شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
ظل المحارب
بقلم
هشام دبسي
نُشر

صَنَعَ المخرج الياباني أكيرا كوروساوا Akira Kurosawaملحمته السينمائية "ظل المحارب" أو "كاجموشا \ Kagemusha" في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، ليخلّد سيرة قائد شجاع تحدى قوى الاقطاع في القرن السادس عشر. لكنه قُتِلَ في المعركة مع أنّ جُنده لم يَبْخَلوا بأجسادهم لحمايته من سِهام العدو. إلا أن قيادة الجيش اتّخذت قراراً باخفاء موته، واستحضار شبيه له لمواصلة القتال، و المفارقة أن النسخة المطابقة كانت لأحد اللصوص من حثالة المجتمع. وكعادة المخرجين الكبار ، في عرضهم المُبهر يطرحون قضايا وإشكاليات عميقة تفضح هشاشة المنظومة العسكرية على ضخامتها وعنفها ، إذ يكفي أن تنهار اذا أُعلِن عن موت القائد الاستثنائي، الذي لا ترمش عيونه امام الموت . كما تُعرّي منظومة الوهم السياسي المسيطر على العامة والجند، وربما على أرفع الضباط والحاشية المقرّبة. أما المأساة - السخرية، حصلت عندما تقَمَّص اللّصّ - الشبيه شخصية الأصل ، ليكبّد الجيش المزيد و المزيد من الخسائر. زمن عرض الفليم ، كان بعد سنة من وصول الامام الخميني إلى سدّة السلطة في ايران وقد تحوّلت من مملكة وشاه إلى جمهورية وولي فقيه . الآن وقد رحل المخرج عن عالمنا، لا يدري ان موت المرشد الثاني الامام الخامنئي، تم الاعلان عنه من دون تأخير، وكذلك أعلنت القيادة الايرانية مبايعة ولي الدم ابنه المصاب مجتبى. المشترَك في المشهد أن اسباب اختيار الابن المصاب ، هي ذاتها التي عالجها "كيراساوا" من حيث أهميّة ثبات وتماسك القيادة واستمراريتها. وإلا فإنّ الانهيار ربما يكون حتمياً ، كما أن فكرة ولاية الفقية ، وضرورة وجود حامل الراية، يمنع الانهيار السياسي أيضاً ويغذّي الوهم الكبير الذي يحفّز ملايين الاتباع على مواصلة القتال، إلّا أنّ المرشد الجديد مُصاب كما قيل و غیر قادر على مخاطبة جمهوره بالصوت والصورة حتى يطمئن مُريديه . في زمن مخرج "ظل المحارب" لم يكُ الذكاء الاصطناعي التوليدي موجود لاستنساخ شخصية كاملة تنطق و تتحرّك ، للإستغناء عن البديل الشبيه. لكن مريدو الامام الجديد بحاجة لرؤيته بينهم ، يخطب فيهم ويصافحهم ويرسل مواعظه وأوامره بدلاً من قادة الحرس الثوري ، الذين يديرون هذه اللعبة من أجل تماسك العسكر وبقاء النظام ليس إلا. هكذا يتشوق الناس في حالة إنتظار محبوبهم ويبذلون المستطاع. مع ترمب استطاع الرئيس الاميركي فرض نمطه غير المألوف في التعامل مع القضايا الكبرى و الصغرى، على درجة من المساواة ، فهو يوجّه الهجوم إلى خصمه الفنزويلي أو الكوبي أو الايراني وفي الوقت عينه لا ينسى إهانة سلفه العجوز بايدن، أو تهديد بلد صديق بحجم فرنسا أو سلطنة عمان. يحاول اليوم الرئيس ترمب، إنجاز ورقة المقترحات الخاصة بالهدنة ، بتثبيت الجزء القابل للتسويق الداخلي والخارجي والانقلاب على أي بند يصعب عليه الاستثمار فيه، أو الدفاع عنه، إذا كان أقل فاعلية ممّا أنجزه باراك اوباما قبل عقدٍ من الزمن. هكذا نشهد لعبة "بينغ بونغ" بين واشنطن و طهران في المقترحات و التعديلات و هي لعبة مفيدة لإطالة زمن المفاوضات و فتح الفرص الجديدة للطّرفين. بعد زيارة بكين التي أسعدت ترمب بالحفاوة الغامِرة، جعلته يلمس عناصر القوة الصينية الناعمة ، ويدرك حدود القوّة الاميركية الخشنة . ما يجعل تأثير الزيارة عليه يتجاوز ما تمّ انجازه وهو قليل إذا نُسِب لطموحاته بالصفقات الكبرى والاستثنائية التي يرغب بها. كما أنه يدرك الآن النتائج السلبية لعلاقته مع الرئيس بوتين، و آثارها على الحلفاء في أوروبا أولاً وكذلك الدور الثنائي الروسي - الصيني في منع هزيمة النظام الإيراني ومنع استسلامه السهل لارادة البيت الأبيض ، بفعل الدعم المشترَك العسكري والامني والمعلوماتي. دعم مكّن القيادة الإيرانية من توظيف مخزونها المعرفي في فن المفاوضات المركّبة والمعقّدة وهذا ما شهدناه الشهر الماضي، أثناء انتاج مذكّرة التفاهم وإعادة ترتيب الأولويّات، إذ سجّل المفاوض الضعيف نقاط مهمة في مرمى المفاوض القوي. لقد فشل نائب الرئيس جي . في . فانس في مهمته ، وعاد أدراجه للبيت الأبيض بقناعة تفيد ، أن الإيراني ليس لقمة سائغة رغم ضعفه وخساراته الكبيرة. وأن المرونة التي حاول فانس اعتمادها في الباكستان ، لا يمكن تسويقها بالداخل الاميركي، بينما المبادرات المتلاحقة لإعادة إنتاج ورقة تفاهمات أوليّة ، نجحت في إقناع ترمب باعتبارها نقطة بدأ جديدة قابلة للتطوير والتنفيذ، إلا أن الاستعجال في الامر و ظهور معارضة صلبة من بعض الجمهوريّين وأغلبية الديمقراطيّين ، جعل ترمب يتملّص من التزاماته الأولية ، وينقلب على الوسطاء أيضاً، و يثير زوبعة غضب ، ضد كل من يقف في وجه رغباته العاجلة. وكل من لا يستجيب بالسرعة القصوى لطلباته المستعجلة. مع ترمب، لا يمكن الوثوق بصلاحية الموقف المعلن ولا بصدقيته . وهذا ما ادركته القيادة الإيرانية ، ودخلت بموجبه المفاوضات مع الاستعداد الدائم لمواجهة الانقلابات في اي وقت ولأي سبب . لقد احتفظت قيادة الحرس الثوري باستعمال ما تبقّى لديها من اسلحة للتحرّش العسكري بالأساطيل الاميركية بطريقة لا تؤذي ، لكنها تمنحها الادّعاء بالشجاعة ، بينما الانتقام الجدّي من دول الخليج لإنزال الأذى الحقيقي تمارسه من دون تردد. وهذا ما يكشف هُزال القوة العسكرية الايرانية، فضلاً من الوهم السياسي الذي يصاحبه ، عندما يُسْتَبْدَل الهدف الاميركي بالهدف الخليجي. في هذه المقاربة الايرانية تتضّح خِسّة وجُبُن الحرس الثوري الايراني ، وليس شجاعة المقاتل المتحدّر من "الساموراي" . الآن ما زال الافق مفتوح لاعادة انتاج مذكرة ، ربما تفتح الطريق لتسوية مناسبة، مع اليقين بأن الفشل الجديد لا يعني لترمب العودة للحرب؛ وهذا ما يستثمر به الحرس الثوري لأطول زمن ممكن، طالما أنه لا يكترث للخسائر وجُلّ ما يريده استمرارية النظام ومنع إنهياره . مَن المُنْتَصِر ؟ تهدف سردية كل طرف ، للبرهنة على انتصاره وفق معايير مختلفة ومُبْتَكَرة ، وتعريف جديد للمصطلح ( هدنة، وقف اطلاق نار ، صمود ، انجاز، بقاء ، خسائر ، مناورة ). وإذا لم يُنْجِز القوي ما يريده من أهداف الحرب ، يرى الضعيف فيها انتصاراً له ، و يصبح الصمود في "المضيق" تعويضاً لكل خسارة ، حتى لو قَدّم تنازُلات جوهرية تحقق للقوي أحد أهداف الحرب. هذا ما شهدناه خلال الأسبوعين الماضيين بين واشنطن وطهران، وهو قابل للاستمرار باشكال مختلفة ومبرّرات جديدة حتى تم اختزال المشهد إلى عنصر واحد و هو سيطرة الحرس الثوري على المضيق وعامل القوة الرئيس هنا ينتمي للموقف الاميركي و السلوك العسكري الذي يمتنع عن مغامرة فتح المضيق بالقوة، لأسباب مرتبطة بحسابات "البنتاغون" قبل أي طرف آخر . وهذا ما يوفر للسّرْدِيّة الإيرانية عناصر الادّعاء بالقوة وليس المسيّرات او الصواريخ المتبقية لديهم . كما أن القيادة الإيرانية ، استفادت من تلاقي المصالح الصينية – الروسية، لدعم بقاء النظام المناسب لهم في المحور "الاوراسي" حيث تكسب موسكو مما يدور في الشرق الأوسط، وتستطيع بكين أن تصبر قليلاً على خسائرها ، لطالما ان بقاء النظام أكثر أهمية لها في وسط اسيا. أما عنصر القوة الثالث ، الذي تستفيد منه ایران ، هو الاستراتيجية العقلانية الراسخة لدول الخليج العربي ، وقد مارست سياسة الدفاع الايجابي، ووظّفت ثِقَلِها السياسي المحلّي والدولي لانتاج حل ديبلوماسي شامل لأخطر أزمة دولية – اقليمية. لذا يمكن القول ببساطة، أن عناصر القوة التي يستفيد منها قادة الحرس الثوري ، ليست ملكه، وليست من إنتاجه ، كما يمكن القول ان استراتيجية واشنطن ، واسلوب قيادة الرئيس ترمب ، لم تجلب حتى الآن ما يُبَرْهِن على سَرْدِيّة النصر الاميركي المرغوب. كما أن استراتيجية اسرائيل وهي تُعَوّم سياساتها على بحرالدم في المنطقة و خصوصاً في فلسطين ولبنان ، لم تحقق سوى المجازر والدمار والإبادة . وها هو نتياهو وجنرالاته ، في أعلى درجات الغضب من ترمب ، يطلق كل ما لدى الجيش الاسرائيلي من قوه تدميرية ليحصل على إنتصار .. في غزة.. وفي الضفة الغربية… و في لبنان. لهذا يمكن القول بهدوء وثقة ، ومن خلال المعاينة السياسية الملموسة لمسار المفاوضات، أن إستراتيجية دول "مجلس التعاون الخليجي" وتقاطعها مع استراتيجيات كل من مصر وتركيا و الباكستان ، وقدرتها المشتركة على التفاعل المباشر والمؤثر مع الاستراتيجيّات الدولية الاميركية والصينية والروسية والاوروبية، برهنت على النجاح في إنتاج وساطة فاعلة أدّت إلى فتح مسار جديد وأفق سلمي للحل ، كما أدّت إلى خفض التصعيد ، واحتواء الجنون والتطرف الإيراني ، وإلى تعديل في مسار السياسات في الوقت الذي وصل فيه مثلث التطرّف ( الاميركي – الاسرائيلي- الإيراني ) إلى أقاصي العنف المعادي لطبيعة البشر. وفي إعادة قراءة المشهد منذ لحظة الهجوم الاميركي الاسرائيلي الأول والثاني ، وما أسفرت عنه هذه الحرب من كوارث على البشرية وأولها الشعوب الايرانية والعربية والاسلامية ، فإن البحث الجنوني عن الانتصار لن تجده عند مثلث التطرف القاتل ، بل عند من رفع راية مناهضة الحرب وتحمل الغدر الإيراني النزق الاميركي والجنون الاسرائيلي .واستمر في سعيه الدؤوب لانتاج حل سياسي - ديبلوماسي على نهج الاعتدال و الصلابة المبدئيّة.

في ذكرى سمير قصير… بعض الغياب لا يمر

في كل عام، عندما يحل الثاني من حزيران، يعود سمير قصير إلى الذاكرة وكأنه لم يغب يوماً. تمر السنوات، وتتبدل الوجوه والظروف والأحداث، لكن هناك أشخاصاً لا يستطيع الزمن أن يحولهم إلى مجرد ذكرى. يبقون حاضرين في تفاصيل حياتنا، في الكلمات التي نكتبها، وفي الأفكار التي ندافع عنها، وفي الأحلام التي لم تكتمل. واحد وعشرون عاماً مرت على اغتيال سمير قصير، وما زلت أشعر أن ذلك الصباح المشؤوم لم ينتهِ بعد. لم يكن سمير بالنسبة إليّ مجرد صحافي أو كاتب أو مفكر أتابع مقالاته وأفكاره. كان صديقاً وإنساناً استثنائياً، يمتلك قدرة نادرة على الجمع بين الثقافة العميقة والبساطة الإنسانية، وبين الجرأة الفكرية والدفء الشخصي. كان يؤمن بلبنان كما يؤمن المؤمن بقضيته الكبرى. لم يكن لبنان بالنسبة إليه شعاراً سياسياً أو خطاباً إعلامياً، بل مساحة للحرية والحياة والتعددية. كان يرى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، ويقرأ المستقبل في زمن كان كثيرون عاجزين عن رؤية الحاضر. عرفته قريباً من الناس رغم مكانته الفكرية. كان يستمع أكثر مما يتكلم، ويحاور أكثر مما يهاجم، ويقنع بالفكرة لا بالصوت المرتفع. لذلك لم يكن مستغرباً أن يترك أثراً عميقاً في كل من عرفه أو اقترب منه. وعندما اغتيل سمير، لم أشعر أن لبنان فقد صحافياً كبيراً فقط، بل شعرت أن جزءاً من الحلم اللبناني قد تعرض لمحاولة اغتيال. يومها لم يكن الحزن شخصياً فحسب، بل كان وطنياً أيضاً. كان إحساساً بأن الكلمة الحرة أصبحت مستهدفة، وأن أصحاب الرأي يدفعون ثمن شجاعتهم من حياتهم. لكن القدر شاء أن تبقى شعلة سمير مضاءة من خلال شريكة حياته، جيزال خوري. كانت جيزال أكثر من زوجة لسمير. كانت رفيقة دربه الفكري والإنساني، وكانت شاهدة على أحلامه ومعاركه وانتصاراته وخيباته. وبعد اغتياله، كان يمكن لها أن تنكفئ إلى حزنها الشخصي، وأن تكتفي بحراسة الذكريات. لكنها اختارت طريقاً أصعب بكثير. اختارت أن تكمل ما بدأه سمير. حملت اسمه وقضيته وذاكرته بمحبة نادرة وإخلاص استثنائي. لم تسمح للزمن أن يطوي صفحته، ولم تسمح للقتلة أن ينتصروا على الفكرة التي اغتالوا صاحبها من أجلها. بقيت تتحدث عنه كما لو أنه حاضر إلى جانبها، وبقيت تدافع عن الحرية والعدالة والحقيقة كما كان يفعل. كنت أرى في جيزال شيئاً من سمير، وأرى في استمرارها استمراراً له. كانت تدرك أن الإنسان يرحل، لكن الرسالة تبقى. ولذلك لم تكن تحيي ذكرى سمير كل عام بوصفها مناسبة حزينة فقط، بل كانت تحوّلها إلى فعل وفاء وإصرار على أن تبقى الكلمة أقوى من الخوف. وعندما رحلت جيزال هي الأخرى، شعرت بأن الحزن تضاعف. كأن صفحة جميلة من تاريخ لبنان الثقافي والإعلامي قد أغلقت. رحل الجسدان، لكن الحكاية بقيت. حكاية حب جمعت بين شخصين آمن كل منهما بالآخر كما آمن بلبنان. وحكاية نضال من أجل الحرية لم تتوقف عند حدود العمر. في الذكرى الواحدة والعشرين لاغتيال سمير قصير، لا أستعيد فقط