شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
عندما يقول الدروز: “خلص… صار وقت السلام”

في الوجدان الدرزي عبارة تُقال عند لحظات التحوّل: “خلص… صار وقت نروح نبارك”. وفي سياق آخر قد تأخذ الغريزة نفسها شكلًا معاكسًا: “صار وقت نروح نعزّي”. ليست العبارة مجرّد مجاملة اجتماعية، بل هي ردّ فعل سياسي صنعته التجربة. معناها أنّ مرحلة انتهت، وأنّ مرحلة أخرى بدأت، وأنّ من يفهم العالم كما هو، لا كما يتمنّاه، عليه أن يتصرّف في الوقت المناسب. الدروز، تاريخيًا، كانوا شديدي الحساسية تجاه تبدّل الموازين. الجغرافيا علّمتهم ذلك، والتاريخ رسّخه، والبقاء حوّله إلى غريزة. لا يحتاجون دائمًا إلى بيانات رسمية من العواصم كي يعرفوا أنّ الريح قد تغيّرت. في أحيان كثيرة، يشعرون بها قبل غيرهم. من هنا، لا ينبغي أن تبدو الأرقام الأخيرة بحسب الاستطلاع التي تُظهر تأييدًا درزيًا واسعًا للتفاوض، بل حتى لاتفاق سلام مع إسرائيل، مفاجئة إلى هذا الحد. المفاجأة ليست في أنّ الدروز منفتحون على مسار سياسي جديد، بل في أنهم قالوا علنًا ما يعرفه كثيرون من اللبنانيين في السر: لغة الحرب الدائمة استنفدت نفسها. بحسب الأرقام، أيّد 72 في المئة من المستطلَعين الدروز التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل، وبينهم أكثرية أيّدت هذا الخيار بقوة. والأكثر دلالة أنّ 84.2 في المئة أيّدوا فكرة اتفاق سلام إذا وقّعه رئيس الجمهورية والحكومة اللبنانية، فيما أيّد 80.7 في المئة حصول تواصل بين رئيس الجمهورية ونتنياهو. هذه ليست أرقامًا هامشية، بل تعكس مزاجًا سياسيًا واضحًا: الجمهور الدرزي لا ينتظر إذنًا أيديولوجيًا كي يعترف بأنّ لبنان يحتاج إلى مخرج. لكن هذه الأرقام لا يجوز قراءتها بخفّة. تأييد الدروز للتفاوض لا يعني حبًا لإسرائيل، ولا يعني تنازلًا عن الذاكرة أو السيادة أو الكرامة الوطنية. إنّه، قبل أي شيء آخر، ردّ براغماتي على واقع ينهار. فالأرقام نفسها تُظهر جماعة تربط الاستقرار بعودة الدولة، وتعزيز الجيش، وإنهاء احتكار حزب الله لقرار الحرب والسلم. فقد منح المستطلَعون الدروز الجيش اللبناني وقائده واحدة من أعلى نسب التقييم الإيجابي، بلغت 93 في المئة، وأيّد 77.2 في المئة منهم نزع سلاح حزب الله، كما سجّلوا واحدًا من أكثر المواقف سلبية تجاه الدور الإيراني في لبنان، إذ وصفه 93 في المئة منهم بصورة سلبية. بهذا المعنى، الرسالة متماسكة. الدروز لا يقولون ببساطة: “نريد السلام مع إسرائيل”. ما يقولونه فعليًا هو: أعيدوا الدولة، أعيدوا الجيش، أعيدوا القرار، وأنهِوا هذه الحرب المفتوحة التي التهمت لبنان. هنا تحديدًا يتعمّد حزب الله وحلفاؤه تشويه النقاش. يريدون إلغاء كل الفوارق: السلام يصبح تطبيعًا، والتفاوض يصبح استسلامًا، وعودة سلطة الدولة تصبح هزيمة. في قاموسهم، أي محاولة لإخراج لبنان من منطق المواجهة الأبدية هي خيانة. وأي نقاش في المصلحة اللبنانية هو تآمر. وأي طرح لاستعادة الدولة حقها الحصري في قرار الحرب والسلم هو مشروع مشبوه. لكن الحقيقة أبسط من ذلك بكثير. أن تفاوض الدولة اللبنانية، بشروط سيادية واضحة، لا يعني أنّ لبنان يركع. قد يعني العكس تمامًا: أنّ لبنان، أخيرًا، يقف على قدميه بعد عقود صودر فيها قراره الوطني. يبدو أنّ الدروز فهموا هذه اللحظة. هم ليسوا أكثر حبًا لإسرائيل من غيرهم، وليسوا أقل تمسكًا بلبنان أو فلسطين أو القضايا العربية. لكنهم، تاريخيًا، كانوا من أكثر الجماعات اللبنانية قدرة على التمييز بين الشعار الذي يحمي والشعار الذي يعرّض للخطر. يعرفون متى تنفصل اللغة عن الواقع. يعرفون متى تتحول المقاومة من دفاع وطني إلى بنية هيمنة داخلية. ويعرفون متى تصبح كلفة الإنكار أكبر من كلفة تغيير المسار. لذلك يجب قراءة الموقف الدرزي بوصفه موقفًا براغماتيًا لا أيديولوجيًا. هو تصويت لوقف الحرب، لا لمحو التاريخ. تصويت لحماية لبنان، لا لتبييض صفحة إسرائيل. تصويت لاستعادة الدولة، لا للاحتفال بالتطبيع. ومع ذلك، يبدو أنّ هذا المزاج الدرزي العام يسبق جزءًا كبيرًا من القيادة السياسية الدرزية التقليدية. وهذا التردد مفهوم إلى حدّ ما. فالقيادة تحمل ذاكرة الحروب اللبنانية، والخيانات الإقليمية، والاغتيالات، والتحالفات المتبدّلة، والوعود المكسورة. وهي تعاني نوعًا من الصدمة التاريخية المتكررة. فكل منعطف حاد في لبنان له ثمن، وكل موقف متقدم يمكن استغلاله أو تشويهه أو المعاقبة عليه. لكن الحذر شيء، والشلل شيء آخر. السياسة ليست ذاكرة فقط. السياسة هي أيضًا القدرة على رؤية المستقبل وهو يصل. وإذا كان جزء كبير من الجمهور الدرزي يقول إنّ الوقت حان للخروج من أسر الحرب، فلا تستطيع القيادة أن تكتفي بإدارة الخوف. عليها أن تساعد في صياغة موقف وطني جدي: لا سلام خارج الدولة، لا تفاوض خارج السيادة، ولا قرار حرب أو سلم خارج المؤسسات الدستورية. غير