شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
واقع لبنان: حين تتحول الجغرافيا من فرصة إلى عبء

نسمع بشكل متزايد تعليقات ممن يندبون حظهم: لماذا ولدنا في هذه البقعة من العالم؟ فلبنان حالياً جعله موقعه الجغرافي في وضع لا يحسد عليه. مع ذلك ليست الجغرافيا قدراً أعمى، لكنها إطار صارم يحدّد الممكن ويضيّق هامش الخطأ. في علم الجغرافيا السياسية، كما يذكّرنا روبرت د. كابلان في كتابه "انتقام الجغرافيا"، لا تختفي الجغرافيا خلف الشعارات، بل تعود لتفرض نفسها كلما تجاهلتها الدول، خصوصاً الدول الصغيرة الواقعة على خطوط التماس. ولبنان احدى هذه الدول، فهو يقع بين جارتين قويتين: أحداهما تشكل ثكنة عسكرية ضخمة تضم أحد أكبر جيوش العالم، ومدعومة من الولايات المتحدة، وقد ساعدناها على إعادة احتلال لبنان. والجارة الثانية سبق ان هيمنت على لبنان ومارست عليه وصاية ثقيلة ابان الحكم الاستبدادي للنظام الأسدي. لذا يعد لبنان مثالاً صارخاً للبلد الذي يلعب فيه موقعه الجغرافي دوراً حاسماً. فموقعه بين إسرائيل جنوباً وسوريا شرقاً وشمالاً، وعلى ساحل متوسطي مفتوح، جعله تاريخياً مساحة عبور وتفاعل، لا ساحة مواجهة. وقد فهم ميشال شيحا هذه الخصوصية باكراً، فرأى أن ضيق الساحل وارتفاع الجبل وغياب العمق الاستراتيجي البري تدفع اللبناني نحو البحر، أي نحو التجارة والانفتاح والوساطة، لا نحو الحروب والصراعات. ويشهد تاريخنا الفينيقي على ذلك. بهذا المعنى، لم تُصمَّم جغرافية لبنان لدور عسكري، بل لدور اقتصادي- حضاري. لكن التحوّل الخطير حصل عندما خرج لبنان عن هذه الوظيفة، وانجرّ للانخراط تدريجياً في صراعات إقليمية تفوق قدرته، فتحوّل من مساحة توازن إلى ساحة نزاع. في هذا السياق، يصبح الحديث عن "لعنة الجغرافيا" مضلّلاً. فالمشكلة ليست في الموقع بحد ذاته، بل في كيفية استخدامه. الجغرافيا التي كان يمكن أن تكون مصدر ازدهار، كما كانته في مرحلة حديثة معينة، تحوّلت إلى مصدر خطر عندما استُخدمت كمنصة لصراعات الآخرين، وعندما فقدت الدولة احتكارها لقرار الحرب والسلم. هنا يتقاطع الواقع اللبناني مع تحوّل تاريخي أشار إليه ألكسيس دو توكفيل في "الديمقراطية في أمريكا". ففي زمن الإمبراطوريات، كانت الكيانات الصغيرة تُبتلع بسهولة، أما مع نشوء مفاهيم السيادة وحقوق الشعوب، وظهور منظومة دولية لاحقاً تمثّلت في الأمم المتحدة، فقد أصبح من حيث المبدأ ممكناً حماية الدول الصغيرة عبر قواعد قانونية وقرارات دولية. لكن هذا التحول، رغم أهميته، لم يُلغِ منطق القوة، بل أعاد تشكيله. فالقانون الدولي يمنح الشرعية، لكنه لا يضمن الحماية تلقائياً. والدول الصغيرة لا تُصان فقط بالنصوص، بل عندما يصبح استقرارها جزءاً من مصالح قوى أكبر. من هنا، تبدو أزمة لبنان مركّبة: فهو يمتلك اعترافاً دولياً كاملاً بسيادته، لكنه يفتقد الشروط الداخلية والخارجية التي تجعل هذه السيادة قابلة للحماية. فالتدخلات الخارجية، المباشرة وغير المباشرة، لم تكن لتنجح لولا وجود هشاشة داخلية، حساسيات مذهبية، وانقسام في القرار السيادي، وارتباط بعض القوى المحلية بمحاور إقليمية، لا سيما في ظل صراع مفتوح بين إيران وإسرائيل يُدار جزئياً على أرضه. في هذه الحالة، تتحول الجغرافيا إلى نقطة ضعف قاتلة. فالدولة الصغيرة، المفتوحة جغرافياً، لا تستطيع تحمّل ازدواجية القرار، ولا أن تكون في آنٍ واحد جزءاً من صراع وكياناً يطلب الحماية منه. الحل لا يكمن في إنكار الجغرافيا، بل في إدارتها بواقعية. وهذا يمرّ عبر إعادة تعريف وظيفة لبنان: من ساحة نزاع إلى مساحة توازن، ومن أداة لمحاور إلى مجتمع يبحث عن المصلحة المشتركة. الحياد، في هذا السياق، ليس شعاراً أخلاقياً، بل خياراً استراتيجياً مشروطاً. وقد أثبتت تجارب دول مثل سويسرا والنمسا أن الحياد لا يقوم إلا على ثلاثة عناصر متلازمة: إجماع داخلي صلب، قدرة دفاعية وطنية موحّدة، وضمانات دولية واضحة. من دون هذه العناصر، يتحول الحياد إلى فراغ تستغله القوى الخارجية. لبنان اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يبقى أسير موقعه كخط تماس، وإما أن يعيد تموضعه ككيان لا يمكن الاستغناء عن استقراره. وهذا يتطلب استعادة القرار السيادي، توحيد المرجعية الأمنية، وربط استقرار البلاد بمصالح اقتصادية وإقليمية ودولية تجعل أي اهتزاز فيه مكلفاً للجميع. إن موقع لبنان البحري كان يمكن أن يعني تجارة وخدمات ودور مالي. كما كان في الستينيات ومطلع السبعينيات. لكنه تحول اليوم الى: بلد محاصر ويهدِّد ومهدَّد ومستهدف. بهذا المعنى، لا يمكن للبنان أن يغيّر جغرافيته، لكنه يستطيع أن يغيّر موقعه في هذه الجغرافيا. وهنا فقط، تتحول الجغرافيا من قدر مفروض إلى خيار يُدار تبعاً للمصلحة الوطنية. فهل يمكن للبنان أن يحصل على "ضمان دولي" يحمي حياده من دون أن يتحوّل إلى وصاية؟ وماذا نعني ب "ضمان دولي"؟ طبعاً ليس انتداباً جديداً ولا إدارة خارجية أو فقدان للسيادة، بل تحييد معترف به دولياً والتزام جماعي بعدم استخدام لبنان كساحة صراع. ما يعني تحويل حياد لبنان الى مصلحة مشتركة يلتزم بها الجميع. إن تغير البيئة الدولية يرجح نجاح هذا النموذج: فالقوى الكبرى لم تعد تريد ساحات انفجار دائمة في الشرق الاوسط، والدول العربية تتجه نحو التنمية ، عبر التهدئة والتقليل من الفوضى، كما ان أوروبا تحتاج الى استقرار الشرق الاوسط. وهذا يخلق للبنان نافذة يمكنه ان يستثمرها. آن الأوان لأن يخرج لبنان من دائرة الصراعات وأن يكون قرار الحرب والسلم بيد الدولة فقط. أن لا يُستخدم منصة لأي محور. وأن يجعل استقراره مصلحة للجميع، لا عبئاً على الجميع. أن اقتصادنا، ومدارسنا، ومستقبل أولادنا، ليست أوراق تفاوض، لأننا نرفض أن نُستَخدم، من أي جهة كانت.

