شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الوردية: "صلاة الفقير" وقوّة الخلاص السماوية

“لا بُدَّ من قولها، الوردية تمنعك من السقوط إلى القاع”. بنبرة تنضح بالبداهة ومن دون الدخول في التفاصيل، يُعرب راؤول* عن قناعته هذه، وهو المتقاعد الشغوف باللغات، والوالد اللبناني-الكندي الفائق المؤهلات، والذي يهدده الشبح الدوري للبطالة! في هذا الشهر المريمي، شهر أيار الذي تكرّسه الكنيسة للعذراء مريم، لا تُحصى شهادات العون والمدد التي نالها المؤمنون عبر المسبحة. فبالنسبة إلى فهد ف.، الكسرواني أباً عن جدّ، لولا المسبحة وزيارة المقام المريمي في بشوات (البقاع)، لَكان زواجه قد بقي عقيماً. “اِشْرَعْ فِي الصَّلَاة!”، هذا ما سمعه في قرارة نفسه صاحب مؤسسة، مباشرةً بعدما سلّم مفاتيح سيارته إلى عاملٍ كلّفه بمهمّة. وعند عودته، عَلِمَ الرجل، الذي دأب على تلاوة صلوات “السلام” خفيةً قرب ورشة العمل حيث يشتغل عماله، أن سيارته انزلقت على الطريق المبتلة على أوتوستراد المتن السريع، وكادت تهوي في قعر منحدر لولا شجيرة ضخمة أوقفت اندفاعها بعناية إلهيّة. تأتي هذه الشهادات لتوائم، على طريقتها، كلمات البابا لاون الرابع عشر الذي زار في 8 أيار مزار بومباي (إيطاليا) لإحياء الذكرى السنوية الأولى لجلوسه على الكرسي الرسولي، إذ قال: “الوردية هي صلاة الفقير (...)، وهي صِوان اللاهوت المسيحي الأكثر جوهرية”. وتتجلى هذه الأهمية تحديداً في عقيدتَي التجسّد والفداء. وفي الواقع، تؤكد هذه الشهادات، التي جُمعت عفوياً من غياهب الأحاديث، أن المسبحة هي حقاً «صلاة الفقير»، الصلاة الصالحة لكل أمر في السماء، تلك التي يُلجأ إليها بتلقائية، في كل وقت وحين، نيلًا لنعمة، أو وقفًا لحرب، أو تيسيراً لولادة طفل، أو طلباً للشجاعة على النهوض مجدداً، أو نجاحاً في امتحان، أو درءاً لحادث. تقليد يعود إلى القرن الثالث عشر تعود جذور تلاوة المسبحة والوردية إلى أوروبا العصور الوسطى. فخلال الحملة ضد بدعة “الألبيجنسيين” (المرتدين) في مطلع القرن الثالث عشر، تراءت العذراء للقديس دومينيك، وأوضحت له أن سلاح الصلاة هو الأقوى لدحر الهرطقة، متفوّقاً على السجالات والمعارك. وكان لا بد من التكرار بلا كلل: “يا قديسة مريم، يا والدة الله، صلّي لأجلنا نحن الخطأة!”؛ هذا هو أصل الوردية. وتفيد رواية رمزية بأن العذراء مريم نفسها هي من سلّمت القديس دومينيك هذا العِقْد الثمين من العُقَدِ أو الحبات، الذي نراه اليوم يزيّن مرايا الرؤية الخلفية لسيارات كثيرة. ومنذ ذلك الحين، فُرِضَ على الرهبان الأميّون في الأديرة تلاوة صلوات “السلام عليك يا مريم” الـ150 الخاصة بالوردية، ريثما يتسنّى لهم حِفْظُ المزامير الـ150 من كتاب المزامير. وتُعدّ المسبحة صلاة تكرارية، تتألف من خمس عشرات من صلاة “السلام عليك يا مريم”، تنتهي كل منها بصلاة “أبانا” وصلاة “المجد للآب”. وكانت الوردية تضم في الأصل ثلاث مسبحات، مما يتيح تلاوة أسرار الفرح والحزن والمجد الخمسة عشر. ويُستخدم لفظ “سرّ” في هذا السياق ليشير إلى محطة أساسية من حياة المسيح. وفي مطلع القرن الحادي والعشرين، أضاف البابا يوحنا بولس الثاني مسبحة رابعة تضم خمسة أسرار تُعرف بـ”أسرار النور”، غير أنها تظل اختيارية. وترافق تلاوةَ كل عشرة تأملاتٌ في أحد “أسرار” حياة المسيح. ولجعل الوردية متاحة للعامة من حيث الوقت، وليس للرهبان فحسب، خصصت الكنيسة أياماً من الأسبوع لكل مجموعة من “الأسرار”، بحيث يمكن توزيع تلاوة الوردية الكاملة على ثلاثة أو أربعة أيام. الترسيخ في التاريخ يمنح التجذر في تاريخ الكنيسة المسبحةَ شرعية روحية أكيدة. وتكمن قوتها الكبرى في سهولة متناولها؛ فهي تتكيف مع هموم كل فرد وأوقات فراغه. وبالتأكيد، تُظهر التجربة أن التكرار يؤدي أحياناً إلى تلاوة آلية، أو إلى النوم، وأن بذل الجهد أمر ضروري لإكمال المسبحة. ومع ذلك، فإن هذا الجهد لا يغيب أن يُكافأ. والمسبحة، بوصفها ركيزة قوية في مختلف الأوقات العصيبة من الحياة، كالانتكاسات الصحية، والإخفاقات المهنية، والمخاوف على أنواعها، يمكنها أيضاً أن تقود إلى اكتشاف أعماق جديدة في الكتاب المقدس، وإلى لقاء شخصي حقيقي مع المسيح. «إن المعجزة الأكبر للوردية هي تلك التي تحدث في القلب»، تؤكد ماريال، وهي أم مارونية نشأت في عائلة كانت تتلو المسبحة يومياً. وتعتصم بالقول إنها، عندما كانت طفلة، كانت تنام تقريباً في كل مرة أثناء الصلاة، وأنها لا تزال حتى اليوم لا تجيد تلاوة المسبحة بمفردها. وتضيف: “ننجح غالباً، أنا وزوجي، في جعلها وقت نعمة، وتبادل، ولقاء مع الرب، وشفاعة قوية. فكل همومنا تمر عبرها!” تغيير مجرى التاريخ لكن “ملكة السماء والأرض” لا تكتفي بمساعدة الأفراد، بل تريد أيضاً أن تقود شعوباً وقارات والعالم أجمع إلى ابنها. ويمكن لشفاعتها، لا سيما من خلال الوردية، أن تغيّر مجرى التاريخ. والنموذج المثالي الذي يُساق في هذا الصدد هو الدور المنسوب إلى الوردية خلال معركة ليبانط البحرية الشهيرة (البحر الأيوني، 7 تشرين الأول 1571)، حيث تواجه الأسطول العثماني بقيادة سليم الثاني وأسطول تحالف “الرابطة المقدسة” بقيادة إسبانيا وجمهورية البندقية. ومع خسارة 187 سفينة من أصل 251 شاركت في المعركة، وسقوط أكثر من 20 ألف رجل، اعتُبرت نتيجة المعركة تدبيراً إلهياً، إذ وُضع في ذلك اليوم حدّ حاسم للتوسع العثماني. وبناءً على ذلك، حدد البابا بيوس الخامس يوم 7 تشرين الأول عيداً ليتورجياً للوردية. لقد ترك الوجود العربي الإسلامي القديم في أوروبا ذكرى لافتة في موقعين جميلين بالقارة: لورد وفاطمة. فقرية فاطمة في البرتغال تحمل اسم الابنة المفضلة لنبي