شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
تكتيك مبرمج من ترامب لتصعيد الضغط على طهران

وها هي الكرّة تتكرر. يتصاعد التوتر في المنطقة مع الموجة الجديدة من الضربات على إيران، التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء اليوم، مهدداً أيضاً بالسيطرة على جزيرة خرج الاستراتيجية، القلب النابض للاقتصاد النفطي الإيراني. لكن في تراجعٍ آخر، أعلن ترامب لاحقًا على شبكته الاجتماعية "تروث سوشيال" أنه قرر إلغاء الضربات التي هدد بها ضد إيران، مؤكدًا أن "المحادثات مع الجمهورية الإسلامية قد تمت مراجعتها والموافقة عليها من قبل أعلى السلطات الإيرانية". وكما هو معتاد، سارعت وكالة أنباء فارس الإيرانية إلى نفي الخبر. لكن وفقًا لموقع أكسيوس، صرّح مسؤولون إيرانيون رفيعو المستوى بأنه تم التوصل إلى "اتفاق مبدئي"، لكنهم "بانتظار موافقة المرشد الأعلى مجتبى خامنئي". بعد استنفاد كل الوسائل الدبلوماسية، تراهن واشنطن الآن على الخيار العسكري لتشديد الضغط على الجمهورية الإسلامية، بهدف إرغامها على التفاوض حول اتفاق من شأنه تحييد التهديد النووي الذي تمثله، واحتواء نفوذها المزعزع للاستقرار في المنطقة عبر أذرعها، وتسوية النزاع حول مضيق هرمز الاستراتيجي. الاستراتيجية إذاً لا تزال هي نفسها. ما تغيّر هو التكتيك. فقد بات أكثر تشدداً، كما يدل على ذلك التصعيد المتزايد في نبرة تهديدات الرئيس ترامب. وقال في مقابلة مع قناة فوكس نيوز: «لن تنتهي الحرب إلا باستسلام إيران»، وذلك بعد وقت قصير من رسالة أولى نشرها على منصته «تروث سوشال» جاء فيها: «ستضرب الولايات المتحدة إيران بقوة كبيرة هذه الليلة، الخميس. البحرية، وسلاح الجو، والرادارات، والدفاعات المضادة للطائرات، وكل أشكال الدفاع الأخرى لدى طهران، إضافة إلى القسم الأكبر من قدراتها الهجومية، لم تعد موجودة». وفي ليلة الأربعاء الخميس، استهدف الجيش الأميركي خصوصاً جنوب إيران، إضافة إلى مواقع قريبة من العاصمة، ولا سيما في كرج ونظر آباد وبيشوا، وفقاً للحرس الثوري الإيراني. ورافق دونالد ترامب تهديداته العسكرية بتهديدات أخرى ذات طابع اقتصادي، أشد وقعاً على إيران: «في مرحلة ما، وفي مستقبل قريب جداً، قد نستولي على جزيرة خرج ونقاط أخرى من البنية التحتية النفطية. سنتولى السيطرة الكاملة على أسواق النفط والغاز لديهم، تماماً كما فعلنا مع فنزويلا، وهو أمر يعمل ببراعة لكل من فنزويلا والولايات المتحدة الأميركية»، كتب ترامب، في ما يبدو أنه خطة تهدف إلى إخضاع إيران التي ترزح تحت وطأة مشكلات اقتصادية متواصلة، تفاقمت بفعل الحصار الأميركي المفروض على موانئها. وكرر التهديد نفسه في مقابلة مع فوكس نيوز، لكنه أبدى تحفظات حيال رد فعل الرأي العام الأميركي، المعارض، بحسب قوله، لتصعيد النزاع. وقال: «تعلمون أن خياري المفضل كان دائماً السيطرة على جزيرة خرج. لا أعرف إن كانت أميركا تملك القدرة على تحمّل ذلك». وأشار دونالد ترامب أيضاً إلى أنه لا ينوي ضرب البنية التحتية المدنية، كي لا يلحق الأذى بالشعب الإيراني، الذي تعارض غالبيته نظام الملالي. كل هذه التهديدات تضع اتفاق وقف إطلاق النار، الساري منذ 8 نيسان، على المحك، حتى وإن كانت طهران ترد بعنف على الضربات الأميركية القاسية. وفي ليلة الأربعاء الخميس، استهدف الجيش الإيراني قواعد أميركية في الكويت والبحرين والأردن. لكنه تجنب الإمارات العربية المتحدة التي، بحسب بلومبرغ، عقدت أخيراً أول اجتماع أمني مع إيران منذ بداية الحرب. وكان هدف هذه اللقاءات، وفقاً للوكالة، ضمان الاستقرار الاقتصادي للإمارات. كما أغلقت طهران مضيق هرمز بالكامل، بعدما كانت حتى الأربعاء تسمح بمرور سفن الدول التي تعتبرها صديقة أو محايدة، وإن مقابل رسوم، في وقت أعلن فيه الجيش الأميركي أنه حيّد، الأربعاء، ناقلة نفط ثالثة حاولت خرق الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية خلال أسبوع واحد. لعبة خداع أم دبلوماسية؟ حتى الآن، تبدو موجة العنف الجديدة مضبوطة، بل مدروسة، على الرغم من أن مخاطر الانزلاق لا تزال قائمة. فطهران وواشنطن منخرطتان في نوع من لعبة خداع خطيرة، يحاول فيها كل طرف المناورة بما يملكه من أوراق لفرض شروطه ضمن جهود الوساطة التي لا تزال مستمرة. ويبقى السؤال: من سيتراجع أولاً؟ أحد المؤشرات الدالة على هذا العنف المحسوب والهادف الذي نشهده منذ أيام هو غياب أي انخراط إسرائيلي. ففي اليوم الذي يطلب فيه دونالد ترامب من حليفه الإسرائيلي المشاركة في الضربات ضد إيران، سيكون ذلك إيذاناً رسمياً بالعودة إلى الخيار العسكري لتحقيق أهداف الحرب المعلنة، مع ما يحمله ذلك من خطر اندلاع حريق إقليمي واسع. وبذلك، تواصل واشنطن الرهان على المسار الدبلوماسي. فقد أعاد دونالد ترامب التأكيد أمس أن هذا المسار يبقى «الخيار المفضل» لديه، في وقت كثفت إسلام آباد والدوحة جهودهما للتوصل إلى صيغة مقبولة لإعلان نوايا يتيح لإيران والولايات المتحدة استئناف المفاوضات. وغادر المفاوضون القطريون طهران الخميس، حيث كانوا قد وصلوا في اليوم السابق في محاولة لتذليل الخلافات بين الولايات المتحدة وإيران، بحسب ما أفاد دبلوماسي مطلع على المهمة القطرية لوكالة فرانس برس. وأكد هذا الدبلوماسي أن المحادثات مع المسؤولين الإيرانيين جرت بالتنسيق مع واشنطن، مشيراً إلى أنها استمرت «حتى الساعات الأولى من النهار». وفي إسلام آباد، أقر المتحدث باسم الخارجية الباكستانية، طاهر أندرابي، بصورة غير مباشرة بأن جهود التوفيق وصلت إلى طريق مسدود، لكنه شدد على أن بلاده لم تستسلم بعد. وقال: «من الصعب البقاء متفائلين في ظل الأعمال العدائية الجديدة، لكن لا نطوِ الصفحة على المقاربة الباكستانية الداعمة للوساطة». وأوضح أن إسلام آباد وجّهت رسالة بهذا المعنى إلى الطرفين. وأضاف أندرابي: «ما زلنا ملتزمين» بالوساطة. كما دعت المملكة العربية السعودية إلى مواصلة الوساطة الباكستانية، وأشادت بالدور الذي تؤديه قطر في دعم المفاوضات. وصدرت دعوة مماثلة عن الكرملين. وهكذا، تستمر الوساطة الآن على وقع الضربات والتهديدات الأميركية، العسكرية والاقتصادية. وفي هذا السياق، من المهم التوقف عند إعلان وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أن أموالاً ستُقتطع من الحسابات الإيرانية المجمّدة لتعويض الأضرار الناجمة عن إطلاق الصواريخ الإيرانية على الدول الحليفة لواشنطن في الخليج. وقال: «كل الرسوم التي دُفعت إلى سلطة مضيق الخليج الفارسي ستُعوَّض أيضاً من أموال تُقتطع من حساباتهم. كل هجوم تشنه إيران لن يؤدي إلا إلى تفاقم العواقب الاقتصادية والمالية التي تواجهها»، وذلك في وقت تتعلق إحدى أبرز نقاط الخلاف في الحوار غير المباشر بين طهران وواشنطن بالأرصدة الإيرانية المجمّدة. إذ تطالب الجمهورية الإسلامية بالإفراج عنها للقبول، بين أمور أخرى، بالعودة إلى المفاوضات. هل يمكن لاستراتيجية حافة الهاوية هذه أن تدفع طهران إلى قبول الشروط الأميركية من أجل «صفقة»، أم أنها، على العكس، ستقودها إلى الرد عبر توسيع رقعة النزاع العسكري، مع العلم أن ترامب يعارض حرباً واسعة النطاق؟ الأيام المقبلة يفترض أن تقدم بداية جواب. استئناف الصادرات اللبنانية إلى السعودية في لبنان، يتصدر الحدث السياسي ـ الاقتصادي الواجهة مع استئناف الصادرات اللبنانية إلى المملكة العربية السعودية. وكانت الرياض قد علّقت في أواخر عام 2021 وارداتها من لبنان على خلفية الأزمة التي اندلعت إثر تصريحات وزير الإعلام آنذاك جورج قرداحي بشأن التدخل السعودي في اليمن، وتهريب الكبتاغون إلى أراضيها. أما ميدانياً، فتتواصل عمليات تبادل إطلاق النار بين الجيش الإسرائيلي، الذي يواصل تقدمه في محيط قلعة الشقيف، ومسلحي حزب الله، الذين «قُتل منهم 10 آلاف خلال الحرب»، بحسب تل أبيب. أما في الجانب اللبناني، فيقترب عدد الضحايا من عتبة الأربعة آلاف. وفي ما اعتبرته إسرائيل انتهاكاً لوقف إطلاق النار في أيار، أطلقت التشكيلة الموالية لإيران مسيّرات باتجاه شمال إسرائيل صباح الخميس. وتم اعتراض هذه الطائرات قبل دخولها المجال الجوي الإسرائيلي، وفقاً للجيش الإسرائيلي. فهل هي رسالة موجهة إلى الأميركيين والإسرائيليين مفادها أن حزب الله مستعد لإعادة فتح الجبهة اللبنانية إذا تفاقمت المواجهة الجديدة بين طهران وواشنطن؟ السؤال مشروع.

حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (9)

تهدف هذه السلسلة من المقالات إلى فهم الوضع الحالي على ضوء الماضي، بعيدًا عن الخطابات العاطفية أو الأيديولوجية أو الرومانسية التي تتجاهل الوقائع، تاركةً للقارئ استخلاص الاستنتاجات التي يراها مناسبة. تناولت الأجزاء الثمانية السابقة إعادة قراءة للأحداث المرتبطة بصعود حزب الله منذ اتفاق الطائف، مرورًا بانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان في مايو/أيار 2000، وإقامة ما يشبه «حزب الله لاند» في الجنوب، وصولًا إلى حرب عام 2006. ويتناول هذا المقال المرحلة اللاحقة لتلك الحرب. دارت معركة وادي الحجير، أو وادي السلوقي، في القطاع الأوسط من الحدود اللبنانية – الإسرائيلية بين 11 و13 أغسطس/آب 2006، وكانت من أكثر المواجهات كلفة بالنسبة للجيش الإسرائيلي. كان الهدف من العملية الإسرائيلية عبور وادي السلوقي باتجاه الشمال للوصول إلى نهر الليطاني قبل دخول وقف إطلاق النار المرتقب حيّز التنفيذ. ويُعد وادي السلوقي، المعروف أيضًا باسم وادي الحجير، ممرًا جبليًا ضيقًا وشديد الوعورة. وقد استخدم مقاتلو حزب الله فيه بكثافة صواريخ «كورنيت» المضادة للدروع، القادرة على اختراق التدريع المزدوج، انطلاقًا من مواقع كمائن منتشرة على المرتفعات والقرى المحيطة. وما إن دخلت دبابات «ميركافا» الإسرائيلية الوادي حتى تعرضت لنيران متقاطعة من هذه الصواريخ. كما أدى ضعف التنسيق في البداية بين قوات المشاة والوحدات المدرعة الإسرائيلية إلى ترك الدبابات دون حماية كافية في مواجهة رماة الصواريخ المختبئين. وكان من المفترض أن تؤمّن قوات المشاة تغطية لتقدم الدبابات عبر نيران الهاون لإعاقة عمل فرق الصواريخ المضادة للدروع، إلا أن ذلك لم يُنفذ بفعالية. وغالبًا ما يصف أنصار حزب الله هذه المعركة بأنها «مجزرة الميركافا». وقد بلغت الخسائر الإسرائيلية 33 قتيلًا وعشرات الجرحى، إضافة إلى إصابة نحو عشرين دبابة ميركافا، دُمّرت اثنتان منها. أما حزب الله فخسر نحو أربعين مقاتلًا. وفي نهاية المطاف، تمكن الجيش الإسرائيلي من عبور الوادي في 13 أغسطس/آب، إلا أن دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 14 أغسطس/آب 2006 أوقف أي تقدم إضافي. وعلى هذا المحور، كانت القوات الإسرائيلية قد اجتازت بلدة الغندورية وتوقفت شمالها على بعد بضعة كيلومترات فقط من نهر الليطاني، الذي كان هدفها الأساسي. استهداف