أنّ المسؤولية الأكبر تقع هنا على الدولة اللبنانية. فاللبنانيون لا يُطلب منهم أن يندفعوا عاطفيًا نحو السلام. ولا يُطلب منهم أن ينسوا الاحتلال أو الدم أو التهجير أو القضية الفلسطينية. لكن إذا كان التفاوض مطروحًا، فمن واجب الدولة أن تشرح لماذا يمكن أن يكون السلام مصلحة لبنانية. عليها أن تقول ماذا يربح لبنان، وما الضمانات المطلوبة، وماذا يحصل بالأراضي اللبنانية المحتلة، وما هو دور الجيش، وكيف يمكن لأي اتفاق أن يحمي السيادة بدل أن يقوّضها. السلام لا يُباع كصفقة غامضة. السلام يحتاج إلى حجة وطنية. يحتاج إلى دولة تجرؤ على مواجهة آلة الترهيب والغباء التي تصرّ على تسمية كل خيار دبلوماسي “تطبيعًا”، وكل خروج من الحرب “هزيمة.” إنهاء الحرب ليس هزيمة. الهزيمة الحقيقية هي أن يبقى لبنان معلّقًا بين حرب لا يستطيع ربحها، وسلام لا يُسمح له حتى بمناقشته. الهزيمة الحقيقية هي أن يموت اللبنانيون، ويهاجروا، ويفقدوا ودائعهم وبيوتهم ومستقبلهم دفاعًا عن معادلات ممنوع عليهم مساءلتها. الهزيمة الحقيقية هي أن تكون للدولة راية واسم، لكن لا تكون لها سلطة. أما الانتصار، فقد يكون في أن يقرر لبنان أخيرًا أنّ مصلحته الوطنية ليست هامشًا في حسابات الآخرين. قد يكون الانتصار في القول إنّ الجنوب تحميه الدولة اللبنانية، لا الفوضى الدائمة. وإنّ الكرامة لا تُقاس بعدد الجبهات المفتوحة، بل بقدرة البلد على حماية أهله وأرضه واقتصاده ومؤسساته. من هذه الزاوية، لا تبدو الأرقام الدرزية شذوذًا. إنها إنذار مبكر. جماعة صغيرة، خبيرة في النجاة من العواصف، تقول للبنان إنّ زمنًا ينتهي. هذا لا يعني أنّ السلام سهل أو مضمون أو بلا مخاطر. ولا يعني أنّ إسرائيل يجب أن تُمنح ثقة عمياء، أو أنّ المخاوف اللبنانية غير مشروعة. لكنه يعني أنّ الحرب لم يعد يجوز التعامل معها كقدر مقدس، وأنّ السلام لم يعد يجوز التعامل معه كجريمة. لعلّ الدروز، بطريقتهم الخاصة، قالوا ما لا تزال الدولة اللبنانية تخاف أن تقوله: خلص. صار الوقت، لا للذهاب إلى تهنئة إسرائيل، بل لتهنئة لبنان إذا استطاع أن يستعيد دولته. صار الوقت كي يتوقف التعامل مع السلام كاتهام، ومع الحرب كقدر. صار الوقت كي يقول أحد للبنانيين إنّ إنهاء الحرب، عندما تقرره الدولة وتحميه السيادة، ليس تطبيعًا مع العدو بقدر ما هو تطبيع مع فكرة أنّ لبنان يستحق أن يعيش.

التعذيب، من صميم النظام السوري البائد!

ما يدعو إلى الذهول تلك الترسانة، ترسانة أدوات التعذيب المدرجة على قائمة سجون النظام السوري! ذلك أن مختلف أجهزة المخابرات لم تتوقف عن العمل طوال أكثر من خمسين عاماً من الديكتاتورية الممدَّدة. وهكذا، ومن أجل ممارسة مواهبهم المنحرفة، وانتزاع الاعترافات من ضحاياهم، وقبل كل شيء ترهيب الناس، كان جلادو البعث يملكون خيارات متعددة بين «الدولاب» و«العبد الأسود» و«بساط الريح». ومن الصعب المفاضلة بين أساليب العذاب هذه، غير أن الوسيلة الثانية في القائمة بلغت من الوحشية حدّاً دفع منظمة العفو الدولية Amnesty Internationalإلى وصفها في تقريرها لعام 1984 على النحو الآتي: «الضحية، وهي مقيّدة، تُجلَس على جهاز يقوم، عند تشغيله، بإدخال شفرة معدنية ساخنة في الشرج». تأملوا جيداً هذا التاريخ، وتذكّروا من كان يحكم دمشق آنذاك. وذلك لسبب وجيه، إذ لا يزال هناك في لبنان من يحنّ إلى نظام حافظ الأسد، بل ويذهب، في سبيل تلميع صورة هذا المستبد، إلى حدّ الانتقاص من أداء ابنه بشار، الذي لم يكن، بحسب رأيهم، على مستوى المهمة التي أوكلها إليه والده. شتازي Stasi ألمانيا الشرقية، مدرّباً! ثمة ملاحظة أولية لا بد منها: إن مختلف فروع المخابرات، التي شكّلت أعمدة السلطة القائمة في دمشق، كانت قد خضعت لإشراف، إن لم يكن لتدريب مباشر، من قبل جهاز الشتازي Stasi في ألمانيا الشرقية، ذاك السيء الصيت، وذلك منذ ستينيات القرن الماضي وحتى سقوط جدار برلين. غير أن اختلاف الثقافة بين جهازي الاستخبارات والقمع، لعب هنا دوراً مهماً (1). فقد كان عناصر الشتازي يرون أن نظراءهم السوريين اختاروا نموذجاً استعراضياً ومنهجياً للتعذيب، وأن أسلوب عملهم اتّسم بوحشية منفلتة و«عنف سادي فوري». بينما كانوا هم، بوصفهم فنانين متمرّسين على ضفاف الأنهر الألمانية، يفضّلون «التدمير النفسي، والمراقبة، والابتزاز». وهذا يعني أن أساليب عشيرة الأسد كانت، حتى بمقاييس ألمانيا الشرقية نفسها، تتسم بقسوة مفرطة، مجانية، ولا ضرورة لها. وفي هذا السياق، تكشف أرشيفات الشرطة السياسية لألمانيا التي كانت تُعرف بالديمقراطية الشعبية، والتي قام الباحثون والأكاديميون بدراستها، إلى أي مدى كانت «الممارسة السورية» محكومة بمنطق الانتقام والعصبية الطائفية والعشائرية، وهي أمور لم تكن مألوفة خلف الستار الحديدي (2). التعذيب، علامة الهوية للنظام لم يكن المعتقلون وحدهم في حال احتضار، بل كان شعب