شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
 السينما والسياسة والحرب
بقلم
يقظان التقي
نُشر

أرخى ظل الحرب والسياسة في الشرق الأوسط وأكرانيا وتهديد الجيوسياسة بظلاله على حفل ختام الدورة 79 لمهرجان. كان الخطاب السياسي الأكثر إثارة للانتباه هو خطاب أندريه زفياغينتسيف، الذي فاز فيلمه "مينوتور" (Minotaur)، بالجائزة الكبرى وهو تصوير للاجتياح الروسي لأوكرانيا من خلال تدهور أسرة،. وجه المخرج الروسي المنفي في فرنسا الرسالة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: "أوقفوا هذه المهزلة، العالم بأسره ينتظر إنهاء المذبحة، حيث يقف ملايين الأشخاص على جانبي خط الجبهة،لا يحلمون بشيء سوى إنهاء المجازر والحرب التي لم تعد تحظى بشعبية على الضفتين المتقاتلين" ، وذلك في صدى بعيد لخطاب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي ألقاه على نفس المسرح في 17 ايار/ مايو 2022. من الميتا- رواية إلى الهاوية، غالبًا ما يكون هناك خطوة واحدة، خطوة اتخذها مهرجان كان في عام 2026 باختياره، من بين 22 فيلمًا في المسابقة، ستة أعمال تتناول الحرب. لا جديداً في أن يكون للسينما، الفن المرتبط بنبض العالم، هذا التأثير السياسي. لكن يكمن تعقيد سرد قصة مهرجان كان هذا في جانبين: في تنوع وجهات النظر التي تنظر إلى الحرب من خلال الإخلاص التاريخي والإنجاز الفني في التقاط الرعب والعنف، أو أن يكون الأمر مجرد لمحة، فلا يشكلان بالضرورة مزيجًا متناغمًا عن الواقع نفسه. كانت هناك مسافة كبيرة، جماليًا وفلسفيًا، بين "تحية لنا” (Notre Salut) لإيمانويل مار، الذي يشير من خلال ترويج موظف صغير، في عهد بيتان وفي جميع الأوقات، إلى روح التعاون، وبين "مولان" (Moulin) لـ لازلو نيميس، الذي يمجد شهادة المقاوم جان مولان الذي عذبه حتى الموت . فيما كلاوس باربي في فيلم "الوطن" (Fatherland) يختار مسارًا ثالثًا، حيث يشير إلى الكارثة الأخلاقية والحضارية للحرب العالمية الثانية من خلال عودة توماس مان إلى ألمانيا 1949. بدورها الممثلة جوليان مور عكست واقع هذا الانقسام في السينما في خلال زيارتها إلى كان خلال الأسبوع الأول من الدورة التاسعة والسبعين للمهرجان، لتسلم جائزة "Women in Motion"، ومن بين الفائزات السابقات، جين فوندا، فيولا ديفيس، وميشيل يوه. فأعلنت مور (ملهمة تود هاينز)، عن مواقف سياسية متميزة في السياسة. وتقول إنها منذ طفولتها تضيع في مكتباتها التي أصبحت ملاذًا، وتجد فيها فهمًا إنسانيًا للعالم ولأولئك الذين يشكلونه، سواء كان ذلك مأساويًا أولا. وفي فقاعة لوس أنجلوس السطحية أحيانًا، تسعى مور بمساعدة فرق اتصالاتها، إلى إعطاء عمق للمواضيع ، التي غالبًا ما تكون مجردة في حين يعتمد كل شيء على رؤية واضحة وإن كانت خانقة. نفس المنطق هو ما سيجلب لها أقصى تكريم، جائزة الأوسكار لأفضل ممثلة عن فيلم، "Still Alice" (2014) ". وتقول مور: "إنه وزن التاريخ، وصناعة الأحلام التي يسعدني أن أساهم فيها، بالالتزام ضد حمل السلاح، وضد الفوضى الاجتماعية التي نعيش فيها، وهي تحزنني، وتخيفني في سياق جيوسياسي غير متوازن بشكل عام" (ومور معروفة بقربها من الديمقراطيين، مع أخذ مسافة من الدورة السياسية اللاحقة، لتظهر بشكل أقل مع جو بايدن وكامالا هاريس). لذلك أبقت مور نفسها بعيدًا عن الإفراط في التعرض للصحافيين ، بينما ينغمس الآخرون في السجاد الأحمر والعروض الأولى، مفضلة شكلاً من أشكال الانسحاب الاستراتيجي عن الأفلام التي تحتوي على انفجارات وقنابل في ضوء الوضع العالمي الحالي، "المصطنعً بشكل لا يصدق". تجدر الإشارة إلى مفارقة جرت في منح جائزة السيناريو لـ "Notre salut" (خلاصنا)، وهو عمل قوي وأصيل عن التعاون، بينما اعترف المخرج إيمانويل مار عن نفسه بأن العديد من المشاهد تم ارتجالها. وذهبت جائزة لجنة التحكيم إلى فيلم "Aventure