Levant Time logo

Articles

News feature image
تكريم
Author portrait
By ميشال حاجي جورجيو
Published سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
Author portrait
By منى فياض - Published سبتمبر 5, 2026 - 20:01
News feature image
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
Author portrait
By يوسف معوض - Published سبتمبر 5, 2026 - 13:25
News feature image
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
More Articles
Sort By: NewestOldest
بكركي تمنح زوجات الكهنة المتزوجين هويةً ومكانة

في خطوة تشكّل ثورة هادئة وراقية داخل الكنيسة المارونية، قررت بكركي منح زوجات الكهنة المتزوجين هوية واضحة ومحددة، ليتكرّس رسميّاً دور «الخورية». ريتا، بوليت، ناديا، نور، شارلوت، ودنيا... نساء يجمع بينهنّ ارتباطهنّ بكهنة موارنة. هنّ «الخوريات»، اسم محبب درجنَ على حمله دائماً محبّةً وتقديراً. وفي السادس عشر من أيار الحالي، عشنَ فرحة المشاركة في اللقاء الوطني الأول لزوجات الكهنة في الكنيسة المارونية، وهو الحدث الذي كرس اعترافاً رسمياً بهويتهنّ، مع التأكيد على أنّهن جزء لا يتجزأ من المسيرة الكهنوتية لأزواجهنّ. وفي رسالة وجهها إلى الجمع، أشار الكاردينال ماريو غريتش إلى البُعد المزدوج الذي تجسده هذه المبادرة: الوفاء للتقليد الشرقي العريق للكنيسة المارونية، والانفتاح في الوقت عينه على المكانة والدور الريادي اللذين ينبغي للمرأة أن تضطلع بهما في المجتمع المعاصر. هذا اللقاء، الذي يُعدّ سابقة تاريخية، جاء بثمرة جهود مشتركة وتنظيم من أبرشية أنطلياس المارونية برئاسة المطران أنطوان بو نجم، واللجنة البطريركية المعنيّة بمتابعة السينودس من أجل كنيسة سينودسية (تشاورية) برئاسة مطران البترون منير خيرالله. وحمل اللقاء عنوان: «دعوة ورسالة الخورية في الكنيسة». وشكّل هذا الحدث لـ154 زوجة كاهن حضرنَ اللقاء، هديّةً كبرى ترجمت اعترافاً كنسيّاً ومجتمعيّاً بدورهنّ، وضمانةً لتوفير إعدادٍ مستمرة لهنّ. «لقد كان من بين الحاضرين زوجة كاهن، ابنها بدوره كاهن متزوج»، تروي ريتا أبو متري (49 عاماً) بابتسامة وعفوية. تشغل ريتا منصب منسقة مجموعة زوجات الكهنة في أبرشية أنطلياس، وهي الهيئة التي أدت دوراً محوريّاً في تحويل هذا اللقاء الوطني الأول إلى حقيقة ملموسة. وتضيف ضاحكة: «أقدم الحاضرات كانت تحتفل بمرور خمسين عاماً على زواجها، في حين أن أحدثهنّ عهداً بالزواج لم يمر على زفافها سوى أسبوع واحد!» وتقرّ ريتا بأنّ عدد «الخوريات» في لبنان أعلى بكثير، لافتةً إلى أنّ ثمّة نقصاً حتى الآن في البيانات الدقيقة حول هذا الموضوع. ولا يحتاج دور الكهنة الموارنة في المجتمع اللبناني إلى تأكيد أو إبراز، سواء في المدن أو في البلدات والقرى. فزواجهم يشكّل جزءاً لا يتجزأ من التقليد الماروني، وغالباً ما يُنظر إليه كعنصر استقرار ونموّ عائلي ووحدة. وهم يتمتعون داخل الكنيسة المارونية بوضع خاص؛ إذ يُحدَّد خيارهم بين الزواج أو التبتل قبل السيامة الكهنوتية . وإذ يخدمون ككهنة أبرشيات، فلا يمكنهم، بصفتهم متزوجين، الترقية إلى الدرجة الأسقفية، كما لا يحق لهم الاقتران مجدداً في حال وفاة الزوجة. أما في الغرب، فقد سمح البابا فرنسيس بوجودهم وسيامتهم، نظراً لتزايد حضورهم وبفعل موجات الهجرة التي تدفعهم إلى خارج الشرق الأوسط. ريتا، وهي ممرضة مجازة، وزوجها الخوري جورج أبو متري، خادم رعية مار ميخائيل في بيت الشعار (المتن)، رزقا بثلاثة أولاد: شابان في الخامسة عشرة والثامنة عشرة من العمر، وفتاة في الحادية عشرة. وقد تعارفا حين كان جورج يستعد للكهنوت في إكليريكية غزير (كسروان). وتشمل الخلفية الجامعية لزوجها إدارة الفنادق، والمرافقة الروحية، والفلسفة. ولم يتسلل إلى علاقتهما أي شعور بالذنب أو التردد؛ إذ كان الأب جورج قد اختار الزواج منذ تلك المرحلة، في ختام مسيرة تمييز روحي قادها برفقة مرشده الروحي. «ترك الله من أجل الله» بالنسبة إلى هذين الزوجين، لا تعارض بين الدعوتين الزوجية والكهنوتية. وتتجسد إحدى «القواعد الذهبية» في حياتهما المشتركة في ميزة المرونة، وهي القاعدة نفسها التي أرساها القديس منصور دي بول لراهبات «أخوات المحبة»: «ثمة ظروف لا يمكننا فيها الالتزام بجدول الأعمال اليومي (...). فالمحبة تعلو فوق كل القواعد (...). إن الله يدعوكم إلى الصلاة، لكنه في الوقت عينه يدعوكم لمساعدة هذا المريض المسكين؛ وهذا ما يُسمّى ترك الله من أجل الله». وتعلّق ريتا قائلة: «إنها قاعدة مرنة تمنح الحرية. فكأيّ أمّ، أجد نفسي أحياناً مضطرة إلى مغادرة القداس قبل انتهائه للاعتناء بالأولاد، أو الغياب عن أحد الاجتماعات