بأكمله يرزح تحت وطأة الرعب، شعب كان ينبغي إخراس كل أشكال المعارضة وكل نزعة إلى التمرد داخله عبر الإرهاب والترهيب. وفي يناير/كانون الثاني 2025، واستناداً إلى أكثر من ألفي شهادة، نشرت لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا تقريراً بعنوان «شبكة العذاب» أدانت فيه الممارسة المنهجية للتعذيب من قبل السلطة الحاكمة. ومع إطلاق العنان لغرائزهم، كان منفذو الأعمال القذرة يمارسون ما يلي: «الضرب المبرح، والصدمات الكهربائية، والحروق، واقتلاع الأظافر، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، وحرمان المعتقلين من الرعاية الطبية، والتعذيب النفسي». هذا فضلاً عن الاعتقالات التعسفية وعمليات التصفية الجماعية. محاكمات دمشق أو ساعة الحساب لقد طُويت صفحة! فالناجون من النظام السجني السوري باتوا اليوم يتحدثون بحرية على وسائل التواصل الاجتماعي. وقريباً، ستتولى جلسات المحاكم متابعة ما بدأته المدونات الصوتية، لتكشف لنا بالتفصيل أهوال ماجرى في مراكز الاعتقال. ومن حزب البعث في سوريا كما في العراق، لن يبقى في الذاكرة سوى القمع والرعب والجرائم. فلم تعرف الحريات يوماً فرصة للنموّ لا في عهد صدام ولا في عهد آل الأسد! وكما أنه لا يمكن تخيّل هتلر من دون المحرقة ، ولا ستالين من دون الغولاغ، فكذلك يصعب جداً ذكر حافظ أو بشار من دون استحضار التعذيب المشين! John O. Koehler, “Stasi: The Untold Story of the East German Secret Police,” Basic Books, 1999. Sophia Hoffmann, “Intelligence Fields: The Relations of the East German Stasi and Syrian Mukhabarat” (1960–1990), Leibniz-Zentrum Moderner Orient Publications, Berlin.

ضغوط دبلوماسية و تزايد البعثات إلى إيران

لم تكن إيران قد ردت بعد, الجمعة, على الشروط الأمريكية لاستئناف المفاوضات مع واشنطن، التي تبدي تفاؤلاً حذراً بشأن احتمال حل الجمود. وكانت الأسواق المالية العالمية تتحرك بالفعل نحو الارتفاع خلال اليوم، مدفوعة بالآمال التي تغذيها جهود دبلوماسية مكثفة للتوصل إلى بيان نوايا يخدم كأساس لاستئناف المحادثات الإيرانية الأمريكية. يتوقع وصول قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران لإجراء محادثات مع مسؤولين كبار، وفقاً لوكالة الأنباء الإيرانية الرسمية إرنا. ذكرت وكالة رويترز وجود وفد قطري في إيران، في إطار مهمة تنفذ بتنسيق مع واشنطن، بينما أشار موقع أكسيوس إلى أن السعودية ومصر وتركيا متورطة أيضاً في الجهود الدبلوماسية الجارية. لكن في الوقت الحاضر، تسعى طهران، التي تأمل في إرهاق الولايات المتحدة لانتزاع أقصى قدر من التنازلات منها، إلى الاستمرار في تحدي دونالد ترامب. أعلن الحرس الثوري بذلك في صباح اليوم عن عدد الشحنات وناقلات النفط التي عبرت مضيق هرمز وفقاً للقواعد الضريبية الجديدة التي فرضتها الجمهورية الإسلامية. وأشارت الاتحاد الأوروبي إلى أن هذه القواعد "تتعارض مع القانون الدولي". قررت بروكسل يوم الجمعة توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران ليشمل "الأشخاص والكيانات المتورطين في الإجراءات التي تهدد حرية الملاحة في الشرق الأوسط". من بين الدول المتضررة والمزعجة من الإجراءات الإيرانية على هرمز، الإمارات العربية المتحدة، التي دعت إيران، من خلال المستشار الأول للرئيس الإماراتي أنور قرقاش، إلى "عدم الإفراط في تقدير أوراقها" في المفاوضات القادمة مع واشنطن. وبحسب رأيه، فإن فرص التوصل إلى اتفاق إيراني أمريكي يسمح بفتح هذا المضيق هي "50-50". علاوة على ذلك، حذر السيد قرقاش من وقف إطلاق نار "بلا مخرج، سيزرع بذور نزاع جديد في المستقبل". وأضاف: "البرنامج النووي الإيراني، الذي كان ثاني أو ثالث أولويتنا، أصبح الآن أولويتنا الأولى. أدركنا أن إيران قادرة على استخدام أي سلاح تملكه". صدمة العقوبات الأمريكية في لبنان، وفي المقابل، لا يزال الناس تحت تأثير الصدمة من العقوبات التي فرضتها واشنطن على مجموعة من النواب، وللمرة الأولى، على مسؤولي أمن يعتبرون قريبين من حزب الله وحركة أمل برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري. يتعلق الأمر على وجه التحديد بقائد قسم الأمن الوطني في المديرية العامة للأمن الفني، الجنرال خطار ناصر الدين، وقائد مكتب المخابرات بالجيش في الضاحية الجنوبية لبيروت، العقيد سمير حمادة. واتهم الخزانة الأمريكية الاثنين بـ "مشاركة معلومات مهمة مع حزب الله خلال النزاع الجاري". الأشخاص الآخرون المستهدفون هم النواب من حزب الله حسن فضل الله، إبراهيم موسى، حسين الحاج حسن، والوزير السابق محمد فنيش، عضو المجلس التنفيذي للتكوين الموالي لإيران والنائب السابق، والسفير المعتمد من قبل طهران في بيروت محمد رضا شيباني، وأحمد أسعد بعلبكي وعلي أحمد صفاوي، وهما مسؤولان أمنيان في حركة أمل. رفضت الجيش