rêvée" (المغامرة الحلم) لـ فالسيكا غريسباغ. كانت الآراء حول هذا الفيلم الحدودي متباينة. بلغت القمة مع جائزة الإخراج ، لأنها كرمت اثنين من المخرجين لفيلم "La bola negra" (الكرة السوداء). يروي هذا الرواية السينمائية التاريخ الإسباني عبر القرن، ويتناول الحرب الفرانكية والمثلية الجنسية. هذا، ويتخذ عالم السينما مسافة عن المتمردين بعد تصريحات ماكسيم سعادة، رئيس Canal+، حيث أبدى أصحاب دور السينما والمنتجون والموزعون الفرنسيون قلقهم من استقطاب متزايد للراديكالية في التعبيرية السينمائية مع اقتراب الانتخابات الرئاسية . وكانت هناك عريضة في افتتاح المهرجان حملت عنوان "لا تلتف إلى بولوريه" تم توقيعها من قبل أكثر من 600 شخصية تمثل مهنيي السينما. ويحتجون فيها على ما يعتبرونه سيطرة رجل الأعمال البريتوني على الفن السابع ورغباته الاحتكارية ، وتتعلق بشكل كبير بتمويل السينما. وباستثناء أديل هانيل، التي لم تعد تصور أفلامًا منذ ست سنوات، وجولييت بينوش، وآنا موغلاليس، وسوان أرلاود، فإن الغالبية العظمى من الموقعين غير معروفين في المجال المهني( اعتبروهم البعض جبهة سياسية أكثر منها مهنية)، على اعتبار أنه لم يلاحظ أحد توحيد الأفلام أو السيطرة الفاشية على الخيال الجماعي عبر Canal+ حتى المنظمات التي تنتمي لليسار الذي دمره بولوري. مع ذلك ، يقول العديد من المنتجين: "يومًا ما، ربما، سيكون علينا القلق بشأن نفوذ فنسنت بولوري على السينما وفقدان القوة الفكرية والفنية ونهاية اللعبة للتقدمية الثقافية ". وبغض النظر عما إذا كانت قصص الأفلام لا علاقة لها بأيديولوجية اليمين المتطرف وبأنه لم يتم شراء دور سينما UGC من قبل فينسنت بولوريه لأسباب أيديولوجية، بل من قبل ماكسيم سعادة، رئيس مجلس إدارة Canal+، لأسباب صناعية . يقول أحد الموزعين، "إنها مذبحة وستتزايد"، وربما يكون هذا المهرجان هو الأخير قبل وصول اليمين المتطرف إلى السلطة بالنسبة لاولئك الذين يدافعون عن الاستقلالية والإبداع والديمقراطية. سينمائياً ، قد يُطلب من الجميع اختيار معسكرهم بين اليمين واليسار ، مع الحرب في الشرق الأوسط و مآسي الناس أو ضدها . لكن الأهم من ذلك، بينما يتقاتل السينمائيون الفرنسيون على بولوري، فإن عمالقة الإنترنت – يوتيوب، فيسبوك، أمازون، ديزني، نتفليكس، ميتا ينسجون شبكة تسمح لهم بتعزيز قوتهم على الصور. لن يكون هذا بلا عواقب على اقتصاد السينما ، وعلى تنوع الجماليات مع اقتحام الذكاء الاصطناعي عالم السينما ، وأموال شركات GAFA تمول الأفلام والمسلسلات ، وأمازون، على رأس منصة Prime Video تضاعف ثروتها. في نفس الوقت يسيطر هؤلاء العمالقة على السوق الإعلانية. و"قمة اقتصاد المبدعين" (Creator Economy Summit)، التي تم إنشاؤها حديثًا من قبل مهرجان، انعقدت لأول مرة مع تنامي المبدعين الرقميين الذين يبنون جماهير واسعة عبر منصات مثل انستغرام ويوتيوب وتيك توك - بطريقة تطوير القصص وتمويلها وتوزيعها بسرعة، ويتجه هؤلاء نحو السرد الطويل وإنتاج الأفلام السينمائية. وقد سمح هذا اللقاء الأول بين عالمين مختلفين جدًا - صناع الأفلام والمؤثرين - بمعالجة التحديات الرئيسية من التوزيع إلى الإنتاج، مرورًا بالكتابة وإدارة المواهب إإوسهولة توزيع المحتوى. ولا يمكن لأي من شركات GAFAM أو Big Tech تجاهل اقتصاد المبدعين ، الذي من المتوقع أن يتجاوز 250 مليار دولار من الإيرادات هذا العام. السينما تتعرض للهجوم والقطاع التقليدي يتقاتل . قد يخسر العالم الثقافي معركة السردية السينمائية التي تغذات جزئيا وعلى المال العام. هذا انقلاب ثقافي مذهل من تطور وضع بشكل مختلف ، حيث يتكاثر الميليارديرات في قنوات المعلومات ، وفي توتاليتارية أيديولوجية سينمائية، ما يؤكد فشل "دمقرطة" الثقافة السينمائية ".أما بالنسبة لسيناريوهات الخيال ، فإن الامتثال الاجتماعي ينتصر في كل مكان.