الإسلام. وخلف تسمية المواقع غير المألوفة هذه، تكمن الذكرى الراسخة للأندلس وللوجود العربي في شبه الجزيرة الإيبيرية. أما لماذا اختارت مريم هذه القرية بالذات لتحذّر فيها من مآسي القرن العشرين، فذلك يبقى سرّها. لكن ما هو معروف أنها قدّمت نفسها للأطفال الثلاثة الذين رأوها على أنها سيدة الوردية، وطلبت تلاوتها يومياً. “أكثر النساء نبلا” في حالة «لورد»، تُشير رواية شفهية نقلها مؤرخون إلى أن هذا الاسم مشتق من الكلمة العربية “وردة”، وذلك بفعل انزلاق حرف “الواو” العربي إلى حرف اللام المائع في الفرنسية. كما يُرجّح أن مغارة “ماسابييل”، حيث تراءت العذراء للقديسة برناديت عام 1858، تستمد اسمَها من الكلمة العربية “السبيل”، والتي تعني العين أو النبع. وتَرِد هذه التفاصيل في مخطوطة تاريخية تروي كيف وجد الإمبراطور شارلمان نفسه، عام 778، عند عودته من حملته في إسبانيا، محاصَراً على طول سلسلة جبال البيرينيه أمام قلعة حصينة يحتلها أمير يُدعى “ميرات” (وهي إعادة ترتيب لأحرف كلمتَي “أمير” أو “إيمير”؟). وقد قاوم هذا الأمير كل الإنذارات بالاستسلام، كما رفض الوعود بمنحه لقب «كونت وفارس لدى شارلمان» والاحتفاظ بجميع ممتلكاته إذا ما قَبِل المعمودية. وفي محاولة أخيرة، تمكّن أسقف «لو بوي»، وهو مرشد شارلمان الروحي، بعد الصلاة بحرارة لسيدة “لو بوي”، من الصعود إلى القلعة بصفة مفاوض. ولإدراكه المكانة العظيمة التي يخص بها المسلمون العذراء مريم، اقترح الرجل على “ميرات” أنه إذا كان يرفض الاعتراف بشرلمان، فليقبل على الأقل بأن تكون سيدته الأعلى “أكثر النساء نبلا على الإطلاق”. وإذ راقت الفكرة للأمير، أعلن “ميرات” أنه “مستعد لإلقاء السلاح أمام خادم سيدة لورد وقَبول المعمودية، شريطة ألا تخضع مقاطعته أبداً، لا له ولا لأحفاده، إلا لها وحدها”. ووافق شارلمان على الاتفاق، فنال «ميرات» المعمودية على يد أسقف أبرشية “لو بوي”، ليشكل هذا اللقاء نهاية حروب الاسترداد (“الريكونكيستا”) في فرنسا. شهادات تستدعي التوقف عندها إن هذه الشهادات تستدعي التوقف عندها. فبفعل إشعاعهما، تُعدّ لورد وفاطمة ذخائر مقدسة، بل وعوداً تقريباً. وسيظل مزار لورد، حتى نهاية العالم، يحمل بصمة العذراء مريم، “الوردة السرية” الواردة في طلبة الوردية، تماماً كما تمنى ميرات السَّرَاقِبِيّ. ونقول ختاماً إن الكنيسة الكاثوليكية لا يسعها إلا أن تغتبط بقداسة البابوات الذين توالوا على سدتها منذ أكثر من قرن. بيد أن التكاثر الواضح لظهورات العذراء منذ أكثر من قرن يؤكد أنها رأت من المفيد أيضاً التدخل مباشرة في مجرى التاريخ. وفي الشرق الأوسط، رأيناها في القاهرة (1968)، وبيروت (1970)، ودمشق (1982)، والموصل (1991). فما من شيء يخفى على مريم، سواء من سلوكياتنا الشخصية أو من الأوقات العصيبة التي يعيشها الكوكب. ونحن نلمس ذلك، في لبنان وفي أماكن أخرى، فـتحذيراتها دائماً في محلها. وفي لبنان، كانت لدينا الفكرة المبتكرة المتمثلة في إرساء عيد وطني مدني يرمز إلى عيشنا المشترك، واستعارة عيد البشارة (25 آذار) من العذراء مريم للقيام بذلك. ولحسن الحظ، فإن الكلمة الأخيرة تظل لها دائماً. “لو أن الله، في غضبه، حطّم العالم، لجمعتُ له أشلاءه”، هذه هي الكلمات المؤثرة التي أسرّت بها يوماً إلى الأب جان-إدوار لامي، الرسول والصوفي الفرنسي (1853-1931). أجل، إن الوردية هي بحق على صورة “أمة الرب”، التجسيد المصلّي لروح الخدمة، والضمانة بأن الصلاة الحارة والصادقة تفوق بفعاليتها «السجالات والحرب». إنها “صلاة الفقير”، صلاة صالحة لكل شيء، بل وحتى لإعادة بناء كل شيء، كما تؤكد العذراء مريم نفسها. (*) غُيّرت الأسماء الأولى.

الاتفاق مع إيران: ترامب يتريث وسط موجة من الاحتجاجات

أثارت النسخة الأولى من مشروع مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران، التي تسربت إلى الصحافة والإعلام مساء يوم السبت، سخطاً عاماً واسعاً في يوم الأحد. حذر عدد كبير من السناتورات الجمهوريين، بينهم عدة شخصيات بارزة في الكونغرس الأمريكي، فضلاً عن محللين وعاقدي تعليقات ومراكز نفوذ من العواقب الجيوسياسية الخطيرة لهذا المشروع. ولم يتردد البعض عن إدانة ما وصفوه بـ «استسلام الولايات المتحدة للجمهورية الإسلامية الإيرانية» على وسائل التواصل الاجتماعي. هل دفع هذا السخط والتحذيرات التي انهمرت من كل مكان على الإنترنت الرئيس ترامب إلى الضغط بقوة على عملية الموافقة على مشروع المذكرة، أم أن رئيس البيت الأبيض أدرك أن بعض البنود كانت فعلاً غير مقبولة وضارة بمصداقية الولايات المتحدة كقوة عظمى؟ نشر ترامب على منصته Truth Social صورة بذكاء اصطناعي لمقاتلة F-15 تحمل قنبلة مكتوب عليها بالإنجليزية «شكراً لانتباهك إلى هذا الموضوع»: تهديد بعودة محتملة إلى الحرب إذا لم تقبل إيران الشروط الأمريكية. من الصعب بالفعل الإجابة على مثل هذا السؤال، لكن هذا لا يغير الحقائق: في صباح يوم الأحد، أشار الرئيس ترامب بوضوح إلى أنه أصدر تعليمات للمفاوضين الأمريكيين بـ «عدم التسرع» في إبرام المذكرة. «يجب على الطرفين (الولايات المتحدة وإيران) أن يأخذا وقتهما للتوصل إلى نص مدروس جيداً»، كما أوضح الرئيس الأمريكي الذي أشار إلى أن «المفاوضات مستمرة بشأن بعض التفاصيل والقضايا». و«الوقت يعمل لصالحنا»، كما أكد دون تفاصيل إضافية. السبب في إثارة مشروع المذكرة لهذا الكم الكبير من الانتقادات هو أنه بدا، بناءً على النسخة التي وصلت إلى وسائل الإعلام، يعطي إيران كل ما تريد، أي: إنهاء الأعمال العدائية وتحرير جزء من الأصول الإيرانية (حوالي 25 مليار دولار) دون أي التزام رسمي وفعلي من إيران بخصوص المطالب الأمريكية