صورة الكاتب الكبير والمفكر اللامع. أستعيد الصديق، والإنسان، والوجه الذي كان يحمل دائماً إيماناً عميقاً بقدرة اللبنانيين على صناعة مستقبل أفضل. وأستعيد أيضاً جيزال خوري، التي أثبتت أن الوفاء ليس كلمة تُقال، بل مسيرة تُعاش. فقد حافظت على الأمانة حتى آخر يوم من حياتها، وحملت الشعلة التي سقطت من يد سمير، لتسلمها بدورها إلى جيل جديد يؤمن بالحرية والسيادة والدولة. ربما نجح القتلة في إسكات صوت سمير في ذلك الصباح من حزيران 2005، لكنهم فشلوا في إسكات الفكرة. فالأفكار الكبيرة لا تموت، والرجال الذين يزرعون الحرية في عقول الناس لا يغيبون حقاً. اليوم، وبعد واحد وعشرين عاماً، يبقى سمير قصير حاضراً بيننا. في كل كلمة حرة، وفي كل صحافي يرفض الخضوع، وفي كل مواطن يحلم بدولة عادلة، وفي كل لبناني ما زال يؤمن أن هذا الوطن يستحق مستقبلاً أفضل. الغياب الطويل لم يُطفئ الذكرى، بل جعلها أكثر حضوراً. وبعض الأشخاص، مهما ابتعدوا في الزمن، يبقون أقرب إلينا من كثيرين يعيشون بيننا. هكذا كان سمير قصير. وهكذا بقيت جيزال خوري. وهكذا ستبقى حكاية الحرية والوفاء التي جمعتهما، حاضرة في ذاكرة لبنان ما بقي فيه من يؤمن بالكلمة الحرة وبحق الناس في الحلم. ستبقى أسماؤهما شاهداً على أن الذاكرة ليست مجرد استعادة للماضي، بل مقاومة للنسيان، وأن الحرية التي دافعا عنها تستمد قوتها من الذين يرفضون التخلي عنها. وبين سمير وجيزال تمتد حكاية وطن يبحث دائماً عن نفسه، ويجد في أمثالهم سبباً إضافياً للتمسك بالأمل. فالأشخاص يرحلون، أما الأثر الصادق فيبقى، يضيء الطريق للأجيال القادمة ويؤكد أن لبنان لا يُبنى إلا بالحرية، ولا يُحفظ إلا بالذاكرة.

كيف يمكن لأمة أن تنجو بين المفترسين؟
بقلم
باسكال أوسور *
نُشر

نرى جميعاً أن العالم يزداد قسوة يوماً بعد يوم، وكأنه بات بلا إيمان ولا قانون. وحتى إن كانت الحروب الدائرة في أوكرانيا وإسرائيل وغزة وسوريا والسودان وإيران ليست أشد عنفاً في جوهرها من حروب القرن العشرين، فإن ما يلفت نظر المراقب هو الانفلات الكامل للأطراف المتحاربة في استخدام القوة. فلا يكاد أي طرف معني يسعى إلى تبرير أفعاله أخلاقياً أو قانونياً إلا من باب الشكليات. إن هذا الغياب للتظاهر الأخلاقي يعكس منطق الافتراس الذي بات سائداً في كل مكان. ويبدو أن السؤال الوحيد المطروح اليوم هو: كيف يمكن تحقيق المكاسب أو على الأقل تجنب الخسائر الكبيرة في ظل قواعد اللعبة الجديدة هذه؟ وكما يقول دونالد ترامب، بما يمتلكه من قدرة على استشعار روح العصر: «لا مزيد من دور الرجل اللطيف». بالنسبة إلى الدول الأوروبية، التي تربت على حسن السلوك واحترام القواعد، فإن الصدمة قاسية. فكيف يمكن التكيف مع هذا التوحش المتزايد؟ هل ينبغي رفضه مع خطر التحول إلى فريسة والاختفاء جيوسياسياً؟ أم الانضمام إلى المفترسين مع خطر فقدان الروح والاندثار ثقافياً؟ بالنسبة إلى أوروبا، يتخذ هذا العالم الجديد شكل صحوة صعبة جاءت على غير انتظار. فمنذ عام 1945، وبعد ثلاث حروب فرنسية ـ ألمانية خلال ثلاثة أجيال، بينها حربان عالميتان والهولوكوست، قرر الأوروبيون، وقد هالهم هذا التدمير الذاتي، التخلي من حيث المبدأ عن العنف بين الدول فيما بينهم. وبذلك استكملوا تطوراً فكرياً وسياسياً بدأ قبل ثلاثة قرون، في أعقاب الحروب الدينية المروعة التي دمرت القارة لعقود طويلة. وهكذا أعادت أوروبا الحديثة بناء نفسها في منتصف القرن العشرين حول ثلاثية وُصفت لاحقاً بأنها «ما بعد تاريخية»: تهميش العامل الديني، ونزع الشرعية عن العامل القومي، واستبدال موازين القوى بالقواعد القانونية والحق والسوق. وكان الاتحاد الأوروبي، بوصفه مشروعاً سياسياً، ثمرة هذا التطور. وقد تحقق الهدف. فالأوروبيون، المثقلون بالإرهاق والشعور بالذنب والإخفاق، نجحوا في القضاء على الحرب الأهلية داخل قارتهم، وأقصوا تدريجياً مبدأ اللجوء إلى العنف. سقوط الاتحاد السوفياتي غير أن هذا «السلمية المبدئية» لم تكن أمراً بديهياً خلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بينما كانت التهديدات السوفياتية تتعزز على حدود أوروبا الغربية. وقد حُلّت هذه المعضلة بفضل الحماية التي وفرتها الولايات المتحدة، التي لم تكن تمتلك فقط القوة الاقتصادية والصناعية والعسكرية، بل لم تكن أيضاً تعاني من النفور من الحرب الذي انتشر في القارة العجوز. فعلى العكس من ذلك، احتفظت غالبية الأميركيين، البعيدين عن الاضطرابات الأوروبية، طوال القرن العشرين بشعور أنهم أمة ديناميكية وسليمة أخلاقياً وتنتمي إلى معسكر الخير، ما جعلها تنظر إلى استخدام القوة من دون عقد. وقد كانت هذه الثقة والتحرر من القيود أحد المحركات التي سمحت للولايات المتحدة بأن تصبح القوة الغربية العظمى منذ عام 1945، ثم القوة المهيمنة عالمياً بلا منافس حقيقي منذ تسعينيات القرن الماضي. لقد عزز سقوط الاتحاد السوفياتي قناعة كل من الشريكين عبر الأطلسي بمقاربته الخاصة. فالأوروبيون، بعد زوال آخر تهديد مباشر لهم، اقتنعوا بأنهم دخلوا نهائياً عصراً جديداً تصبح فيه عنف الدولة ظاهرة هامشية ثم غير ضرورية. أما الأميركيون، فرأوا في ذلك دليلاً على صحة نموذجهم الإمبراطوري وجدوى توسيعه. وهكذا أتاحت العولمة لواشنطن تعزيز هيمنتها القائمة على التجارة والقواعد والنموذج الأميركي. غير أن مرحلة ما بعد الحرب الباردة اتسمت بغموض مضر. فمصطلح «الغرب» كان يجمع في الواقع بين رؤيتين متناقضتين: من جهة، الترويج للنموذج الأوروبي السلمي والكوني، ومن جهة أخرى، واقع نظام دولي تهيمن عليه دولة ابتعدت تدريجياً عن أوروبا ولم تفقد أبداً ميلها إلى استخدام القوة. وقد فضّل الأوروبيون، لشعورهم بعدم الارتياح، غض الطرف عن ذلك، لأنه كان ثمن راحتهم. وكانت عزلة فرنسا خلال حرب العراق عام 2003 خير دليل على ذلك. خارج أوروبا، لم تتأخر مقاومة الإمبراطورية الأميركية في الظهور. أولاً لأن محو الفوارق بين المجتمعات يخلق توازناً هشاً ويظل مصدراً للعنف المحاكاتي، كما شرح ذلك رينيه جيرار. وثانياً لأن أدوات القوة الاقتصادية والعسكرية انتشرت في كل مكان، مما أتاح للصغار مجابهة الكبار. وثالثاً لأن الولايات