لماذا ثقة الأردن في المستقبل؟
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

لم تكن الكلمة التي وجهها الملك عبدالله الثاني إلي الأردنيين في الذكرى الثمانين للإستقلال سوى تعبير عن الثقة بالمستقبل وبالقدرة على مواجهة التحديات في منطقة أقلّ ما يمكن قوله فيها أنّّها في مهب الريح. الأهمّ من ذلك كلّه أن العاهل الأردني رسم صورة المستقبل الذي يطمح إليه الأردن كدولة عصريّة، لا تمتلك سوى القليل من الثروات الطبيعيّة، استطاعت تطوير ثروة خاصة بها هي ثروة الإنسان. كانت كلمة عبدالله الثاني مقتضبة، لكنّ فيها ما يكفي من الشجاعة لتأكيد أنّ الأردن يمارس بالفعل التسامح على أرض الواقع في منطقة مليئة بالتناقضات والمتطرفين من كلّ حدب وصوب. من بين أهمّ ما ورد في الكلمة قول عبدالله الثاني: "اليوم لا نحتفل فقط بما انجزناه بل بما نمتلك من قدر وقدرة". الأردن يعرف نفسه ويعرف وجهته ويعرف خياراته. تعاطى الأردن دائما مع التغييرات والمتغيرات العراقيّة والسوريّة بكلّ مرونة وحزم في آن. بالنسبة إلى دول الخليج، تطورت العلاقة الأردنية مع هذه الدول. بات الأردن جزءا لا يتجزّأ من الأمن الخليجي. لا بدّ من التوقف عند الإشارة إلى عبارة "على ضفّة نهره تعمّد المسيح". إنّّها عبارة تؤكّد الأهمّية التاريخيّة والحضارية للأردن. في كلّ تاريخه، بقي الأردن محافظا على قيم معيّنة تقوم على أساس الإعتراف بكلّ مكوناته. غالبا ما ردّد عبدالله الثاني أن الموضوع ليس موضوع تسامح بمقدار ما أنّه موضوع الإعتراف بالآخر. يبقى في نهاية المطاف أنّ ليس في الإمكان تجاهل العلاقة بين الأردن والفلسطينيين. تحوّل الفلسطينيون في أيّامنا هذه، إلى عامل إيجابي على صعيد الداخل وفي خدمة الاستقرار. كانت كلمة عبدالله الثاني إلى الأردنيين كلمة من القلب.

