيق باب المندب الذي يسيطر على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر. هذا الممر البحري، من بين الأكثر استراتيجية على الكوكب، يحده من الشرق اليمن، حيث قامت ميليشيات الحوثيين، الحلفاء لإيران، مراراً وتكراراً بحجب المضيق انتقاماً للضربات الأمريكية. تضيف نيويورك تايمز أن إيران تمكنت من الاستعداد لإطلاق عدد كبير من الصواريخ يومياً، مشيرة إلى أن الضربات الأولى (قبل وقف إطلاق النار) لم تتمكن من القضاء على منصات الإطلاق الموجودة تحت الأرض. وهذا يفسر مخاوف دول الخليج من استئناف الأعمال العدائية. "سنقاتل عملاء إسرائيل كما نقاتل الإسرائيليين أنفسهم" في لبنان، بينما كان يتم مناقشة مشروع القانون الجدلي للعفو العام في البرلمان، برز النائب حسن فضل الله، الناطق الرسمي للحزب خلال الفترة الأخيرة، بتصريح نادر الشدة ضد القيادات اللبنانية، متضمناً تهديداً بلا سابقة. "سنقاتل عملاء إسرائيل بالضبط كما نقاتل الإسرائيليين أنفسهم"، قال، دون أن يوضح ماذا يقصد بـ "العملاء". وأشار إلى أن حزبه "لن يقبل بأي أنطوان لاهد جديد تفرضه أمريكا والصهاينة، تحت أي قناع كان"، إشارة إلى مؤسس الميليشيا الموالية لإسرائيل في الثمانينيات. من الواضح أن نائب حزب الله يوجه انتقادات حادة للتعاون العسكري اللبناني الإسرائيلي الأمريكي المقرر أن يبدأ في 29 مايو في واشنطن، كجزء من المفاوضات، وأحد أهدافها قد يكون نزع سلاح حزب الله. كما ينتقد جهود لبنان الرسمي في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، والتي كانت آخر جولة فيها الأسبوع الماضي في واشنطن، معتبراً أنها "مرادفة للاستسلام" وأنها "حتى لم تتمكن من التوصل إلى وقف إطلاق النار". على أرض الواقع جنوب لبنان، تتفاقم الأوضاع. رغم تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً منذ يوم الجمعة الماضي. للمرة الأولى، وصلت تحذيرات الإخلاء إلى مدينة النبطية وعشرات القرى الأخرى. وتجاوز عدد القتلى منذ 2 مارس 3000 نسمة، وعدد الجرحى 9300. القوات الإسرائيلية، من جانبها، اختطفت ثلاثة لبنانيين في منطقة حاصبيا. وفقاً للوكالة الوطنية للإعلام، نصبت كميناً واعتقلت هؤلاء الثلاثة ومصادرة هواتف عدة أشخاص آخرين موجودين في الموقع. في غضون ذلك، شهدت سوريا هجوماً إرهابياً يوم الثلاثاء أسفر عن مقتل جندي وجرح 12 شخصاً في دمشق. تشتكي السلطات السورية بانتظام من محاولات لزعزعة استقرار البلاد، لكن مرتكبي هذا الهجوم لا يزالون مجهولين.