شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
انفجار ضخم إثر غارة إسرائيلية استهدفت بلدة قرب المنصوري، جنوب لبنان. (فرانس برس)
أساسيات الأسبوع
صورة المؤلف
بقلم LevantTime .
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 23:27
فيما كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها اختارت الاكتفاء بالحرب الاقتصادية على إيران، شنّ الجيش الأميركي بصورة مفاجئة يوم الثلاثاء ضربات على الأراضي الإيرانية ردّاً على هجمات استهدفت ناقلات نفط، ما أدخل المنطقة في دوامة من العنف خلال الأسبوع. وفي لبنان، أفرجت إسرائيل عن عدد من المدنيين المحتجزين في سجونها، فيما كان جيشها قد سيطر على تلة علي الطاهر الاستراتيجية، وواصل ضرباته الكثيفة في المنطقة التي يسيطر عليها في جنوب البلاد. شهد الأسبوع الممتد من 31 أغسطس إلى 6 سبتمبر تسارعاً واضحاً في وتيرة الأحداث في الشرق الأوسط، بعدما بدا الأسبوع السابق وكأنه مطبوع بالجمود. وعلى الجبهة الإيرانية، شنّ الجيش الأميركي، مساء الثلاثاء، ضربات محددة داخل الأراضي الإيرانية، هي الأولى منذ نحو شهر. مشاهد فيديو غير مؤرخة نشرتها القيادة المركزية الأميركية، وتُظهر، بحسب «سنتكوم»، إحدى ناقلات النفط الإيرانية التي دمّرتها رداً على محاولات شن هجمات صاروخية ضد سفن عسكرية. (سنتكوم عبر أ ف ب) ومع ذلك، فإن الوتيرة المحدودة نسبياً لهذه الضربات توحي بأن الإدارة الأميركية اختارت تصعيداً يبقى مضبوطاً، بالتوازي مع مواصلة الحصار والضغوط الاقتصادية على طهران. لكن التوتر واصل التصاعد على امتداد الأسبوع. فقد سُمعت انفجارات يوم السبت في جزيرة خرج ذات الأهمية الاستراتيجية البالغة، والتي يمر عبرها الجزء الأكبر من صادرات النفط الإيرانية. من جهته، هدّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب بضرب الموقع النووي في كوه إي كولانغ — أي «جبل المعول» بالفارسية، أو Pickaxe Mountain — وهو منشأة شديدة التحصين تقع على عمق كبير، غير بعيد من نطنز، الموقع الرئيسي لتخصيب اليورانيوم في إيران. وكان ترامب قد كرّس في وقت سابق من الأسبوع معادلة «ناقلة مقابل ناقلة»، متعهداً باستهداف سفينة إيرانية في كل مرة يضرب فيها الحرس الثوري الإيراني ناقلة نفط في مضيق هرمز. وهذا ما فعله الجيش الأميركي تحديداً يوم السبت، حين أضرم النار في سفينتين إيرانيتين. سياسياً، شدّد دونالد ترامب لهجته أكثر تجاه طهران. فبعد أن أكد في مقابلة أن المفاوضات جُمّدت نهائياً «لأن الاتفاق معهم لا يساوي قيمة الورق الذي يُكتب عليه»، اعتبر السبت أن «النزاع» مع إيران ليس «حرباً»، بل «أمراً عادياً» بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وهي طريقة للعب على أعصاب الإيرانيين، وفي الوقت نفسه لطمأنة الرأي العام الأميركي مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية. تضرر ميناء، منشآت تخزين ومستودعات، إثر ضربة عسكرية أميركية نُفذت في 6 سبتمبر 2026 في محافظة هرمزغان جنوب إيران، المحاذية لمضيق هرمز. (أ ف ب) وفي الوقت نفسه، نشر موقع «أكسيوس» الأميركي يوم السبت تقريراً يوحي بأن الولايات المتحدة بدأت بالفعل تنظر إلى ما بعد هذا النزاع الذي بدأ في 28 فبراير. وذكر الموقع، نقلاً عن مسؤولين أميركيين ومصادر أخرى مطلعة، أن إدارة ترامب تعمل على بلورة استراتيجية أوسع للشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحرب. وترتكز هذه الاستراتيجية، بحسب التقرير، على إقامة اصطفاف إقليمي يهدف إلى احتواء إيران، ووضع حد للتداعيات الإقليمية لهجمات 7 أكتوبر 2023 التي نفذتها حماس في غزة، وتوسيع دائرة التطبيع بين إسرائيل ودول المنطقة. ويعيد التهديد باستهداف كوه إي كولانغ الملف النووي الإيراني إلى الواجهة، وهو ما يتقاطع مع إعلان للوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أعربت، في 1 سبتمبر، عن أسفها لعدم إعادة إيران فتح مواقعها أمام مفتشيها بعد ضربات مايو 2025. ويُذكر أنه رغم اتساع الهجوم الإسرائيلي-الأميركي على المواقع الإيرانية، فمن شبه المؤكد أن مخزون اليورانيوم المخصب لا يزال سليماً، وقد وضعته السلطات الإيرانية في مكان آمن، فيما لا تزال متمسكة بما تعتبره حقها في تطوير برنامج نووي. وعقب إعلان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلنت الولايات المتحدة، إلى جانب فرنسا وبريطانيا وألمانيا، نيتها تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن الدولي يدين عدم التزام إيران بتعهداتها في مجال منع الانتشار النووي. ويعكس هذا الموقف وحدة لافتة تتناقض مع الفتور الذي يسود العلاقات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين منذ بداية النزاع. أما الإيرانيون، فيبدون وكأنهم يواصلون التعامل مع التطورات بالأسلوب نفسه: ضرب دول مجاورة، ولا سيما الكويت والإمارات العربية المتحدة والأردن، من دون استهداف إسرائيل مباشرة. ضربات كثيفة في جنوب لبنان على الجبهة اللبنانية، تكثّف إسرائيل عمليات التدمير في قرى الجنوب، حتى إنها تستخدم في بعض الحالات براميل متفجرة. ودعا الرئيس اللبناني جوزاف عون واشنطن والمجتمع الدولي إلى «وضع حد» للهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، والتي أسفرت يوم الأحد عن مقتل سبعة أشخاص في ظل هدنة هشة. وطالت الغارات بلدات مختلفة في منطقة النبطية، كما أُصيب عشرون شخصاً، بينهم أطفال، وفق وزارة الصحة. كذلك