سلام: المفاوضات مع إسرائيل هي الطريق الأقل كلفة

مفاوضات وحوار في واشنطن، صراع وغارات جوية في لبنان. شهد يوم السبت 30 مايو/أيار مداخلة من رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، الذي أدان الضربات الإسرائيلية، بينما أكد البنتاغون أن المحادثات بين المسؤولين العسكريين الإسرائيليين واللبنانيين في واشنطن يوم الجمعة 29 مايو/أيار كانت "بناءة". وفي خطاب متلفز، صرّح نواف سلام بأن "سياسة الأرض المحروقة" الإسرائيلية و"العقاب الجماعي" "لن تجلب لها الأمن ولا الاستقرار". وفي اليوم التالي لجولة أخرى من المحادثات الإسرائيلية اللبنانية في البنتاغون، وفي ظل استمرار تقدم الجيش الإسرائيلي في عمق الأراضي اللبنانية، دافع السيد سلام عن استمرار المفاوضات مع إسرائيل. وأكد رئيس الوزراء أن هذه المفاوضات تمثل "الخيار الأقل تكلفة" لبيروت. من جانبه، أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الهدنة "خطوة ضرورية" لتحقيق أي تقدم في المفاوضات. وصف نائب وزير الدفاع الأمريكي، إلبريدج كولبي، اجتماع يوم الجمعة بأنه "بناء"، معتقدًا أنه سيشكل "أساسًا للجانب السياسي" الذي سيناقشه البلدان يومي 2 و3 يونيو/حزيران في وزارة الخارجية الأمريكية. ووفقًا لمصدر إسرائيلي مطلع نقلته رويترز، لم تناقش إسرائيل ولبنان قضية الضواحي الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، حيث تزعم إسرائيل أنها تمكنت إلى حد كبير من احتواء هجماتها تحت ضغط من الولايات المتحدة. إسرائيل تواصل توسعها شمالًا على الصعيد العسكري، دعا الجيش الإسرائيلي سكان أكثر من اثنتي عشرة قرية في جنوب لبنان صباح السبت إلى إخلاء منازلهم قبل غارات جوية استهدفت عدة مواقع في المنطقة. من جانبه، أعلن الجيش اللبناني أن غارة جوية إسرائيلية بطائرة مسيرة، وصفها بأنها "مستهدفة"، أسفرت عن إصابة جنديين من جنوده بجروح خطيرة أثناء وجودهما في مركبة بالقرب من مدينة النبطية. استهدفت نيران المدفعية المنطقة المحيطة بقلعة بوفورت التي تعود للعصور الوسطى، وذلك في اليوم التالي لتصريح وزير الخارجية جو راجي ووزير الثقافة غسان سلامة، اللذين أعربا عن قلقهما إزاء "الخطر الجسيم" الذي تشكله الهجمات الإسرائيلية على التراث التاريخي. في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي نشر مقطع فيديو، تداولته على نطاق واسع العديد من وسائل الإعلام اللبنانية، يُظهر أن القصف الذي استهدف كنيسة القديس جورج الأرثوذكسية اليونانية في مرجعيون قبل 48 ساعة، انطلق من مواقع يسيطر عليها حزب الله. في مواجهة تصاعد الغارات والقصف، ندد الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء، في بيان مشترك، بـ"الممارسات الإسرائيلية المشينة"، و"توسع نطاق هجماتها"، و"استمرار قصف وتدمير المنازل والمواقع التاريخية". تجدر الإشارة إلى أنه في هذا السياق، أصدر نحو مئة من المثقفين والشخصيات المؤثرة من النبطية، ومثلهم من صور، بيانًا يدعو إلى نزع سلاح المدينتين، وإنهاء وجود الميليشيات، واستعادة السلطة الكاملة للدولة والجيش فيهما. ويدين البيانان جرّ الحرس الثوري الإيراني جنوب لبنان إلى حرب عقيمة، ويدعمان الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لإحلال السلام في جنوب لبنان. وتجدر الإشارة إلى أن حزب الله أصدر بيانًا يدين فيه بشدة مضمون البيانين الصادرين من النبطية وصور. في إيران، "خطوط حمراء" أمريكية على الصعيد الإقليمي، أكدت الولايات المتحدة يوم السبت أنها تمتلك الوسائل اللازمة لاستئناف الحرب ضد إيران، مع التأكيد مجددًا على أن اتفاق السلام لن يكون ممكنًا إلا باحترام "خطوطها الحمراء". في هذا السياق، صرّح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بأن الولايات المتحدة "قادرة تمامًا" على استئناف الأعمال العدائية ضد إيران "إذا لزم الأمر". وأضاف في منتدى دفاعي في سنغافورة: "مخزوناتنا مناسبة إلى حد كبير لهذا الهدف". وأشار مصدر دبلوماسي أمريكي يوم السبت إلى أنه في حين أن المفاوضات متوقفة بشأن ثلاث قضايا رئيسية - مخزون اليورانيوم المخصب، ومضيق هرمز، والأصول الإيرانية المجمدة في الخارج - فإن سبب الجمود ينبع أساسًا من المتشددين داخل النظام. يُمثل هؤلاء المتشددون بشكل خاص الجنرال إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي، والنائب إبراهيم عزيزي، المعروف بآرائه المتطرفة. ووفقًا لهذا المصدر، فإن هذين الشخصين...