المتحدة لم تستطع مقاومة إغراء فرض قواعدها والدفاع عن مصالحها بالقوة. وهكذا، بدلاً من أن تكون العولمة عاملاً للاندماج والسلام، أصبحت عاملاً للتشظي العالمي، وأفرزت قوى مراجعة للنظام القائم، صغيرة كانت أم كبيرة، في مختلف أنحاء العالم. وعادت الهويات والنماذج البديلة والمصالح الوطنية إلى الواجهة. كما عاد استخدام القوة العسكرية، سواء لأن المرجعية الأوروبية بدأت تتآكل أو لأن القدرات العسكرية باتت منتشرة على نطاق واسع. وإذا كان هذا التصاعد في التحدي والصراعات يمثل مشكلة للولايات المتحدة، فإنها مستعدة له لأنها لم تتخلَّ يوماً عن هذه المنطق. أما الأوروبيون فهم أقل ارتياحاً. فقد تخلوا عن منطق القوة، ونزعوا سلاحهم فكرياً ومادياً ومعنوياً، في وقت باتوا فيه هدفاً للولايات المتحدة ولمنافسيها من الشرق والجنوب، الذين يرون فيهم فريسة مثالية: أغنياء، غير مبالين، مترفون، مسنون، ضعفاء، جبناء، ومولعون بإعطاء الدروس. أن تكون على الطاولة لا على قائمة الطعام نحن الأوروبيين نستيقظ اليوم في عالم ليس عالمنا. وأمام التنافس والضعف، بدأنا ندرك أن جيراننا قد يرغبون في شقائنا وقد ينجحون في ذلك. فماذا نفعل؟ إن إغراء العودة إلى النوم، أو الاكتفاء بالاحتجاج، أو البحث عن حامٍ، قائم بالفعل، لكنه سيصطدم سريعاً بالمصير الذي يواجه المهزومين والخاضعين. في العالم المقبل، حيث الندرة والافتراس هما القاعدة، ستجلب الهزيمة والتبعية نصيباً كبيراً من المعاناة. ولهذا السبب نلمس في كل مكان تشدداً في المواقف: الرد بالمثل، واكتساب التفوق النفسي، والضرب أولاً، والتهديد بردود انتقامية مدمرة... كثيرون يعملون على ذلك أو يستعدون له بطريقتهم الخاصة. ولا تستطيع أوروبا الإفلات من تحديث جذري لبرمجيتها في إدارة العلاقات الدولية، لأن بقاءها بات على المحك. يجب عليها أن تعيد التسلح فكرياً ومادياً، وقبل كل شيء نفسياً، حتى تصبح أقوى وأكثر مصداقية، وحتى تكون على الطاولة لا ضمن قائمة الطعام. ويجب أن تستعيد أوروبا مكانتها كقوة، وهذا يقتضي تعزيزاً كبيراً للدول المكونة لها، لأن القوة الأوروبية لن تولد من جمع نقاط ضعف كل دولة على حدة. وفرنسا أمامها الكثير لتفعله في هذا المجال. القوة الناعمة لكن بعد استعادة هذه القوة، هل ينبغي لأوروبا أن تصبح مفترسة حتى يكون لها وزن بين المفترسين؟ ليس من مصلحتها أن تفعل ذلك. فقد استفادت أوروبا طويلاً من ميزة استراتيجية نابعة من قوة الجاذبية التي يتمتع بها نموذجها الثقافي الأكثر هدوءاً مقارنة بغيره. وهذه الخصوصية ليست وليدة الصدفة، بل هي ثمرة التاريخ وآلامه. فبسبب ما عاشته من ويلات الحروب، طورت منظومة فكرية قائمة على الإصغاء والاحترام والتسوية. وقد نجحت هذه المنظومة في إحلال السلام داخل القارة، لكنها فشلت في أماكن أخرى لأنها لم تكن مدعومة بقوة كافية. وفي الوقت الذي تنزلق فيه الولايات المتحدة إلى دوامة التصعيد العسكري اللامحدود، «بلا رحمة ولا شفقة»، على حد تعبير وزير حربها، وعلى غرار قادة روسيا وإسرائيل وتركيا وأذربيجان وإيران وحماس وحزب الله وغيرهم كثيرون، ثمة طريق آخر يمكن لأوروبا وفرنسا أن تسلكاه. فإذا قررتا العودة إلى لعبة القوى الكبرى وتوفير الوسائل اللازمة لذلك، عندها يمكنهما أن تجعلا صوت «القارة العجوز» مسموعاً وذا مصداقية، على حد تعبير دومينيك دو فيلبان الذي لاقى صدى واسعاً خلال حرب العراق. لذلك، لا يتعين على فرنسا وأوروبا الاختيار بين المثالية السلمية والتوجه الحربي. بل يمكنهما الجمع بين قوة النفوذ الاقتصادي والعسكري والأخلاقي، وبين قوة النموذج أو ما يُعرف بـ«القوة الناعمة»، التي نظّر لها جوزيف ناي خلال إدارة بيل كلينتون، والتي تبتعد عنها الولايات المتحدة اليوم. وعلينا بالتالي أن نطلق مسارين متوازيين يبدوان متناقضين ظاهرياً. أولاً، إعادة بناء قوة حقيقية، أي «قوة صلبة»، تفرض الاحترام وتثير الخشية. غير أن الجهود المالية والمجتمعية التي يتطلبها ذلك تفرض، بما أننا في أنظمة ديمقراطية، الحصول على تأييد الشعوب، وبالتالي إعادة تأسيس التماسك داخل المجتمعات السياسية، سواء الوطنية منها أو الأوروبية. فهذا التماسك، الذي بدا غير ضروري في عالم ما بعد القومية والحدود، تديره السوق وحدها، أصبح اليوم أمراً جوهرياً مع عودة الجغرافيا السياسية. وعلينا أن نستعيد ما يشكل هوياتنا الوطنية والأوروبية، وأن نحدد مصالحنا، ونعترف بمصالح الآخرين، وأن نستعيد القدرة على الردع دفاعاً عن القيم والقضايا العادلة. لكن، وهذا هو المسار الثاني، يجب ألا تقودنا هذه القوة المستعادة إلى الوقوع مجدداً في الغطرسة الانتحارية التي دمرت أوروبا قبل قرن من الزمن، والتي تعود اليوم بأشكال مختلفة في أنحاء العالم. بل ينبغي أن تكون هذه القوة في خدمة رفض العنف الأعمى والابتزاز والافتراس، وأن تجعل من السعي إلى سلام قائم على تسويات عادلة ودائمة هدفاً أساسياً. فالقوة هي التي ستمنح هذه الاستراتيجية، التي تجمع بين الواقعية والسلمية، المصداقية. وعندما تصبح أوروبا قوية ومحترمة، ستشعر شعوبها بالأمان ولن تنجرف نحو العدوانية، كما أن شركاءها لن يفسروا سعيها إلى التهدئة على أنه دليل ضعف أو جبن. وعندها، ستكون أوروبا، الواثقة والمسموعة الكلمة، قادرة على إطلاق ودعم صياغة تعددية دولية جديدة للقرن الحادي والعشرين، انسجاماً مع النداء الذي أطلقه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في خطابه بمنتدى دافوس في يناير الماضي. ففي عالم يسعى فيه المفترسون إلى إيجاد تابعين وأتباع، ما زال هناك مكان لقوى قوية وخيّرة تدافع عن نظام أكثر عدالة. ويمكن لأوروبا وفرنسا أن تساهما في ذلك، فتكونان عندئذ على مستوى إرثهما التاريخي. *Pascal Ausseur: نائب أميرال (متقاعد)، مدير العام لـ«مؤسسة التحكم في القضايا الاستراتيجية» (FMES)

وقف إطلاق النار... حسناً، وماذا بعد ذلك؟