الرئيسية المتعلقة بالملف النووي وتخصيب اليورانيوم والصواريخ الباليستية وما يخص الأطراف الوكيلة الإيرانية واستقرار دول المنطقة، أو حتى قضية السجناء السياسيين وعمليات الإعدام على نطاق واسع للمراهقين والشباب والطلاب الجامعيين، التي تجاهلها المفاوضون الأمريكيون أنفسهم تماماً. وفقاً لنسخة الاتفاق التي تسربت مساء السبت، كان يفترض أن تُناقش ملفات الجانب النووي واليورانيوم المخصب فقط خلال فترة هدنة مدتها 30 إلى 60 يوماً. بما أن هذه الملفات قد تمت مناقشتها فعلاً منذ 20 سنة، فإن مشروع المذكرة لم يقدم أي ضمانات بشأن تسوية نهائية لهذا النزاع المعلق منذ أكثر من عقدين. ومن هنا جاءت موجة الانتقادات التي ظهرت خلال يوم الأحد. تجدر الإشارة إلى أن مشروع الاتفاق الأولي سيتضمن إعادة فتح مضيق هرمز بدون شروط خلال فترة المفاوضات التي تستغرق 30 إلى 60 يوماً، وكذلك وقف فعلي للعمليات في لبنان، وهو ما يعترض عليه إسرائيل. في لبنان، وقف إطلاق النار المذكور تبقى الأسئلة معلقة إذاً، خاصة بشأن الجبهة الأخرى بين حزب الله وإسرائيل في لبنان. ما نعرفه هو وجود بند في هذا الاتفاق الإطاري بشأن وقف إطلاق النار في لبنان، «مع إعطاء إسرائيل الحق في منع حزب الله من إعادة بناء ترسانته». بحسب المراقبين، قد تجد إسرائيل، التي تجاهلت حتى الآن وقفيات إطلاق النار التي تم التفاوض عليها مع السلطات اللبنانية مباشرة في واشنطن، صعوبة في الاعتراض على توجيهات مباشرة من الرئيس الأمريكي في إطار المفاوضات على الجبهة الرئيسية مع إيران. جميع الأصداء القادمة من إسرائيل تُظهر قلقاً متزايداً حول نهاية هذا النزاع. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عاد للهجوم، مؤكداً أن "إيران لن تمتلك أبداً السلاح النووي". بحسب معلومات وصلت لوسائل إعلام إسرائيلية يوم الأحد، يبدو أن نتنياهو أصرّ على ترامب بشأن حرية التحرك على جميع الجبهات، خاصة في لبنان، وحصل على موافقته. تبقى الأسئلة مفتوحة. ماذا يعني وقف الأعمال العدائية؟ هل سيشمل انسحاباً إسرائيلياً من الأراضي المحتلة خلال هذا النزاع؟ ماذا يعني الحق الممنوح للإسرائيليين في منع حزب الله من إعادة التسليح؟ هل سيُبقي هذا لبنان في حالة دائمة من لا سلم ولا حرب؟ وماذا عن نزع سلاح حزب الله الذي قررته الحكومة اللبنانية، إذا اعتبر هذا الحزب أن وقف إطلاق النار يجب أن يُعزى لحليفه الإيراني وليس للسلطات اللبنانية؟ والأهم من ذلك، ما مصير هذه المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل؟ يجب تذكر أنه قبل التطورات الدرامية يوم الأحد، كانت الأنظار معقودة على الاجتماع الأمني اللبناني الإسرائيلي الأمريكي الأول في واشنطن في 29 مايو، والمفاوضات المباشرة في يومي 2 و3 يونيو. روبيو يهدد قاسم في بيروت، اعتبر زعيم حزب الله نعيم قاسم في خطاب له أن "الشعب له الحق في النزول إلى الشارع وإسقاط الحكومة ومقاومة هذا المشروع الإسرائيلي الأمريكي بكل قوته". دعا قاسم مجدداً الحكومة اللبنانية إلى التخلي عن المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، رائياً فيها "مكسباً بلا مقابل لإسرائيل"، وأعاد تأكيد رفض حزب الله نزع السلاح. استفزت تصريحات قاسم ردة فعل حادة من رئيس الدبلوماسية الأمريكية ماركو روبيو، الذي أدان "بأقسى العبارات النداء غير المسؤول الذي أطلقه حزب الله لإسقاط الحكومة اللبنانية المنتخبة ديمقراطياً". وشجب ما وصفه بـ"حملة متعمدة لزعزعة استقرار البلاد والبقاء في السلطة"، وقدّر روبيو في بيان أن الحركة "تحاول بنشاط إعادة لبنان إلى الفوضى والدمار". بحسب روبيو، "التهديدات بالعنف والإسقاط التي يطلقها حزب الله لن تمر دون رد". "الحقبة التي كانت مجموعة إرهابية تحتجز بلداً بأكمله كرهينة توشك على الانتهاء". عقوبات أمريكية كانت هذه الأسبوع أيضاً أسبوع عقوبات أمريكية على عدد من شخصيات حزب الله، بينهم نواب ووزراء سابقون، وكذلك للمرة الأولى على مسؤولين عسكريين من الجيش اللبناني والأمن العام. يُعتبر جميع العسكريين المعاقبين قريبين من حزب الله أو حركة أمل، وأوضح البيان الأمريكي أنهم يولون ولاءهم لهذه الأحزاب بقدر ما يولونه لمؤسساتهم، وأنهم يزودونها بمعلومات حساسة. الرسالة إلى حزب الله ليست جديدة، لكن الرسالة الموجهة إلى رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل نبيه برّي واضحة. موقفه "الرمادي" في آخر التطورات اللبنانية كلفه هذا التحذير الأمريكي. الرسالة موجهة أيضاً للجيش اللبناني، الذي يرسل وفداً إلى واشنطن الأسبوع القادم، والذي طالما تعرض لانتقادات بسبب "الاشتباه في التساهل" مع الميليشيا الشيعية. هل سيضطر الجيش إلى إعادة النظر في وفده وإعادة الاعتبار لمواقفه؟ بخصوص الأمن العام، طلب وزير الداخلية أحمد حجار من المدير العام إجراء تحقيقات بشأن الضباط المعنيين. وفي الوقت ذاته، تبقى الأوضاع متفجرة على الأرض في الجنوب بينما يدفع المدنيون الثمن: تُسجل عشرات الوفيات هذا الأسبوع. Entre-temps, sur le terrain, la situation reste explosive au Sud alors que les civils payent le prix: on déplore des dizaines de morts cette semaine. أعلنت الحماية المدنية يوم السبت عن انهيار مبناها الرئيسي في النبطية تحت القصف الإسرائيلي. وأعلنت الجيش الإسرائيلي طوال الأسبوع أنه دمّر بنى تحتية تابعة لحزب الله، وتوسّع عملياته في البقاع، مع الاعتراف بوقوع خسائر في الأرواح بين جنوده وضباطه جراء الطائرات المسيّرة التابعة للحزب الشيعي. وخلال هذا نهاية الأسبوع، تكاثرت التحذيرات الإسرائيلية بالإخلاء لعشرات القرى والمدن، سواء في الجنوب أم في البقاع.