دمّرت غارة مستشفى غندور القديم، المتوقف عن العمل منذ سنوات. الإفراج عن محتجزين والسيطرة على علي الطاهر لكن الحدث الأبرز خلال هذا الأسبوع في الجنوب كان سيطرة الإسرائيليين على تلة علي الطاهر الاستراتيجية في منطقة النبطية. وكان الموقع يشكل مقراً مهماً لحزب الله، يتألف من شبكة واسعة من الأنفاق، وكان ينشط منه مقاتلون من الحزب الشيعي، وكذلك، وفق بعض المعلومات، مقاتلون إيرانيون. ومساء الخميس، أعلن الإسرائيليون أنهم أحكموا السيطرة على المجمع. ويوم الأحد، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن هناك أنفاقاً لا تزال بحاجة إلى التفجير. وربما لم يكن هذا «النجاح» العسكري مفاجئاً بعد أسابيع من القصف، إلا أن رد فعل حزب الله كان أكثر إثارة للاستغراب. فبعد أن أكد طويلاً أنه سيرفض التخلي عن هذه التلة الاستراتيجية — على غرار الإيرانيين الذين كانوا قد هددوا هم أيضاً بالتدخل — عمد الحزب الشيعي في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية هذا التطور عبر وسائله الإعلامية وشبكة حلفائه، من دون أن يؤكد رسمياً خسارة الموقع الذي كان قد رفض الحفاظ عليه عبر تسليمه إلى الجيش اللبناني. أما المفاجأة الكبرى الأخرى خلال الأسبوع فتمثلت في إفراج إسرائيل عن خمسة مدنيين لبنانيين وسوريين كانوا محتجزين في سجونها. وجاءت هذه الخطوة عقب زيارة قام بها إلى تل أبيب سفير الولايات المتحدة في لبنان ميشال عيسى. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد خُطفوا وقُتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. وهنا أيضاً يثير رد فعل حزب الله تساؤلات. فمع اعتباره الخطوة إيجابية لكنها غير كافية، عاد الحزب وهاجم السلطات اللبنانية، متهماً إياها بـ«الخضوع للعدو» ومحمّلاً إياها «مسؤولية» الكارثة في الجنوب. بل إنه حذّرها أيضاً من «النزاعات الداخلية». فهل يمكن أن تدفع الانتكاسات العسكرية الحزب إلى التوجه أكثر نحو الداخل؟ وأخيراً، أدلى الجيش الإسرائيلي يوم الأحد بتصريح مهم، معلناً أنه يدرس تقليص منطقة الاحتلال في جنوب لبنان، عبر الانتقال من «المنطقة الصفراء» الحالية إلى «منطقة رمادية». ومن شأن هذا التطور، وفق هذا التقدير، أن يعكس تراجعاً في مستوى التهديد الذي يمثله حزب الله. لكن هذه الخطوة لم تحصل بعد على موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية. اليمن وفلسطين وكان الأسبوع متوتراً أيضاً في اليمن، حيث تصاعدت المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية باستمرار، وصولاً إلى يوم سبت دامٍ أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصاً في يوم واحد، لترتفع الحصيلة إلى نحو 200 قتيل منذ الخميس. ويهدف هجوم الحوثيين خصوصاً إلى السيطرة على مناطق تحاذي ممر باب المندب، ما يمنح هذا الحليف لإيران ثقلاً إضافياً عند ممر استراتيجي رئيسي آخر بعد مضيق هرمز. وفي فلسطين، طبعت الأسبوع تصريحات مقلقة للغاية أدلى بها يسرائيل كاتس بشأن غزة. فقد زعم، من دون تقديم أدلة، أن غالبية سكان القطاع يرغبون في مغادرته، مشدداً على أن إسرائيل «مستعدة لمثل هذا الإجلاء» الجماعي. وهو ما يوحي بأن معاناة سكان غزة ما زالت بعيدة عن نهايتها. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية أعلنت، في 1 سبتمبر، أن منشآت اكتُشفت في دير الزور في سوريا تشير إلى أن النظام السابق لبشار الأسد كان يُعد سراً لبرنامج نووي متقدم قد يفضي إلى تصنيع سلاح ذري بمساعدة خبراء كوريين شماليين.
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
صورة للأخبار
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـsoccer. وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
لبنان بعد مئة عام
بقلم
سمير عبد الملك
نُشر

في عصرٍ تتضاعف فيه الأزمات والتحديات، نقرأ كلَّ يومٍ مقالاتٍ ودراساتٍ وتحليلاتٍ تتمحور أساساً حول وصف الواقع الراهن وفحص أبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية. غير أنَّ الأهمية البالغة لفهم الحاضر لا تُسوِّغ هذا الاستغراق المفرط في تشخيص الأوضاع، الذي أوقعنا في دوامة التفكير الدائري: نتحرك باستمرارٍ حول الاستنتاجات ذاتها والانسدادات عينها، دون أن نتقدَّم فعلياً نحو تأمُّلٍ جادٍّ في مستقبل لبنان، ومستقبل مواطنيه، وبالتالي مستقبل المجتمع والدولة. إطلاق حلقات التفكير الوطني... بروحٍ إيجابية يحتاج لبنان اليوم بإلحاحٍ إلى إنشاء فضاءاتٍ للحوار والتأمُّل تجمع التجمُّعات والنخب وفاعلي المجتمع، مهما يكن مستوى تنظيمهم، بهدف طرح الأسئلة الكبرى التي ستحدِّد ملامح البلد على مدى العقود المقبلة. فالأمم التي تصمد وتتقدَّم ليست تلك التي تكتفي بإدارة أزماتها اليومية، بل تلك التي تمتلك شجاعة التفكير بعيد المدى ورسم رؤيةٍ واضحةٍ لمستقبلها. بيد أنَّه قبل أيِّ نقاشٍ، علينا أن نتبنَّى التفكير الإيجابي. فالشخص المتفائل أكثر انفتاحاً على آراء الآخرين؛ إذ يرى في تنوُّع الأفكار ثروةً وفرصاً جديدةً للتقدُّم. في المقابل، يُغذِّي التفكير السلبي المنغلق على ذاته الشكَّ في الآخر، بل يصل إلى التشكيك في الفرص الماثلة أمامه. كذلك يجب علينا أن ننظر إلى الواقع كما هو، لا كما نودُّ أن يكون. فالهروب من الحقائق أو تجميلها لا يُفضي إلى حلول؛ بل لا يعدو تأجيل انفجار الأزمات وتفاقمها. ومن ثَمَّ يغدو ضرورياً طرح الأسئلة بموضوعيةٍ واحترامٍ، بعيداً عن المظاهر الزائفة والحسابات الضيِّقة والأحكام المسبقة. فالمجتمعات الحيَّة لا تخشى الأسئلة؛ بل تعدُّها خطوةً طبيعيةً نحو البحث عن مستقبلٍ أفضل. تخيُّل المئة سنة المقبلة يحتاج لبنان اليوم، أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، إلى «حلقات تفكير وطني» قادرةٍ على مقاربة التحديات الجوهرية الكبرى بهدوءٍ وواقعية، وتبادل وجهات النظر، والبحث عن أرضيةٍ مشتركةٍ كفيلةٍ بضمان استقرار البلد لمئة السنة المقبلة. ومن الأسئلة الجوهرية الواجب طرحها: – ما الصيغة الحكومية الأنسب للبنان في ضوء التجارب الماضية؟ هل يبقى النظام المركزي الخيار الأمثل؟ هل تتيح اللامركزية الموسَّعة أو الفيدرالية حلولاً أجدى؟ أم أنَّ ثمَّة حاجةً إلى ابتكار صيغةٍ جديدةٍ كلياً؟ – هل لا يزال اتفاق الطائف ملائماً بعد كلِّ التحوُّلات التي شهدها لبنان والمنطقة؟ – هل نموذج العيش المشترك والديمقراطية التوافقية قادرٌ بعدُ على إنتاج الاستقرار وبناء دولةٍ حقيقية؟ – هل يبقى العيش المشترك ممكناً بصورته الراهنة، في ضوء التجارب والأزمات والانقسامات التي اجتازها اللبنانيون؟ – كيف تُدار التنوُّعية اللبنانية؟ من خلال نظامٍ مدني مبني على المساواة التامة بين المواطنين؟ أم من خلال نظامٍ يحترم الخصوصيات والتوازنات الطائفية في صيغةٍ توافقيةٍ تضمن الاستقرار؟ – ما الدور المنوط بالدولة؟ هل يقتصر على ضمان الأمن والاستقرار والحاجات الأساسية كالصحة والتعليم والبنى التحتية؟ أم أنَّه يمتدُّ ليشمل تدخُّلاً أوسع في مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية؟ – وماذا عن التعليم؟ هل تبقى الأولوية للتعليم الخاص الذي طالما شكَّل أحد الركائز التاريخية للبنان؟ أم أنَّ المستقبل يستدعي نموذجاً أكثر توازناً بين القطاعين العام والخاص؟ – أيُّ اقتصادٍ نريد؟ هل يبقى الاقتصاد الليبرالي الخيار الأوفق للبنان؟ أم أنَّ المرحلة المقبلة تستوجب اقتصاداً اجتماعياً يوفِّق بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية؟ – كيف يمكن ضمان مشاركةٍ شعبيةٍ حقيقيةٍ في صناعة السلطة؟ أيُّ قانون انتخابي يكفل تمثيلاً عادلاً ويعزِّز الحياة الديمقراطية؟ – كيف تُتَّخذ القرارات الوطنية الكبرى عند الخلاف؟ – وما الآليات الدستورية والسياسية التي تحول دون الانسداد مع صون الشراكة الوطنية؟ هذه الأسئلة ليست سوى نماذج من النقاشات الكبرى التي ينبغي مقاربتها بشجاعةٍ وهدوءٍ معاً. إذ لا يقتصر بناء الأمة على إدارة أزمات الحاضر، بل يستلزم أيضاً القدرة على تخيُّل المستقبل والإعداد له. كثيراً ما يُقال: “في زمن الأزمات تولد الفرص.” وهذا صحيح، شريطة أن يُحسن المرء قراءة الواقع بوضوحٍ وأن يمتلك الشجاعة الفكرية والسياسية اللازمة لاغتنام هذه الفرص، عوضاً عن الاقتصار على إدارة الانهيارات أو انتظار حلولٍ آتيةٍ من الخارج. فإن أراد لبنان أن يبقى أمةً حيَّةً قادرةً على الصمود، فهو بحاجةٍ إلى مشروعٍ فكري ووطني بعيد المدى، تُصاغ ملامحه بصورةٍ جماعية، سعياً إلى بناء استقرارٍ سياسيٍّ واجتماعيٍّ واقتصاديٍّ لمئة السنة المقبلة، لا لسنواتٍ معدودةٍ فحسب.

الحرب في إيران: مواقف الأطراف وخيارات المرحلة المقبلة

بعد ثلاثة أشهر بالضبط من اندلاعها، تبدو الحرب في إيران معلقة، وفي حسابات واشنطن وطهران، يتوقع كل طرف أن يستسلم الطرف الآخر مع مرور الوقت. رغم أن كل المؤشرات تشير إلى أن إيران يجب أن تستسلم بعد كارثتها العسكرية وخسائرها الاقتصادية المقدرة بين 1000 و1450 مليار دولار أمريكي، فإن الحرس الثوري الإسلامي لا يستسلم. الحرس الثوري لا يحتاج إلى تقديم حسابات لشعبه، يمنعه من التعبير، وقتل منه عشرات الآلاف على الأقل وسجن حوالي خمسين ألفاً في يناير الماضي. بهذا أمّن الحرس الثوري محيطه الداخلي وحافظ على مواقعه بقوة واستمر في التنسيق الوثيق مع حزب الله. في مقابل ذلك، تشن إسرائيل ضربات موجهة وتشن هجوماً محدوداً في جنوب لبنان وأجزاء من البقاع الغربي. يبقى مضيق هرمز مغلقاً أمام الملاحة الدولية بقرار من طهران، وتحافظ واشنطن على حصارها للموانئ الإيرانية. رغم المفاوضات الجارية لفك الأزمة، يوصف الوضع في الخليج بأنه طريق مسدود استراتيجي. كيف الحال بشأن المطالب المقدمة من الأطراف المتحاربة، وإلى أين وصلت المفاوضات، وكيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب - السؤال الذي طُرح مراراً وتكراراً؟ موقف واشنطن تحافظ إدارة ترامب على مطالبها، لا سيما إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ورفض بقاؤه تحت السيطرة الإيرانية. تطالب بضمانات قوية لحرية الملاحة الدولية. بشأن الملف النووي، تطالب الولايات المتحدة بوقف كامل لتخصيب اليورانيوم لأغراض عسكرية وحجز مخزون اليورانيوم الإيراني المخصب لمدة ستين يوماً لدى دولة ثالثة موثوقة، في انتظار التفاوض على نزع سلاح دائم. ستبقى الأموال الإيرانية المجمدة محجوزة طالما لم تستسلم طهران لجميع المطالب الأمريكية. يجب توسيع اتفاقيات إبراهيم لتشمل جميع دول الخليج، ويجب أن ينتهي الدعم الإيراني لحزب الله. أخيراً، يحتفظ القيادة الوسطى الأمريكية بحق شن ضربات دفاعية فورية ضد أي محاولة لوضع ألغام أو تهديد مباشر، كما حدث مؤخراً في بندر عباس، طالما لم يتم التوقيع على اتفاق نهائي. موقف طهران تطالب طهران برفع العقوبات الاقتصادية بشكل كامل وفوري، وتطالب باسترجاع عشرات المليارات من الدولارات المجمدة في الخارج، وتود أن يلعب قطر دور الضامن المالي