إذا استدعت الضرورة القصوى ذلك. وفي المقابل، يتعين عليّ ممارسة قدر كبير من التحفظ في علاقاتي مع مختلف اللجان الاجتماعية أو الخيرية في الرعية، والمنظمات الشبابية، والتحضيرات السنوية للمناولة الأولى، ولجان السيدات، والروابط مع الوسط المدرسي، وغيرها». وتتابع: «إن شراكتنا هي التي تقود العائلة نحو النمو والازدهار». وتَعني هذه الكلمة بالنسبة إلى ريتا أن الدعوتين تُبنيان وتُعاشان معاً، وأنهما يشكلان معاً فريقاً راعوياً متكاملاً، من دون أن تؤدي هذه التوليفة إلى خلق تراتبية مغلوطة داخل العلاقة الزوجية. فثمة توازن دقيق ينبغي إيجاده في الخدمة المتبادلة التي يقدمانها؛ مع الإدراك التام بأن الأولوية تكمن في إنجاح العمل الكهنوتي للأب جورج وجعله مثمراً، من دون أن ينتهي بهما المطاف بزواجهما إلى العزلة والإرهاق، أو إلى إهمال الأولاد. وتؤكد ريتا: «على العكس من ذلك، إن تفاهمنا ينعكس إيجاباً على علاقة زوجي بأبناء الرعية. فإذا شحن الأجواء أي توتر، وهذا أمر طبيعي، أو بدا عليه الإرهاق الشديد، تنعكس الأمور سلباً، ويلحظون ذلك على الفور. ومن جهة أخرى، تمنح عائلتا الكبيرة والصغيرة الأولوية لجدول أعمال جورج، ونعيد تنظيم مواعيدنا بناءً عليه، والأولاد أيضاً يتأقلمون مع هذا الوضع». إلا أن ريتا توضح أنه في المرحلة الأولى من زواجها، واضطرارها إلى رعاية أطفالها في سن مبكرة، توجّب عليها الاستغناء عن عقد عملها في أحد مستشفيات بيروت الكبرى. وكان عليهم الاعتماد، خلال تلك السنوات، على راتب زوجها كمعلم، إذ كان يعطي دروساً في التنشئة المسيحية ويقدم مرافقة روحية في مدرستين مختلفتين. ومن المتعارف عليه أيضاً في الرعايا المارونية أن يتقاضى الكاهن راتباً، لكن هذا المبلغ غير موحد ويختلف بحسب إمكانات كل رعية. وفي أفضل الأحوال، لا يتعدى هذا الراتب الـ600 دولار شهرياً. في حين أن بعض الرعايا قد تخفض هذا المبلغ ليتحول إلى ما يشبه المساعدة الرمزية بقيمة 100 دولار شهرياً، معتبرة أن بإمكان الكاهن تأمين مداخيل إضافية من خلال الخدم التي يحتفل بها كالعماد والزواج والمآتم. ومع ذلك، تؤمّن الكنيسة المارونية عادةً السكن للكاهن من خلال الرعية، كما يستفيد أولاده من التعليم المجاني، ويحظى بتغطية طبية واستشفائية وصندوق للتقاعد من خلال الأبرشية التابع لها. « لا يهم إن كان الكاهن عازباً أم متزوجاً، فالمهم ألا ينظر إلى الوراء، بل أن يحمل نير الخدمة ويتبع المسيح بفرح»، هذا ما يشدد عليه المطران بول ناهد، وهو نفسه كاهن متزوج والأمين العام للجنة البطريركية لمتابعة سينودس السينودسية. الكاردينال غريش: «دعوة حقيقية» استُقبلت المشاركات في هذا اللقاء برعاية ومواكبة من البطريرك الراعي، والمطران منير خير الله (راعي أبرشية البترون والمكلف بمتابعة سينودس السينودسية)، والمطران أنطوان بو نجم (راعي أبرشية أنطلياس)، والأب بول ناهد. وقد استمعن إلى رسالة متلفزة عبر الفيديو من الكاردينال ماريو غريش، الأمين العام لسينودس الأساقفة في روما، وصفها الأب ناهد بأنها «مدهشة في انفتاحها». وقال الكاردينال غريش في رسالته: «إن دعوتكنّ، على الرغم من كونها مفاجئة، أتاحت لي تقدير قيمة المسيرة التي تنتهجها كنيستكنّ لضمان الأمانة لتقليدها الخاص (...). وبما أن تقليد الكنائس الشرقية شدّد، على مر العصور، على أهمية وجود كهنة متزوجين، فإنه من الأساسي في عصرنا الحالي، وأمام التحولات الاجتماعية والثقافية المتزايدة، اعتبار أن النساء يضطلعن بدور أكثر تلاؤماً مع قدراتهن الهائلة؛ ويجب أن يكون هذا الدور قادراً على مواكبة المسيرة الكهنوتية بالكامل، بل وأن يصبح جزءاً لا يتجزأ منها لا مجرد دور ثانوي». وتوجه الكاردينال غريش مباشرة إلى الزوجات المشاركات في اللقاء قائلاً: «كنّ أمينات لدعوتكنّ، فهي بالفعل دعوة حقيقية. عشن إلى جانب أزواجكنّ ككهنة، وقدمن لهم قدراتكنّ وذكاءكنّ، وقبل كل شيء إيمانكنّ ورجاءكنّ ومحبتكنّ؛ هذه المحبة التي تستمد قوتها من العطية الرائعة التي وهبكنّ الله إياها: أن تصرن أمهات في حضن الجماعة الكنسية». وبعد توزيعهنّ على مجموعات صغيرة، اختبرت السيدات الحاضرات تجربة «المحادثة الروحية»، وهي مساحة للمشاركة والإصغاء لما يقوله الروح القدس للكنيسة من خلال جماعة المؤمنين. كما تسنى لهنّ التحدث مع البطريرك الراعي، الذي أجاب بصبر عن الأسئلة الكثيرة التي ركزت على الجوانب العملية لواقعهنّ، ولا سيما مسألة الترمل. وستتولى لجنة متخصصة متابعة هذا اللقاء وإعداد برنامج تنشئة كتابية وراعوية. وتختم ريتا أبو متري بالقول: «كانت روح الإصغاء والتمييز والمشاركة هي السائدة في هذا النهار، مما عكس أجواءً روحية تجلّت للمشاركات كعنصرة جديدة».