في صدمة "اللاسياسة "
بقلم
يقظان التقي
نُشر

أثرت صرخة الرجل التسعينس ستيفان هيسل في مقالته "Indignez-vous" (اغضبوا) في الملايين من الشباب تحريراً بعد أن قرأوا في كتابه الصغير،"لكم الحق في الغضب، في الرفض، في المعارضة." لكن هذه الصرخة لم تكن كافية بالتأكيد. كانت بداية ما في نزولهم إلى الشارع في مواجهة الصراعات الاجتماعية والسياسية والثقافية . لكن الأمور قد تغيرت بالفعل، وأحد أكبر انتصارات القوى السائدة ، هو تشويه سمعة مصطلح "ناشط"، أو "معارض"، وهو مصطلح يُطلق أحيانًا لمهاجمة الشباب الذين تمكنوا من تحقيق تقدم جوهري. اليوم، يتم الاحتفاء بفكرة انخراط الشباب مجدداً. ولكن عندما ينخرطون، فإنهم لا يفعلون ذلك بالطريقة الصحيحة، ومحاولاتهم تُفقد مصداقيتها، أو تسخر لتسويات دون التركيز على الدوافع المشروعة الأساسية. وهذا ما يبرر القمع المتزايد من قبل السلطات التي تحاول منع التغيير الصيروري، وتتنكر للديمقراطية كحتمية في تعددية المجتمع وفي اختلاف الأفكار.لم يعد النضال أمرًا سهلاً، والتعقيدات كبيرة مع التغيير الجوهري في طبيعة الصراعات. فالحقائق تتحرك وتتحول ولا تصبح واقعاً، وتواجه تهديدًا حقيقيًا بكافة أشكال العنف في السياسة والاقتصاد والاجتماع ولأمن والتنوع البيولوجي والاحتباس الحراري والأوبئة والتلوث.. هذا غير شكل "الاضطهاد "التقليدي" في الأنظمة التوتاليتارية. وعلى العكس تخضع الناس دون نقاش لتحولات بسبب الرأسمالية والتكنولوجيا والصناعة بخلاف المبادئ والأفكار والفلسفات التنويرية التي وضعت حقائق كبيرة . الاضطهاد الحالي يكمن في المجتمعات السائلة التي تنهار بسرعة ، وتبتلع معها كل شيء، الروابط، المأساة، المخاوف. وأي تساؤل حول معنى النظام وحرية الفرد وحقوق الإنسان في هيكلية المجتمعات الديمقراطية، يُنظر إليه على أنه سخيف أو مرضي. والمعارض الذي يشكك في كيفية سير العالم، صار يُنظر إليه على أنه مجنون أو أحمق، يمثل اختراعاً لواقع جديد ليس قائماً على أساس ما يُفترض أن يقيم الحياة، أي المال، الإعجابات، السلطة. هذا الانتصار لوظائف تخدم أغراض استهلاكية، أو دعائية، أو سياسية شعبويّة ،هو شكل مختلف تمامًا عن أشكال الاضطهاد في الديكتاتورية السابقة، لأنه لا يوجد خصم مباشر. كان العدو واضحًا، يتألف في الماضي من عسكريين واقطاعيين وقاتلين للسكان الأصليين وذكوريين عنصريين. ولهذا السبب كانت هناك موجة عامة من الحرية وثقافة مضادة نسوية وحركات تحرر"غيفاريّة "، ومن السكان الأصليين. النضال ضد الديكتاتورية ليس بسيطاً. لكن اليوم، التعقيد كبير أمام الظلم، تدمير الحياة، حيث لا يوجد شيء يجب تحقيقه، ولا شيء لرؤيته، وحيث العزلة تجعل الالتزام محزنًا للغاية في صراع يعتمد على علاقات القوة التي تمر عبر الحياة المهنية، الحساب المصرفي، الهاتف الخليوي، الذكاء الاصطناعي في المنزل. أصبحت النخب السياسية أشبه بشركة واسعة لتوزيع الامتيازات والمكاسب، بدلاً من أن تكون حاملة لرؤية متماسكة للعالم، ومستوى الكوادر السياسية انحدر إلى سياسات منفصلة عن الواقع. ومن يتبع رغبته بالنضال يخاطر دائمًا بحياته قليلاً.هذا سبينوزي إلى حد ما، مما يعطي صورة محزنة للغاية للالتزام بلحظات من المتعة والحب والراحة أمام خطورة اليأس الذي يلتهم المجتمعات. لذلك من الصعب جدًا العثورعلى الرغبة والزخم والطاقة. التشاؤم لدى الشباب اليوم كبير عندما يكونوا مقتنعًين بأن الأسوأ مؤكد، وأن المؤسسات لم تتكيف مع التطورات المتسارعة، ما يدعو إلى "صدمة في السياسة"، تتضمن تبسيط الإجراءات وتقليل دور الدولة، وإلى إصلاحات مؤسسية مثل الشفافية المالية وإعادة توزيع السلطات .والجميع يسخر من المبادرات التي تحاول إعادة اختراع العالم في شكل من أشكال المثالية. هذا لا يمنع من وضع أهداف ملموسة ، ومن دون تطوير الرغبة في وعود وهمية لتجنب إحباط الفشل. هذه الوهم بالقدرة المطلقة يؤدي إلى خيبة الأمل. فالدولة لا يمكنها ولا يجب عليها فعل كل شيء. والإفراط في سياسة المجتمع مضر، على وهم أن الخلاص الفردي سيأتي من السياسة. إنه أمر مروع. الناس فقراء، يتم قطع الإعانات للمستشفيات، والمهاجرين والجامعات تتعرض للهجوم، والمظاهرات تُقمع. كل ذلك نتيجة عدم ترتيب المعارك، لأن كل شيء مترابط. ولا يمكن الفصل بين صعود الفكر المتطرف والأزمات السياسية والتمييز وعدم المساواة (لم يحدث هذا دون موافقة أغلبية صامتة) .وغالباً ما يكون لدى السلطات الحاكمة أغلبية يستغلونها لتدمير كل شيء، خاصة عندما يصل القادة المناهضون للديمقراطية إلى السلطة عبر القنوات القانونية مع قلب الخطاب لمن يدافعون عن الديمقراطية. خلال حملتها، تحدثت كامالا هاريس عن ترامب باعتباره خطراً فاشياً. رد الأخير الهجوم، داعياً إلى انتخابه لإنقاذ الديمقراطية. الشيء نفسه حدث في البرازيل: بولسونارو، الذي حاول الانقلاب، حاول أن يضع نفسه في صف المضطهدين، وفكتور أوربان في المجر حاول أن يقيم نظاماً تحت مسمى" الديمقراطية اللاليبرالية". هؤلاء الأشخاص وآخرون مثل الرئيس التركي رجا الطيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يندرجون في هذه الشعبوية التي اتسعت أطرها في العالم. إنهم يستحضرون خيالات الحرب العالمية الثانية. يضربون التمازج والتقاء الشعوب في انفتاح الأقليات الأثنية والدينية والسياسية، بينما يروجون للقمع، ويهرمون تدرجياً بين حياة البشر، وهم يدمرون القوى المضادة والأفكار في استرجاع الأيديولوجيات القديمة. وتأكيداً على موت أبطال التنوير ونهاية عصر الافكار التعددية، يهاجمون الصحافة والقضاء، ويحرمون المواطنين من وسائل العمل الديمقراطي. لم يعرف العالم كراهية جذريّة كما يعرفها اليوم. كان يُفترض أن يؤدي هذا التحالف بين الطبقتين الحاكمتين، السلطويين والمثقفين إلى تحقيق التوازن في القوة ، وتعزيز مجتمع متناغم. كان يمكن للنخب الطبيعية أن توجه الطبقة العاملة والناشئة بفعالية، وتمنحها النظام والمعنى في آن واحد، وتتقاسم معها الامتيازات والمنافع. هذا لم يحدث،على ما اعتقد عالم الأنثروبولوجيا جورج دوميزيل. يعيد التاريخ اليوم هذه القسمة السيئة للمنافسة بين النخب. من ناحية، اليمين التجاري، الوطني، الذي يحب أن يقدم نفسه على أنه مناهض للمثقفين، ويتجسد في الولايات المتحدة من قبل دونالد