لفك الأزمة. يجب إلغاء جميع القيود على صادرات النفط الإيراني. يؤكد النظام الإيراني حقه السيادي في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية وسيكون مستعداً لنقل مخزونه المخصب بشكل مؤقت إلى الصين، دون أن يكون ذلك جزءاً من نزع سلاح نهائي. يطالب بالاعتراف الكامل بسيادته البحرية على مضيق هرمز ويريد أن تتولى دول الخليج الساحلية حصراً مسؤولية أمن الخليج الفارسي، مع استبعاد أي وجود عسكري غربي. تطالب طهران بوقف فوري للضربات الأمريكية وترفض المصادقة على أي اتفاق طالما تستمر هذه الضربات. أخيراً، يرفض رئيس الدبلوماسية الإيرانية عباس أراغجي ربط وقف إطلاق النار بتطبيع دول عربية مع إسرائيل ويسعى لإقناع ملكيات الخليج بتخفيف روابطها الأمنية مع واشنطن. مواقف باكستان وقطر تجري المفاوضات بفضل باكستان وقطر والصين، لكنهم يواجهون عدم ثقة عميق بين إيران والولايات المتحدة، والتصريحات المتناقضة لا تيسر الحل. باكستان تستضيف منذ 1979 قسم المصالح الإيرانية في واشنطن وبالتالي تلعب فعلياً دور الوسيط في التواصل بين الطرفين المتحاربين. يقوم أعلى مسؤولوها بتنسيق وثيق للتبادلات العسكرية والمدنية بين واشنطن وطهران وبكين للحفاظ على الهدنة. أما قطر فتركز على الآليات المالية، لا سيما المقترحات الرامية إلى تحرير الأموال الإيرانية المجمدة مقابل ضمانات أمنية بشأن الملاحة البحرية. موقف الصين الصين لا تتولى دور الوسيط من الدرجة الأولى، المترك لباكستان وقطر، بل تعمل خلف الكواليس كضامن استراتيجي للطرفين، وكضامن مالي لإيران. تقترح الصين حلاً تقنياً رئيسياً يتعلق بالمخزون النووي. حيث ستنقل إيران اليورانيوم المخصب بدرجة عالية إلى الصين، مما يوفر لطهران منفذاً يحفظ ماء وجهها ولواشنطن دليلاً ملموساً على نزع التسليح النووي على المدى القصير، رغم أن الإدارة الأمريكية تبدي تحفظات على إسناد هذا التحكم إلى بكين. على الصعيد الاقتصادي، الصين هي الرئة المالية لإيران، فهي تشتري حوالي 90% من نفطها تحت الحصار. استخدمت هذا الدور كشريك اقتصادي لا غنى عنه للضغط على طهران لقبول وقف إطلاق النار في 8 أبريل. لحماية نفسها من توقف حركة المرور البحرية في الخليج، الذي كانت تتوقعه، راكمت الصين احتياطيات ضخمة بلغت 1.4 مليار برميل من النفط (ما يكفيها لمدة 6 أشهر). مكنها ذلك من التفاوض دون الاستعجالية المطلقة التي تضرب الأسواق الغربية. بكين تصر أيضاً على فتح مضيق هرمز، الحيوي لواردتها، مع الحفاظ على الخطاب الداعم لسيادة إيران. وأخيراً، تسعى الصين إلى تعزيز نفوذها الإقليمي والحصول على تنازلات أمريكية بشأن تايوان، في مقابل دورها الاستقرارية. فن التعامل الجيوسياسي: استراتيجية التفاوض عند ترامب في هذه التفاوضات، يطبق الرئيس ترامب أسلوباً مخصصاً وعدائياً، نسخة جيوسياسية من كتابه "فن التعامل"، يجمع بين خطاب عام مهدئ وضغط حقيقي على الأرض. من جهة، التفاؤل المعلن، بأكيده مراراً على "اتفاق وشيك"، يهدف إلى طمأنة الأسواق والناخبين؛ ومن جهة أخرى، عمليات عسكرية موجهة وتدابير اقتصادية قصوى تخدم لإرغام الحرس الثوري على الاستسلام أمام المطالب الأمريكية. يفضل رئيس البيت الأبيض القنوات الثنائية مع باكستان وقطر والحوار المباشر مع شي جين بينج، فارضاً بذلك روايته الأحادية حول قضايا النزاع. تتمثل تكتيكه "المبالغة" في المطالبة من البداية بمواقف متطرفة (عدم إغناء أي يورانيوم، الالتزام باتفاقيات إبراهيم) ليتمكن لاحقاً من التنازل وبيع التسويات. وأخيراً، يضع الصين في المعادلة، قابلاً إسناد اليورانيوم الإيراني إليها، محتفظاً بها كأداة ضغط وآلية تحويل محتملة. إن نجح الاتفاق، يحصد أمجاده؛ وإن فشل، يستطيع نسب المسؤولية إليها. استراتيجية إيران في التفاوض غير المتكافئ استراتيجية إيران في التفاوض بطيئة وصبورة ومنهجية، قائمة على المقاومة غير المتكافئة بهدف إرهاق واشنطن. تمارس طهران "دبلوماسية حافة الهاوية" بإثارة توترات محسوبة (تلغيم مضيق هرمز، إشراك حزب الله في حرب مع إسرائيل، شن هجمات ضد الإمارات العربية المتحدة، استهداف السفن في الخليج) لإثبات أن تكلفة عدم الفعل بالنسبة للولايات المتحدة تفوق تكلفة التوصل إلى تسوية. يستغل النظام الإيراني دبلوماسيه المعتدلين وحرس الثورة الإسلامية لتقديم المرونة والتهديدات بالتناوب. يسعى إلى شق الائتلافات الموالية للولايات المتحدة في الخليج وتعزيز علاقاته مع الصين وباكستان لإثبات أنه ليس معزولاً. يستخدم الوقت كأداة ضغط، ممدداً المفاوضات التقنية لإرهاق واشنطن التي تواجه ضغوطاً سياسية ومالية شديدة. وأخيراً، تقديس السيادة يجعل أي استسلام علني غير مقبول؛ لذا تُقدَّر الحلول التقنية، مثل نقل اليورانيوم إلى الصين، لأنها تحل المشكلة دون أن تبدو طهران مهزومة. التوقعات المفاوضات لا تتقدم، وطالما لم يلحق أي من الطرفين صدمة حاسمة كافية لكسر إرادة الآخر، ستستمر الحرب في ظل توتر محسوب لكن متفجّر (حصار، إغلاق المضيق، ضربات متقطعة بكثافة متغيرة)، وهذا محتمل للرئيس ترامب لكن قد لا يكون احتمالياً لطهران. انطلاقاً من ذلك، يمكن أن تتطور الحرب بطريقتين: إما أن تستسلم إيران مع الوقت، مما يعني بداية نهاية النظام؛ أو أن تستجيب واشنطن لبعض الطلبات الإيرانية منقذة ماء وجه النظام، مما يعني فضيحة لترامب. الوقت سيكون العامل الحاسم الذي سيفرض على أحد الطرفين تغيير موقفه، وإلا فإن الحالة الثالثة ستسود: حرب شاملة مدمرة.