إن مشهد الأعلام الإسرائيلية التي ترفرف فوق قلعة الشقيف (بوفور) مؤلم إلى حدٍّ بالغ، تماماً كما هي صور القرى المدمَّرة كلياً أو جزئياً، والعائلات التي أُبيدت. وهو لا يقل عنفاً عن مقاطع الفيديو التي تُظهر أبناء الجنوب المصدومين وهم يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل موجات جديدة من الصواريخ القاسية، أو وهم يخاطرون بحياتهم لإطعام قطعان الماشية والحيوانات الأليفة التي تركها أصحابها، أو وهم يصرخون غضباً وإحباطاً ويأساً في وجه حرب لم يكن هناك ما يبررها. لقد كان رفع الرايات فوق الشقيف، وما تبعه من احتفال إسرائيلي مستفز بالسيطرة على هذا الموقع الأثري الاستراتيجي، بمثابة لكمة قوية. لأنه أعاد إلى الأذهان دوامة الحروب العبثية التي علق فيها لبنان منذ عقود، وكأنه أسير حلقة زمنية مفرغة لفيلم سيئ لا ينتهي. كثير من اللاعبين ما زالوا أنفسهم. وإذا تبدلت وجوه بعضهم أو انضم إليهم آخرون، فإن السيناريو نفسه بقي على حاله ويتكرر إلى ما لا نهاية. هذه الحلقة الجهنمية، التي بدأت بشكل خاص مع اتفاق القاهرة المشؤوم، خدمت دائماً مصالح أطراف إقليمية، من الفلسطينيين إلى الإيرانيين مروراً بنظام الأسد البائس في سوريا. لقد أعادت الأعلام التي رُفعت الأحد فوق الشقيف إلى الأذهان بصورة مؤلمة مشهد حزيران/يونيو 1982، حين اضطر اللبنانيون إلى مشاهدة المنظر نفسه: الألوان الإسرائيلية ترفرف فوق هذا الموقع الشامخ، كنتيجة مباشرة لحروب الآخرين على أرضهم. وكانت بمثابة تذكير مزعج بأن لبنان، خلال أربعة وأربعين عاماً، أضاع كل الفرص التي كان يمكن أن تمكّنه من التحرر من النفوذ الخارجي وبناء دولة حقيقية. وحتى اليوم، ورغم الوعود والتصريحات الحسنة النوايا، تواصل الدولة سياسة التردد نفسها، فيما يتوق اللبنانيون بشدة إلى رؤية السلطة تضرب بيد من حديد، وتقول «كفى»، وتعتمد مجموعة من الإجراءات السياسية والإدارية والقضائية الملموسة التي تسمح لها باستعادة قرارها واحتكارها للعنف المشروع. بعد ثلاث سنوات على فتح حزب الله جبهة الإسناد الأولى للمحور الذي ينتمي إليه، ما زلنا نراوح مكاننا. ثلاث سنوات ضائعة في البحث عن صيغة افتراضية لفرض احتكار السلاح. وفي نهاية المطاف، لا يزيد هذا المشهد الكئيب إلا من حدة المشاعر المتناقضة التي ولّدتها المأساة اليومية منذ أن قرر الحزب الثأر لمقتل الإيراني علي خامنئي، رغم إدراكه التام لطبيعة الرد الإسرائيلي الذي كان ينتظره. فهو كان يعلم جيداً، بعد اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أن إسرائيل ستحوّل الجنوب إلى أرض محروقة في حال وقوع أي هجوم جديد على أراضيها، وأنها ستعيد لبنان إلى «العصر الحجري». كما أن الدولة اللبنانية لم تكن تجهل شيئاً من هذه النوايا. حتى الصحافيون جرى إطلاعهم على هذا الأمر لنقل التحذيرات المتكررة الصادرة من تل أبيب، والتي وصلت عبر القنوات الدبلوماسية إلى السلطات اللبنانية وإلى قادة هذا التنظيم. لذلك يجد اللبنانيون أنفسهم ممزقين بين شعورين متناقضين: فقلوبهم تنزف أمام بلدات لم تعد موجودة إلا في ذاكرة من بنوا فيها حياتهم. لكنهم في الوقت نفسه يخشون أن تنتهي الحرب الجارية من دون حسم. أن يؤدي وقف إطلاق نار جديد إلى إعادة لبنان إلى حالة دائمة من الحرب المؤجلة، وإلى وضع قاتل من الجمود، وإلى وقوعه مجدداً تحت هيمنة حزب الله... وأن يُبرم اتفاق إقليمي على حساب البلاد... وأن ينجو نظام الملالي، ذلك الوحش متعدد الرؤوس، من التسوية التي يجري إعدادها... وبعيداً عن التحليلات الجيوسياسية المتعلقة بالصراع الإقليمي الدائر، يركز اللبنانيون على مستقبلهم هم، في بلد بات اليوم أشبه بالأنقاض. وذلك فقط من أجل كسر هذه الحلقة الزمنية المفرغة. ومن هنا ينبع ذلك المأزق المؤلم، والمصحوب أحياناً بشعور بالذنب، الذي يواجهونه: فالرغبة في رؤية هذه المأساة تنتهي في أسرع وقت ممكن تصطدم بالرغبة في رؤية حزب الله مُحيَّداً بالكامل، مهما كان الثمن. منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، مع فتح الجبهة الجنوبية دعماً لحركة حماس في حربها ضد إسرائيل، سقطت الأقنعة. وقد أظهرت الأحداث اللاحقة أن المعادلة الوحيدة القابلة للحياة لبقاء لبنان هي أن يتوقف حزب الله عن الوجود بصيغته الحالية. فالمساعي المتواصلة التي يبذلها الحزب لنسب نيات عدوانية وتوسعية إلى تل أبيب، بهدف تبرير الجحيم الذي أدخل لبنان فيه مرتين خلال ثلاث سنوات، لم تعد قادرة على إخفاء حقيقته بوصفه ذراعاً تنفيذية تابعة للحرس الثوري الإيراني، ولا على إخفاء استخفافه بمصالح البلاد. أما سياسة الترهيب التي يمارسها ضد منتقديه، عبر التهديدات واتهامات الخيانة، فلا تؤدي إلا إلى زيادة النقمة الشعبية عليه، فيما تواصل السلطات اعتماد سياسة النعامة، رغم أن نتائج هذه السياسة تغذي بالذات ما تزعم أنها تسعى إلى تجنبه عندما تتحدث عن احتمال اندلاع اضطرابات داخلية. فهذا التراجع الرسمي لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام الداخلي، وتوسيع الهوة بين أقلية لبنانية تريد إبقاء لبنان في الفلك الإيراني، وأكثرية تسعى إلى التحرر من ذلك، تحت قيادة سلطة مركزية أسيرة مخاوفها للأسف. كما أن تهديدات حزب الله غير المقبولة للسلطات، التي ترى في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل المخرج الوحيد لإنقاذ البلاد، تزيد من عزلة الحزب على الساحة المحلية، لكنها تؤكد في الوقت نفسه مدى الحاجة الملحة إلى أن تضطلع الدولة بدورها كاملاً بوصفها الجهة المنظمة للنظام العام وصاحبة القرار الحصري. وقد فرضت هذه الحاجة نفسها نتيجة سياسة المماطلة والتراجع التي انتهجتها السلطة طوال عام كامل. وكانت هذه السلطة قد تعهدت أمام الشعب اللبناني والمجتمع الدولي باستعادة احتكار العنف المشروع لتجنيب البلاد مغامرات مدمرة جديدة، وذلك منذ انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ثم مجدداً مع تشكيل حكومة نواف سلام، ومرة ثالثة مع اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. لقد أصبحت هذه الحاجة ملحة لأنه من دون ذلك سيبقى اللبنانيون، رغماً عنهم، ممثلين في فيلم سيئ لا يستطيعون تغيير مسار أحداثه، بسبب سلطة تُظهر يومياً أنها لا تملك الوسائل الكافية، والأهم من ذلك، أنها تفتقر إلى الشجاعة اللازمة لتنفيذ قراراتها. فلا شيء مما قد يحدث لاحقاً يمكن أن يكون أسوأ من المأساة التي تعيشها اليوم آلاف العائلات اللبنانية.