ترامب والجمهوريين. من ناحية أخرى، اليسار المتعلم، الليبرالي، والعالمي عبر المحيط الأطلسي من قبل الديمقراطيين. لكن مؤيدي ترامب يعتمدون أيضًا على مئات الخبراء والجامعيين، الذين تم جمعهم في مراكز فكر قوية. والبرنامج الرأسمالي المفرط الذي يدعمونه في دفاع عنيف عن التسلسلات الهرمية الاجتماعية في التركيز الشديد للسلطة والثروة والضرائب الداعمة للأغنياء، لا يختلف كثيرًا عن البرنامج الذي يتبعه الاقتصاديون الديمقراطيون. والحقيقة أن لهذه النخب المتعددة مصلحة في المبالغة في هذه الاختلافات للتناوب على السلطة، حتى لو كانت خياراتها الأساسية لا تختلف كثيرًا (كيفن بروكس) . لم تحكم العالم دائمًا النخب. في أعقاب الثورات الاجتماعية في القرن التاسع عشر وصعود الاقتراع العام في القرن العشرين، تمكنت الطبقات الشعبية ومنظماتها النقابية والسياسية من فرض تحول اجتماعي عميق، أحيانًا بالوصول المباشر إلى السلطة (السويديون الاشتراكيون الديمقراطيون من عام 1932 إلى 1976، والعمال البريطانيون في عام 1945، والاشتراكيون والشيوعيون الفرنسيون في عام 1936 و 1945، والديمقراطيون الروزيليتيون في عام 1932)، وبشكل عام من عام 1910 إلى عام 1990، سمحت هذه الجدلية المحركة بوضع تقليل عدم المساواة الاجتماعية في صميم الصراع السياسي. انهار هذا النظام الطبقي بين عامي 1980-1990 و 2010-2020 في الديمقراطيات الغربية، بدءًا من تعقيد الهيكل الاجتماعي والارتفاع المذهل للصدع الإقليمي، ضرب استقلالية الدول، ومعها الخيارات السياسية للأحزاب الاشتراكية الديمقراطية. وللخروج من الأزمة الحالية والمواجهة الوهمية بين النخب، يجب على اليسار أن يجدد طموحه، وأن يجمع الطبقات الشعبية من جميع الأقاليم، مع الاعتراف بأن النخب تتحد ضدها.هذه هي الطريقة الوحيدة لاستعادة إمكانية التناوب الحقيقي ومواجهة تفكك الديمقراطية.

"الذلّ" الحقيقي...
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

يشهد لبنان، في أيّامنا هذه، مهزلة تحولت في الواقع إلى مأساة. في أساس المهزلة إصرار فريق لبناني مرتبط عضويا بـ"الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران على اعتبار التفاوض مع إسرائيل بمثابة "ذل" في حين يكمن "الذل" الحقيقي في عمل كلّ ما يمكن عمله من أجل تكريس الاحتلال الإسرائيلي وخدمته. كلّ ما أرادت السلطة الشرعية في لبنان، ممثّلة برئيس الجمهوريّة جوزاف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، قوله أنّ "ذلّ" المفاوضات شرف ووطنيّة في حين أنّ "ذل" الاحتلال خدمة لإسرائيل وللإحتلال لا أكثر. من يتحدّث عن "ذل" التفاوض المباشر مع إسرائيل، كما يفعل "حزب الله"، يتهرّب من الإجابة عن أي سؤال مرتبط بالواقع وبما يمرّ به بلد صار مصيره في مهبّ الريح. صار لبنان في مهبّ الريح بوجود قنبلة موقوتة متمثلة في وجود ما يزيد على مليون ومئتي نازح جنوبي موزّعين على مناطق لبنانيّة مختلفة أهمّها بيروت. لا وجود لغير المفاوضات في حال كان مطلوبا التعامل مع هذه القنبلة الموقوتة التي لا ابطال لمفعولها بغير عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم بطريقة أو بأخرى. إن عودة النازحين إلى قراهم وبلداتهم المدمّرة، في معظمها، هو السبيل الوحيد لإنقاذ لبنان من مصير الدولة الفاشلة. لا وجود لطريق آخر غير المفاوضات المباشرة من أجل تحقيق هذا الهدف بدل التبجح بـ"المقاومة" وسلاح "المقاومة" الذي جلب الاحتلال مجددا. توجد حاجة إلى التفريق بين "الذل" الحقيقي من جهة ومحاولة محو "الذلّ" الذي يتحدّث عنه "حزب الله" من جهة أخرى. يعود ذلك إلى "الذل" في العمل من أجل خدمة الاحتلال الإسرائيلي وليس في العمل من أجل التخلّص منه. لا مفرّ من التذكير في كلّ يوم بأنّ الاحتلال الإسرائيلي للشريط الحدودي في جنوب لبنان انتهى في مثل هذه الأيّام من العام 2000. قررت إسرائيل الانسحاب تنفيذا للقرار 425. وجدت أنّ مثل هذا الانسحاب الذي اكّد مجلس الأمن حصوله لا يتناقض مع مصالحها. منذ الانسحاب الإسرائيلي إلى "الخط الأزرق"، سعى النظام السوري السابق، بدعم إيراني، إلى إبقاء جنوب لبنان صندوق بريد يصلح لتبادل الرسائل مع إسرائيل. لم تجد الدولة العبريّة ما يمنع ذلك، خصوصا أنّّ هدفها الدائم كان يتمثّل في التركيز على الضفة الغربيّة. الدليل على ذلك فشل ياسر عرفات في تكرار تجربة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان في الضفّة الغربيّة. دفع "أبو عمّار" وقتذاك غاليا ثمن "عسكرة" الإنتفاضة. لم يفهم الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني أنّ إسرائيل مستعدة لتقديم مئات القتلى من أجل الإحتفاظ بأجزاء من الضفّة الغربية في حين أنّها كانت مستعدة للإنسحاب من جنوب لبنان في مقابل ضمانات أمنيّة. تم بالفعل التوصّل إلى تأمين هذه الضمانات، التي ما لبثت إيران أن خرقتها، كي تؤكّد أنّ ورقة"حزب الله" ما زالت موجودة وأن لا عودة للجيش اللبناني إلى جنوب لبنان. حتّى حرب "اسناد غزّة" التي افتعلها "حزب الله" بناء على طلب إيراني في الثامن تشرين الأول – أكتوبر 2023، لم يكن هناك احتلال إسرائيلي. اقتصر الأمر بعد "حرب إسناد غزّة" على احتلال لنقاط خمس. وفّرت "حرب إسناد إيران" التي بدأت في آذار – مارس من هذه السنة مبرّرا لتوسيع الاحتلال الإسرائيلي ومزيد من الدمار والتزوح. يدافع "حزب الله" عن موقفه بأن إسرائيل كانت ستهاجمه بغض النظر عن إطلاق الصواريخ الستة بعد أيام من إغتيال "المرشد" علي خامنئي في طهران يوم 28 شباط – فبراير 2026. قد يكون هذا الكلام صحيحا لولا أنّّه ينمّ عن جهل في السياسة وموازين القوى القائمة من جهة ولولا رغبة "الحزب" في الإحتفاظ بسلاحه بصفة كون هذا السلاح وسيلة لترهيب اللبنانيين من جهة أخرى. لم يكن السلاح المذهبي والميليشيوي في يوم من الأيام غير نقمة على لبنان واللبنانيين وعلى شيعة لبنان خصوصا أنّ هذا السلاح لم يستطع في أي وقت لعب أي دور في حماية لبنان. كان الدور الوحيد الذي لعبه في خدمة الاحتلال. لما وجدت الدولة العبريّة في العام 2000 مصلحتها في الانسحاب من جنوب لبنان، فعلت ذلك. كان الوسيط وقتذاك المانيا. لم يستوعب "حزب الله" استيعاب أنّ إسرائيل تغيرت في ضوء "طوفان الإقصى"، وهو الهجوم الذي شنته "حماس" انطلاقا