الدبلوماسية الثقافية اللبنانية: بين التألق والتضامن والمقاومة (1/2)

يتم تنظيم متجر POP UP لبناني في 30 و31 مايو في باريس، بمعرض “عالمنا”، من قبل شركة إلفان ELFAN لدعم الفنانين اللبنانيين. تندرج هذه المبادرة الجديدة من إلفان في إطار ديناميكية عامة واسعة تهدف إلى دعم الفنانين اللبنانيين من خلال تطوير الحضور الثقافي اللبناني في فرنسا وأوروبا. قبل تسليط الضوء على سياق هذا المتجر المنبثق اللبناني الجديد، يبدو من المفيد إلقاء نظرة سريعة على الديناميكية العامة الجارية حالياً والتي يشارك فيها وزير الثقافة غسان سلامة. منذ عدة سنوات، وخاصة منذ أحداث عام 2019 والانفجار في ميناء بيروت في أغسطس 2020، شهدت الثقافة اللبنانية ازدهاراً متزايداً في الخارج. من الواضح أن المبادرات الثقافية اللبنانية خارج لبنان ليست حديثة: فالشتات لطالما لعب دوراً أساسياً في نشر وتعزيز الهوية الثقافية اللبنانية. لكن اليوم، يبدو أن هذه الظاهرة تكتسب زخماً جديداً. غادر العديد من الفنانين والمبدعين والمثقفين والمتخصصين في المجال الثقافي لبنان في السنوات الأخيرة، أحياناً من الضرورة، وأحياناً بحثاً عن فرص لم تعد الدولة قادرة على توفيرها. فلطالما ظلت الثقافة في لبنان في موضع ثانوي بعد الضروريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك، بالرغم من هذا الضعف البنيوي، تستمر المشهد الثقافي اللبناني في إعادة اختراع نفسه والتوجه نحو العالمية. في هذا السياق، يبدو من المهم النظر في المبادرات الثقافية اللبنانية في فرنسا، حيث نشهد منذ عدة سنوات تكاثراً في الفعاليات والمشاريع المتعلقة بلبنان. اليوم، تتعاظم المبادرات الثقافية لتعزيز إشعاع الدول في الخارج، بالفعل، لكن أيضاً لدعم الفنانين اللبنانيين والحفاظ على التراث اللبناني، أو الحفاظ على رابط حي مع لبنان في هذه الفترة الصعبة من الأزمة والحرب. حضور لبناني واسع مهرجان كليرمون فيران الدولي للأفلام القصيرة المرموق هو مثال بارز على ذلك. منذ عامين، تم تكريم لبنان من خلال تركيز خاص مخصص للسينما اللبنانية. حضر العديد من المخرجين والمنتجين ومتخصصي القطاع لهذه المناسبة وساهموا في إعداد البرنامج، مما يوضح الأهمية المتزايدة للسينما اللبنانية على الساحة الثقافية الدولية. يلعب المعهد العالمي للعالم العربي دوراً مهماً في هذه الديناميكية لتعزيز التراث والإبداع اللبناني. يشكل المعرض الحالي عن جبيل، الذي تم تأجيله منذ عامين بسبب الحرب ثم تم الحفاظ عليه رغم غياب بعض الأعمال التي لا تزال محجوزة، حالة مهمة من هذا الحيث. كان وزير الثقافة غسان سلامة حاضراً، مما يعكس الأهمية التي توليها اليوم لهذه المبادرات الثقافية في الخارج. في نفس الإطار، معرض توثيق تراث لبنان 1864-1970، بعد عرضه في باريس، مفتوح للجمهور في مرسيليا حتى سبتمبر. حفل إبراهيم معلوف وهبة طوقي في المعهد العالمي، برفقة عدة فنانين قدموا من لبنان، وكذلك حضور خالد مزقار وناديا لبكي في مهرجان كان - حيث كان خالد مزقار أيضاً عضواً في لجنة تحكيم نظرة معينة - يوضح مدى أهمية المكانة التي تحتلها الشخصيات الثقافية اللبنانية اليوم على الساحات الدولية. تجسدت هذه الديناميكية أيضاً مؤخراً في سان مالو، حيث كان لبنان ضيف الشرف في مهرجان المسافرون المذهلون. شارك كتاب وفنانون ومثقفون لبنانيون في عدة لقاءات حول الذاكرة والنفي والإبداع المعاصر اللبناني. كان غسان سلامة أيضاً حاضراً خلال هذه الفعالية. «كلما تتابعت المآسي، اعتاد الشعب اللبناني أكثر على التعبير عنها. بينما أتحدث إليكم، الرسامون اللبنانيون في بينالي البندقية، والسينمائيون اللبنانيون في مهرجان كان، والكتاب اللبنانيون في مهرجان سان مالو»، كما أشار بحكمة غسان سلامة في خطابه في مهرجان سان مالو. يواصل الوزير سلامة منذ عدة أشهر تنقلاته واجتماعاته بالخارج للترويج للتراث والإشعاع الثقافي اللبناني. بالتوازي مع ذلك، يتم تصميم العديد من الفعاليات الفنية كمساحات للتضامن الملموس مع لبنان. وهذا هو الحال بشكل خاص لمبادرة «لحظات من أجل لبنان»، وهي مبادرة فنية وإنسانية مقرها باريس، أسسها تجمع من اللبنانيين في الشتات، ويُخطط بالفعل لدورتها الثانية في مدينة النور في يونيو 2026 لمتابعة التعبئة الفنية والإنسانية حول لبنان. المبادرة الجديدة لمنظمة إلفان هذه الديناميكية الشاملة هي أيضاً في صميم مشروع مؤسسة إلفان للترويج للفنانين اللبنانيين. كرست هذه المؤسسة نفسها لمهمة تكوين متخصصي الثقافة في المستقبل، حتى يتمكنوا من دعم وتنظيم هذا القطاع الذي يشهد نمواً سريعاً. في هذا الإطار، يتم تنظيم متجر لبناني منبثق جديد في 30 و31 مايو بباريس في معرض علامونة. ستجمع الفعالية المبدعين والفنانين ورجال الأعمال لتسليط الضوء على الخبرة اللبنانية، وفي الوقت ذاته دعم لبنان والصليب الأحمر اللبناني. بنفس الرؤية، سيتم تنظيم أسبوع موضوعي حول لبنان في يوليو المقبل في كليرمون فيران، بمبادرة من إلفان، في معرض أتلييه الملكة ماتيلد. البرنامج يتضمن: معرض للرسامين اللبنانيين؛ ورش عمل للخط والدبكة؛ عروض أفلام؛ إفطار لبناني... الهدف هو تعريف الثقافة اللبنانية لجمهور فرنسي في الأساس، مع هدف موازٍ وهو دعم الصليب الأحمر اللبناني. في ضوء هذا التكاثر للمبادرات، يطرح سؤال مهم نفسه بشكل متكرر في المجال الثقافي: هل نشهد اليوم قيام دبلوماسية ثقافية لبنانية؟ أم أن الأمر يتعلق بشكل من أشكال المقاومة الثقافية؟ لأنه على عكس الدبلوماسية الثقافية المؤسسية التي يفكر فيها الدولة وتنظمها، فإن جزءاً كبيراً من هذه المشاريع تنبع اليوم من مبادرات فردية أو جمعوية، على المستوى المحلي أو على مستوى الشتات، تماماً كما هو الحال مع لبنان. إنهم فنانون وتجمعات ومنظمو فعاليات يحملون هذه الرؤية اللبنانية إلى الخارج، غالباً بدون دعم رسمي. هذا التفكير بدأ بالفعل يظهر حتى في النقاشات على مستوى وزارة الثقافة. قال الوزير غسان سلامة مؤخراً أن «ما أنقذ الثقافة في لبنان هو أنها متجذرة في المجتمع وليس في الدولة. عندما انهارت الدولة، استمرت الثقافة في الحياة». ومع ذلك، فإن تنقلاته العديدة في هذه الفعاليات الثقافية تظهر أيضاً أن الثقافة بدأت تحتل مكاناً غير تافه في أعمال الدولة اللبنانية وتفكيرها. بعيداً عن الإشعاع الدولي أو الحفاظ على الهوية الثقافية، يبدو سؤال جوهري آخر الآن: ما يمكن أن تكون المساهمة الحقيقية للثقافة والفن في تنمية لبنان؟ هل يمكن للثقافة أن تساهم في إعادة البناء الاقتصادي وخلق الفرص والحفاظ على الصلة بين لبنان وشتاته؟ كل هذه الأفكار تفتح أيضاً النقاش حول السياسة الثقافية اللبنانية ذاتها... المقالة القادمة: السياسة الثقافية للبنان