بين الانضباط والمقاومة الصامتة وبداية التمرد

كان اطلاق الندائين من ناشطين في صور والنبطية الموجهان الى الدولة اللبنانية، لحماية المدينتين الاثريتين من تهديد الجيش الاسرائيلي بمحوهما، ونشر الجيش والقوى الامنية فيهما، وجعلهما مدينتين مفتوحتين خاليتين من السلاح، أول نشاط علني مقاوم ومنظم من قبل البيئة الشيعية، التي تكاثرت دعوتها في المدة الأخيرة، كي تتخلي عن خوفها وترفع صوت الاعتراض، ضد من صادر تاريخها وحاضرها ومستقبلها ثأراً للخامنئي. ولقد تعرض هؤلاء الناشطين لحملة تهديد وتخوين وهتك للأعراض، جعلت البعض يتراجع. وكنت قد باشرت في كتابة مقالي هذا قبل صدورهما، لفهم آليات سيطرة الحزب وقدرته على الهيمنة، ولرصد المقاومة الصامتة لهذه البيئة ولفهم آليات نجاح سيطرة الحزب عليها. ولكن إذا كان فهم السلطة في البيئات الحزبية يقتصر على أدوات القمع المباشر، فإننا نكون قد تجاهلنا الجزء الأكثر فاعلية فيها. فكما يبيّن ميشال فوكو، لا تقوم السلطة الحديثة فقط على المنع والعقاب، بل على إنتاج أفراد يراقبون أنفسهم بأنفسهم، ويعيدون تشكيل سلوكهم بما يتوافق مع المعايير المفروضة عليهم. لكن هذا لا يعني أن السيطرة تكتمل أو تستقر. هنا تحديداً، يساهم جايمس سكوت في كشف الوجه الآخر: حتى في أكثر البيئات انضباطاً، لا تختفي المقاومة، بل تتخذ أشكالاً خفية، يومية، وغير معلنة. يظهر هذا التداخل بوضوح في هيمنة حزب الله على فضاء بيئته الاجتماعي والثقافي بالكامل. فمن جهة، هناك نظام انضباطي متكامل، لا يعمل فقط عبر الأجهزة أو الخطاب الرسمي، بل عبر تبني "البيئة الاجتماعية" لمعايير الحزب وإعادة إنتاجها. ومن جهة أخرى، هناك أيضاً ممارسات يومية صغيرة، تكشف عن مسافة صامتة بين الأفراد وهذه المعايير، تكاثرت خصوصاً بعد الحرب الراهنة التي تسبب بها. بحسب فوكو لا تكون المراقبة فعّالة لأنها شاملة فحسب، بل لأنها مُستبطنة. في مراقبة الفرد لنفسه يتعلم أن: يختار كلماته، يضبط نبرته، يعيد التفكير في ما يمكن أن يُفهم أو يُساء فهمه. هذه الرقابة تصبح مع الوقت جزءاً من تكوينه الاجتماعي دون أي تدخل مباشر. وتتحول إلى ما يشبه "الطبيعة الثانية"، حيث يبدو الامتثال وكأنه خيار شخصي، لا نتيجة ضغط خارجي. لكن هنا تظهر المفارقة التي يسلّط الضوء عليها سكوت. فحين يُجبر الأفراد على الامتثال في العلن، لا يعني ذلك أنهم يوافقون في باطنهم. بل ينشأ ما يسميه "النص الخفي"، وهو مجموعة من المواقف والمشاعر التي لا تجد طريقها إلى العلن، لكنها تُتداول داخل دوائر ضيقة، أو في أشكال غير مباشرة. في هذا السياق، لا تعود السياسة محصورة في الخطابات أو التظاهرات، بل تنتقل إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالصمت، مثلاً، لا يكون دائماً علامة على القبول، بل قد يكون استراتيجية امتناع. والتورية ليست نقصاً في التعبير، بل وسيلة لتفادي الكلفة. وحتى الامتناع عن المشاركة يمكن أن يُقرأ كفعل سياسي، لا كغياب للفعل. ما يضيفه الجمع بين فوكو وسكوت هو فهم العلاقة بين هذين المستويين. فالنظام الذي ينجح في إنتاج أفراد منضبطين، هو نفسه الذي يخلق شروط "المقاومة بالحيلة". فكلما ارتفعت كلفة التعبير، ازدادت الحاجة إلى أشكال ملتوية من الرفض. وكلما تعمّقت المراقبة، أصبح معنى الصمت أكثر كثافة. ففي البيئة التي نتناولها، وتحت ضغط الحرب والتصعيد الإسرائيلي المستمر، يكشف سلوك "البيئة الحاضنة" عن تحول عميق في الصورة التي تتشكل في الفضاء العام، الى أكثر من مجرد تراجع اقتصادي أو إنهاك اجتماعي، اننا أمام تغير في العلاقة نفسها بين الناس والخطاب السياسي الذي يفترض أنه يمثلهم. وهنا يظهر تداخل الاستبطان والمقاومة. فالفرد قد يلتزم بالخطاب العلني، يكرر مفرداته، ويظهر انتماءه، لكنه في الوقت نفسه يحتفظ بمسافة داخلية. هذه المسافة لا تُعلَن، لكنها تظهر في لحظات محددة: في نكتة عابرة، في تعليق مبهم، في امتناع عن الحماس، أو في عدم الاستجابة لدعوة تعبئة. وهذا أخطر أشكال المقاومة ليست تلك االمُُعلنة، بل تلك التي تمرّ دون أن تُلاحظ. لكن هذه المقاومة، رغم خفائها، لا تعني بالضرورة تحوّلًا جذرياً أو قطيعة مع السلطة المهيمنة. فهي غالباً ما تبقى ضمن حدود النظام، تتكيف معه بقدر ما تعارضه. وهذا ما يجعلها في الوقت نفسه علامة على الضعف والقوة: ضعف لأنها لا تُترجم إلى فعل جماعي واضح، وقوة لأنها تكشف حدود السيطرة. كما ان فوكو يوضح أن السلطة لا تتضرر فقط من المعارضة المباشرة، بل أيضاًً من التآكل الداخلي. حين يصبح الامتثال شكلياً، وحين تتحول الطاعة إلى مجرد أداء، تفقد السلطة جزءاً من فعاليتها. فهي قد تنجح في ضبط السلوك الظاهري، لكنها تفشل في إنتاج اقتناع فعلي. في هذا الإطار، يمكن فهم ظواهر مثل عدم الاستجابة لدعوات التعبئة، أو انتشار اللامبالاة، ليس كدليل على غياب السياسة، بل كتحول في أشكالها. الناس لا تخرج إلى الشارع، لكنها أيضاً لا تنخرط. لا تعترض، لكنها لا تستجيب. في النهاية، لا يمكن اختزال هذه الدينامية في ثنائية بسيطة بين السيطرة والمقاومة. ما نراه هو تداخل مستمر بين الاثنتين، حيث تنتج السلطة أشكالها الخاصة من الرفض، وحيث تتكيف المقاومة مع شروط السلطة بدل أن تواجهها مباشرة. في هذه المنطقة الرمادية، حيث لا يكون الصمت قبولاً ولا يكون الامتناع حياداً، تتشكل السياسة الفعلية، بعيداً عن الخطاب المعلن. وهنا يمكن ان نفهم كيف يمكن لبيئة تبدو منضبطة ومتماسكة في العلن، أن تحمل في داخلها مستويات متعددة من التردد، والانفصال، والمقاومة