من غزّة. لم يستوعب أنّ لا مجال لبقاء سلاحه الذي بات حاليا في خدمة الاحتلال. يظلّ السلاح أصل المشكلة واصل البلاء في لبنان. كلّ ما في الأمر أن إسرائيل لم تعد في حاجة إليه الآن بعدما كانت غير مبالية في الماضي القريب بمن يسيطر على جنوب لبنان مثلما لم تكن مبالية بمن يسيطر على غزّة. كانت مستعدة لتمرير الأموال القطريّة إلى "حماس" ما دامت الحركة في خدمة ترسيخ الإنقسام الفلسطيني. ثمّة عبارة وحيدة تختزل حاليا الوضع اللبناني. هذه العبارة هي الآتية: السلاح الذي يمتلكه "حزب الله" تعبير عن الذلّ، كونه يلعب دوره في تبرير ما تقوم به إسرائيل من توسيع للإحتلال ومتابعة تهجير الناس. الناس هم المواطنون الشيعة من أهل الجنوب الذين تحوّلوا إلى تلك القنبلة الموقوتة التي تهدّد أي محاولة لجعل لبنان يستعيد عافيته. فشل السلاح في مواجهة إسرائيل، لكنّه نجح في تقويض لبنان من داخل. تلك كانت وظيفة سلاح "حزب الله" منذ وجد هذا السلاح الذي لم يكن مسؤولا عن كلّ الحروب التي كان لبنان في غنى عنها. يبدأ ذلك بحرب صيف 2006 وصولا إلى "حرب إسناد إيران" والكارثة التي خلفتها على كل المستويات... والتي باتت تشكلّ تهديدا لوجود لبنان!

هل سيستسلم ترامب أمام الشروط الإيرانية؟

صرّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أيام بأن النظام الإيراني «يخدعنا (الولايات المتحدة والعالم الغربي) منذ 47 سنة». يمكن أن نضيف، بدون أن نخاطر كثيراً بالخطأ، أنه في السياق الحالي، الرأي العام في عدة دول بالمنطقة هو الذي يتعرض للخداع بشكل أساسي، خاصة على ضوء موجة المعلومات يوم السبت عن قرب إبرام «مذكرة تفاهم» بين واشنطن وطهران، يستشف منها، حسب التسريبات الموجهة للإعلام على الأقل، أن الرئيس ترامب يبدو أنه (على ما يبدو) تنازل، بشكل جوهري، عن الشروط الإيرانية الرئيسية. في هذا السبت 23 من مايو، لم تتوقف بعض وسائل الإعلام والقنوات الفضائية عن الإفراغ للجمهور، بوتيرة هستيرية، معلومات وتسريبات يتم دحضها بعد فترة زمنية قصيرة. المثال الأكثر إثارة للانتباه كان التصريحات الصادرة عن وزارة الخارجية الإيرانية، حيث أشار الناطق باسمها في منتصف بعد الظهر إلى أن «إنهاء الحرب عملية ستستغرق وقتاً» وأن «حلاً سريعاً غير محتمل». معكوساً موقفاً متطرفاً حول القضايا الجوهرية، حرص الناطق على التأكيد بأن مسألة مضيق هرمز «لا تخص الولايات المتحدة» (!) وأن الملف النووي لن يتم تناوله في حالة التوصل إلى اتفاق أولي بشأن وقف الأعمال العدائية. هذا الناطق ذاته، غير خائف من تناقض نفسه، كان يتحدث بعد نصف ساعة عن «نزوع نحو الاقتراب» من واشنطن، مشيراً إلى أن بروتوكول الاتفاق هو «في مرحلة الانتهاء من صياغته». وللمزيد من خداع الإعلام والرأي العام، كانت هذه الوزارة الإيرانية ذاتها تشير أيضاً، بشكل متزامن، إلى أن «نحن بعيدون جداً، لكننا في الوقت ذاته قريبون جداً (!)، من اتفاق مع الولايات المتحدة». الموقف الأمريكي من الجانب الأمريكي، كان وزير الخارجية ماركو روبيو يتحدث عن «فرصة» لكي يقبل النظام الإيراني «بإبرام اتفاق» مع واشنطن. تصريح مثير للدهشة نوعاً ما، لأنه من المفروض أن تكون الإدارة الأمريكية هي التي يجب أن «توافق» على تقديم تنازل بإبرام اتفاق مع إيران وليس العكس. الموقف الذي اتخذه المسؤولون الأمريكيون الكبار في الأيام الأخيرة يشير إلى أن الولايات المتحدة يبدو أنها «تستعطف» نظام الملالي كي «يقبلوا باتفاق»، مما يعطي انطباعاً مضللاً بأن إيران هي الطرف المنتصر الذي يفرض شروطه والتنازلات التي يجب أن تقدمها الولايات المتحدة. على أي حال، كان الرئيس ترامب يقدّر بـ 50-50 احتمالات التوصل إلى اتفاق أو استئناف العمليات العسكرية، مؤكداً أنه لن يوقّع اتفاقاً يراه قريباً إلا في حالة واحدة وهي حصوله على رضاه بشأن جميع الطلبات المقدمة إلى الإيرانيين وإذا كان النص «سيأخذ بعين الاعتبار مصالح إسرائيل». غير أن تصريحه على هذا الصعيد كان يتناقض، بشكل ما، مع التسريبات الموجهة للإعلام حول المحاور الرئيسية للمذكرة قيد الإعداد التي، إن تأكدت فعلاً في الواقع، ستعني أنها تحقق بالأساس المواقف الإيرانية، من حيث خطوطها العامة، مما يشير إلى انحسار أمريكي واضح في عدة جوانب. الاتفاق المعني يتضمن في الواقع، حسب المعلومات الموجهة للإعلام، إنهاء الأعمال العدائية نهائياً دون التعرض للملف النووي، وبدون نقل اليورانيوم المخصب خارج إيران وبدون أي التزام من الحرس الثوري بشأن مصير الميليشيات الإيرانية وإنهاء مشروع زعزعة استقرار دول المنطقة، علاوة على أن القضية الحيوية للسجناء السياسيين – الذين يُحسبون بالآلاف – والإعدامات الجماعية بالشنق للمراهقين والشباب الإيرانيين يبدو أنها مسألة محجوبة تماماً. هذه الأحكام، إن تأكدت، ستشكل بدرجة كبيرة، محاذاة شبه كاملة مع الموقف الإيراني وانتكاسة خطيرة للإدارة الأمريكية. تشاورات ترامب أشار رئيس البيت الأبيض، في تدخلاته العامة المختلفة، يوم السبت في نهاية اليوم، إلى أنه سيتخذ يوم الأحد 24 مايو قراره بشأن الاختيار بين إبرام الاتفاق أو استئناف العمليات العسكرية، وذلك بعد تشاوره مع أقرب مساعديه وكذلك مع قادة دول الخليج وتركيا ومصر. في نهاية المساء، كان من المفترض أن يجري محادثة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. في الوقت الذي كانت فيه المفاوضات تتكثف بهدف إنهاء نص مشروع الاتفاق، كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي سيدخل في اتصال هاتفي مع الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، من أجل إعادة تأكيد "الدعم الراسخ" للجمهورية الإسلامية للحزب الموالي لإيران، مشددا في هذا الصدد على أن إيران أصرت على أن يكون وقف القتال في لبنان أحد بنود الاتفاق الذي يتم التفاوض عليه مع الولايات المتحدة. هذا الموقف الإيراني، الذي جاء ليضاف إلى ديناميكية آخر المفاوضات الدبلوماسية الإقليمية، دفع نتنياهو إلى استدعاء قادة ائتلافه الحكومي لاجتماع عاجل كان من المفترض أن يعقد في وقت متأخر من مساء السبت. في هذا المناخ المشحون بالتوتر، كانت المصادر الرسمية الأمريكية تشير في الليل إلى أن رئيس البيت الأبيض سيعلن يوم الأحد قراره بشأن مشروع الاتفاق مع نظام الملالي.