الصراع الإيراني: جمود دبلوماسي وتصعيد عسكري

يبدو أن اللبنانيين وشعوب المنطقة عموماً مضطرون للاستسلام لفكرة التعرض المتكرر لتقلبات الأحوال فيما يتعلق بتطور النزاع الإيراني. في يوم الخميس بعد الظهر، أورد موقع أكسيوس الأمريكي معلومات تفيد بتوصل المفاوضين الأمريكيين والإيرانيين إلى اتفاق إطاري. وأكدت ذات المصادر أن نسخة من مذكرة التفاهم هذه أرسلت إلى البيت الأبيض وأن الرئيس دونالد ترامب طلب "بضعة أيام للتفكير" قبل إقراره للنص. بعد ساعات قليلة، بدا أن الحرس الثوري للجمهورية الإسلامية الإيرانية يريد "تسهيل" المهمة على الرئيس الأمريكي، حيث شدد عبر وكالة تسنيم التي تعكس وجهة نظره على أنه لم يتم التوصل إلى أي اتفاق بين الأمريكيين والإيرانيين حتى الآن. بناءً على المواقف المعلنة علناً من الطرفين، لا تزال الخلافات عميقة بينهما بشأن قضايا منها الملاحة الحرة في مضيق هرمز والحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران واسترجاع النظام الإيراني لجزء من الأموال الإيرانية بالعملات الأجنبية المجمدة منذ سنوات ومصير اليورانيوم المخصب. أعلن وزير الخزانة الأمريكي في هذا السياق يوم الخميس أنه لا يمكن التوصل إلى أي اتفاق مع إيران قبل إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة البحرية دون شروط ونقل اليورانيوم المخصب الى الولايات المتحدة. غير أن الحرس الثوري يرفض هذه النقطة الأخيرة، مما جعل الشكوك واضحة جداً يوم الخميس مساءً بشأن إمكانية حل سريع للمفاوضات ألامريكية الإيرانية. تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الرئيس ترامب وجه يوم الخميس تحذيراً شديداً إلى سلطنة عمان، محذراً إياها من أي اتفاق قد تحاول إبرامه مع النظام الإيراني لإدارة مضيق هرمز بشكل مشترك وفرض رسم مرور متفق عليه على السفن التجارية. تصر طهران على السيطرة على المضيق وفرض نوع من الرسوم على هذا الممر البحري لضمان إيرادات كبيرة. يجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن مصدراً إيرانياً أخبر صحيفة وول ستريت جورنال بأن احتياطيات الجمهورية الإسلامية من العملات الأجنبية كافية بالكاد لثلاثة أشهر. تصعيد في العمليات العسكرية في الوقت الذي بدت فيه المفاوضات تراوح مكانها، حدث تصعيد واضح يوم الخميس في العمليات العسكرية على المستويين الإقليمي والمحلي. في وقت متأخر من مساء الخميس، أفادت وكالة فارس الإيرانية الرسمية عن "إطلاق صواريخ إيرانية من جنوب إيران". أشارت وكالة تاسنيم من جانبها إلى أن أصوات إطلاق نار من أسلحة رشاشة كانت مسموعة في بندر عباس بسبب اشتباكات جارية في مياه الخليج. أوضحت إعلام طهران في هذا السياق أن الحرس الثوري اطلق النار في مضيق هرمز باتجاه سفن حربية أمريكية وحدث اشتباك بين السفن الأمريكية والباسداران. في فجر الخميس، كان الحرس الثوري قد أطلق طائرات بدون طيار ضد ناقلة نفط أمريكية وثلاث سفن كانت تحاول عبور مضيق هرمز. أشار الجيش الأمريكي إلى أنه اعترض أربع طائرات بدون طيار قبل شن هجوم جوي ضد موقع إطلاق هذه الطائرات في قطاع ميناء بندر عباس. رداً على ذلك، أطلق الباسداران صواريخ وطائرات بدون طيار ضد الكويت. تم تفعيل صفارات الإنذار في العاصمة وأوضح الجيش الكويتي في بيان له أن "الدفاعات الجوية الكويتية صدت هجمات شنت بصواريخ وطائرات بدون طيار معادية". أكد الحرس الثوري من جانبه أنه استهدف «قاعدة أمريكية». يندرج هذا الهجوم الذي شنه حرس الثورة الإسلامية على الكويت في إطار الاستراتيجية التي يتبعها الحرس الثوري منذ بدء هذه الحرب في 28 شباط الماضي، والتي تركز على توجيه هجماته نحو دول الخليج (أكثر من إسرائيل) بهدف دفع هذه الدول إلى المطالبة بإزالة القواعد العسكرية الأمريكية من الخليج والتدخل لدى الولايات المتحدة لإنهاء ضغوطها الاقتصادية والعسكرية على الجمهورية الإسلامية. تجدر الإشارة إلى أن الجيش الإسرائيلي قضى يوم الخميس على قياديين عسكريين بارزين لحماس في قطاع غزة. خطوات رجي للحفاظ على آثار صور على الجبهة اللبنانية، كانت هناك معلومات تفيد في ساعات المساء المتأخرة عن تقدم سريع وملحوظ للقوات الإسرائيلية التي تبعد حوالي كيلومتر ونصف عن مدينة النبطية والتي استحوذت على سيطرة قلعة الشقيف (بوفور)، وهي موقع استراتيجي مهم في المنطقة. اتسم يوم الخميس بشكل أساسي بإطلاق صاروخ إسرائيلي على شقة في الشويفات حيث تم القضاء على علي حسيني، المسؤول عن نظام الصواريخ في حزب الله. في فجر يوم الخميس، نفذت إسرائيل غارة جوية على مدينة صور. أشارالجيش الإسرائيلي إلى أنها استهدفت مراكز قيادة تابعة لحزب الله في المدينة. بحسب بعض المصادر، استهدفت غارة أخرى أيضاً منطقة قريبة من آثار مدينة صور التاريخية. من هذا المنطلق، اتخذ وزير الخارجية جو رجي خطوات دبلوماسية عاجلة لتفادي أي إضرار بالتراث الأثري والثقافي الذي يشكل ثروة منطقة صور. بخصوص العمليات العسكرية، استهدف إطلاق صاروخ فجر يوم الخميس شقة في مبنى متعدد الطوابق بمدينة صيدا. اودى بحياة ثلاثة أشخاص. بالإضافة إلى ذلك، كانت سيارة هدفاً لإطلاق نار من طائرة مسيرة على الطريق الساحلية بالعديسة بالقرب من صيدا. اسفر عن هذا الهجوم ستة قتلى. تم الإبلاغ عن غارات جوية أيضاً في بداية الصباح على مدينة النبطية وكذلك على مواقع لميليشيا حزب الله في قضاء عاليه وفي الزهراني. كما استهدفت طائرة مسيرة دراجة نارية في محيط مدينة صور فجراً.

"حزب الله": حيث تنوجد المقاومة يتم استدعاء الاحتلال!