عبد ربّه منصور... جانب من المأساة اليمنيّة

تكمن مأساة اليمن، في جانب منها طبعا، في وصول شخصية من نوع عبد ربّه منصور هادي إلى السلطة في مرحلة معيّنة وما ارتكبته هذه الشخصيات من أخطاء في مرحلة ما قبل الوحدة وما بعدها. في المرحلة الراهنة، صار ممكنا الكلام عن بلد متشظّ يبحث عن صيغة لإعادة تركيبه... هذا إذا كانت إعادة تركيب البلد المهمّ من الناحية الإستراتيجية، والذي تتحكّم إيران بجزء منه، ممكنة. لم يكن عبد ربّه منصور، الذي غيّبه الموت قبل بضعة أيام، سوى تعبير عن السياسي الآتي من المؤسسة العسكرية بثقافة أقلّ من متواضعة لا تؤهلّه لحكم بلد شديد التعقيد مثل اليمن. جاء الرجل إلى موقع الرئاسة بعدما امضى أربعة عشر عاما نائبا لرئيس الجمهوريّة علي عبدالله صالح الذي اغتاله الحوثيون لاحقا عندما لم يعد رئيسا. خلف عبد ربّه علي عبدالله صالح الذي اضطر إلى الإستقالة في شباط – فبراير 2012. بقي رئيسا حتّى نيسان – ابريل 2022. وقتذاك، اكتشفت الدول المؤثرة في اليمن أنّ عبد ربّه لا يصلح لقيادة البلد. كان لا بدّ من الإتيان بمجلس القيادة الرئاسي الذي يضمّ ثمانية أعضاء على رأسهم الدكتور رشاد العليمي الذي يبدو واضحا أنّه يمتلك إداء أفضل، ولو بقليل، من عبد ربّه. كيف وصل الراحل إلى موقع الرئيس في 2012 وقبل ذلك موقع نائب الرئيس في 1994؟ الأهمّ من ذلك كلّه، لماذا تحوّل عبد ربّه منصور جزءا من المأساة اليمنيّة بفعل الأخطاء التي ارتكبها والتي لا مجال لسردها كلّها نظرا إلى أنّ عددها كبير جدا؟ قبل كلّ شيء، لا بدّ من الإشارة إلى عبد ربّه منصور كان من محافظة أبين الجنوبيّة. كان محسوبا على الرئيس اليمني الجنوبي السابق علي ناصر محمّد (وهو من أبين أيضا) الذي أخرجه خصومه من السلطة في ما سميّ "احداث يناير" من العام 1986. لجأ عبد ربّه، الذي شغل في الجنوب موقع نائب رئيس الأركان، إلى صنعاء إثر سقوط علي ناصر. صيف العام 1994، انضمّ عبد ربّه إلى المجموعة الجنوبيّة المحيطة بعلي عبد الله صالح إثر الخلاف الذي وقع بينه وبين علي سالم البيض زعيم الحزب الإشتراكي الذي أراد العودة عن الوحدة. أدى ذلك إلى حرب شعواء هُزم فيها الحزب الإشتراكي. مكّن ذلك عبد ربّه من الوصول إلى موقع نائب الرئيس بعدما ذهب بعيدا في دعم علي عبدالله صالح في حربه مع خصومه الإنفصاليين. سألت علي عبدالله صالح، وقتذاك، كيف يمكن أن يختار شخصا مثل عبد ربّه منصور نائبا له، خصوصا أنّه لا يمتلك أي مؤهلات من أي نوع؟ فأجابني بالحرف الواحد: "اريد شخصا لا يعمل مشاكل" في ضوء تجربتي مع علي سالم البيض، نائب رئيس مجلس الرئاسة بعد الوحدة، الذي وصفه بالشخصية "المعقدة" التي ارادت ان تكون "شريكا" في السلطة. بقي عبد ربّه منصور شخصا هامشيا طوال شغله موقع نائب رئيس الجمهوريّة. كان عليه تحمّل علي عبدالله صالح الذي تحوّل شيئا فشيئا إلى رئيس مزاجي يغضب من دون سبب على مساعديه. مع إضطرار علي عبدالله صالح إلى الإستقالة مطلع 2012، ظهر عبد ربّه منصور كشخصية من نوع آخر. لم يوفّر أي طريقة للإنتقام من سلفه مركّزا بشكل خاص على رفض الرد على مكالماته من جهة وعلى تفكيك المؤسسة العسكرية من جهة أخرى. كان هدفه القضاء على أي نفوذ للرئيس السابق ونجله العميد أحمد داخل المؤسسة العسكريّة. كانت النتيجة القضاء على أي أمل بإعادة تركيب الجيش اليمني. من حيث يدري أو لا يدري، وضع عبد ربّه نفسه في خدمة الحوثيين وذلك عندما رفض التصدي لهم في محافظة عمران، في طريقهم إلى صنعاء صيف 2014. نصحه علي عبدالله صالح بوقف الحوثيين في عمران نظرا إلى أن سقوطها يعني سقوط صنعاء. أرسل اليه أربعة مبعوثين، بينهم يحيى الراعي وعارف الزوكا، مع رسالة واضحة في هذا الشأن. لكنّ عبد ربّه رفض النصيحة قائلا أنّه "يرفض تصفية حسابات علي عبدالله صالح مع الحوثيين". ما حصل بالفعل أن عبد ربّه غطّى تقدّم الحوثيين وسيطرتهم على العاصمة اليمنيّة في 14 أيلول – سبتمبر 2014. في كلّ ما فعله عبد ربّه منصور، لم يمتلك حدّا أدنى من الثقافة السياسيّة التي تسمح له بأنّ يحكم اليمن. ذهب إلى توقيع "إتفاق السلم والشراكة" مع الحوثيين بعيد وضع هؤلاء يدهم على صنعاء. وقّع الاتفاق الذي حضره ممثل للأمم المتحدة موفّرا للحوثيين شرعية كانوا في أشد الحاجة إليها. لم يمنع ذلك الحوثيين من وضعه في الإقامة الجبريّة. لم يخرج من الإقامة الجبريّة في صنعاء إلّا بفضل وساطة لعبت فيها سلطنة عُمان دورا مهما عندما جعلت الحوثيين يتغاضون عن عملية فراره إلى عدن. كان عبد ربّه منصور، في نهاية