ايجابيتان تصنعان وطناً
بقلم
إبراهيم شمس الدين
نُشر

أقف مع زملائي الأجلّاء على منبر الدستور اللبناني، وأنا بينهم لست سوى متعلّم بين علماء، ولكنى أيضاً مواطن لبناني في جمهورية ديمقراطية دستورية، جَدِّي في مواطنيتي ومصدِقٌ لها، وأعرف حقوقي الدستورية ومتمسك بها، لا أهجرها عند طائفة ولا أخلعها لدى زعامة؛ إذ على مدار مئة عام كانت الحاجة الدائمة الوحيدة التي يعبّر عنها المواطن اللبناني الفرد هي حاجته إلى الدولة، لا الى الطائفة ولا إلى الزعيم. يقفُ الآن البطريرك الياس الحويّك، المتجدّد بالطوباوية، وهو الذي مع رفاقه، قدح شعلة لبنان الكبير. ينظر إلينا من مسافة مئة سنة، فتحملُ نظرته مما يراه خيبة وكمداً وأسى، ذلك أننا نحتفي بالمؤسس ونُتلِفُ ما أسّسَ هو ورفاقه. لا تُبنى دولة ديمقراطية بدون دستور أو نظام دستوري، وإذا لم يُحترم دستورها فهي تنهار. إنَّ الذين كتبوا الدستور عام 1926 وطوّروه عام 1990 لم يكونوا قاصرين أو جهلة أو أشباه مثقفين، ولا ذوي وطنية ناقصة أو متهمة، ولم يكونوا «ديوانيين» مثل كتبة الرسائل المنمّقة والمتحذلقة. الدستور اللبناني هو نصٌ صحيحٌ، ومدوّنٌ بناء على أصول وقواعد العِلم الدستوري، وهو ميثاق اللبنانيين فيما بينهم، وليس مِنَّة من بعضهم لبعضهم الآخر، وهو مُلزمٌ لهم جميعاً، وهو – بما هو تعبير عن اتفاق الطائف – ليس ضرورة مرحلية زالت بمرور الزمن، بل أصبح جزءاً أساسياً من سلامة ووحدة لبنان، والجمهورية اللبنانية التي بُنيت عليه هي وطنٌ بُنيَ بالتوافق والرضا، لا بالقهر والغلبة والإرغام. لم يَفسُد اتفاق الطائف حتى يُترك ويُهمل، لكنه لم يُطبق أبداً. وأنا أكرر دائماً ان عبارة "استكمال تطبيق اتفاق الطائف" المتداولة غيرُ صحيحة، إذ أنه لم يُطبق حتى يُستكمل! لا نحتاج إلى طائف جديد، ولا إلى مؤتمر تأسيسي، ولا إلى نائبٍ لرئيس الجمهورية، ولا إلى توسيعات وإضافاتٍ إدارية في الدولة اللبنانية. نحتاج فقط إلى تطبيق الدستور كاملاً، وإلى احترامه وتوقيره والاستناد إليه؛ وعند الالتباس، الاعتماد على مجلس دستوري متين لا يلهو بعضويته سياسيون. هذا الدستور بما هو الميثاق، هو البناء القانوني الذي جسّد التركيبة اللبنانية الدقيقة والتوازنَ الحيوي فيها، إذ أنه ينظرُ إلى الطوائف بما هي بذاتها، وليس بما هي عددٌ وتَعداد؛ ومن هنا التوازنُ بين المسلمين والمسيحيين، والتوازن في داخلهم أيضاً؛ وهذا ما يعطينا نظاماً سياسياً هو من جهة مدني (أي دولة مدنية)، ومن جهة أخرى يحفظ التوازن بين الطوائف وفي داخلها. وبالتالي، هذا الدستور هو النص المرجعي الأكيد لبناء الدولة ومؤسساتها بناءً صحيحاً، وهو في أنٍ معاً يمثل خارطة الطريق الدائمة والأمينة لتمتين النظام السياسي ولاستقراره وتطوره. هذا الدستور يحتاج إلى أن يُطبقَ كاملاً، بتتابع الأوقات القانونية اللازمة لتطبيقه، وأنا أعلم أنه يوجد، هنا وهناك، بين اللبنانيين من يريد صادقاً تطبيق الدستور ويطالب بذلك، ولكنه في الوقت نفسه يتحفظ أو يراوغ، أو يخشى تطبيقَ أو تفعيلَ کلَّ مواده لوَهمٍ غامضٍ دفين أنّ التطبيق الكامل ليس لصالحه. إنَّ بعض دستور، إنَّ جزءاً من دستور لا يبني دولةً ولا يحفظُ وطناً، ولا أريد أن نكون ممن أنّبهم القرآن:“... أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ ...”، وهم أنفسهم من أرشدهم يعقوب البار في رسالته في العهد الجديد إلى أن يعملوا بالشريعة كلها: «لأنهم إذا عثروا في واحدة منها أخطأوا بها كلّها». آن لنا، بعد مائة عام، أن نُمسك أمورنا بأيدينا، نحن اللبنانيين، وأن نبنيَ دولةً واحدة موحَّدة ترتكزُ إلى دستور واحد، مرجعها واحد، ولها رئيسٌ واحد، لا ثلاثة! إنَّ التطبيقَ الصادقَ والكاملَ للدستور، والعزمَ الصارم على ذلك من رجال دولة حقيقيين وشرفاء، هو الذي يضبطُ السلاح ثم يمنعه، وهو الذي يحمي الدولة من أن تبقى مَنهَبةً، وهو الذي يحصَّنها من أن تبقى هيكلاً مغارةَ لصوص! أستعيد مقولة جورج نقاش الشهيرة: “أنّ نَقْضين، أنَّ “لاءَين” لا يصنعان وطناً – deux négations ne font pas une nation”، وأخالفها جزئياً، ذلك أنّ التوافق على (لا شرق ولا غرب) قد صنع وطناً، أو بتعبير أدق - قد أقرَّ وطناً؛ ولكني أيضاً أؤيدها إجمالاً - ذلك أنّ تلك «اللاءَين «لم تتمكنا بذاتِهما فقط أن يحفظا وطناً ولا أن يبنيا دولةً تثبتُ وتدوم، إذ انهارت الدولة في حروب داخلية، وكادت تلك الحروب، بل وتكاد تلك الحروب أن تطيحَ بالوطن. إنَّ اللبنانيين الأوّلين كانوا يعرفون ما الذي لا يريدونه من بعضهم البعض، ولكنهم لم يكونوا متأكدين مما يريدونه فعلاً من بعضهم البعض. نحن الآن نعرف ماذا نريد من كل اللبنانيين - وماذا يتوجب علينا كلبنانيين أيضاً، لصالح كل اللبنانيين: احترام وتطبيق الطائف المتجسّد بالدستور، وأننا جميعاً لبنانيون في وطنٍ نهائي، وأن العيش المشترك الواحد هو طريقتنا في الحياة وفي كيفية أن نكون لبنانيين، وأن تكونَ لنا دولةٌ عادلةٌ بما هي تجسيد للعيش المشترك، وأن نكونَ أحراراً فيها في ديمقراطية صحيحةٍ وتامة. إن اتفاق الطائف المتجسّد بالدستور قد أدخلنا في إيجابيتين كبيرتين، في جودتين كبيرتين: جودة النظام الديمقراطي، وجودة المشاركة النصوح للطوائف. وهو منع عنا سلبيتين، رذيلتين كبيرتين: رذيلة التحكم المستبد للطوائف بالدولة، ورذيلة تفرّد بعض طائفة واحدة بالحكم. والامتناع عن تطبيقه واحترامه أوقعنا في الأولى وكاد أن يجّرَنا إلى الثانية. إن دستورنا لنا جميعاً ولأبنائنا جميعاً، فلا نفرّطُ فيه! *كلمة أُلقيت في إطار ندوة حوارية حول مئوية الدستور اللبناني في جامعة الروح القدس - الكسليك يوم الأربعاء ٣ حزيران ٢٠٢٦، على هامش المعرض الذي نظمته الجامعة بمناسبة هذا الحدث.