في حوار لهُ، على إحدى الفضائيات اللبنانية، بعد انسحاب إسرائيل مِن جنوب لبنان عام 2000، ونظراً لِما أصاب البعض مِن 'تُخمة وطنية'، عابَ وزير الدفاع اللبناني الأسبق ألبير منصور، على أهالي الجَولان السوري المحتل، الذين لم يجاوز تعدادهم وقتذاك عشرين ألف نسمة، واختاروا انتهاج المقاومة السلمية ضد الاحتلال الإسرائيلي، متسائلاً بسخرية: 'ليش هَوذي ما بيقاوموا الاحتلال الإسرائيلي؟'. كذلك فعل كثيرون مِن أبواق "حزب الله" ومُواليه، إذ لم يوّفّروا الجَولانيين مِن تسديداتهم المتكررة، على ما أسموه شذوذهم عن قاعدة "حيث يوجد احتلال توجد مقاومة"، على اعتبار أنّ المقاومة لا تكون إلا عبر الصواريخ والمقذوفات، متناسين أنّ أعلى ضروب الوطنية والمقاومة تكمن في التشبّث بالأرض وعدم تركها لقمة سائغة للمحتلين والمحافظة على الإرث والثقافة والهوية، وهو ما قام به الجَولانيون، في حدود إمكانياتهم المتواضعة والمحدودة، على أكمل وجه، الأمر الذي اضطر كاتب هذي السطور، يومها، إلى نشر بحثين مفصّلين متسلسلين، في جريدة "السفير" اللبنانية، كانون الثاني 2001، تحت عنوان: "ويسألونك: متى تُقاتلون إسرائيل؟"، ثم رفدهما بمقال آخر في "قضايا النهار"، 29 تشرين الثاني 2005، بعنوان: "رسالة إلى 'حزب الله' مِن الجَولان المحتل"، تمت دعوته فيها، بالفم الملآن، لتحييد للبنان وإراحة جبهته مِن الصراع مع إسرائيل، بعد أنْ أدّى اللبنانيون قسطهم للعُلا. لكن، وفي كوميديا حالكة السَواد واستدارة غريبة مِن نوعها، عاد "حزب الله"، ذاته، ومعه "حركة حماس" في غزة، لتكريس مفهوم غريب عجيب آخر لـ'المقاومة'، لا يخطر حتى في أضغاث الأحلام، مؤدّاه: حيث تنوجد المقاومة يتم استدعاء الاحتلال! الأمر الذي تخطّى مفهوم الخيانة الوطنية الناتجة عن التعامل مع المحتل إلى ما هو أبعد وأخطر. فما فَعلهُ "حزب الله" مع اللبنانيين، والشيعة على وجه الخصوص، صار يحتاج مِن مجمّع اللغة العربية عقد جلسة طارئة واجتراح مصطلح له يتعدّى الإجرام والخيانة سنوات ضوئية. "حزب الله" لم يكن يوماً حركة تحرُّر وطنية ولا حَظِيَ، مِن الأصل، بهذا الشرف، إنما خلاف ذلك كان، على الدوام، ذراعاً عسكرياً عميلاً لصالح دولة أجنبية تحتل أراضيَ عربية في طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى، قبل أن تبطش بالكامل على لبنان والعراق وسوريا واليمن، قَطَفَ ثمرة التحرير في جنوب لبنان، عام 2000، بعد أن عمد مع حليفه، نظام الأسد، إلى تصفية عناصر المقاومة الوطنية واحتكار المقاومة لنفسه. صوت الشهيد المغدور جورج حاوي، الذي قتله "حزب الله" لاحقاً، ما زال يرنّ في الآذان، حين أطلَّ، عام 2005، إبان انتفاضة الاستقلال، على إحدى الفضائيات اللبنانية، ليذكِّر "حزب الله" أنه بعد اتفاق الطائف، كانت كوادر الحزب الشيوعي تتسلّل، خلسة، إلى الشريط الحدودي المحتل لتنفيذ عمليات ضد الاحتلال وعملائه، خشية اصطيادها على أيدي أفراده، لكن عناصر "حزب الله" قامت بتصفية الكثيرين منهم في طريق عودتهم. وفق ما تقدَّم، حتى المقارنة مع دويلة أنطوان لحد وجيشه المُنحلّ، الذي هدّد نائب "حزب الله" حسن يعقوب رئيس الجمهورية مِن مغبّة إعادة استنساخه، والذي فوّضتهُ قوات الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية حراسة مساحة لا تتجاوز عشرة بالمئة مِن الأراضي اللبنانية في الجنوب، ما عادت جائزة مع "حزب الله"، الذي مَكّن الإيراني مِن بَسْط نفوذه على كامل الأراضي اللبنانية، علاوة على ما تسبّبَ به مِن موت ودمار وهلاك لبطانته وعموم اللبنانيين، على مدار عشرات السنين، ناهيك عن إدانته باغتيال أشراف اللبنانيين وأدلّة لا حصر لها تشير إلى مسؤوليته عن تفجير مرفأ بيروت. في مطلق الأحوال، يبدو أنَّها آخر الحروب التي يستدرجها "حزب الله" على اللبنانيين، بعد أنْ خربَ ديارهم عشرات السنين. وما سمّاه الحزب عملية "العصف المأكول"، سيأكله اللبنانيون، والشيعة منهم على وجه التحديد. ومِن المرجَّح ألا تنتهي إلا بجعله مِن دفاتر الماضي وربما تنصيب نظام "صديق" في طهران أو مقصوص الأذرُع، الأمر الذي يبدو أنّ "حزب الله" لم يدرجه في حساباته الغيبية بأنْ يفقد ظهيره الإيراني، وهو ماض في مقامرته هذه حتى آخر شيعيّ لبناني. طَي صفحة "حزب الله"، في لبنان، سوف يريح اللبنانيين والسوريين معهم. فكسُر ظهر "الهلال الشيعي" وقطع ذراع إيران اللبناني، بشكل نهائي، يُفقِد أي قيمة وظيفية لنظام أبي محمد الجُولاني في سوريا وقد يعجِّل في زواله. لذا، فإنَّ نَزْع سلاح "حزب الله" مصلحة لبنانية أولاً وثانياً وثالثاً قبل أنْ يكون مصلحة إسرائيلية، وهو ضرورة لا بد منها اليوم قبل الغد. أما بشأن استمرار المفاوضات المباشرة اللبنانية-الإسرائيلية، وصولاً إلى توقيع اتفاقية سلام، على خِلافِ ما يعتقد كثيرون، ورغم أن التفاوض مع إسرائيل أو السلام معها لن يكونا نزهة قصيرة ومريحة، فهناك مبالغات كثيرة بأنَّ لبنان في الحطّ مِن قدرة اللبنانيين على منافسة إسرائيل على مستويات وصُعُد مختلفة، ليس أولها ديناميكية الشعب اللبناني وما لديه مِن كوادر وطاقات وخبرات ولا آخرها السياحة والتنوع الثقافي والاقتصاد الحر. كل الحروب تكون متبوعة بأخرى أو بمفاوضات، عاقبتها إما توقيع اتفاقية سلام أو استسلام إلا 'حرب تشرين' على الجبهة السورية وحرب لبنان عام 1982، حيث تم استثمار حالة 'العداء' بعدهما مع إسرائيل على أنها 'بزنس وطني' رابح لتكريس معادلة الاحتلال الأبدي هناك مقابل الاستبداد والطغيان الأبديين هنا. في مقال سابق له بجريدة "المدن، بعنوان: "17 أيار"، نقلَ الوزير الاشتراكي السابق غازي العريضي عن الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل قوله، في برنامج "شاهد على العصر" على قناة "الجزيرة": 'لقد وقّعت إسرائيل ولم أوقّع'. لماذا؟ طلبتُ من الموفد الأميركي الذي جاءني ممارساً ضغطاً كبيراً للإسراع بالتوقيع أن يوصل رسالة إلى الرئيس الأميركي ريغان مضمونها: 'أريد كتاباً شخصياً منه يؤكد فيه أنه سيستمر بالتزامه بلعب دور الوسيط. فإذا التزمت اسرائيل جيد وإذا لم تلتزم فإن ثمة التزاماً أميركياً بالوقوف الى جانب لبنان وحماية سيادته ووحدته...'، ويضيف 'جاء الكتاب لكن إسرائيل انسحبت من الاتفاق'. لماذا؟ 'تبين أن الإسرائيلي وقّع ليس التزاماً بالاتفاق بل لأنه كان يريد ثمناً من الأميركيين والثمن هو رفع العقوبات التي فرضت بسبب تجاوز إسرائيل الاتفاق معها حول اجتياح جيشها لمسافة 40 كلم في الجنوب فقط'. يعني ذلك أن إسرائيل لم تكن تريد الاتفاق أصلاً كما هو رغم ما أخذته". وفق ما تقدّم، فإن المطلوب ليس إعادة قراءة تلك الاتفاقية وحسب إنما التدقيق في كل مفردات تلك المرحلة. فإفادة الرئيس أمين الجميل لا تهز جدران السردية التي راجت عن "اتفاقية 17 أيار"، لاكثر مِن أربعة عقود، إنما قد تنسفها برمّتها. لكن الأكثر ترجيحاً، أنَّ كل الكوارث والأهوال والحروب التي خيضت ولا تزال ضد السوريين واللبنانيين، هي استحقاقات وفواتير متأخرة الدفع عن توقيع نظام الأسد اتفاقية 'فصل القوات' تلك مع إسرائيل، وإلغاء اتفاقية '17 أيار' في لبنان في آذار 1984، دون رسم أي مسار مستقبلي لكيفية حسم الصراع مع إسرائيل.