المطاف، جزءا من المأساة اليمنية. رجل لا علاقة له بالسياسة يتولى شؤون بلد يمرّ في أزمة مصيريّة افتعلها الإخوان المسلمون الذين أرادوا اقتلاع علي عبدالله صالح بغية الحلول مكانه. لم يكن علي عبدالله صالح ملاكا. كانت لديه أخطاء كثيرة، لكنّ الإخوان المسلمين الذين انقلبوا عليه لم يدركوا أنّهم يلعبون لعبة الحوثيين. لم يفكّر هؤلاء لحظة في مرحلة ما بعد علي عبدالله صالح. من سوء حظ اليمن أن يوجد على رأسه في مرحلة معيّنة رئيس من طينة عبد ربّه منصور هادي. كان اليمن يستأهل شخصا أفضل من ذلك، يعرف ولو القليل عن اليمن نفسه وعن محيطه وعن أنّ الإنتقام لا يصلح لأن يكون سياسة وذلك على الرغم من كلّ الإهانات ذات الطابع الشخصي التي تعرّض لها...

الضاحية الجنوبية في توازن قلق

انطلقت في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، مساء الثلاثاء، الجولة الرابعة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، على وقع توتر محتدم في جنوب لبنان، حيث يواصل الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية محرزاً مزيداً من التقدم الميداني، لا سيما في مناطق شمال نهر الليطاني. ومن المقرر أن تستكمل هذه المحادثات، التي يشارك فيها عن الجانب اللبناني السفير السابق سيمون كرم، أعمالها الأربعاء في العاصمة الأميركية. ميدانياً، شنّ الطيران الإسرائيلي طوال يوم الثلاثاء وفترات من الليل سلسلة غارات جوية استهدفت مواقع ومستودعات للأسلحة والذخيرة في قرى عدة تابعة لأقضية صور وبنت جبيل والنبطية، ولم تسلم مدينتا صور والنبطية من هذه الضربات. وفي نهاية اليوم، أفاد الجيش الإسرائيلي برصد "عشرات من مسلحي حزب الله" الذين تراجعوا وتحصنوا داخل الحي المسيحي في مدينة صور. إلا أن ملف الضاحية الجنوبية لبيروت استأثر دون غيره باهتمام الأوساط السياسية والدبلوماسية يوم الثلاثاء. فالصيغة التي انتزعها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ربع الساعة الأخير مساء الإثنين، إثر اتصالات عاجلة أجراها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس جوزيف عون، تنص على أن تعلّق إسرائيل هجومها الجوي الذي كان وشيكاً على الضاحية الجنوبية، مقابل وقف حزب الله إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل. وبذلك، ترتكز التهدئة التي هندسها الرئيس الأميركي على معادلة "الضاحية الجنوبية مقابل شمال إسرائيل". وفي هذا السياق، أكد نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس بوضوح الثلاثاء، أنه في حال استأنف الحزب الموالي لإيران قصف الأراضي الإسرائيلية، فإن الدولة العبرية سترد باستهداف مواقع حزب الله في الضاحية الجنوبية. وهو طرح سارع مسؤول رفيع في التنظيم الشيعي إلى رفضه الثلاثاء، مؤكداً أن الحزب لن يقبل بصيغة وقف إطلاق نار جزئي، ويصر على وقف شامل ودائم للأعمال العدائية؛ وهو موقف يتقاطع تماماً مع موقف السلطة اللبنانية التي ستدافع عنه في مفاوضات واشنطن. بناءً على ما تقدم، يبدو جلياً أن الضاحية الجنوبية باتت تعيش في توازن قلق، في ظل استمرار العمليات العسكرية التي يقودها الجيش الإسرائيلي في الجنوب، الأمر الذي قد يؤدي إلى رد فعل من جانب حزب الله باتجاه إسرائيل. وفي هذا الإطار، يُذكر أن تل أبيب أعلنت في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، أن إحدى وحدات الكوماندوس التابعة لها قد انتشرت شمال نهر الليطاني، وتحديداً في قطاع بلدة زوطر. أما التطور الآخر الذي استأثر باهتمام وسائل الإعلام والصحافة في الولايات المتحدة وإسرائيل يوم الثلاثاء، فتمثّل في الأجواء التي أحاطت بالاتصال الهاتفي يوم الإثنين بين الرئيس ترامب ونتنياهو. وفي هذا السياق، أكدت إحدى القنوات التلفزيونية في تل أبيب، مساءً، أن النقاش بين الزعيمين كان متوتراً للغاية، بينما كشف موقع إلكتروني أميركي، صباح الثلاثاء، أن سيد البيت الأبيض تحدث بنبرة جافة وخالية من الود تجاه رئيس الوزراء الإسرائيلي. وأشارت القناة المذكورة إلى أن الأوساط المقربة من نتنياهو أكدت صباح الثلاثاء أن محادثة الإثنين شكلت الاتصال الأكثر تشنجاً بين الرئيس الأميركي ورئيس الوزراء الإسرائيلي منذ بدء الولاية الثانية لدونالد ترامب قبل نحو عام ونصف العام. وكان من المقرر أن يعقد نتنياهو، مساء الثلاثاء، اجتماعاً لفريقه الوزاري لتقييم الأوضاع الراهنة في المنطقة. يبقى الإشارة إلى أن مجلس الأمن الدولي عقد ليل الإثنين جلسة استثنائية، بناءً على طلب فرنسا، لبحث التدهور العسكري الخطير في لبنان.