اللبناني بشكل غير مباشر الاتهامات الموجهة من واشنطن ضد ضابطه المتهم بمساعدة حزب الله، محتطة بيان أكدت فيه أن ولاء جنودها يذهب "حصراً للمؤسسة". أكد جميع الضباط والجنود "يؤدون مهامهم الوطنية (...) وفقاً لقرارات قيادة الجيش"، وفقاً لبيان من القوات الذي قال إنه لم يتم إبلاغه بالعقوبات "عبر قنوات الاتصال المعتادة" مع واشنطن. أدانت إيران العقوبات ضد سفيرها، واصفة إياها بـ "غير القانونية". في لبنان، أسفرت غارة إسرائيلية عن مقتل ستة أشخاص، من بينهم عاملا إنقاذ وفتاة صغيرة، في قرية ديرقنون النهر بمنطقة صور. في ليلة الخميس إلى الجمعة، قُتل أربعة عاملي إنقاذ تابعين لحزب الله في غارة على حنانوي بالقرب من صور. الناتو وترامب علاوة على ذلك، تجمع وزراء خارجية دول أوروبا في الناتو في السويد، وأملوا الحصول يوم الجمعة على توضيحات من الولايات المتحدة بشأن وجودها العسكري في أوروبا، خاصة بعد إعلان دونالد ترامب نشر 5000 جندي أمريكي في بولندا، في حين كان يفكر في تقليل الوجود العسكري الأمريكي في القارة القديمة. خلال هذا الاجتماع، قال رئيس الدبلوماسية الأمريكية ماركو روبيو لحلفاء الناتو إن القرارات الأمريكية بشأن نشر القوات في أوروبا التي أعلنها دونالد ترامب في الأسابيع الأخيرة ليس لها طابع "عقابي". وأضاف أن "هذا مجرد عملية مستمرة كانت موجودة من قبل"، محذراً من أنه سيتعين "الاستجابة" لـ "مخاوف" ترامب بشأن الشرق الأوسط. في واشنطن، أعلنت رئيسة الاستخبارات الأمريكية تولسي غابارد استقالتها. تلك التي بدت أنها تختلف مع الرئيس دونالد ترامب بشأن الحرب في إيران، تتولى قيادة مديرية الاستخبارات الوطنية (DNI)، الجهاز الذي يشرف على جميع وكالات الاستخبارات، منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. كانت تولسي غابارد يُتوقع رحيلها وفقاً للإعلام الأمريكي، وبدت أنها في خلاف مع دونالد ترامب. وعلى وجه الخصوص، رفضت خلال جلسة استماع برلمانية في مارس تأكيد تصريحات الجمهوري بأن إيران تمثل "تهديداً وشيكاً" قبل الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي أشعلت الحرب في الشرق الأوسط. إنها رابع امرأة تغادر حكومة ترامب في غضون ثلاثة أشهر، بعد وزيرة العدل بام بوندي ووزيرة الأمن الداخلي كريستي نويم ووزيرة العمل لوري تشافيز ديريمير. في 3 أبريل الماضي، وسط الحرب في إيران، أعلن البنتاغون عن رحيل رئيس الأركان العامة للجيش الجنرال راندي جورج، وهو إقالة تطول قائمة الضباط الكبار الذين أقصلتهم إدارة ترامب.

بين ترامب وبوتين وشي جين بينغ وإيران، ملامح جيوسياسية جديدة تلوح في الأفق (2/2)

في خضم حرب الرسوم الجمركية والقيود التجارية بين بكين وواشنطن، وتصادماتهما حول مسائل تايوان وبحر الصين الجنوبي، عقد ترامب وشي جين بينج اجتماعهما الأول في 30 أكتوبر 2025 في مطار بوسان بكوريا الجنوبية، على هامش قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ. أسفرت هذه الاجتماع، الذي أملته الضرورة لحل المشاكل الاقتصادية العاجلة التي تواجه البلدين، عن التوصل إلى هدنة تجارية لمدة سنة واحدة بين الطرفين. شملت هذه الهدنة خفضاً فورياً للرسوم الجمركية الأمريكية على السلع الصينية، التي كانت تتجاوز 100% في بعض الحالات. تم تخفيض هذه الرسوم إلى متوسط 47%. علاوة على ذلك، وقف الرئيس ترامب إدراج الشركات التابعة التي تملك الجموعات الصينية المفروضة عليها عقوبات 50% أو أكثر من أسهمها على القوائم السوداء. كما وعد برفع القيود على تصدير الرقائق الدقيقة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي إلى الصين. في المقابل، التزمت الصين بكثافة جهودها في مكافحة الاتجار بالمواد الخام المستخدمة في تصنيع المخدرات نحو أمريكا. كما علقت قيودها الصارمة على تصدير المعادن النادرة الضرورية للصناعات التكنولوجية والدفاعية الأمريكية، والتي تأتي 90% من إمداداتها من الصين. علاوة على ذلك، التزم شي باستئناف وارداته الضخمة من فول الصويا الأمريكي بمعدل 11 مليار دولار أمريكي سنوياً، وشراء طائرات بوينج دون تحديد العدد. وأخيراً، جمّد البلدان الضرائب الجمركية المتبادلة على سفنهما التجارية، وتعهدا بمناقشة الملفات الهيكلية الأكثر ثقلاً لاحقاً. يشير هذا إلى حاجة إلى التعاون وبداية حقبة جيوسياسية جديدة ذات آثار عالمية. والدليل على ذلك زيارة بوتين إلى بكين، التي تلت زيارة ترامب. اجتماع ترامب وشي في 14 و15 مايو 2026 تم التقليل من الأهمية التاريخية لهذا الاجتماع من قبل وسائل الإعلام التي سعت إلى إظهار أن تقدماً قليلاً تحقق، وركزت بشكل خاص على إصرار شي جين بينج على إعادة دمج تايوان في الصين. في الواقع، دعم هذا القمة وعمّق وأطال الهدنة التجارية الهشة الموقعة في بوسان قبل سبعة أشهر، وستتبعها قمم أخرى. في خطابه، أكد شي رغبته في التفاهم الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، القائم على «التعايش السلمي والتعاون ذي المنفعة المتبادلة». لاحظ أن العلاقات الصينية الأمريكية تهم رفاهية أكثر من 1.7 مليار شخص في البلدين وتؤثر على مصالح أكثر من 8 مليارات نسمة على الكوكب». وهذا جديد تماماً في الخطاب السياسي الصيني. تعزيز الهدنة التجارية كان الرئيس ترامب مصحوباً في هذا القمة من 17 رئيس شركة أمريكية يبلغ مجموع رؤوس أموالهم 15 تريليون دولار، أي ما يعادل نصف الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وثلاثة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لفرنسا. يتجاوز هذا المبلغ الناتج المحلي الإجمالي لليابان وألمانيا والهند مجتمعة. من بين رؤساء الشركات الذين رافقوا رئيس البيت الأبيض كان تيم كوك، الرئيس التنفيذي لـ أبل، وإيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لـ تيسلا والسفير غير الرسمي لواشنطن، المسؤول عن الجسر الطبيعي للتجارة بين الولايات المتحدة والصين، وجنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لـ إنفيديا، وكيلي أورتبيرج، الرئيسة التنفيذية لـ بوينج. تجمّع أبل في الصين ما بين 80 إلى 90% من أجهزة آيفون وأجهزة ماك الخاصة بها. عقب القمة، نجحت في حماية هذا الإنتاج بالحفاظ على تخفيض الرسوم الجمركية الثنائية لمدة ثلاث سنوات. علاوة على ذلك، لدى أبل إيرادات في الصين بقيمة 80 مليار دولار (20% من مبيعاتها العالمية)، وتسعى لزيادتها. تيسلا Tesla et ambassadeur officieux de Washington, responsable de la passerelle naturelle pour le commerce entre les Etats-Unis et la Chine , Jensen Huang, patron de Nvidia, et Kelly Ortberg patronne de Boeing . Apple assemble en Chine près de 80 à 90% de ses iPhones et iMacs . Suite au sommet, elle a réussi à protéger cette production en gardant les droits de douane bilatéraux abaissés pour une période de trois ans. En outre, Apple a un chiffre d’affaires en Chine de 80 milliards de dollars (20% de ses ventes mondiales), qu’elle cherche à augmenter. Tesla, الذي يصنع السيارات الكهربائية ومعدات الطاقة الشمسية في الصين، نجحت في تعزيز حماية مصنعها في شنغهاي ضد الحواجز الجمركية الثنائية، خاصة أن هذا المصنع ينتج أكثر من نصف الإنتاج العالمي لـ تيسلا . كان أحد الإنجازات الرئيسية لهذا القمة هو الموافقة الرسمية التي منحها ترامب لشركة إنفيديا لبيع شريحة الذكاء الاصطناعي H200 (الأكثر طلباً في السوق) للمجموعات التكنولوجية الكبرى الصينية. كانت الصين تمثل ما يصل إلى 25% من إيرادات إنفيديا ، وهذا الرقم انخفض إلى حوالي 11% بسبب القيود، والتي تم الآن رفعها. كان الرابح الأكبر من القمة هو بوينج الذي وقع اتفاقية لتسليم 200 طائرة ركاب إلى بيجين، وهذا يمثل نجاحاً كاملاً لرئيستها كيلي أورتبرج، ويشكل نفساً مالياً جديداً يسمح بإنقاذ الشركة. بوينج تقدر أن الصين ستحتاج إلى أكثر من 8500 طائرة ركاب جديدة بحلول عام 2043 وتأمل بعد هذا العقد في الحصول على عقود أخرى في السنوات القادمة، قد يصل عدد الطائرات حينها إلى 750. قضية تايوان جمّد القمة الوضع الراهن بشأن قضية تايوان. الرئيس ترامب واضح في رفضه للاستقلال الرسمي للجزيرة، التي يعتبرها خطرة من جميع الجوانب. عقد التسليح الضخم مع تايبيه بقيمة 14 مليار دولار معلّق ويشكل رافعة تفاوضية قوية تجاه بيجين. من جانبها، حزب الكومنتاغ (KMT)، حزب المعارضة التايواني، القومي اليميني، يدعو للحوار مع بيجين ويحافظ على موقفه لصالح صين واحدة. علاوة على ذلك، رئيسته تشنغ لي وون قامت بزيارة تاريخية إلى بيجين من 7 إلى 12 أبريل الماضي. التقت بـ شي جين بينج لاستعادة الحوار. على عكس حزب الكومنتاغ، حزب الديمقراطية التقدمية (DPP) الحاكم، يدافع بقوة عن الهوية الوطنية التايوانية. مع ذلك، فإنه يدعو للحفاظ على الوضع الراهن في مواجهة مطالبات الصين القارية لتجنب النزاع المسلح. باختصار، بينما تسعى الطبقة السياسية التايوانية إلى الحفاظ على ديمقراطيتها دون استفزاز نزاع، تعامل دونالد ترامب مع الملف من منظور براغماتي بحت. أزمة إيران ومضيق هرمز أزمة البرنامج النووي الإيراني وشلل مضيق هرمز تبقى بدون حل، على الرغم من أن هذه الملفات كانت بالتأكيد موضوع نقاش في الأسابيع التي سبقت اجتماع بيجين. أكد الرئيس ترامب أن شي وافق على الحظر المطلق لطهران من امتلاك السلاح النووي، مع الالتزام بمنع أي تسليم أسلحة تقليدية صينية لإيران. كما أكد رئيس البيت الأبيض أن بيجين ترفض مبدأ الرسوم البحرية المفروضة من قبل الجمهورية الإسلامية في المضيق. من جانبها، دعت وزارة الخارجية الصينية إلى وقف إطلاق نار عالمي، محتفظة بالغموض الدبلوماسي. في المقابل، تشير التقارير إلى أن