يعارض شخصيات نافذة داخل النظام رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، الذي أبدى مؤخرًا بوادر انفتاح تجاه واشنطن. في غضون ذلك، في العراق، أعاد بيانٌ أدلى به مسؤول أمني من كتائب حزب الله -التي يُشار إليها غالبًا باسم "حزب الله العراقي"- إشعال الجدل حول مستقبل الأسلحة الخارجة عن سيطرة الدولة، إذ أشارت مصادر سياسية في بغداد إلى أن خمس فصائل مسلحة تدرس البدء في إلقاء أسلحتها. أكدت هذه الجماعة الشيعية، المقربة من إيران، رفضها تسليم أسلحتها للحكومة المركزية، وعزمها على "مواصلة المقاومة"، مصرحةً بأنها "مستعدة لتلقي بعض الأسلحة المتخصصة التي تفتقر مؤسسات الدولة إلى الخبرة اللازمة بها، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ الجوالة والأسلحة المضادة للدبابات"، مضيفةً أنها "مستعدة أيضًا لتمويلها". في الختام، تجدر الإشارة إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية أعفت توم باراك من مهامه كمبعوث أمريكي خاص إلى سوريا، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

هل سيتم تسليم بشار من قبل روسيا؟
بقلم
يوسف معوض
نُشر

لا شكّ أنّ تسليم فارٍّ إلى أعدائه أمر مشين! ففي بلادنا، يعود «واجب إيواء المستجير»، وهو التزام لا مفرّ منه، إلى الجاهلية أي إلى ما قبل الإسلام. ولم يكن يُعدّ من نبل الأخلاق أن يسلّم المستجار به شخصاً إلى مطارديه، إذ إن العار قد يلحق بسلالته بأسرها. لكن ماذا عن التسليم القضائي في عالمنا المعاصر؟ هل يصبح مقبولاً بحجة أن الاتفاقيات الدولية قد حددت شروطه وآلياته؟ لقد وجد بشار الأسد وزمرته، الذين يُعدّ أفرادها بالعشرات، ملاذاً لهم منذ ديسمبر 2024 في روسيا الاتحادية، كما في إيران والعراق ولبنان. فهل من فرصة لأن يمثل كل هؤلاء أمام العدالة، في دمشق أو في أي مكان آخر؟ هل طلبت سوريا من روسيا تسليم بشار؟ هذا السؤال، بصيغته المباشرة، ما فتئ يُطرح على وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي دأب، بصفته دبلوماسياً متمرساً، على التهرب من الإجابة عنه. غير أن ردوده الملتبسة لم تمنع الرئيس السوري أحمد الشرع من أن يطلب من فلاديمير بوتين، خلال زيارته إلى موسكو في أكتوبر 2025، تسليمه «كل الذين ارتكبوا جرائم حرب» خلال النزاع الأهلي الأخير، وعلى رأسهم بطبيعة الحال الرئيس المخلوع وشقيقه ماهر. لكن عودة على بدء، واضطرت السلطات السورية إلى إعادة الطلب في مايو الماضي، متقدمة إلى موسكو بطلب تسليم هؤلاء المطلوبين، وذلك في إطار إجراءات العدالة الانتقالية التي انطلقت مسيرتها أواخر أبريل في دمشق، وفق ما تؤكده مصادر قضائية. التسليم أم المحاكمة لا يتمتع الرئيس المخلوع، بصفته رئيس دولة سابقاً، بأي حصانة من الملاحقة في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية. وقد رأينا ما جرى لأوغستو بينوشيه الذي أُوقف في لندن في أكتوبر 1998. أما سلوبودان ميلوشيفيتش، فقد وُجهت إليه التهم في مايو 1990 ومثل أمام المحكمة الخاصة بيوغوسلافيا السابقة. بل إن المحكمة الجنائية الدولية باشرت إجراءات قضائية ضد زعيمين لا يزالان في السلطة، هما فلاديمير بوتين في مارس 2023 وبنيامين نتنياهو في نوفمبر 2024. لكن ما قيمة مذكرات التوقيف الدولية في بعض السياقات المحددة؟ لا شيء سوى حركات عبثية مثيرة للشفقة! وهكذا يبدو الملف السوري اليوم: فموسكو ترفض الانخراط في لعبة العدالة الدولية السليمة والمعتمدة بين أمم الأرض. والمبدأ القائل «إما التسليم أو المحاكمة» لا يبدو أنه ينطبق على روسيا اليوم! ففي الوقت الراهن، لا يبدو أن بشار أو ماهر الأسد معرضان لأي ملاحقة. وفي ظل قيادة فلاديمير بوتين، لن يُسلَّما إلى عدالة بلدهما، لا بل لن يُحاكما في روسيا أيضاً! لكن لنتصور بدلاً من ذلك أن هذين الفارين كانا موجودين في إحدى دول الاتحاد الأوروبي. فغالب الظن أنهما كانا سيُحاكمان أمام محكمة في بلد اللجوء أو أمام محكمة خاصة تُنشأ لهذه الغاية. لكن لم يكن ليحدث أي تسليم أبداً! والسبب بسيط: فلا برلين ولا روما ولا باريس ولا أي عاصمة «متحضرة» أخرى كانت لتسلّم مستفيدين من حق اللجوء إلى دول قد يواجهون فيها عقوبة الإعدام. إذ من المعروف أن المشنقة هي ما ينتظر، في بلاد الشام، أولئك الذين شاركوا في مجازر الحرب الأهلية. بشار في موسكو… تقاعد مبكر يحق لسوريا أن تضع حداً لأكثر من خمسين عاماً من الإفلات من العقاب. ففي السادس والعشرين من أبريل الماضي، افتُتحت في عاصمة الأمويين «محاكمات دمشق» التي ستبت في أهوال الحرب الأهلية. غير أن الجلسة الأولى انعقدت، ولسبب معلوم، في غياب بشار وشقيقه، وهما الفاعلان الرئيسيان في المأساة. ذلك أن الرئيس السوري السابق فرّ وترك أعوانه وأزلامه لمصيرهم: وبالنتيجة سيدفعون الثمن عنه. فبعد أن هرب بشار بالأموال كأي مجرم عادي، سيقضي أياماً هانئة على ضفاف نهر موسكفا. وإلى جرائم الدم التي اقترفها، ستُضاف أيضاً جرائم الفساد والجبن!