لبنان, نعيم قاسم والدولة المعلّقة
بقلم
جاد الاخوي
نُشر

في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الملفات الأمنية في لبنان مع مسار المفاوضات الإقليمية والدولية، تبرز في المشهد الداخلي ثلاثة عناوين مترابطة: تهديدات الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، والجدل حول محاولة إعادة تموضع “الورقة اللبنانية” في التفاوض الإقليمي، ثم ملف النازحين وتجمعاتهم داخل العاصمة بيروت، خصوصاً في مناطق مكتظة مثل بشارة الخوري. هذه العناوين، رغم اختلافها الظاهري، تعكس في العمق سؤالاً واحداً: إلى أي مدى ما زال لبنان دولة قادرة على ضبط قرارها الداخلي وحدودها الأمنية والاجتماعية؟ تهديدات نعيم قاسم الأخيرة لم تكن مجرد خطاب سياسي داخلي، بل جاءت في سياق إقليمي متوتر يرتبط بمسار التفاوض حول مستقبل الجنوب اللبناني، وتطبيق القرار 1701، وإعادة رسم قواعد الاشتباك بعد الحرب الأخيرة. في هذا الإطار، يمكن قراءة الخطاب كرسالة مزدوجة: داخلياً، تأكيد أن ملف السلاح والدور العسكري للحزب لا يزال خارج أي تسوية داخلية منفردة، وخارجياً، الإشارة إلى أن أي ترتيبات تخص لبنان لا يمكن فصلها عن إيران ودورها في المنطقة. هذا ما يعيد طرح فكرة أن “الورقة اللبنانية” يريد حزب الله إعادتها إلى ايران بالكامل وسحبها من يد الدولة اللبنانية. من هنا، يصبح لافتاً أن الرد السياسي المباشر لم يأتِ من الداخل اللبناني بشكل قوي، بينما برز موقف وزير الخارجية الأميركي باعتباره الأكثر وضوحاً. هذا التفاوت في الردود يعكس حقيقة دقيقة في النظام اللبناني: الدولة تتجنب التصعيد الداخلي المباشر في الملفات السيادية الحساسة، في حين تعتبر الولايات المتحدة أن أي تهديد للاستقرار أو للمسار الدبلوماسي هو مساس مباشر بمصالحها وبالدور الذي تلعبه في إدارة التوازنات الإقليمية. في المقابل، لا يمكن فصل هذا المناخ السياسي عن الواقع الاجتماعي والأمني داخل العاصمة اللبنانية. فبيروت نفسها تعيش تحت ضغط مزدوج: ضغط الانقسام السياسي الإقليمي، وضغط التدهور الاجتماعي والاقتصادي الداخلي. وفي هذا السياق، يبرز ملف تجمعات النازحين في مناطق مثل بشارة الخوري كأحد مظاهر هشاشة الدولة في إدارة المجال العام. التجمعات العشوائية على جوانب الطرق وفي الأحياء المكتظة لا يمكن التعامل معها فقط كقضية إنسانية أو فقط كقضية أمنية. فهي نتيجة مباشرة لغياب سياسة دولة واضحة لإدارة النزوح داخل المدن، وغياب قدرة بلدية وإدارية على تنظيم الفضاء الحضري في العاصمة. ومع الوقت، تتحول هذه التجمعات إلى بيئات ضغط اجتماعي: ازدحام، ضعف خدمات، احتكاك يومي مع السكان، وغياب رقابة تنظيمية فعالة. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود هذه التجمعات بحد ذاتها، بل في البيئة العامة التي تحيط بها: دولة مأزومة، انقسام سياسي حاد، ضغط اقتصادي خانق، وتوتر إقليمي مفتوح. في مثل هذه الظروف، أي فراغ إداري أو اجتماعي يمكن أن يتحول إلى نقطة هشاشة قابلة للاستغلال أو الانفجار عند أول أزمة. هنا يصبح الربط بين المستويين السياسي والأمني والاجتماعي ضرورياً. فحين تتصاعد الرسائل السياسية من أطراف إقليمية وداخلية حول مستقبل القرار اللبناني، وفي الوقت نفسه تتراجع قدرة الدولة على ضبط تفاصيل الحياة اليومية في العاصمة، يتشكل مشهد واحد عنوانه الأساسي: تآكل تدريجي لمفهوم الدولة المركزية. ومع ذلك، من غير الدقيق توصيف الوضع بأنه انهيار أو “قنبلة موقوتة” حتمية. فلبنان، رغم كل أزماته، لا يزال يمتلك هامش استقرار نسبي ناتج عن توازنات داخلية وإقليمية معقدة تمنع الانفجار الشامل. لكن هذا الاستقرار هش، وأي تداخل بين التصعيد السياسي من جهة، والتدهور الاجتماعي من جهة أخرى، يمكن أن يرفع منسوب المخاطر بشكل كبير. في الخلاصة، تهديدات نعيم قاسم تعكس استمرار الصراع على تعريف من يملك القرار في لبنان، فيما تكشف تجمعات النازحين في بيروت عن حدود قدرة الدولة على إدارة شؤونها اليومية. وبين هذين المستويين، يظهر لبنان كدولة تعمل ضمن مساحة ضيقة جداً بين السيادة المنقوصة والضغوط الداخلية المتراكمة، ما يجعل أي ملف صغير قابلاً لأن يتحول إلى عنوان أزمة أكبر إذا لم تتم معالجته ضمن رؤية شاملة للدولة لا للمحاور.