الصامتة، التي لا تُرى بسهولة، لكنها تترك أثرها مع الوقت. من هنا يمكن اعتبار عدم تلبية التعبئة التي يقوم بها نعيم قاسم للنزول الى الشارع لا يعني الحياد. بل يمكن قراءته، في هذا السياق، كشكل من أشكال الرفض الصامت. الناس لا تعلن معارضتها، لكنها لا تمنح شرعية فعلية عبر المشاركة. إنها حالة وسطى بين الطاعة والتمرد، حالة من التعليق، من الانتظار، وربما من إعادة التقييم. بهذا المعنى، يمكن القول إن ما نراه اليوم هو انتقال تدريجي من "البيئة الحاضنة" إلى "البيئة المتعبة". البيئة الحاضنة تستجيب، تتحرك، تنخرط. أما البيئة المتعبة، فهي تتحمّل، تصمت، لكنها لا تتجاوب. وهذا التحول، حتى لو كان جزئياً أو غير مكتمل، يحمل دلالة سياسية عميقة: تآكل القدرة على التعبئة. ويبرهن النداءين الأخيرين اللذان ناشدا تدخل الدولة وسحب السلاح من صور والنبطية، بداية لكسر حاجز الخوف داخل بيئة الحزب، بوضوح وشجاعة.

الصراع الإيراني: بين التصعيد العسكري والمحادثات العقيمة

شهد الأسبوع المنصرم فشل المحاولات الرامية إلى التوصل إلى بروتوكول تفاهم بين واشنطن وطهران، وسط تصريحات متناقضة من الجانبين. وفي الوقت نفسه، سُجّل تصعيد عسكري واضح بين لبنان وإسرائيل، ترافق مع تقدم ميداني مهم للجيش الإسرائيلي الذي يُقال إنه تجاوز نهر الليطاني. طُبعت الأيام الأخيرة في الشرق الأوسط بتصريح أدلى به الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضية، تحدث فيه عن قرب التوصل إلى بروتوكول اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران يفتح الباب أمام ستين يوماً إضافية من المفاوضات، ويسمح برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز. إلا أن التفاؤل الذي أبداه الرئيس الأميركي مراراً لم يترجم إلى نتائج ملموسة، إذ انتهى الأسبوع من دون أي تقدم يُذكر، فيما بقيت جميع الخيارات مطروحة، بما فيها احتمال العودة إلى دوامة العنف. ويلخص تصريح أدلى به «مسؤول أميركي» لموقع أكسيوس يوم الأحد الوضع قائلاً: «سيكون هناك اتفاق مع إيران، لكن موعد توقيعه لم يُحسم بعد». وجاءت إحدى أبرز محطات الأسبوع يوم الجمعة بعد الظهر بتوقيت المشرق، حين أعلن ترامب أنه سيتخذ قراره بشأن الاتفاق مع إيران عقب اجتماع مع مستشاريه في واشنطن. وفي إحدى رسائله على منصته الاجتماعية، كشف بعض تفاصيل الوثيقة المقترحة: رفع فوري للحصار مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، وتدمير اليورانيوم الإيراني المخصب على يد الأميركيين تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى الإبقاء على الأصول الإيرانية المجمدة من دون صرف حتى إشعار آخر. إلا أنه خرج من الاجتماع من دون إعلان أي قرار في ذلك اليوم، مؤكداً أكثر من مرة أنه لن يوقع اتفاقاً لا يحترم «الخطوط الحمراء» التي حددها. في المقابل، كثّف الإيرانيون نفيهم لكل ما أعلنه ترامب، عبر معلومات نقلتها مصادر إلى وسائل إعلام رسمية إيرانية، ولا سيما القريبة من الحرس الثوري، بدلاً من إصدار بيانات رسمية. ووفق هذه المصادر، لا يتضمن بروتوكول التفاهم أي حديث عن تدمير البرنامج النووي، كما أن مضيق هرمز سيبقى تحت إدارة مشتركة إيرانية-عُمانية. وقد دفع ذلك وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إلى توجيه تهديد لسلطنة عُمان، ملوحاً بـ«إجراءات عقابية» إذا شاركت مع إيران في تحصيل رسوم عبور من السفن. وهكذا يبقى مضيق هرمز، وفق المعلومات المتداولة، نقطة الخلاف الرئيسية، إلى جانب قضية الأصول المجمدة والعقوبات التي يصر الأميركيون على رفعها تدريجياً فقط. وبعد أسبوع من الرسائل المتناقضة، يبدو طرفا هذه المسرحية الطويلة عالقين في طريق مسدود. ويواجه الرئيس الأميركي وفريقه ضغوطاً متزايدة بسبب هذه الحرب غير الشعبية في الولايات المتحدة وتداعياتها الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار الوقود، لكنهم في الوقت نفسه لا يستطيعون القبول باتفاق قد يُنظر إليه كتراجع مقارنة بالوضع الذي سبق الحرب في 28 شباط/فبراير، أو مقارنة بالاتفاق النووي الذي وقعه الرئيس الأسبق باراك أوباما. وخلال مقابلة هذا الأسبوع، أكد ترامب، رداً على سؤال حول تأثير انتخابات منتصف الولاية، أن الاستحقاقات الديمقراطية لن تثنيه عن هدفه المتمثل في منع إيران من امتلاك السلاح النووي. أما إيران، فتبدو غارقة في صراعاتها الداخلية، فيما يزداد اتخاذ القرار فيها تعقيداً، رغم تكرار التصريحات المنسوبة إلى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، الذي يبدو أكثر غموضاً من أي وقت مضى. ولا يزال الجناح المتشدد في النظام قادراً على تعطيل أي اتفاق عبر التشدد في بعض الملفات، وعلى رأسها إعادة فتح مضيق هرمز. كما أن شبح انتفاضة شعبية جديدة ناجمة عن الأزمة الاقتصادية الخانقة يثير قلق الحرس الثوري. ومع عودة الإنترنت جزئياً إلى إيران، بدأت تنتشر عبر حسابات المعارضين في الخارج مقاطع فيديو لتظاهرات واسعة، إلى جانب معلومات عن حملة قمع عنيفة ضد المشاركين فيها. كما استمرت التقارير عن إعدام المعارضين، حيث كُشف هذا الأسبوع عن ملاحقة شقيقين كرديين وقتلهما بعد اتهامهما بالضلوع في احتجاجات كانون الثاني/يناير. ميدانياً، ورغم ترجيح احتمال التوصل إلى اتفاق، لم تخلُ الساحة من الحوادث الأمنية. فقد سُمعت انفجارات يوم الخميس في ميناء بندر عباس الإيراني، كما أصابت صواريخ إيرانية سفناً حاولت عبور مضيق هرمز. كذلك تعرضت الكويت لهجمات صاروخية إيرانية قالت قوات الحرس الثوري إنها استهدفت