الموسيقى والسياسة، زواج ضارب في القِدم: البدايات (2)

تقترح هذه السلسلة من المقالات جولةً واسعة النطاق، موضوعاتيةً وتاريخيةً في آنٍ معاً، في مختلف أوجه العلاقة بين الموسيقى وفضاء المدينة عبر العصور. يتناول المقال الأول من هذه السلسلة، المقسَّم إلى ثلاثة أجزاء، أصول الصلة بين الموسيقى و"السياسي" و"السياسة". في أوروبا القرن الثامن عشر، خرج الجدل حول الموسيقى والحرية لحظاتٍ قصيرةً من علاقته بالمقدس ليستعيد شكله الفلسفي الصريح، على نحو ما كان عليه في زمن اليونان القديمة. ويعود الفضل في ذلك في جوهره إلى جان-جاك روسو. فقد احتفظ له التاريخ بالطبع بمكانة أحد أعمدة الفلسفة السياسية للتنوير، غير أن وضعه المزدوج بوصفه مؤلفاً موسيقياً وعالماً في الموسيقى يظل في الغالب في ظل إرثه الفلسفي. روسو، الذي لا يرى في الموسيقى مسألةً جمالية قابلةً للانفصال عن المسألة الأخلاقية والسياسية، يُطوّر في معجمه “ الموسيقي” وفي “مقاله في أصل اللغات” أطروحةً مفادها أن اللحن، حاملاً نبرات الصوت الإنساني الطبيعية، هو اللغة الأصلية للأهواء. فهو يمثّل لغةً سابقةً للعقل، تواصليةً على الفور، مؤسَّسةً على المشاعر المشتركة لا على المفهوم المصاغ. ومن ثَمّ، فإن الانسجام الراقي في البلاطات الأوروبية، بتقاطعاته المتعلمة وتقاليده الأكاديمية... كل ذلك لا يعدو، في عينيه، أن يكون فساداً لتلك النقاء الأصلي. موسيقى مُختزَلة في مصطنع اجتماعي، بوجه من الوجوه، فقدت بذلك صلتها بطبيعة الصوت الإنساني في حالته التي تسبق السلطة وانضباطها وقيودها. الموقف “الروسوي”، بعيداً عن أي اعتبار جمالي، سياسيٌّ في جوهره. فالموسيقى الطبيعية هي لغة الحرية، في حين أن الموسيقى المؤسسية ليست إلا خطبة رثاء للعبودية الطوعية… ديدرو والموسيقى بوصفها نظاماً تأسيسياً دوني ديدرو، الذي لا يخلو بدوره من مشاركة روسو هذا الحدس الجوهري المتعلق بالصلة بين الموسيقى والمشاعر الطبيعية، يضيف إليه غير أنه بُعداً إضافياً اجتماعياً وجماعياً في التجربة الموسيقية. ففي مقالات “الموسوعة” التي يُكرّسها للموسيقى والعبقرية، لا يُفكّر ديدرو في الصوت بوصفه لغةَ الأهواء الفردية فحسب، بل بوصفه ما يُتيح "مجتمعاً حسياً". ومن هذا المنطلق، تغدو الموسيقى فضاءً للمشاركة الوجدانية السابقة لأي تواضع سياسي، حيث يختبر الناس انتماءهم المشترك قبل أن يُصيغوه بلغة الحقوق أو العقد. ما صاغه أفلاطون في النسق التقريري للمدينة المثالية، يُحوّله ديدرو إلى نسق الحساسية المشتركة، جاعلاً من الموسيقى شرطاً أنثروبولوجياً سابقاً لأي عقد اجتماعي، حيث لم يجعل منها اليونانيون سوى أداة للحوكمة. في الواقع، ما يصنعه ديدرو في أعقاب روسو هو ثوريٌّ بامتياز. فمعه تصبح الموسيقى عنصراً مؤسِّساً للنظام السياسي الذي تسبقه. ولم تعد تشتغل ردّاً على نظام قائم، بل تشارك في صياغته. وهذه القوة التأسيسية بالذات، الموسيقى المتصوَّرة بوصفها مصفوفةً للمجتمع السياسي وسابقةً لتوافقاته، هي ما سينظر إليه كانط بريبة متنامية. كانط والصوت المرتاب للعقل هذه التأملات يقرأها إيمانويل كانط على الأرجح بالإعجاب الذي يُكنّه لروسو وديدرو… لكن بريبة أيضاً. والأمر مفهوم: فالقوة الوجدانية للموسيقى، وقدرتها على التأثير في الجسد والروح قبل أن تتدخل العقلانية، تمثّل لدى فلاسفة التنوير فضيلتها الجوهرية. أما كانط فيرى في ذلك بالضبط مصدرَ خطر. فالموسيقى التي تلتفّ على حكم العقل لتُخاطب الأهواء مباشرةً تجعل الناس في نظره متاحين للحماس الجماعي بقدر ما تجعلهم متاحين للحرية الفردية. كانط لا يخطئ تماماً. وروسو وديدرو أيضاً. هذا التوتر الفلسفي بين قراءاتهما يُنذر بثنائية ستجتاح التاريخ، من “المارسيليّيز” إلى الأناشيد الشمولية، ومن “النيغرو سبيريتشوالز” إلى تجمعات نورنبرغ، ومن حفلات حقوق الإنسان والمعارضة لحرب فيتنام إلى إعادة توظيف الأغاني الشعبية في موسيقى دعائية ترويجية في التجمعات الانتخابية… “المارسيليّيز”، تحديداً، ستُثبت صواب ثنائية روسو-ديدرو وكانط معاً... فقد وُلدت عام 1792 نشيداً ثورياً حربياً، وهي على الأرجح المثال الأول، أو من أوائل الأمثلة الحديثة، على موسيقى تُفبرك مجتمعاً سياسياً في فعل الغناء ذاته. فالنشيد يُنتج إرادةً شعبية ويُحوّل الأفراد إلى جماعة منظمة تتوحد بمجرد مشاركة إيقاع ولحن. وبهذا المعنى، هو البرهان على ما كان كانط يرهبه كالطاعون، إذ إن شعور النشوة الذي يُلحم الجماعة بالألحان والكلمات لا يُميّز بين العادل والظالم أو بين المحرِّر والفاتح. وهي تُؤكّد في الوقت ذاته حدس ديدرو: الموسيقى تسبق العقد، تصنع الشعب قبل أن يمنح الشعب نفسه مؤسسات. ما يستشعره كانط بذعر في القوة الوجدانية للموسيقى يستبق، بوجه من الوجوه، الحسّ التاريخي المفعم بالعاطفة الذي كان هيغل على وشك تنظيره، هو الذي لا يرى التاريخ يتقدم بمجرد التداول العقلاني، بل من خلال أهواء الرجال الذين يخدمون، في الغالب دون أن يعلموا، أدواتٍ في يد روح العالم. والمستقبل لا يُخطّئه كلياً، إذ إن الموسيقى ذاتها التي تُغنّي حرية الشعوب ستُرافق قريباً جيوش نابليون