لبنان في عين العاصفة
By
نجيب زوين
Published

لعقود طويلة، كانت إسرائيل تنتظر اللحظة المناسبة لتصفية ما تعتبره تهديداً لمشروعها، سواء كان فلسطينياً، لبنانياً، أو مرتبطاً بالمشروع الإقليمي الإيراني. والى جانب الاستعداد العسكري، عملت على تهيئة الظروف الدبلوماسية والإعلامية لتأمين غطاء دولي لمعركة كبرى تهدف إلى إعادة رسم وجه الشرق الأوسط. وعندما انطلقت عملية "طوفان الأقصى" في السابع من تشرين الأول، روّجت حكومة بنيامين نتنياهو لخطاب "الخطر الوجودي"، مستفيدة من اصطفاف القوى الغربية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية. فكانت تلك الفرصة التاريخية التي انتظرها نتنياهو ليطلق آلة الحرب المدمرة ليس ضد حماس فحسب، بل ضد كل من يمكن تصنيفه حليفاً أو مسانداً لها. في خضم هذا المخطط، ارتكبت ايران خطيئتها الأولى بإصدار قرار زج لبنان في الحرب عبر حزباللا في ما سُمي "جبهة المساندة" في الثامن من تشرين الأول. يومها، لم تخفِ إسرائيل نواياها بل حذرت بوضوح من أن الجنوب اللبناني قد يتحول إلى "غزة ثانية" ثم تلتها الخطيئة الثانية عندما توسعت المواجهة وتحولت إلى معركة مرتبطة بحسابات إيرانية مباشرة للأخذ بثأر مقتل الخامنئي، لا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية أو بأمن اللبنانيين ومستقبل الجنوب. ويظهر اليوم الواقع الكارثي للعيان؛ فمقابل كل آلية إسرائيلية تصاب، تُمحى قرية بأكملها من الوجود، ويُهجّر أهلها، ويُقتل أبناؤها. لقد بات واضحاً أن لبنان يدفع ثمن صراع مشروعين خارجيين: إسرائيل التي ترفض النموذج اللبناني الحضاري، التعددي والمزدهر، وإيران التي تسعى لإبقاء لبنان ساحة متقدمة وخط دفاع أول عن ثورتها الإسلامية. وسط هذا المشهد المصيري، أطلق فخامة رئيس الجمهورية مبادرة شجاعة وجريئة لم يجرؤ أحد قبله على اتخاذها، واضعاً نصب عينيه إنقاذ البلاد وإعادة القرار إلى الدولة. وتكاملاً مع هذا الموقف، أكد دولة رئيس مجلس الوزراء أن طريق الحوار والتفاوض المباشر، برغم صعوبته وتعقيداته، يبقى المسار الواقعي الوحيد لتجنيب اللبنانيين المزيد من النزف والدمار. وما يبعث على الأمل اليوم هو تلك الصرخة الأصيلة التي ارتفعت من تحت الركام والرماد في جنوبنا الصامد. إنه صوت الجنوبي الأصيل الذي يرفض الموت المجاني، ويرفض أن تكون قراه وأبناؤه وقوداً لحروب الآخرين أو تضحية في سبيل حسابات إقليمية. هذا الصوت يطالب صراحة بالحضور الفعلي والكامل للدولة، وبحصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية والالتفاف حول الجيش اللبناني باعتباره المرجعية الوحيدة للأمن والسيادة. أمام هذا الواقع، لم يعد ممكناً التعويل على وعي أو ضمير جهات محليّة لا تزال تمارس المراوغة والتقية مع علمها اليقين بأنها خاسرة سلفاً. إن سياسة تدوير الزوايا، والمكابرة، وتعطيل الحلول الوطنية في هذه الظروف المصيرية لم تعد مجرد خطأ سياسي، بل أصبحت وجهاً من وجوه التخلي عن المسؤولية الوطنية، بل خيانة بحق الشعب والوطن. إن دعم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ومساندة هذه التوجهات الإنقاذية، والوقوف بقوة خلف الجيش اللبناني لم يعد خياراً سياسياً عادياً، بل أصبح واجباً وطنياً وأخلاقياً يفرض نفسه على الجميع. ويكبر التساؤل ويطرح النداء: أين قوى التغيير؟ أين ثوار السابع عشر من تشرين؟ أين أبناء ثورة الأرز وكل المؤمنين بالسيادة والحرية؟ لماذا لا تتوحدون اليوم حول صرخة أهلكم في الجنوب؟ ولماذا لا تقفون صفاً واحداً بوجه الغاصب والمغتصب لدعم مشروع بناء الدولة؟ لقد حانت لحظة الحقيقة والاختيار الحاسم: فإما الاتجاه نحو دولة سيّدة، حرة، قادرة، تحتكر قرار الحرب والسلم وتحمي أبناءها، وإما البقاء في دوامة الانهيار والتدمير، وترك الوطن رهينة للمشاريع الخارجية المتصارعة على أرضه.

اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في مرمى النيران الإقليمية

أعادت التصريحات الإسرائيلية، التي تلوّح بإمكانية مراجعة اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع لبنان، طرح تساؤلات ملحة حول مدى متانة هذا التفاهم الذي وُصف، منذ إبرامه عام 2022، بأنه آلية استقرار بين بيروت وتل أبيب. وعلى الرغم من الحرب التدميرية التي انجرّ إليها لبنان عبر "حزب الله"، لا يزال الاتفاق صامداً حتى اللحظة. إلا أن التحولات الجذرية في المشهد الإقليمي، ولا سيما أزمة الطاقة المنبثقة من كباش المحاور الإيراني-الأميركي حول مضيق هرمز، تجعل من التساؤل حول استمرارية الاتفاق أمراً مشروعاً. وفي هذا السياق، ترى لوري هايتايان، الخبيرة في حوكمة النفط والغاز في الشرق الأوسط ومديرة منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في معهد حوكمة الموارد الطبيعية (NRGI)، أن «التهديدات الإسرائيلية تندرج في إطار الضغط السياسي أكثر مما هي استراتيجية قطيعة فعلية». وتستبعد هايتايان احتمال إلغاء الاتفاق البحري، حتى في ظل انخراط لبنان حالياً في مفاوضات سلام مباشرة مع إسرائيل، وبالتوازي مع مبادرات مماثلة مرتقبة ضمن "اتفاقات أبراهام" بين دول عربية والدولة العبرية، برعاية أميركية مستمرة. واعتبرت أن خطوة كهذه ستكون «غير منسجمة» مع مسار المفاوضات المباشرة، خصوصاً وأن واشنطن لعبت دوراً محورياً في انتزاع اتفاق 2022 الذي جاء ثمرة وساطة شاقة استمرت عامين. وتذكّر هايتايان بأن «المفاوضات انطلقت عام 2020 تحت مظلة إدارة ترامب، قبل أن تستكمل في عهد الرئيس الديمقراطي جو بايدن، الذي عين آموس هوكشتاين وسيطاً». وقد أثمرت جهود الأخير المكثفة اتفاقاً وُقّع في تشرين الأول 2022 في ظل حكومة يائير لابيد. وحينها، توعد بنيامين نتنياهو، الذي كان في صفوف المعارضة، بإلغاء الاتفاق في حال عودته إلى السلطة؛ إلا أنه وبعد فوزه في الانتخابات التي تلت التوقيع بأسابيع قليلة، اختار في نهاية المطاف الحفاظ عليه. قراءات متضاربة ومع ذلك، لا يزال الاتفاق مادة لتأويلات متباينة، سواء في لبنان أو في إسرائيل، بشأن توازنه القانوني والسياسي. وتذكّر لوري هايتايان أن «لبنان كان يمتلك حججاً قانونية صلبة تمكّنه من المطالبة بمنطقة بحرية أوسع، بالاستناد إلى القانون الدولي وآليات الأمم المتحدة، والتي تحدد المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية عند الخط 29». هذا الخط، الذي حظي بدعم العديد من الخبراء، لا سيما المفاوضين العسكريين اللبنانيين في المحادثات مع إسرائيل، كان من شأنه أن يوسّع نطاق المنطقة الاقتصادية الخالصة التي يطالب بها لبنان. وينطلق هذا الخط من رأس الناقورة، ويمنح لبنان الحق في مساحة إضافية تبلغ 1430 كيلومتراً مربعاً؛ وهو ترسيم وثّقه المكتب الهيدروغرافي البريطاني عام 2011 في تقرير يستند إلى حُجج قانونية مفصلة. ورغم ذلك، فإن هذه المطالبة لم تودعها الدولة اللبنانية رسمياً لدى الأمم المتحدة. وعندما تولت السلطة السياسية، متمثلة تحديداً برئيس مجلس النواب نبيه بري (الذي قاد المفاوضات في ظل غياب رئيس للجمهورية وحكومة أصيلة في لبنان)، إدارة المحادثات بدلاً من الجيش، انتهى الأمر بلبنان إلى اعتماد الخط 23 لحدوده البحرية. وينطلق هذا الخط أيضاً من رأس الناقورة، لكنه كلّف لبنان خسارة 860 كيلومتراً مربعاً، فضلاً عن حقل "كاريش" للغاز. وبناءً على ذلك، فإن هذا الخط هو الذي سجّله لبنان لدى الأمم المتحدة، وشكّل الركيزة الأساسية لاتفاق عام 2022. وتشير الخبيرة إلى أن «المفاوضين اللبنانيين اعتبروا آنذاك أن هذا الترسيم يمثّل أفضل تسوية ممكنة»، وهو تفسير لا يزال يثير جدلاً في لبنان حتى يومنا هذا. في المقابل، اعتبرت إسرائيل بدورها أنها قدمت تنازلات جوهرية. وفي المحصلة، لا تزال هناك قراءتان مختلفتان تسيران بالتوازي، دون أي التقاء حول تفسير التوازن النهائي للاتفاق. دينامية سلام محتملة في فرضية التوصل إلى اتفاق سلام بين لبنان وإسرائيل، ترجّح لوري هايتايان منطق الاستمرارية على إعادة النظر في الإطار القائم. وفقاً للخبيرة، فإن أي اتفاق سلام محتمل بين بيروت وتل أبيب «لن يغيّر بالضرورة اتفاق ترسيم الحدود البحرية المبرم سابقاً»، بل على العكس، يمكن أن