الحرب في إيران: التقلبات مستمرة

تكرر سيناريو نهاية الأسبوع الماضي الجمعة 29 مايو. تعرضت وسائل الإعلام والرأي العام لجلسة جديدة من التقلبات بشأن المفاوضات الأمريكية-الإيرانية، من خلال الوسيط الباكستاني، بهدف إنهاء الصراع الذي بدأ في 28 فبراير، تمهيداً لمفاوضات ثنائية حول الملفات الكبرى التي تغذي الصراع بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية. كما حدث في نهاية الأسبوع الماضي، هبّت رياح من التفاؤل عصر يوم الجمعة، حيث أفادت بقرب إعلان رسمي عن "اتفاق إطاري" بين واشنطن وطهران. كان الرئيس دونالد ترامب سيعلن علناً عن رفع الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية والاستعداد لعقد اجتماع في البيت الأبيض مع فريقه من كبار المسؤولين والمستشارين من أجل "اتخاذ قرار نهائي" بشأن مشروع الاتفاق الإطاري قيد التطور. بعد الإعلان الذي أدلى به الرئيس ترامب، وصلت معلومات إلى وسائل الإعلام بخصوص بنود مذكرة التفاهم المعنية. وحسب هذه التسريبات، ينص المستند على استعادة حرية الملاحة البحرية فوراً في مضيق هرمز، دون رسوم أو شروط (في مقابل رفع الحصار البحري) وتدمير الولايات المتحدة لمخزون اليورانيوم المخصب، "بالتعاون مع الجمهورية الإسلامية والوكالة الدولية للطاقة الذرية". لم تكن هناك تدابير محددة لإنهاء تجميد جزء من الأصول الإيرانية. بعد حوالي ساعة من الكشف عن هذه المعلومات، أكدت السلطات الإيرانية، أو على الأقل تلك القريبة من الحرس الثوري، عدم التوصل إلى أي اتفاق بعد، وأن المعلومات التي أدلى بها الرئيس ترامب كانت خاطئة، والأمر الأفظع أن "إيران هي التي تفرض شروطها" على الإدارة الأمريكية، وليس العكس. يبدو أن المناخ السلبي الواضح الذي سربته وسائل الإعلام التيارات القريبة من نظام الحرس الثوري انعكس على مسار الاجتماع الذي ترأسه الرئيس ترامب في البيت الأبيض. وبعد ساعتين من النقاشات بين كبار المسؤولين الأمريكيين، لم يدلِ الرئيس ترامب بأي إعلان، خلافاً لما كان قد أُشير إليه في فترة ما بعد الظهيرة. أفادت صحيفة نيويورك تايمز في المساء عن ذلك، نقلاً عن مسؤول أمريكي رفيع المستوى، بأنه لم يتم اتخاذ أي قرار بشأن مشروع الاتفاق الإطاري، مشيرة إلى أن "هناك بعض المسائل التي تحتاج إلى نقاش إضافي". وفي وقت متأخر من المساء، كان يتعين على وزارة الخزانة الأمريكية أن توضح أن "الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية سيتم رفعه تدريجياً". التقدم الإسرائيلي والمحادثات في البنتاغون لم يحجب هذا الجمود الدبلوماسي عن التطورات على صعيد العمليات العسكرية، وتحديداً على الصعيد اللبناني. واصل الجيش الإسرائيلي في يوم الجمعة عملياته ضد مواقع وبنية تحتية وعناصر حزب الله. شنت غارات جوية مكثفة جديدة على عدة بلدات في الجنوب والبقاع الغربي. وبالتوازي، وحسب مصادر مختلفة، يستمر الجيش الإسرائيلي في التوغل ويبدو أنه وصل إلى أطراف النبطية. وفي وقت متأخر من المساء، أشارت قناة الحدث إلى أن القوات الإسرائيلية تبعد حوالي 500 متر عن قلعة الشقيف. وأوضحت مصادر أخرى في وقت متأخر من المساء أن جيش الدفاع الإسرائيلي وصل عملياً إلى القلعة الصليبية الاثرية. في وقت