واشنطن: بيان ثلاثي يفتح صفحة تاريخية جديدة

انتهت الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي عُقدت يومي الثلاثاء والأربعاء في واشنطن إلى ما يمكن اعتباره سابقة من نوعها، تمثلت في صدور بيان مشترك أميركي – لبناني – إسرائيلي ليل الأربعاء – الخميس (بتوقيت المشرق)، وهو بيان يشكل بحد ذاته سابقة أخرى من حيث مضمونه. وبالتوازي مع إقرار وقف لإطلاق النار مشروط بوقف حزب الله إطلاق النار على إسرائيل، وإنشاء «مناطق تجريبية» في الجنوب تخضع حصراً لسيطرة الجيش اللبناني، شدد البيان – وهنا تكمن السابقة – على أن «مستقبل العلاقات بين إسرائيل ولبنان يجب أن يقرره الحكومتان السياديتان في البلدين». كما أكدت الدول الثلاث الموقعة رفضها «أي محاولة من دولة أو جهة غير حكومية لاحتجاز لبنان رهينة». ومن الواضح أن المقصود بذلك هو النظام الإيراني وحزب الله. وفي خطوة تبدو ذات أهمية تاريخية لا لبس فيها، أضافت الدول الموقعة أن «إسرائيل ولبنان يؤكدان مجدداً أنه ليست لديهما أي نوايا عدائية تجاه بعضهما البعض، ويلتزمان بمواصلة المفاوضات المباشرة من أجل بناء الثقة». وبعبارة واضحة، يشير البيان إلى أن إيران مستبعدة من المسار الحالي الذي أطلقه لبنان وإسرائيل برعاية أميركية. كما أنها المرة الأولى التي يؤكد فيها لبنان وإسرائيل، في بيان مشترك، عدم وجود أي نوايا عدائية متبادلة بينهما. وقد كانت النتيجة المباشرة لنشر البيان أن وكالة الصحافة الفرنسية نقلت في وقت لاحق من اليوم أن حزب الله أبلغ السلطات اللبنانية رفضه وقف إطلاق النار مع إسرائيل. ويبدو هذا الموقف انعكاساً مباشراً لرد فعل سلبي من جانب النظام الإيراني الذي لا يدخر جهداً في سبيل الحفاظ على نفوذه في الساحة اللبنانية. الإجراءات المتوقعة على مستوى القرارات التي اتُّخذت في وقت متأخر من مساء الأربعاء، يتحدث البيان الثلاثي عن تطبيق وقف لإطلاق النار، شرط توقف الهجمات التي يشنها حزب الله. أما المستجد الأبرز فيتمثل في إنشاء مناطق تجريبية تخضع بالكامل لسيطرة الجيش اللبناني في الجنوب. ويشدد البيان على سيادة البلدين ووحدة أراضيهما، كما يتحدث عن تفكيك الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، في إشارة جديدة إلى حزب الله. كذلك يرد بشكل صريح تعبير «اتفاق شامل للسلام والسيادة». واتفق الطرفان على عقد جولة جديدة من المفاوضات في 22 حزيران/يونيو سعياً للتوصل إلى «اتفاق شامل». وقد تميزت هذه الجولة الرابعة من المفاوضات بطابع غير مسبوق من حيث الشكل والمضمون، سواء عبر الإجراءات العملية الهادفة إلى نزع الطابع العسكري عن حزب الله، أو عبر إصدار بيان مشترك. كما دانت الأطراف اللبنانية والإسرائيلية والأميركية مجتمعة الهجمات الإيرانية على دول الخليج. وبذلك بدا كل من حزب الله وإيران في موقع التهميش السياسي. وخلال المفاوضات، شددت إسرائيل على أمن أراضيها وعلى ضرورة نزع سلاح حزب الله نهائياً، فيما طالب لبنان باحترام الحدود المعترف بها دولياً، بما يعني انسحاباً كاملاً للقوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية المحتلة. ويعكس تقارب موعد الجولة المقبلة رغبة واضحة في تحقيق تقدم سريع بين الطرفين. ومع ذلك، لا يشكل وقف إطلاق النار ضمانة مطلقة، إذ سبق أن أُعلنت هدن عدة من دون أن تؤدي إلى نتائج ملموسة. وفي حين تستمر المعارك ميدانياً في الجنوب، تبقى العاصمة وضاحيتها بمنأى عن التصعيد حتى الآن. وعقب الاجتماع، أكدت سفيرة لبنان ندى حمادة معوض أن «اللحظة تاريخية»، وأن ما تحقق في هذه المفاوضات يعود «إلى الإرادة الحصرية للدولة اللبنانية السيدة». أما السفير الإسرائيلي يحيئيل لايتر، فقال على هامش الاجتماع إنه مقتنع بأن «على حزب الله أن يفهم أن هذا الجنون قد انتهى»، وأن الدولتين تتقدمان تدريجياً نحو اتفاق. من جهته، كرر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن «حزب الله هو عدو الطرفين». ووفق معلومات قناة MTV من بعبدا، كانت المفاوضات شاقة للغاية، واضطر رئيس الوفد اللبناني سيمون كرم إلى تعليق المحادثات مؤقتاً من أجل إدراج بند ينص على وقف شامل لإطلاق النار في لبنان. وبعد تدخل وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، استؤنفت المباحثات وأفضت إلى النتائج المعروفة. رد حزب الله من الواضح أن هذه التطورات لا تحظى بترحيب الجميع، سواء في إسرائيل أو في لبنان. ففي تل أبيب، وصف وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير وقف إطلاق النار مع لبنان بأنه «خطأ جسيم». أما وزير الدفاع يسرائيل كاتس فأكد أن بلاده «ستحتفظ بحرية الحركة في لبنان»، ولا سيما في حال تعرضها لهجوم من حزب الله. ومن جهة المحور الإيراني، جدد قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري الإيراني إسماعيل قاآني دعم بلاده لـ«المقاومة في لبنان»، معتبراً أن الانسحاب الإسرائيلي الكامل إلى ما قبل خطوط المواجهة الأخيرة هو الحد الأدنى المطلوب. وربما يغفل قاآني أن الجيش الإسرائيلي كان يحتل بالفعل خمس نقاط داخل الأراضي اللبنانية قبل الثاني من آذار/مارس، في وقت تواصل فيه الدولة اللبنانية التفاوض من أجل انسحاب كامل من الأراضي المحتلة. وكما كان متوقعاً، جاءت ردة فعل الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم على البيان اللبناني – الإسرائيلي – الأميركي المشترك شديدة اللهجة. فقد وصف وقف إطلاق النار الذي توصلت إليه الدولة اللبنانية بأنه «وهمي»، واعتبر المفاوضات المباشرة «عديمة الجدوى ومهينة». وقال: «إذا كان الهدف من أي اتفاق هو نزع سلاح حزب الله، فهذا يعني تجريد لبنان من جميع أوراق قوته»، مضيفاً أن «هذا البيان يمثل استسلاماً ودعوة إلى الفتنة الداخلية». وأشار قاسم إلى أن النص يطالب حزب الله بوقف الأعمال القتالية أولاً، مؤكداً أن الحزب «لا يعنيه سوى وقف شامل لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية المحتلة». وكانت حدة هذا الموقف متوقعة، لأن البيان المشترك يهمش بالكامل دور كل من حزب الله وإيران، في وقت تبدو فيه مسيرة المفاوضات مستمرة رغم العراقيل. ويبقى السؤال المطروح: كيف سيتصرف حزب الله ميدانياً؟ وفي جميع الأحوال، فإن الجهود الأميركية تتواصل للفصل بين المسارين الإيراني واللبناني، بحسب ما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب. على الأرض، لم تتوقف المواجهات. فبعد أن بدا في اليوم السابق وكأنه يتجنب استهداف شمال إسرائيل، قيل إن حزب الله أعاد إرسال طائرات مسيّرة نحو تلك المنطقة، رغم أنه لم يتبنَّ رسمياً أي عمليات قصف باتجاه إسرائيل. ودوت صفارات الإنذار في شمال إسرائيل بعد وقت قصير من خطاب قاسم، وفقاً للجيش الإسرائيلي. وفي المقابل، واصلت القوات الإسرائيلية غاراتها على مناطق عدة في الجنوب، وأصدرت تحذيراً جديداً لسكان جنوب الزهراني (قضاء صيدا)، الواقع شمال الليطاني، داعيةً إلى الإخلاء. ومن التطورات الخطيرة أيضاً مقتل أحد عناصر قوات «اليونيفيل» في مرجعيون، وهو جندي صربي الجنسية، إثر سقوط صاروخ على مقر القوة الدولية. وقد نددت اليونيفيل بما وصفته بأنه «هجوم متعمد» على جنودها، مطالبة بفتح تحقيق لتحديد المسؤوليات. وأشارت المنظمة إلى أن عدداً من جنود حفظ السلام قُتلوا أو جُرحوا خلال هذا النزاع، بعضهم بنيران إسرائيلية والبعض الآخر نتيجة هجمات من حزب الله، بحسب بياناتها الرسمية. كما شهد لبنان زيارة الموفد الفرنسي جان-إيف لودريان الذي التقى عدداً من المسؤولين اللبنانيين. وأعرب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن أمله في أن تفضي المفاوضات الجارية إلى وقف فعلي لإطلاق النار، مؤكداً أن فرنسا «تبقى في الخدمة» رغم أنها لا تشارك مباشرة في هذه المفاوضات، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية. الكونغرس الأميركي على صعيد المواجهة الأميركية – الإيرانية، تمثل التطور الأبرز في الرابع من حزيران/يونيو في إقرار مجلس النواب الأميركي قراراً يدعو إلى وقف فوري للحرب على إيران التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب منذ 28 شباط/فبراير الماضي. وقد أصبح اعتماد القرار ممكناً بعدما انضم أربعة نواب جمهوريين إلى الديمقراطيين، إلا أن مفاعيله تبقى رمزية ولا تحمل طابعاً إلزامياً. ويأخذ الكونغرس على ترامب دخوله الحرب من دون رؤية واضحة ومن دون مراعاة كافية للمصلحة الأميركية. وتحت ضغط داخلي وخارجي، خصوصاً بعد تجدد الهجمات على دول الخليج ولا سيما الكويت، رأى ترامب أن المفاوضات قد تفضي إلى نتائج خلال عطلة نهاية الأسبوع. كما كرر أن أي اتفاق لن يكون ممكناً ما لم تسلم إيران كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى الولايات المتحدة. من جهته، نشر المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي بياناً اتهم فيه الولايات المتحدة وإسرائيل بمحاولة زرع الفتنة، مؤكداً أن «العدو تلقى هزيمة قاسية» خلال هذا الصراع. وجاء هذا الموقف الحاد في وقت أعرب فيه الرئيس الأميركي مؤخراً عن رغبته في لقاء خامنئي، واستمر في التأكيد أن إيران تريد التوصل إلى اتفاق وأن المفاوضات أحرزت تقدماً كبيراً. وقد أصبحت مثل هذه التصريحات الإيرانية المناقضة لتصريحات ترامب أمراً متكرراً كلما تحدث الرئيس الأميركي عن المفاوضات. وأخيراً، شهد قطاع غزة تصعيداً جديداً، حيث شنت القوات الإسرائيلية خلال ليل الأربعاء – الخميس غارات عنيفة على مبانٍ سكنية، ما أدى إلى مقتل عائلة كاملة، بحسب ما ورد في التقرير.

ترامب وأوباما... والفخ الإيراني!
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

أي دونالد ترامب يجب أن نصدّق، دونالد ترامب الذي يعرف، في العمق، ما هي إيران بنظامها القائم منذ العام 1979... أم إيران التي اعتقد باراك أوباما أنّها تمتلك مفاتيح حلّ كلّ أزمات المنطقة وأنّ ملفّها النووي يختزل كلّ هذه الأزمات؟ ذهب أوباما إلى حدّ الإعتقاد أنّ الإسلام الشيعي المتطرّف، الذي يمثله "الحرس الثوري" الإيراني وأدواته في المنطقة، مختلف عن الإسلام السني المتطرّف ممثلّا بـ"القاعدة" و "داعش" وقبل ذلك، ولا يزال، بتنظيم الإخوان المسلمين؟ لم يدرك أوباما أن التطرف الديني، بأي شكل من أشكاله، أكان مسيحيا أو إسلاميا أو يهوديا أو هندوسيا، يمثل وجوها مختلفة لعملة واحدة... بدت تصرفات ترامب في الأيّام القليلة الماضية كما لو أنّه في حيرة من أمره. بدأ الرئيس الأميركي يميل، أقلّه ظاهرا، إلى صفقة، مبتورة، مع نظام يسعى إلى استعادة المبادرة في المنطقة بعدما عثر على سلاح جديد اسمه مضيق هرمز. تشير تصرّفات الإدارة الأميركيّة إلى وجود من يدفع في اتجاه صفقة مع النظام الإيراني من أجل إعادة فتح مضيق هرمز واعتبار ذلك انتصارا لدونالد ترامب. لا شكّ أن الموضوع الإيراني في غاية التعقيد، خصوصا مع اكتشاف إيران سلاحها الجديد الذي بدأت تعتمد عليه بعدما كانت تعتمد في الماضي على برنامجها النووي كخطّ دفاع أول عن النظام. ما الذي سيفعله الرئيس الأميركي في الأيام والأسابيع القليلة المقبلة، في ضوء حديثه المستمرّ، عن "تقدّم" في المفاوضات مع إيران وحتّى عن احتمال لقاء بينه وبين "المرشد الأعلى" مجتبى خامنئي الذي لا يعرف كثيرون حقيقة وضعه الصحّي، بما في ذلك هل يمتلك القدرة على أن يكون الحاكم الفعلي لـ"الجمهوريّة الإسلاميّة". يثير كلام الرئيس الأميركي عن ""مذكرة تفاهم"، يحتمل توقيعها مع إيران، كثيرا من القلق في وقت لم تتوقف "الجمهوريّة الإسلاميّة" عن مهاجمة دول الجوار. كانت الهجمتان الأخيرتان على الكويت والبحرين دليلا على العدوانية الإيرانيّة من جهة وعلى عجز عن الردّ المباشر على الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. لم يدفع ذلك إلى إعادة نظر أميركيّة في عدم جدوى أي تفاهم من أي نوع مع إيران، التي اعتدت على مدنيين في مطار الكويت، ما دامت لم تتخلّ عن مشروعها التوسّعي الذي لم تقتنع بعد أنّه بات يواجه طريقا مسدودا. حسنا، لا يمكن لأي لبناني سوى شكر ترامب على تدخله من أجل منع بنيامين نتانياهو من شنّ هجوم جديد على الضاحية لجنوب بيروت مع ما كان سيتسبب به من مزيد من الدمار لمنطقة لبنانيّة ملاصقة للعاصمة من دون تأثير يذكر على القدرات العسكريّة لـ"حزب الله". مثل هذه المبادرة للرئيس الأميركي لن تعني الكثير على أرض الواقع في غياب موقف واضح من المشروع التوسّعي الإيراني ككلّ. لا يمكن التعاطي مع "الجمهوريّة الإسلاميّة" بالقطعة كما فعل باراك أوباما الذي عمل كلّ ما يسترضي النظام الإيراني من أجل الوصول إلى اتفاق في شأن الملفّ النووي في تموز – يوليو 2015 وذلك قبل أشهر قليلة من نهاية ولايته الرئاسيّة ومجيء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض للمرّة الأولى. في مرحلة ما قبل توقيع الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني، بين "الجمهوريّة الإسلاميّة" والبلدان الخمسة زائدا واحدا ( الأعضاء الخمسة ذوو العضوية العضوية الدائمة في مجلس الأمن والمانيا)، عملت إدارة أوباما كلّ ما تستطيع من أجل تفادي أي أزعاج لإيران. امتنع أوباما صيف 2013 عن مهاجمة سوريا من أجل اسقاط النظام الأقلّوي الذي استخدم السلاح الكيميائي في مواجهة شعبه. نسي الرئيس الأميركي السابق وعوده و"الخط الأحمر" الذي رسمه لبشّار الأسر. صار، فجأة، يرى كلّ الألوان باستثناء اللون الأحمر! أظهر دونالد ترامب منذ وصوله إلى البيت الأبيض مطلع العام 2017 فهما في العمق لما تمثله إيران، كنظام طبعا. مزّق الاتفاق النووي في 2018 واصفا إيّاه بأنّه "الأسوأ من نوعه". في بداية 2020، قبيل نهاية ولايته الرئاسيّة الأولى، أعطى دونالد ترامب الضوء الأخضر لإغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الذي كان يعتبر الشخصيّة الإيرانيّة الأهم بعد "المرشد الأعلى" الراحل علي خامنئي. أعطى إغتيال سليماني، بعيد مغادرته مطار بغداد الذي وصل إليه من دمشق بعد لقاء في بيروت مع حسن نصرالله، دليلا على معرفة عميقة في إيران وتركيبة النظام وأهمّية شخص مثل سليماني كان يمتلك دورا محوريا داخل إيران وفي المنطقة. في كلّ ما قام به الرئيس الأميركي، منذ عودته إلى البيت الأبيض قبل سنة ونصف سنة، ما يدلّ على إحاطة تامة بالموضوع الإيراني. شمل ذلك مشاركته في حربين على إيران، إلى جانب إسرائيل. أوقف ترامب الحرب الأولى في حزيران – يونيو من العام الماضي بعد حملة قصف شملت المرافق النووية الإيرانيّة. هل طرأ حاليا تغيير على المقاربة الأميركيّة من "الجمهوريّة الإسلاميّة" وما تمثله؟ هل بدأ ترامب يتعاطى مع إيران آخذا في الإعتبار شروطها آخذا في الإعتبار الوساطة الباكستانيّة التي توفّر لإيران مزيدا من كسب الوقت؟ أيّام قليلة، بل ربّما أسابيع، في أبعد حدود، يتبيّن بعدها هل بات ترامب مستعدا للوقوع في الفخ الإيراني بعيدا عن الربط بين الملفّ النووي والصواريخ الباليستية وقواعدها والأدوات الإيرانية في العراق ولبنان واليمن... وسلوك "الجمهوريّة الإسلاميّة" تجاه جيرانها، خصوصا دول مجلس التعاون الست؟ الأكيد أنّه في حال تغيّر ترامب وبدأ يتعاطى مع إيران بالمفرّق... أو لم يتغيّر، سيدفع لبنان ثمنا غاليا بسبب وجود سلاح "حزب الله". يعود ذلك إلى أن الثابت الوحيد في العلاقة الإسرائيليّة – الأميركية ذلك الإصرار على فصل الملف اللبناني عن الملفّ الإيراني!