في عبورها لأوروبا… هيغل، بيتهوفن والإهداء الممزَّق إن كان ثمة مثال نموذجي لاختيار يُجسّد العلاقة الملتوية والمعذَّبة بين الموسيقى والسلطة، فهو دون شك مثال لودفيغ فان بيتهوفن، لأنه عاشها في كيانه وفي عمله، ولأن خيبة أمله تجسيد لتلك التي ستعيشها الموسيقى الملتزمة مرة أخرى، تحت أشكال أخرى، متشابهة ومختلفة في آنٍ واحد، في كل جيل. أهدى بيتهوفن في الواقع “سيمفونيته البطولية” إلى نابليون بونابرت، رائياً فيه ما كان هيغل تحديداً يُسمّيه "روح العالم على صهوة جواد". الثورة تتجسّد في إنسان. الحرية تتحوّل إلى تاريخ. والسيمفونية التي أبدعها في قدر هذا الإيمان تكسر كل التقاليد الشكلية لعصرها… كما أن نابليون نفسه قطيعة متسلسلة مع ما سبق… أو على الأقل هكذا كان يُعتقد آنذاك. طويلة، معقدة، غير متوقعة، تسري فيها طاقة لا تُشبه شيئاً مما سبقها. وهي بالتأكيد ليست مُهداةً إلى جنرال منتصر. بل إلى فكرة، الفكرة التي يمثّلها. ذلك الروح الذي يأمل بيتهوفن أن يُؤنسن التاريخ أخيراً… حين توّج نابليون نفسه، مزّق بيتهوفن صفحة الإهداء. هذه البادرة الصغيرة، الخاصة والخالية من الشهود، تبقى من أشد اللحظات دلالةً سياسيةً في تاريخ الموسيقى بأجمعه. من خلالها، يُعلن بيتهوفن في الواقع كل عظمة الإبداع الموسيقي وانحطاطه في تماسه مع "السياسي" و"السياسة". يمكن للموسيقى أن تؤمن بمشروع سياسي وأن تمنحه شكله الأسمى، لكنها لا تستطيع النجاة من خيانة هذا المشروع على أيدي من كانوا يجسّدونه، يُخبرنا بيتهوفن بذلك مسبقاً، قبل ولادة الصناعة الموسيقية بكثير. إنها ليست في خدمة الرجال الذين يمثّلون الأفكار، بل في خدمة الأفكار ذاتها. وحين يخون الرجال الأفكار، على الموسيقى أن تمزّق الإهداء. وإذا أمكن، على الموسيقي نفسه، إن توفرت لديه الشجاعة والصدق والرغبة في التماسك. درس كوني وعابر للازمنة هذا الدرس سيتعلمه “بوب ديلان” بدوره رافضاً أن يكون الناطق باسم الحركة السلمية — أو أي قضية أخرى في ما بعد. وسيتعلمه “مارفن غاي” بابتعاده عن موتاون ليُغنّي ما كانت “موتاون” لا تريد سماعه بأي ثمن، الأغاني الملتزمة التي كانت تُهدّد بخدش الصورة الناعمة والجماهيرية للشركة. أو “نينا سيمون” بمغادرتها الولايات المتحدة، هاربةً من مناخ بات لا يُحتمل، تسمه العنصرية المنظومية والضغوط السياسية ومقاطعة أغانيها من قِبَل السلطات الأمريكية بسبب التزامها الحارق بحركة الحقوق المدنية… حتماً، ستبقى البادرة ذاتها في كل مكان، بما فيها ما خارج الأراضي الأمريكية: الموسيقى الملتزمة تعلم في لحظة ما أنها لا تستطيع البقاء حيث وُضعت إذا لم يعد ذلك المكان جديراً بالثقة. فتُحوّل التزامها إذ ذاك دون أن تتخلى عنه. وتبقى بذلك وفيةً لروحها، مُدركةً في الوقت ذاته أن الوسيط، الجسد العابر الذي سكن اللحن، معيب بالضرورة. تبقى حرةً تماماً… وإلا خبت، متورطة. بيتهوفن نفسه يُعلّمنا ذلك، إذ رغم خيبة أمله النابليونية، لن ينتهي أمره مع التوتر بين الموسيقى والمثال السياسي. “السيمفونية التاسعة”، المؤلَّفة حين أصبح أصم، تستعيد يوتوبيا “شيلر” الإنسانية الشاملة وروح “فايمار"، غير أنه يُسامي بها بعبقريته. يُعلي بيتهوفن من شأن الفكرة القائلة بأن الفرح يمكن أن يجمع ما فرّقه التاريخ وأن الصوت يمكن أن يبني جسوراً ويمدّ أيادي حيث خلقت السياسة حدوداً. وليس من قبيل الصدفة أن يصبح هذا “النشيد للفرح”، بعد عقود، اللوحة الموسيقية للاتحاد الأوروبي، المشروع السياسي المؤسَّس تحديداً على فكرة أن ما يوحّد البشر فوق هوياتهم الوطنية يمكن أن يتخذ شكلاً مؤسسياً ويخلق أسلوباً مغايراً من الحضارة، في مواجهة كل الريح والموج. والدلالة بالغة في أن الاتحاد الأوروبي اختار اعتماد نسخة آلية بحتة منه، دون كلمات “شيلر”، كأن اللحن وحده كفيل بصياغة ما كانت الكلمات ستُقيّده داخل لغة وذاكرة وطنيتين. بهذه البادرة، يُفنّد بيتهوفن بطولة الفتح لصالح فرح الإنسانية الشاملة. وهذه البادرة ذاتها، الخاصة، الخالية من الشهود، الخالية من الإعلان، تُمثّل دون شك الدرس الأوّلي، ربما الأنفس الذي تلقّته الموسيقى الملتزمة على الإطلاق. ما يُخبرنا إياه بيتهوفن هو أن الفعل السياسي الأشد جذريةً لا يحتاج بالضرورة إلى أعمال مدوّية، بل يمكن أن يكتمل في كامل وفرته، بعيداً عن الأضواء، في الصمت الرهيب والمنفرد لغرفة ما. يكفي أن ترفض أن تُترك الفكرة لتموت مع من خانوها. الإهداء الممزَّق هو بذلك أول بيان حديث لاستقلالية الموسيقى تجاه السلطة، وللفنان تجاه القضية التي أعمته. فعل سياسي في ذاته، قبل أن يكون رمزاً، يضع الحجر الأساس الأول لتاريخ الموسيقى الملتزمة في كل تعقيدها، على عتبة القرن التاسع عشر وقبل أن يأتي القرن العشرون ليكشف، تحت إيديولوجياته القاتلة، عن كل تناقضاتها. بالاستباق، يقترح بيتهوفن في الواقع الترياق للإنسان الأعلى ال”واغنيري”… غير أن هتلر أصمّ تماماً إزاء فرح بيتهوفن، مجرورٌ حتى الهذيان المفيستوفيلي بواسطة “فالكيريّاته” الآريّة وصهواتها الوهمية وأحلامها الأبوكاليبسية. إقرأ أيضاً الموسيقى والسياسة، زواج ضارب في القِدم: البدايات (1)