بيجين تدفع بصمت إلى طهران حقوق عبور لناقلات نفطها التي تعبر هرمز، تحت ستار «رسوم بيئية». الصين لها مصلحة كبيرة في فتح المضيق لأنها تستورد أكثر من 50% من نفطها ليس فقط من إيران بل أيضاً من دول الخليج. وأخيراً، كان الشراكة الاستراتيجية بين بيجين وطهران، الموقعة عام 2021، تتضمن استثمارات بقيمة 400 مليار دولار في إيران. لكن حتى تلك التاريخ، لم تتجاوز بضعة مليارات، مما يشير إلى أن شي جين بينج، منذ فترة طويلة، لا يريد أن يخاطر بإغضاب واشنطن ودول الخليج. واقع جيوسياسي جديد يمثل قمة بكين جزءًا من عملية تؤدي إلى نظام عالمي جديد سيحل محل النظام الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية. تفرض الجيوسياسة واقعها... فمن الواضح أن شي جينبينج وترامب وبوتين يضعون أولوياتهم الداخلية قبل كل شيء آخر، الأمر الذي يتطلب تطبيع العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية بين دولهم الخاصة. وقد أظهر بوتين بالفعل علامات انفتاح في جميع الاتجاهات، خاصة تجاه ترامب وشي جينبينج، حيث بادر بزيارتهما بعد الرئيس الأمريكي مباشرة، وكذلك تجاه أوروبا. هذا لا يفيد طهران على الإطلاق، التي تخاطر كثيرًا بأن تكون ضحية هذا الواقع الجيوسياسي الجديد.

هرمز، اليورانيوم المخصب... إيران تشدد موقفها

يستمر الحراك الدبلوماسي الهادف إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مع زيارة مسؤول باكستاني رفيع المستوى جديد إلى طهران، وهو وسيط في المناقشات. بين تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الذي أكد أن "تحقق تقدم"، وتصريحات وزارة الخارجية الإيرانية التي أفادت بأن "المفاوضات تركز في هذه المرحلة على إنهاء الحرب على جميع الجبهات، بما فيها لبنان"، بدا أن نوعاً من التفاؤل يظهر بعد سلسلة من الرسائل الانفجارية تبادلتها الأطراف. لكن معلومة نشرتها وكالة رويترز يوم الخميس بشأن البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب تصعيد موقف الحرس الثوري بشأن مضيق هرمز، جاءت لتمحو هذه الهدنة الدبلوماسية. بحسب رويترز، أصدر المرشد الأعلى الإيراني آية الله مجتبى خامنئي توجيهاً بعدم نقل اليورانيوم الإيراني المخصب بمستويات قريبة من تلك اللازمة لصنع سلاح نووي إلى الخارج. قال أحد المسؤولين الإيرانيين الذين استشهدت بهم رويترز، متحدثاً بناءً على طلب عدم الكشف عن هويته: "توجيه المرشد الأعلى والإجماع داخل الأجهزة أن مخزون اليورانيوم المخصب يجب ألا يغادر البلاد". ترى هذه المصادر أن كبار المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أن نقل هذه المادة إلى الخارج سيجعل البلاد أكثر عرضة للهجمات الأمريكية أو الإسرائيلية المستقبلية. أكد المسؤولان الإيرانيان أيضاً أن عدم الثقة العميق يسود طهران بشأن الهدنة الحالية، التي تُنظر إليها كمناورة تكتيكية محتملة من واشنطن الهدف منها خلق شعور كاذب بالأمان قبل استئناف الضربات الجوية. بحسب هذه المصادر، بدأت الطرفان في تقليل بعض الخلافات، لكن تبقى خلافات جوهرية حول البرنامج النووي الإيراني، خاصة مصير مخزونات اليورانيوم المخصب ومطالبة طهران بالاعتراف بحقها في التخصيب. مع ذلك، أفاد أحد المصادر بوجود "صيغ قابلة للتطبيق" لحل هذا الخلاف. قال أحد المسؤولين الإيرانيين، بحسب الوكالة البريطانية: "هناك حلول، مثل تخفيف تركيز المخزون تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية". تقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كانت تملك 440.9 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 60% عندما ضربت إسرائيل والولايات المتحدة منشآت نووية إيرانية في يونيو 2025. كمية المادة التي نجت من هذه الضربات تبقى غير معروفة. يصعّد هذا القرار موقف طهران بشأن أحد المطالب الأمريكية الرئيسية في إطار محادثات السلام. قد يزيد أمر آية الله خامنئي التوترات مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ويعقّد المزيد من المناقشات الهادفة إلى إنهاء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. أعلن دونالد ترامب يوم الخميس أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بالاحتفاظ بمخزونها من اليورانيوم المخصب بدرجة عالية. قال ترامب للصحفيين في البيت الأبيض: "سنستعيده. لا نحتاجه، لا نريده. سنفجره على الأرجح بمجرد أن يكون في حوزتنا، لكننا لن نسمح لهم بالاحتفاظ به". مضيق هرمز: إيران توسع مطالباتها بخصوص نقطة ثانية حساسة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، أعلنت الهيئة الإيرانية الجديدة لإدارة مضيق هرمز يوم الخميس عن منطقة سيطرة تمتد إلى المياه الواقعة جنوب ميناء الفجيرة الإماراتي، مما أثار غضب جارتها الخليجية. تسيطر طهران على الملاحة في هذا الممر البحري الاستراتيجي للتجارة العالمية بالهيدروكربونات منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط. إذا دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 أبريل، فإن السلطات تطلب من السفن العابرة عبر المضيق الحصول على تصاريح من القوات المسلحة الإيرانية. "سلطة مضيق الخليج الفارسي" الجديدة كلياً، التي تمتلك الآن حساباً رسمياً على منصة X، نشرت الأربعاء رسالة مصحوبة بخريطة، قالت فيها إنها حددت "منطقة الاختصاص التنظيمي لإدارة" المضيق. وكتبت أن هذه المنطقة تمتد "من كوه موبارك في إيران إلى جنوب الفجيرة في الإمارات العربية المتحدة" فيما يتعلق بالمدخل الشرقي للمضيق، وعلى الجانب الغربي "من جزيرة قشم إلى أم القيوين"، إحدى الإمارات السبع التي تشكل الإمارات. "العبور عبر هذه المنطقة بغرض عبور مضيق هرمز يتطلب التنسيق مع سلطة مضيق الخليج الفارسي والحصول على إذنها"، هذا ما جاء في البيان. بما يثير استياء أبوظبي، خاصة وأن ميناء الفجيرة يقع في قلب استراتيجيتها لتجاوز حصار المضيق. "النظام الإيراني يحاول فرض واقع جديد (...)، لكن محاولات السيطرة على مضيق هرمز أو الإضرار بالسيادة البحرية للإمارات ليست سوى أحلام"، رد مستشار الرئيس الإماراتي أنور قرقاش على منصة X. عقوبات أمريكية ضد أمل وحزب الله على جانب آخر، أعلنت واشنطن الخميس وضع تسعة أفراد وكيانات على قائمة العقوبات، يُتهمون بأنهم قريبون من قيادة حزب الله أو أعضاء فيها و"يعيقون السلام ونزع السلاح" عن المجموعة اللبنانية الموالية لإيران. من بين أهداف العقوبات من وزارة الخزانة الأمريكية السفير الإيراني المعين لدى لبنان محمد رضا رؤوف الشيباني، ومسؤولون في أجهزة الاستخبارات اللبنانية، وحلفاء سياسيون لحزب الله وأربعة مسؤولين في المجموعة. أحدهم هو النائب في حزب الله حسن فضل الله، الذي تولى أيضاً قيادة إذاعة (النور) وقناة (المنار) التابعتين للحركة. رفضت الحكومة اللبنانية في منتصف مارس أوراق اعتماد السفير الإيراني وأمرت برحيله من البلاد، لكن الشيباني رفض مغادرة بيروت. تستهدف التدابير التي اتخذتها وزارة الخزانة أيضاً أحمد بعلبكي وعلي الصفاوي، مسؤولان في حركة أمل التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري. قال وزير الخزانة سكوت بيسينت في بيانه إن "حزب الله هو منظمة إرهابية يجب نزع سلاحها بالكامل. ستواصل وزارة الخزانة مكافحة المسؤولين الذين تسللوا إلى الحكومة اللبنانية وسمحوا لحزب الله بشن حملته العنيفة بلا هدف ضد الشعب اللبناني وإعاقة السلام". تتضمن العقوبات تجميد جميع الأصول التي يمتلكها الأفراد المستهدفون بشكل مباشر أو غير مباشر وحظر على المواطنين والشركات الأمريكية إجراء معاملات معهم. ينطبق هذا الحظر أيضاً على الشركات الأجنبية إذا كانت لديها فرع في الولايات المتحدة أو تجري جزءاً من معاملاتها بالدولار. على أرض الواقع، تعرض مستشفى في جنوب لبنان لضرر الخميس جراء غارة إسرائيلية، بحسب وزارة الصحة، حيث استمرت الجيش الإسرائيلي في شن غاراته رغم هدنة هشة مع حزب الله الموالي لإيران. "استهدفت غارتان إسرائيليتان بلدة تبنين، بالقرب من المستشفى الحكومي"، في منطقة بنت جبيل، وفقاً لما أفادت به وكالة الأنباء الوطنية. أوضحت الوزارة كذلك أن الغارة أسفرت عن "تسعة جرحى، من بينهم سبعة من موظفي المستشفى، منهم خمس نساء". كانت الوزارة قد أشارت الأربعاء إلى أن ثلاثة مستشفيات في الجنوب أُغلقت و16 أخرى تضررت منذ بداية الحرب بين إسرائيل وحزب الله الموالي لإيران في 2 مارس.

قف، الطريق الخاطئ…
بقلم
ميشال توما
نُشر

في الصراع الحالي الذي سيحدد على الأرجح مصير الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن نتحلى بالشفافية ونقول الأمور كما هي، دون مجاملة أو تذبذب: فهناك عدد كبير من المسؤولين السياسيين رفيعي المستوى والخبراء والأكاديميين والصحفيين الذين يسيرون في الطريق الخاطئ في تقديرهم للمسألة الحقيقية لهذه الأزمة الوجودية التي تهز المنطقة بأسرها وتنعكس آثارها بطريقة غير مباشرة على السوق العالمية. الخطأ الأكبر في السياق الحالي هو أن نخوض المعركة الخاطئة. الخصم الذي يجب محاربته اليوم ليس الرئيس دونالد ترامب بأي حال من الأحوال، مهما كانت الانتقادات التي قد نوجهها إليه بشأن سلوكه وغروره وتجاوزاته اللغوية وعلاقاته مع الحلفاء المفترضين. أليس من الضروري أن نذكّر في هذا الصدد، لتوضيح وجهة نظرنا، بأن الجنرال ديغول وجهت إليه الانتقادات نفسها زمن الحرب العالمية الثانية، لكن الجنرال ديغول، بينما كان في صراع دائم مع النظام النازي، لم يركز كل جهاده على الخلافات والخصومات التي كانت بينه وبين رئيس الوزراء البريطاني السابق. إذا كان العديد من المسؤولين وخبراء السياسة اليوم يسيرون في الطريق الخاطئ في فهمهم للصراع الإيراني، فذلك لأنهم يرفضون الاعتراف بأن القضايا الحقيقية في هذا الصراع لا