مفاوضات لبنان وإسرائيل: هل يتعمد "حزب الله" الاستفزاز؟

دخلت المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل جولة جديدة في واشنطن، الأربعاء، حيث التأمت الجلسة الثانية من جولتِها الرابعة في مقر وزارة الخارجية الأميركية. ومن المقرّر أن تستأنف هذه المحادثات الشاقة، والمتأثرة أصلاً بالعنف الميداني في جنوب لبنان، بعد استراحة الغداء، حيث تسعى بيروت جاهدة، كأولوية قصوى، لانتزاع التزام من تل أبيب بهدنة مستدامة؛ يأتي ذلك في وقت تشهد فيه صيغة وقف إطلاق النار التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، الإثنين الماضي، عقب التهديدات الإسرائيلية بضرب الضاحية الجنوبية، خروقات مستمرة على الأرض. وأظهر "حزب الله" يوم الأربعاء عدم اكتراثه بهذه التهديدات الصادرة عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، اللذين حذرا من أن جيشهما سيستهدف الضاحية الجنوبية لبيروت إذا ما واصلت الحركة الموالية لإيران هجماتها على بلدات شمال البلاد، وهو ما عارضه ترامب بحزم. وفي مطلع بعد الظهر، تبنى الحزب إطلاق صاروخين استهدفا قاعدة عسكرية إسرائيلية في شمال البلاد، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراضهما بالتزامن مع دوي صفارات الإنذار في "كريات شمونة" و"منارة". فهل يحاول "حزب الله" استفزاز السلطات الإسرائيلية، لعلمه بأنها لن تتجاوز الخطوط الحمراء التي وضعها الرئيس الأميركي؟ ربما. لكن الحزب يخطئ التقدير حتماً إن كان يظن أن بمقدوره استغلال التباين في وجهات النظر الذي تكشّف الإثنين بين تل أبيب وواشنطن، إثر المشادة الكلامية بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو بشأن العملية العسكرية الإسرائيلية، والتي لا تزال، حتى الساعة، محصورة في جنوب البلاد. وتؤكد التصريحات الصادرة الأربعاء عن الرئيس الأميركي ووزير خارجيته ماركو روبيو، وكذلك عن بنيامين نتنياهو، أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تزالان على الموجة نفسها في ما يتعلق بالأهداف الاستراتيجية في لبنان وإيران، غير أنهما تختلفان حول التكتيك. وهكذا تلتقي واشنطن وتل أبيب على ضرورة إنهاء الوجود العسكري لـ"حزب الله" في لبنان، باعتباره الذراع العسكرية لإيران في البلاد. فبالنسبة إلى واشنطن، تبقى الدبلوماسية هي المسار ذو الأولوية، سواء في ما يخص لبنان أو الملف الإيراني. هذا ما كرره دونالد ترامب الأربعاء، خلال مقابلة مع "بودكاست" صحيفة "نيويورك بوست"، معرباً في الوقت عينه عن «انزعاجه»من «الحرب التي لا تنتهي» والتي تشنها إسرائيل ضد لبنان. وفي غضون ذلك، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي، في حديث لشبكة "سي إن بي سي" الأميركية، أنه يشارك الرئيس الأميركي هدف نزع سلاح "حزب الله"، قائلاً: «إذا أردنا إنقاذ لبنان، وإذا أردنا التوصل إلى سلام بين لبنان وإسرائيل، وهو ما أتمناه، فعلينا نزع سلاح حزب الله وجعل البلاد خالية من السلاح. هذا هدف مشترك بيني وبين الرئيس، وهذا ما يتعين علينا فعله». وجاءت مواقف وزير الخارجية الأميركي لتردد الصدى نفسه، حيث شدد على «الخطر» الذي يشكله الحزب على الدولة في لبنان، لا سيما بعد التهديدات التي أطلقها قياديون في هذه الجماعة بالإطاحة بحكومة نواف سلام. أما الأمر الأكثر أهمية، فيبقى رغبة واشنطن في الفصل بين المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية الجارية من جهة، والمحادثات التي بدأت مع إيران من جهة أخرى، وهو ما تصر طهران على رفضه. وترغب الرئاسة الأميركية إذاً في إدارة المفاوضات الثنائية اللبنانية-الإسرائيلية والملف الإيراني في وقت واحد، ولكن بمسارين منفصلين. وفي ما يتعلق بالنقطة الأخيرة، أكد دونالد ترامب أن المحادثات تتقدم بسرعة، غير أن إيران سارعت إلى تكذيب ذلك، نافية أن تكون قد أرسلت إلى واشنطن أي رد على المقترحات الأميركية لاستئناف المفاوضات. وصدر هذا النفي، الذي نشرته وكالة "تسنيم" المرتبطة بالحرس الثوري الإسلامي، بعد وقت قصير من مقابلة دونالد ترامب مع صحيفة "نيويورك بوست". ومع ذلك، لم تعلّق وكالة "تسنيم" على تصريحات الرئيس الأميركي التي أشار فيها إلى إمكانية عقد لقاء مع المرشد الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي. وفي حين تواصل طهران سياسة المماطلة وكسب الوقت، أعاد دونالد ترامب التأكيد للمرة الألف أنه لن ينتظر إلى الأبد، وأنه سيكون مخيراً بين إبرام اتفاق مع إيران أو توجيه ضربة عسكرية لها، واصفاً الخيار الثاني بأنه «غير مريح». من جانبه، اعتبر بنيامين نتنياهو أن الجمهورية الإسلامية «تلعب بالنار»، متطرقاً ليس فقط إلى تسويفها في المحادثات غير المباشرة مع واشنطن، بل أيضاً إلى الضربات التي نُفّذت ليل الثلاثاء-الأربعاء ضد الكويت والبحرين؛ وهي ضربات جاءت، بحسب الحرس الثوري (الباسداران)، رداً على هجمات أميركية استهدفت ناقلة نفط إيرانية وجزيرة في مضيق هرمز. وفي الكويت، طاولت الغارات التي تبناها الحرس الثوري مبنى الركاب في المطار، وأسفرت عن سقوط قتيل و63 جريحاً، بعضهم في حالة خطرة. ورداً على ذلك، شن الجيش الأميركي «ضربات دفاعية» على جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز، وفقاً للقيادة المركزية الأميركية (سنتكوم). ليعود الحرس الثوري ويرد بدوره مستهدفاً قاعدة جوية «تضم مروحيات» في الكويت، بالإضافة إلى مقر الأسطول الخامس للبحرية الأميركية في البحرين.