قاعدة أميركية. ومع ذلك، لم تصل أي من هذه الحوادث إلى مستوى التصعيد الشامل، وإن عكست هشاشة الهدنة الحالية. قلق إسرائيلي لم يطغِ الاتفاق المرتقب بين إيران والولايات المتحدة على البعد اللبناني للنزاع. فالتصريحات الصادرة عن الطرفين لا تتفق تقريباً إلا على نقطة واحدة: أن تمديد وقف إطلاق النار على الجبهة الإيرانية يجب أن يترافق مع وقف فعلي للأعمال العدائية بين إسرائيل وحزب الله على الجبهة اللبنانية. وتزايدت في الصحافة الإسرائيلية المؤشرات إلى قلق من احتمال توقف العملية العسكرية في جنوب لبنان قبل تحقيق هدف تفكيك حزب الله. في المقابل، استغل الحزب هذه الأجواء ليهاجم، عبر نوابه، المفاوضات المباشرة التي تجريها السلطات اللبنانية مع إسرائيل، مؤكداً أن المفاوضات مع إيران وحدها قادرة على فرض وقف إطلاق نار حقيقي. ومن أسباب القلق الإسرائيلية أيضاً أن التسريبات المتعلقة بالاتفاق الإيراني-الأميركي لم تتطرق إلى ملفي النفوذ الإقليمي الإيراني عبر أذرعه المسلحة أو مصير الصواريخ الباليستية الإيرانية. وخلال الأسبوع، أعلن حزب الله العراقي رفضه تسليم سلاحه للدولة العراقية، وسعيه إلى تعزيز قدراته العسكرية. قلعة الشقيف تحت السيطرة الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية، تميز الأسبوع بتقدم واضح للجيش الإسرائيلي في العمق اللبناني. وتشير المعلومات إلى أن الجيش الإسرائيلي تجاوز نهر الليطاني شمالاً بعد تشييد خمسة جسور لأغراض عسكرية. كما شهد الأسبوع عاملين أساسيين: المفاوضات العسكرية اللبنانية-الإسرائيلية في واشنطن، والتصعيد غير المسبوق في جنوب لبنان والبقاع. وقد استمرت المحادثات التي جرت في البنتاغون أكثر من عشر ساعات، من دون أن تفضي إلى أي اختراق، بحسب ما أجمعت عليه الصحافتان اللبنانية والإسرائيلية. وبحسب الجيش اللبناني، لا يمكن تحقيق تقدم من دون وقف القتال، فيما تعتبر إسرائيل أن الجانب اللبناني لا يمتلك جميع أوراق القرار. ومع ذلك، وصفت واشنطن الاجتماع بأنه «بنّاء»، مؤكدة استمرار المفاوضات، على أن تشهد الأيام المقبلة جولة جديدة من المحادثات السياسية في واشنطن يومي 2 و3 حزيران/يونيو. وتجري هذه المفاوضات تحت وطأة القصف الإسرائيلي وتصعيد حزب الله، ما يجعلها شديدة الصعوبة. وقد شدد رئيس الحكومة نواف سلام السبت على هذه النقطة، معتبراً أن «المفاوضات تبقى الطريق الأقل كلفة» بالنسبة للبنان، رغم انتقاده التدمير الممنهج للجنوب. على هذه الخريطة التي أعدّتها الأمم المتحدة، يمكن بوضوح ملاحظة الموقع الاستراتيجي لقلعة الشقيف، التي تُستخدم كنقطة مراقبة على الجانب اللبناني، وتمتدّ قدرتها على الرصد شرقاً نحو الجولان المحتل و«إصبع الجليل». (الأمم المتحدة) أما الجنوب اللبناني، فما زال يشتعل. فقد أعلنت إسرائيل الأحد السيطرة على قلعة الشقيف ذات الأهمية الاستراتيجية الكبرى، وتتجه نحو إحكام سيطرتها على منطقة النبطية، في خطوة من شأنها قطع خطوط الإمداد بين جنوب لبنان والبقاع وإعادة تشكيل الشريط الحدودي السابق لعام 2000، ولكن من دون سكانه هذه المرة. كما توحي أوامر الإخلاء المتكررة شمال الزهراني باحتمال توسيع رقعة الاحتلال خلال الأيام المقبلة. وفي هذا السياق، أعلنت المديرية العامة للدفاع المدني انسحابها من مدينة صور والتمركز في صيدا. في المقابل، كثف حزب الله هجماته، مستأنفاً إطلاق الصواريخ نحو عمق شمال إسرائيل، ومؤكداً في بياناته خوض معارك عنيفة، خصوصاً في محيط النبطية. وقد دفعت هذه الهجمات السلطات الإسرائيلية إلى تشديد إجراءاتها في الشمال عبر إغلاق المدارس والشواطئ، وطلب تجهيز مركز طبي تحت الأرض في أحد المستشفيات. كما نقلت القناة 13 الإسرائيلية عن مصادر عسكرية دهشتها من حجم الرد الذي ينفذه حزب الله، مشددة على أن بقاء القوات الإسرائيلية داخل لبنان يشكل شرطاً أساسياً لأي مفاوضات لاحقة. وشهد الأسبوع أيضاً تصاعد المخاوف على التراث اللبناني، وفي مقدمته قلعة الشقيف التي تعرضت مباشرة للقصف الصاروخي. وقد دفع ذلك وزير الخارجية جو رجّي ووزير الثقافة غسان سلامة إلى المطالبة بحماية دولية للمواقع الأثرية، ولا سيما آثار مدينة صور. وفي مواجهة هذا التصعيد، أعلن وزير الخارجية الفرنسي Jean-Noël Barrot أن فرنسا ستطلب عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي لبحث التطورات في لبنان، على أن يُعقد الاجتماع يوم الاثنين وفق مصادر دبلوماسية. نداءات صور والنبطية ومن التطورات البارزة أيضاً هذا الأسبوع صدور نداءين من أكثر من مئة مثقف في صور ومثلهم في النبطية، دعوا فيهما إلى نزع الطابع العسكري عن المنطقتين الغنيتين بالتراث ووضعهما تحت السلطة الحصرية للدولة اللبنانية بهدف حمايتهما. وقد عُدّت هذه الخطوة مؤشراً إلى تغير ملموس في مزاج سكان الجنوب، ما أثار استياء حزب الله. وباختصار، لا شيء يوحي بانخفاض التوتر في الجنوب خلال الأسبوع المقبل. فقد أكد رئيس الأركان الإسرائيلي ايال زامير الأحد أن «العملية في لبنان لم تنتهِ بعد»، فيما تحدث كل من بنيامين نتنياهو و يسراييل كاتزعن احتمال توسيع العمليات العسكرية، معتبرين أن السيطرة على قلعة الشقيف ليست سوى مرحلة ضمن عمليات أوسع قد لا تقتصر مستقبلاً على جنوب لبنان. ويبدو أن طرفي المواجهة على الجبهة اللبنانية يتسابقان مع الوقت في ظل احتمال التوصل إلى اتفاق أميركي-إيراني. فبينما تسعى إسرائيل إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية، يحاول حزب الله الصمود أملاً في الوصول إلى وقف لإطلاق النار.