تقتصر على حرية الملاحة البحرية فقط في مضيق هرمز والحفاظ على الاقتصاد العالمي. المسألة لا تتعلق البتة بوقف التصعيد والعمليات العسكرية لصالح "الطريق الدبلوماسي" والبحث عن "حل تفاوضي يقبل به الطرفان". كانت مثل هذه الأهداف مفهومة ومعقولة لو كان لدينا فصائل حتى لو متنافسة تتمسك بخط سلوك يتوافق مع المعايير العقلانية المألوفة. لكن هذا بعيد جداً عن الواقع عندما يتعلق الأمر بقادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالأخص حجر الزاوية فيها وهو الحرس الثوري. أنصار "الطريق الدبلوماسي" والمعارضون للأسلوب الصارم الذي طبقه الرئيس ترامب يخفون، إما من خلال حسابات أنانية أو براءة مفرطة، ما يجب أن يكون المسألة الحقيقية في هذا الصراع: القضاء على النظام الإيراني، أو على الأقل على جناحه الصعب والحربي الممثل في الحرس الثوري. هذا ليس مجرد صراع على السلطة أو فرض توازن قوى ما، بل هو صراع وجودي بطبيعته الأساس، من الخطر إغفال بعده الأيديولوجي والإلهي... لقد حان الوقت فعلاً للاعتراف بحقيقة لا جدال فيها، تؤكدها وقائع ملموسة: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والعالم الغربي بشكل عام ودول الخليج ودول بلاد الشام تواجه منذ عقود معاناة واعتداءات من سلطة إيرانية ثيوقراطية ديكتاتورية وفتاكة، تعتقد أنها مكلفة برسالة مسيانية وتسير على أساس رؤية متخلفة وظلامية للعالم والمجتمع والحياة والموت وموضع الرجل والمرأة في محيطهما. هذا المشروع المجتمعي الخميني (لأننا يجب أن نسميه باسمه الصحيح) مبني على ممارسات وعادات وأسلوب حياة وقوانين اجتماعية من عصور غابرة. وقد حمله على كاهله الجناح الراديكالي للنظام الطهراني منذ وصول الخميني إلى السلطة سنة 1979. منذ البداية، اعتمد الحرس الثوري شعار "تصدير الثورة الإسلامية" ووضعه موضع التنفيذ بنشر ميليشيات تابعة له في لبنان والعراق واليمن وسوريا وغزة، وبانتهاج سياسة توسعية وعدم استقرار في عديد مناطق الإقليم، خاصة في عدة دول من دول الخليج. لحماية سلطتهم والنظام الخميني برمته، لا يتردد "حرّاس المعبد" - الحرس الثوري - أمام شيء ولا يكترثون بأي اعتبارات إنسانية. آخر مثال على ذلك: الإعدامات الجماعية للمراهقين والشباب في عز شبابهم والطلاب الجامعيين والإطارات العليا، المتهمين بالمشاركة في مظاهرات سلمية (600 إعدام منذ بداية السنة وأكثر من 2100 في سنة 2025، دون أن يثير ذلك استنكاراً حقيقياً من قبل "المثقفين" و"الرأي السليم"). أليس من الواجب تذكر أنه خلال آخر مظاهرات جماهيرية في معظم المناطق الإيرانية، قام الجهاز القمعي للنظام بمذبحة في يومين فقط، 8 و9 يناير 2026، أودت بحياة أكثر من 40 ألف مدني! هل من الضروري استعادة ذاكرة انتفاضة سنة 2009 ("الحركة الخضراء") التي نجمت عن إعادة انتخاب احمدي نجاد بالاحتيال والتي قمعتها الحرس الثوري بوحشية، أو "نوفمبر الدموي" سنة 2019 الذي خلّف لا يقل عن 300 قتيل، وخاصة احتجاجات "امرأة، حياة، حرية" الواسعة سنة 2022 التي أطلقتها وفاة الفتاة الكردية الأصل مهسا أميني في الاعتقال والتي تم قمعها بالدم عبر إطلاق الرصاص الحي والآلاف من الاعتقالات وحالات تعذيب فظيعة... لكن ذروة الفظاعة تحققت خلال الحرب مع العراق عندما أرسل النظام مئات الأطفال للموت على حقول الألغام لفتح الطريق أمام القوات النظامية! على الرغم من هذا الماضي المظلم، الذي يمكن الإطالة فيه بتفاصيل كثيرة عن القمع والأفاعيل الشريرة للنظام، يستمر عدد من الدول الغربية والدول العربية في الدعوة إلى "الحوار" وحل "دبلوماسي" لإنهاء النزاع المسلح الحالي والخروج من مأزق البرنامج النووي الإيراني وتخصيب اليورانيوم. تتظاهر هذه الدول بنسيان أن ذلك يتم منذ أكثر من... عشرين سنة (!) منذ مطلع الألفية الثالثة، حيث يتم مناقشة ملفات البرنامج النووي وتخصيب اليورانيوم والتفاوض بشأنها والنقاش حولها والبحث فيها مراراً وتكراراً على مدار السنين، طولاً وعرضاً. أكثر من عشرين سنة من النقاشات العقيمة التي سمحت لنظام الملالي بكسب الوقت لتطوير برنامجه النووي بلا توقف وتسريع تخصيب اليورانيوم، حتى وصل إلى نسبة 60 بالمائة وأكثر. وضع الرئيس ترامب مؤخراً إصبعه على الجرح بالملاحظة الصحيحة التي يصرّ قادة آخرون على عدم الاعتراف بها: "منذ 47 سنة (منذ 1979)، يلعب النظام الإيراني بنا؛ يجعلنا ننتظر ويقتل رجالنا بالعبوات الناسفة المزروعة على جانب الطريق، ويقمع الانتفاضات الشعبية بقسوة، وقبل وقت قريب أيضاً ذبح 42 ألف متظاهر أعزل بلا دفاع" (...). في ضوء هذا الواقع المرعب والحقيقة البغيضة، هل بقي شيء للتفاوض بشأنه مع نظام قاتل كهذا، يحركه عشق الاستشهاد وأيديولوجية إلهية رجعية لا تكترث للإنسان، للفرد كقيمة مطلقة؟ هل كان يمكن تصور الدعوة في 1944-1945 للـ"حوار" مع هتلر للتوصل إلى "حل دبلوماسي" مع النظام النازي؟