مُنهكةٌ لكن مُهدِّدة: إيران بعد عمليتي «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد» (1/2)

يقدم هذا المقال قراءة في الأثر العسكري والصناعي لعمليتي «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد» في القدرات التقليدية الإيرانية. ويليه الأسبوع المقبل جزءٌ ثانٍ وأخير، يستشرف الظروف التي قد تفضي إلى انفجار إيران من الداخل على المديين المتوسط أو الطويل. تكبّد النظام الإيراني خسائر فادحة جراء الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي دارت رحاها بين شباط ونيسان 2026. ورغم هذه الضربات القاسية، لم تسقط الجمهورية الإسلامية، ولم يبدِ نظام طهران أي مرونة في مواجهة العقوبات والحصار البحري الأمريكي. تُظهر قراءة التاريخ، ومِثلها تحليلات الخبراء اليوم، أن الأنظمة الاستبدادية المتجذرة، على غرار نظام طهران، تبدو أكثر عرضة للانهيار تحت وطأة انفجار داخلي، يفجّره التقاء عاملَين: خنق اقتصادي طويل الأمد، وحراك شعبي يبلغ نقطة الغليان. وفي حين تُسهم العقوبات الدولية والحصار البحري الأمريكي في تجفيف منابع الموارد المالية للدولة، فإنها لا تتعدى كونها عوامل محفزة؛ إذ إن نقطة الانهيار الحتمية لا تأتي إلا عندما تتسع الانقسامات الداخلية التي طالما كتمتها آلة القمع وتتقاطع (في ظل حصيلة دموية بلغت أكثر من 30 ألف قتيل في كانون الثاني الفائت، وأكثر من 50 ألف اعتقال عقابي ووقائي في شباط). وبالعودة إلى حرب الأربعين يوماً الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، يبرز سؤالان محوريان: ما هي الحصيلة الحقيقية للخسائر العسكرية والاقتصادية التي منيت بها الجمهورية الإسلامية؟ وأي آفاق ترتسم اليوم في مواجهة الحصار الأمريكي والمفاوضات التي تراوح مكانها؟ ماذا بقي من البحرية الإيرانية؟ بلغ إجمالي الضربات الجوية التي نفذتها العمليتان العسكريتان المشتركتان؛ الأمريكية «الغضب الملحمي» والإسرائيلية «زئير الأسد»، بين شباط ونيسان 2026، نحو 20 ألف ضربة. ويُمثل هذا الرقم، في غضون 40 يوماً فقط، ما يعادل 60% من هجمات قوات التحالف ضد تنظيم "داعش" في سوريا والعراق على مدى خمس سنوات كاملة. وقد وجهت الغارات الأمريكية الإسرائيلية ضربة قاصمة للبحرية الإيرانية النظامية؛ إذ أسفرت الضربات التي استهدفت القواعد الرئيسية في "بندر عباس" و"كونارك" عن تدمير معظم سفن السطح الرئيسية. فغُرقت المدمرات والفرقاطات وسفن الإسناد (السفن الأم) أو أُصيبت بأضرار غير قابلة للإصلاح، مما حرم إيران من قدراتها البحرية التقليدية في أعالي البحار. وتفرض هذه الصدمة الاستراتيجية اليوم على طهران الارتكاز على ما تبقى لديها من وسائل غير متناظرة ومتحركة، لحماية شواطئها، والأهم من ذلك، لإبقاء التهديد جاثماً فوق حركة الملاحة البحرية في الخليج ومضيق هرمز. وفي المقابل، لم يصب سلاح الغواصات إلا بأضرار جزئية، مُحتفظاً بقدرته على إلحاق الأذى في المياه الضحلة بفضل ما تبقى من غواصات الجيب. ومع أن الغواصات الهجومية الثلاث من طراز «كيلو» (Kilo) ذات المنشأ الروسي قد استُهدفت أو أُغرقت في مرابضها، وتعرّض نصف غواصات الجيب الثلاث والعشرين من طراز «غدير» الإيرانية الصنع للمصير نفسه؛ فإن الأسطول الناجي من هذه الغواصات الصغيرة (الذي يُقدّر بـ 10 إلى 12 غواصة) والمجهّز بالطوربيدات والصواريخ، يتمركز الآن في الخطوط الأمامية داخل الخليج وعند مشارف مضيق هرمز. ويمنح هذا الأسطول طهران تكتيكات "حرب العصابات البحرية"، لا سيما في زرع الألغام، وإطلاق الطوربيدات، وتنفيذ العمليات الخاطفة انطلاقاً من السواحل الصخرية. وبالتوازي، نجح الجزء الأكبر من بحرية السطح التابعة للحرس الثوري الإيراني في النجاة، مستفيداً من هيكليته القائمة على الانتشار والتشتيت. ويتألف هذا السلاح من مئات الزوارق السريعة المسلحة (Fast Attack Craft)، إلى جانب دوريات خفيفة حاملة للصواريخ من طرازي «بيكاب 2» (Peykaap II) و«هودونغ»(Houdong) . وتعتمد فلسفة هذه السفن الحربية الصغيرة على شن هجمات منسقة وبأعداد غفيرة جداً (أسراب)، ثم الانكفاء السريع والتواري داخل الأخوار والتعرّجات الساحلية. التكتيكات الإيرانية في الخليج ومضيق هرمز باتت الاستراتيجية الإيرانية لاستهداف السفن المدنية أو العسكرية ترتكز اليوم على غواصات الجيب المجهزة بالطوربيدات والصواريخ، والتي لا يتعدى طاقمها 7 بحارة. كما تعتمد على الزوارق السريعة المزودة بالصواريخ (Fast Attack Craft) بطاقم يتألف من 4 إلى 5 بحارة، بالإضافة إلى الصواريخ المضادة للسفن (بر-بحر)، والألغام البحرية، والمسيّرات الهجومية. وفي هذا السياق، تشير التقديرات إلى أن نحو 70% من المقذوفات المضادة للسفن -التي تُقدّر بعدة مئات- لا تزال سليمة، ويمكن إطلاقها من 30 موقعاً ساحلياً. وتتنوع هذه المقذوفات بين طرازات «رعد»، و«نور»، و«قادر»، و«خليج فارس»، وهي جميعها إيرانية الصنع ومطوّرة عن صاروخ «سي-802» (C-802) الصيني، وتتراوح مدياتها بين 130 و360 كيلومتراً، وتتمركز في قواعد متحركة ومخفية في عمق البلاد. وعلى الرغم من أن القدرة على زرع الألغام تُعد عملية سهلة نسبياً، فإن التدابير الأمريكية المضادة تحت الماء نجحت في نزع الألغام