يشكّل ركيزة لتعاون مستقبلي في مجال الطاقة. وإذا كان بقاء الاتفاق سارياً منذ سنوات يعطي انطباعاً بالاستقرار، إلا أنه يبدو استقراراً هشاً. وهنا تلفت هايتايان إلى أنه «إذا قررت إسرائيل إعادة النظر في الاتفاق، فبإمكان لبنان إعادة تفعيل بعض مطالبه القانونية، لا سيما تلك المتعلقة بالخط 29، بالاستناد إلى القانون الدولي والأمم المتحدة». وفي سياق متصل، تطرقت هايتايان إلى إمكانية قيام مشاريع تشارك فيها شركات دولية ناشطة في المنطقة، مستشهدة بشركة "إيني" (ENI) الإيطالية كمثال؛ حيث أوضحت أن «لدى شركة إيني خطة لتطوير مشاريع التنقيب عن الغاز في قبرص عبر بنى تحتية واقعة في مصر بهدف خفض التكاليف». إن نماذج إقليمية كهذه قد تلهم، على المدى الطويل، تعاوناً مستقبلياً في مجال الطاقة، يتبلور تبعاً لطبيعة الاتفاقات السياسية. ومع ذلك، تؤكد هايتايان أن «الديناميات الداخلية في لبنان لا تزال مشتتة، وأن المسارات المستقبلية تعتمد على الخيارات السيادية بقدر اعتمادها على الضغوط الدولية». وتذكّر بأن «العوائد الاقتصادية المرجوة للبنان لم تتبلور بعد، لا سيما جراء تداعيات حرب عام 2023»، مشيرة إلى أن ملف الطاقة يبقى مرتبطاً بأهداف التنمية. وفي هذا الإطار، تشدّد لوري هايتايان على ضرورة «أن يضع لبنان استراتيجية واضحة لتطوير موارده من النفط والغاز، خصوصاً في جنوب البلاد»، وفق رؤية تتجاوز مجرد استخراج موارد الطاقة لتشمل تحقيق الاستقرار والتنمية الإقليمية. بين المنطق الأمني والاقتصادي والمؤسساتي بيد أن أولويات مختلف الأطراف الضالعة في هذا الملف تبدو متباينة؛ فبحسب هايتايان، «تمنح الولايات المتحدة الأولوية للجانب الاقتصادي، بينما تركز إسرائيل على البعد الأمني، في حين يتعين على لبنان محاولة الجمع بين هذين البعدين». كذلك، تشدّد الخبيرة على ضرورة «أن تقود الدولة اللبنانية مفاوضات (السلام) حصراً ضمن إطار مؤسساتي واضح». وترى أنه من الضروري ألّا يكون "حزب الله" ضالعاً بشكل غير مباشر في المحادثات، كما حصل في نقاشات اتفاق عام 2022، «نظراً للتنازلات التي قدمها بشأن حقل كاريش». يذكر أن جزءاً من هذا الحقل يقع ضمن مساحة الـ 1430 كيلومتراً مربعاً التي يحدها الخط 29، والتي كان الخبراء العسكريون يطالبون بها قبل أن تتنازل عنها السلطة السياسية. قطاع طاقة قيد التبلور يحتضن لبنان اليوم عدة شركات دولية ملتزمة بعقود استكشاف في البلوكات البحرية (offshore)، ومن بينها "توتال إنيرجيز" و"قطر للطاقة" و"إيني". ومع ذلك، لا تزال النتائج محدودة، ولم يُسجل بعد أي تقدم ملموس على صعيد الاكتشافات القابلة للاستخراج التجاري، لا سيما في البلوك رقم 9 من حقل "قانا" الواقع شمال الخط 23. وتلاحظ هايتايان أن «هذه الأطراف الدولية تعمل وفق استراتيجيات عالمية، لا يحلّ فيها لبنان دائماً كأولوية ملحة». في هذا السياق يبرز تنويع الشراكات في قطاع الطاقة كأحد التحديات الأساسية أمام لبنان. وتؤكد هايتايان أن «التحدي الأساسي يكمن في جذب الشركات الأميركية»، وهو هدف قد تسهم المفاوضات المباشرة الجارية بين تل أبيب وبيروت في تسهيله. مضيق هرمز تضيف التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران ومضيق هرمز بُعداً جيواستراتيجياً إضافياً إلى ديناميات الطاقة في المنطقة. فما زال هذا الممر المائي يشكّل شرياناً حيوياً لصادرات الغاز لعدد من دول المنطقة، لا سيما دول الخليج، وأي اضطراب في حركته قد يدفع نحو البحث عن مسارات بديلة. وفي هذا السياق، توضح لوري هايتايان أن «بعض الأطراف، ومنها شركة "قطر للطاقة" الناشطة بالفعل في لبنان، قد تجد نفسها مضطرة لتعديل استراتيجياتها الاستثمارية». وتشدد الخبيرة على «ضرورة التنسيق المؤسساتي في لبنان، لا سيما بين وزارتي الطاقة والاقتصاد ورئاسة الجمهورية، من أجل بلورة رؤية موحدة في قطاع الطاقة». وبحسب رأيها، فإن «الاستراتيجية الوطنية بحاجة إلى حسم وتوضيح لتحديد موقع البلاد ضمن الديناميات الإقليمية». وتلفت هايتايان في هذا الصدد إلى أن «الخطاب يجب أن يكون اقتصادياً بالدرجة الأولى»، خصوصاً تجاه المستثمرين الدوليين، لا سيما الأميركيين منهم، في وقت تبقى فيه المصداقية المؤسساتية والوضوح الاستراتيجي عنصرين حاسمين لجذب الاستثمارات إلى قطاع الطاقة اللبناني.