سابق من اليوم، أجرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جولة تفتيشية على الحدود مع لبنان. وفي تصريح لمراسلي الصحافة، أشار إلى أن الجيش الإسرائيلي عبر نهر الليطاني واستحوذ على المواقع الإستراتيجية في المرتفعات بالمنطقة. «نحن نتصرف بقوة في بيروت والجنوب والبقاع، بدون قيود»، أكد نتنياهو الذي أشار إلى «انهيار حزب الله»... وأفادت مصادر إعلامية مختلفة يوم الجمعة مساء عن «انهيار حزب الله على جميع خطوط القتال». لكن لم يتمكن التحقق من هذه المؤشرات من مصادر مستقلة. في هذا المناخ المشحون بالتوتر والانفجار، عقدت يوم الجمعة بعد الظهر (بتوقيت الشرق) في البنتاغون أول جلسة تفاوضية مباشرة لبنانية-إسرائيلية في إطار «العملية الأمنية»، الموازية للعملية السياسية للمفاوضات الثنائية. على هامش اجتماع البنتاغون، أجرى وزير الخارجية ماركو روبيو اتصالاً هاتفياً مع الرئيس جوزيف عون لتقييم الحوار اللبناني-الإسرائيلي. وفقاً لبيان رئاسة الجمهورية، أكد رئيس الدولة في هذه المناسبة على أهمية وقف لإطلاق النار كشرط أساسي لأي تقدم في المفاوضات مع إسرائيل. أعاد رئيس الدبلوماسية الأميركية تأكيد دعم بلاده «لسيادة لبنان واستقراره واستقلاليته، وحقه في تقرير مستقبله». وفقاً لبيان وزارة الخارجية، أشاد روبيو «بشجاعة الرئيس جوزيف عون الذي اتخذ المبادرة بخوض مفاوضات مع إسرائيل». من جهة أخرى، أكد وزير الخارجية أن «حزب الله يتحمل المسؤولية كاملة عن القتال الجاري في لبنان». وأكد في هذا الصدد أن «حزب الله يتابع محاولاته لإعاقة المفاوضات مع إسرائيل».

لبنان بعد مئة عام
بقلم
سمير عبد الملك
نُشر

في عصرٍ تتضاعف فيه الأزمات والتحديات، نقرأ كلَّ يومٍ مقالاتٍ ودراساتٍ وتحليلاتٍ تتمحور أساساً حول وصف الواقع الراهن وفحص أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية. غير أنَّ الأهمية البالغة لفهم الحاضر لا تُسوِّغ هذا الاستغراق المفرط في تشخيص الأوضاع، الذي أوقعنا في دوامة التفكير الدائري: نتحرك باستمرارٍ حول الاستنتاجات ذاتها والانسدادات عينها، دون أن نتقدَّم فعلياً نحو تأمُّلٍ جادٍّ في مستقبل لبنان، ومستقبل مواطنيه، وبالتالي مستقبل المجتمع والدولة. إطلاق حلقات التفكير الوطني... بروحٍ إيجابية يحتاج لبنان اليوم بإلحاحٍ إلى إنشاء فضاءاتٍ للحوار والتأمُّل تجمع التجمُّعات والنخب وفاعلي المجتمع، مهما يكن مستوى تنظيمهم، بهدف طرح الأسئلة الكبرى التي ستحدِّد ملامح البلد على مدى العقود المقبلة. فالأمم التي تصمد وتتقدَّم ليست تلك التي تكتفي بإدارة أزماتها اليومية، بل تلك التي تمتلك شجاعة التفكير بعيد المدى ورسم رؤيةٍ واضحةٍ لمستقبلها. بيد أنَّه قبل أيِّ نقاشٍ، علينا أن نتبنَّى التفكير الإيجابي. فالشخص المتفائل أكثر انفتاحاً على آراء الآخرين؛ إذ يرى في تنوُّع الأفكار ثروةً وفرصاً جديدةً للتقدُّم. في المقابل، يُغذِّي التفكير السلبي المنغلق على ذاته الشكَّ في الآخر، بل يصل إلى التشكيك في الفرص الماثلة أمامه. كذلك يجب علينا أن ننظر إلى الواقع كما هو، لا كما نودُّ أن يكون. فالهروب من الحقائق أو تجميلها لا يُفضي إلى حلول؛ بل لا يعدو تأجيل انفجار الأزمات وتفاقمها. ومن ثَمَّ يغدو ضرورياً طرح الأسئلة بموضوعيةٍ واحترامٍ، بعيداً عن المظاهر الزائفة والحسابات الضيِّقة والأحكام المسبقة. فالمجتمعات الحيَّة لا تخشى الأسئلة؛ بل تعدُّها خطوةً طبيعيةً نحو البحث عن مستقبلٍ أفضل. تخيُّل المئة سنة المقبلة يحتاج لبنان اليوم، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، إلى «حلقات تفكير وطني» قادرةٍ على مقاربة التحديات الجوهرية الكبرى بهدوءٍ وواقعية، وتبادل وجهات النظر، والبحث عن أرضيةٍ مشتركةٍ كفيلةٍ بضمان استقرار البلد لمئة السنة المقبلة. ومن الأسئلة الجوهرية الواجب طرحها: – ما الصيغة الحكومية الأنسب للبنان في ضوء التجارب الماضية؟ هل يبقى النظام المركزي الخيار الأمثل؟ هل تتيح اللامركزية الموسَّعة أو الفيدرالية حلولاً أجدى؟ أم أنَّ ثمَّة حاجةً إلى ابتكار صيغةٍ جديدةٍ كلياً؟ – هل لا يزال اتفاق الطائف ملائماً بعد كلِّ التحوُّلات التي شهدها لبنان والمنطقة؟ – هل نموذج العيش المشترك والديمقراطية التوافقية قادرٌ بعدُ على إنتاج الاستقرار وبناء دولةٍ حقيقية؟ – هل يبقى العيش المشترك ممكناً بصورته الراهنة، في ضوء التجارب والأزمات والانقسامات التي اجتازها اللبنانيون؟ – كيف تُدار التنوُّعية اللبنانية؟ من خلال نظامٍ مدني مبني على المساواة التامة بين المواطنين؟ أم من خلال نظامٍ يحترم الخصوصيات والتوازنات الطائفية في صيغةٍ توافقيةٍ تضمن الاستقرار؟ – ما الدور المنوط بالدولة؟ هل يقتصر على ضمان الأمن والاستقرار والحاجات الأساسية كالصحة والتعليم والبنى التحتية؟ أم أنَّه يمتدُّ ليشمل تدخُّلاً أوسع في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية؟ – وماذا عن التعليم؟ هل تبقى الأولوية للتعليم الخاص الذي طالما شكَّل أحد الركائز التاريخية للبنان؟ أم أنَّ المستقبل يستدعي نموذجاً أكثر توازناً بين القطاعين العام والخاص؟ – أيُّ اقتصادٍ نريد؟ هل يبقى الاقتصاد الليبرالي الخيار الأوفق للبنان؟ أم أنَّ المرحلة المقبلة تستوجب اقتصاداً اجتماعياً يوفِّق بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية؟ – كيف يمكن ضمان مشاركةٍ شعبيةٍ حقيقيةٍ في صناعة السلطة؟ أيُّ قانون انتخابي يكفل تمثيلاً عادلاً ويعزِّز الحياة الديمقراطية؟ – كيف تُتَّخذ القرارات الوطنية الكبرى عند الخلاف؟ – وما الآليات الدستورية والسياسية التي تحول دون الانسداد مع صون الشراكة الوطنية؟ هذه الأسئلة ليست سوى نماذج من النقاشات الكبرى التي ينبغي مقاربتها بشجاعةٍ وهدوءٍ معاً. إذ لا يقتصر بناء الأمة على إدارة أزمات الحاضر، بل يستلزم أيضاً القدرة على تخيُّل المستقبل والإعداد له. كثيراً ما يُقال: “في زمن الأزمات تولد الفرص.” وهذا صحيح، شريطة أن يُحسن المرء قراءة الواقع بوضوحٍ وأن يمتلك الشجاعة الفكرية والسياسية اللازمة لاغتنام هذه الفرص، عوضاً عن الاقتصار على إدارة الانهيارات أو انتظار حلولٍ آتيةٍ من الخارج. فإن أراد لبنان أن يبقى أمةً حيَّةً قادرةً على الصمود، فهو بحاجةٍ إلى مشروعٍ فكري ووطني بعيد المدى، تُصاغ ملامحه بصورةٍ جماعية، سعياً إلى بناء استقرارٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ واقتصاديٍّ لمئة السنة المقبلة، لا لسنواتٍ معدودةٍ فحسب.