من عدة ممرات مائية في مضيق هرمز، تعبرها حالياً يومياً ما بين 10 إلى 20 سفينة تجارية، من بينها ناقلات نفط عملاقة. وعند عبور هذه الممرات، تعمد السفن إلى إطفاء راداراتها وأنظمة تحديد المواقع التابعة لها، وتنسق حركتها مع البحرية الأمريكية التي تتابعها عبر الرادارات وتواكبها عن بُعد. والمشهد ذاته يتكرر على المقلب الإيراني من المضيق. وفي موازاة ذلك، تُستخدم المسيّرات الانتحارية من طراز «شاهد» كامتداد جوي للقدرات البحرية، بهدف إغراق الدفاعات الأمريكية والعربية. ومع أن عشرات السفن التجارية قد أُصيبت بهذه المقذوفات، فإن الهجمات الإيرانية المركّبة -التي تدمج بين الصواريخ المضادة للسفن والمسيّرات- عجزت عن إصابة أي من القطع البحرية الأمريكية. إن هذه القدرات التي ما زالت إيران تحتفظ بها لا تُلغي بأي حال من الأحوال التفوق البحري الأمريكي، لكنها تظل كافية لفرض حالة من انعدام الأمن المزمن في حركة الملاحة البحرية، وتشكيل ضغط اقتصادي عالمي. وماذا عن الدفاعات الجوية الإيرانية؟ بالتوازي، أدت الضربات المكثفة للتحالف الأمريكي الإسرائيلي إلى تقويض قدرات الدفاع الجوي الإيراني بشكل عميق، مشرّعة الأجواء الإيرانية أمام المقاتلات الأمريكية والإسرائيلية. وقبل اندلاع النزاع، كانت إيران تمتلك منظومة دفاع جوي متكاملة قائمة على شبكة "مظلات متعددة الطبقات" لحظر دخول الطائرات والصواريخ المعادية عبر رقعة واسعة من الشرق الأوسط. ومع مطلع عام 2026، كانت هناك ثلاث طبقات متكاملة قيد الخدمة: طبقة بعيدة المدى ترتكز على بطاريات ثابتة من طراز «إس-300» (S-300PMU-2) روسية الصنع، ونظيرتها المحلية «باور-373»، وكانت هذه الطبقة تحمي المنشآت النووية والمراكز الحضرية على امتداد مئات الكيلومترات. والطبقة الثانية متوسطة المدى، وتتميز بمرونة حركة عالية، وتضم منظومات محلية متطورة مثل «خرداد-15» و«رعد» و«تلاش»، قادرة على تهديد المقاتلات والمسيّرات. أما الطبقة الثالثة والأخيرة، فتوفر دفاعاً نقطياً عن قرب (تغطية موضعية)، وما زالت فاعلة حتى الآن، اعتماداً على منظومات قصيرة المدى مثل «تور-إم 1» (Tor-M1) و«بانتسير-إس 1» (Pantsir-S1) روسية الصنع، فضلاً عن آلاف المدافع المضادة للطائرات والصواريخ المحمولة على الكتف. وكانت هذه المنظومة بأكملها تُدار عبر شبكة قيادة وسيطرة متكاملة تابعة لمجمع «خاتم الأنبياء» المشترك، وتتغذى ببيانات شبكات رادار برية وساحلية واسعة النطاق. إلا أن الضربات الأمريكية الإسرائيلية المشتركة، التي دمجت بين الصواريخ المضادة للرادارات، والقاذفات الشبحية من طراز «بي 2» (B-2)، والذخائر الخارقة للمحصنات، نجحت في تحييد جزء كبير من المواقع الثابتة ورادارات الإنذار المبكر. وأدت هذه الهجمات إلى تدمير الطبقتين البعيدة والمتوسطة المدى تماماً، مما قلّص بشكل حاد قدرة طهران على رصد الطائرات المعادية واعتراضها من مسافات بعيدة. وفي مواجهة هذا الواقع، اعتمدت طهران عقيدة عسكرية تقوم على البقاء؛ وركيزتها الإطفاء المتقطع للرادارات للإفلات من الحرب الإلكترونية المعادية، والاعتماد المتزايد على أجهزة الاستشعار البصرية، ونشر البطاريات الصاروخية المتحركة وتشتيتها بين المرتفعات الجبلية والمنحدرات الساحلية. وباتت وحداتها تنفذ ما يُعرف بـ «الكمائن الجوية»؛ إذ تطلق الصواريخ من مواقع مؤقتة ثم تنسحب فوراً. وقد أتاح هذا التكتيك لطهران إسقاط عدة مسيّرات إسرائيلية وأمريكية من طراز «إم كيو-9» (MQ-9)، كان آخرها في أيار الفائت. ومع أن فقدان المنظومات الثقيلة يحرم إيران من القدرة على حظر أجوائها أمام الطائرات الشبحية التابعة للتحالف، فإن تموضعها الجديد لا يزال ينطوي على خطورة؛ إذ يمنحها قدرة على الاستنزاف الفعال ضد المسيّرات والطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة أو متوسطة، إلى جانب تهديد الدفاعات المعادية بالإغراق، ونصب كمائن متفرقة تجبر طائرات التحالف -على سبيل المثال- على تجنب التحليق على ارتفاعات تقل عن 7 كيلومترات. وعلى المقلب الآخر، تلقت منظومة الدفاع الجوي الساحلي ضربات قاصمة هي الأخرى؛ إذ جرى تحييد معظم المواقع الثابتة بعيدة المدى التي كانت تحمي "بندر عباس" و"جاسك" وجزيرة "خارغ". المنشآت النووية والمجمعات الصناعية العسكرية ألحق الهجوم الأمريكي الإسرائيلي أضراراً جسيمة بجزء كبير من المجمعات النووية (نطنز، وفوردو، وبارشين، وأصفهان)، والتي كانت قد تعرّضت لقصف سابق في حزيران 2025. وعلى المنوال نفسه، دُمّرت مواقع إنتاج المسيّرات ومعظم منشآت قطاع الصواريخ الباليستية، إما كلياً أو جزئياً. وأخيراً، طال القصف البنى التحتية الحيوية للطاقة والمرافق المدنية، مما تسبب في أزمات وقود حادة خنقت المدن الكبرى. وفي الختام، فإن هذه الخسائر الفادحة -العسكرية والنووية والصناعية والاقتصادية- والتي قُدّرت بنحو 14 ألف مليار دولار، لم تقضِ على كامل القدرات غير المتناظرة التي تتيح لإيران إغلاق مضيق هرمز. ومع ذلك، فإن قدرات إيران اليوم تراجعت بشكل حاد مقارنة بما كانت عليه قبل حزيران 2025؛ إذ جفت منابع قدراتها النووية والباليستية، وسلاح مسيّراتها، فضلاً عن قدرتها على دعم حلفائها الإقليميين، وفي مقدمهم "حزب الله".