تحركات مكثفة حول مصير الضاحية الجنوبية

تمحور الحدث الأبرز يوم الاثنين 1 حزيران/يونيو حول مصير الضاحية الجنوبية لبيروت، التي عاشت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية تحت تهديد غارات إسرائيلية وشيكة. وفي وقت متأخر من المساء، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب التوصل إلى تفاهم يقضي بوقف إطلاق النار من جانب حزب الله تجاه إسرائيل مقابل تعليق القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية، الذي كان على وشك التنفيذ. وجاء إعلان الرئيس الأميركي عبر منصته «تروث سوشال»، حيث أشار إلى أنه أجرى محادثة «مثمرة للغاية» مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وفي إشارة إلى الغارة التي كانت تبدو وشيكة على الضاحية الجنوبية، قال ترامب إن «أي قوات لن تتوجه إلى بيروت، وإن الوحدات التي كانت في طريقها إليها قد عادت أدراجها». وأضاف أن «من خلال ممثلين رفيعي المستوى، أجريت اتصالاً هاتفياً مع حزب الله، وقد وافقوا على وقف إطلاق النار، بمعنى أن إسرائيل لن تهاجمهم وهم لن يهاجموا إسرائيل». وفي وقت متأخر من المساء، أوضح مصدر أميركي مخول أن الاتصالات المتعلقة بوقف إطلاق النار جرت مع الرئيس اللبناني جوزاف عون. وكان التوتر قد تصاعد بشكل خطير صباح الاثنين عندما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، في بيان مشترك، أنهما أمرا الجيش بقصف الضاحية الجنوبية، وتحديداً مستودعات الطائرات المسيّرة والذخائر، ومراكز تصنيع المسيّرات، ومراكز القيادة التابعة لحزب الله. وبعد وقت قصير من صدور البيان، سُجل نزوح كثيف لسكان الضاحية الجنوبية، ما أدى إلى اختناقات مرورية حادة عند مخارج المنطقة. ولمنع تدهور الوضع الأمني، عمد الجيش اللبناني إلى إغلاق مداخل عين الرمانة بواسطة حواجز ثابتة. وفيما كثّف الطيران الإسرائيلي طوال النهار غاراته على مواقع تابعة لحزب الله في عدد من قرى الجنوب ــ وكانت أعنفها تلك التي دمّرت بالكامل حياً بأكمله في مدينة صور ــ باشرت السلطات اللبنانية اتصالات عاجلة للحيلولة دون تنفيذ إسرائيل تهديداتها بقصف الضاحية الجنوبية. وفي هذا السياق، أعلن رئيس مجلس النواب وزعيم حركة أمل نبيه بري أن حزب الله وافق على وقف إطلاق النار تجاه إسرائيل. وفي وقت لاحق من النهار، أعاد النظام الإيراني إطلاق مناورته الرامية إلى محاولة الإمساك بالورقة اللبنانية، مؤكداً أن أي هجوم على الضاحية الجنوبية سينعكس مباشرة على شمال إسرائيل، وداعياً سكان تلك المنطقة إلى إخلائها في حال تعرض ضاحية بيروت لغارات. كما أعلنت طهران بعد الظهر تعليق المفاوضات غير المباشرة وتبادل الرسائل مع الولايات المتحدة بسبب التهديدات الإسرائيلية. وردّ الرئيس ترامب مساءً قائلاً: «لا يهمني إذا توقفت المفاوضات مع إيران. أستطيع الانتظار طويلاً، هم الخاسرون». وقد دفعت هذه المواقف الإيرانية المتشددة، الرامية إلى منع استهداف الضاحية الجنوبية بأي ثمن، بعض المحللين إلى التساؤل عن أسباب هذا الموقف، وما الذي تخفيه هذه المنطقة من أهمية استثنائية تفسّر تمسك النظام الإيراني بها إلى هذا الحد. وفي جميع الأحوال، سمحت المعلومات المتوافرة في وقت متأخر من مساء الاثنين بتوضيح الصورة على النحو الآتي: إن وقف إطلاق النار الذي أعلن عنه الرئيس ترامب لا يشمل بالضرورة جنوب لبنان، حيث استمرت الغارات الإسرائيلية بكثافة خلال ساعات الليل على عدد من القرى الجنوبية. التفاهم الذي جرى التوصل إليه يوم الاثنين يتضمن ضمناً معادلة مفادها أن قصف الضاحية الجنوبية سيُنفذ إذا استأنف حزب الله إطلاق النار على إسرائيل. وقد شدد نتنياهو مساءً على هذه النقطة خلال حديثه الهاتفي مع الرئيس ترامب، مؤكداً في الوقت نفسه أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته في الجنوب. وفي وقت متأخر من الليل، أفادت قناة «الحدث» بأن حزب الله أطلق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، ولا سيما نحو مستوطنة المطلة، حيث دوّت صفارات الإنذار. وبحسب بعض المصادر، تدخّل الرئيس الأميركي لتعليق قصف الضاحية الجنوبية كي لا تتعرض الجولة الجديدة من المباحثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، المقررة يومي الثلاثاء والأربعاء في وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، للخطر. وعلى الصعيد الإقليمي، أفادت القيادة العسكرية الأميركية صباح الاثنين بأن الطيران الأميركي قصف خلال يومي السبت والأحد الماضيين مواقع إيرانية شملت منظومات دفاع جوي ورادارات ومراكز لإطلاق الطائرات المسيّرة والصواريخ. وفي الوقت نفسه، أعلنت القوات الأميركية أنها اعترضت ودمرت خلال عطلة نهاية الأسبوع صاروخين باليستيين أطلقهما الحرس الثوري الإيراني باتجاه قاعدة عسكرية أميركية في الكويت. وفي وقت متأخر من ليل الاثنين، أعلن الحرس الثوري أنه أطلق صاروخاً على «سفينة تابعة للعدو الصهيوني الأميركي».