الجسور والطرق والبنى التحتية خلال حرب 2006، استهدفت إسرائيل خلال 33 يومًا 109 جسور و130 طريقًا في مختلف أنحاء لبنان. وكان أحد الأهداف الرئيسية عزل جنوب لبنان تكتيكيًا عبر تدمير الجسور المقامة فوق نهر الليطاني، بما يقطع خطوط الاتصال بين الجنوب وبيروت. وقد هدفت هذه الخطوة إلى منع حزب الله من إرسال التعزيزات والذخائر والمعدات العسكرية إلى جبهة القتال. كما كانت لهذه السياسة غايتان إضافيتان: الأولى، منع حزب الله من نشر صواريخ ثقيلة في مناطق لبنانية خارج الجنوب. ومن الأمثلة على ذلك تدمير جسر يربط بعبدا ببيروت بعد مرور صاروخ مخبأ داخل حاوية بطول 40 قدمًا عبر هذا الجسر على طريق بعبدا – وادي شحرور. أما الثانية، فتمثلت في منع نقل الجنديين الإسرائيليين اللذين أُسرا في بداية الحرب إلى خارج البلاد، وذلك من خلال تدمير الجسور والطرق المؤدية إلى سوريا. كذلك استهدفت الغارات الإسرائيلية البنى التحتية الحيوية، بما فيها مطار رفيق الحريري الدولي ومحطة الجية الكهربائية، بهدف شل الاقتصاد اللبناني والضغط على الحكومة اللبنانية لدفعها إلى نزع سلاح حزب الله. وأدى تدمير هذه المحاور إلى إعاقة وصول المساعدات الإنسانية بشكل كبير، ما حوّل العديد من بلدات الجنوب إلى مناطق معزولة. اندرجت هذه الاستراتيجية ضمن ما يُعرف بـ«عقيدة الضاحية» (Dahiya Doctrine)، وهي عقيدة عسكرية إسرائيلية في إطار حروب اللامتماثل، تقوم على استخدام قوة نارية هائلة وغير متناسبة ضد البنى التحتية المدنية في المناطق التي تُستخدم قاعدةً لحزب الله أو لحركة حماس أو لأي تنظيم مسلح آخر، ردًا على الهجمات التي تستهدف الأراضي الإسرائيلية. وقد بدأ تطبيق هذه المقاربة خلال حرب عام 2006، قبل أن يصوغها رسميًا عام 2008 الجنرال الإسرائيلي Gadi Eizenkot، رئيس الأركان الإسرائيلي لاحقًا. وتنطلق هذه العقيدة من اعتبار القرى أو الأحياء التي تُطلق منها الصواريخ أهدافًا عسكرية وليست مناطق مدنية. أسباب الإخفاقات التكتيكية الإسرائيلية كلفت الحكومة الإسرائيلية لجنة تحقيق رسمية برئاسة القاضي المتقاعد Eliyahu Winograd بدراسة الإخفاقات السياسية والعسكرية التي شهدتها الحرب ضد حزب الله عام 2006. وخلص التقرير النهائي للجنة إلى أن إسرائيل مُنيت بإخفاق استراتيجي وعسكري، مشيرًا إلى قصور في القيادة والإعداد والتخطيط. وعلى إثر ذلك، أعادت إسرائيل صياغة عقيدتها القتالية البرية، وسرّعت تطوير منظومة دفاع جوي قصيرة المدى عُرفت لاحقًا باسم Iron Dome (القبة الحديدية)، كما عمّمت استخدام منظومة الحماية النشطة Trophy على دباباتها وآلياتها المدرعة. ويقوم نظام «تروفي»، الذي بيع لاحقًا للجيش الأميركي، على اعتراض الصواريخ المضادة للدروع قبل وصولها إلى هيكل الدبابة. كشف تقرير وينوغراد عن هشاشة دبابة «ميركافا» أمام قذائف RPG-29 وصواريخ «كورنيت» و«ميتيس-إم» الدقيقة التابعة لحزب الله، وهي جميعها مزودة برؤوس حربية ترادفية (ثنائية الشحنة) قادرة على اختراق التدريع المزدوج للدبابة. ففي حين يعتمد التدريع الخارجي للميركافا على الدروع التفاعلية التي تنفجر لتشتيت الصواريخ التقليدية المضادة للدروع، تستطيع الرؤوس الترادفية تجاوز هذه الحماية واختراق الدبابة. وخلال حرب 2006 أصابت هذه الذخائر 52 دبابة ميركافا، ما أدى إلى مقتل 30 جنديًا إسرائيليًا. ومن بين هذه الدبابات: 5 دبابات دُمّرت بالكامل. 24 دبابة تعرضت لاختراق مباشر. 23 دبابة أصيبت بأضرار محدودة. وقد أُصلحت الدبابات الـ47 المتبقية وأُعيدت إلى الخدمة لاحقًا. دبابة ميركافا (تعني “مركبة” بالعبرية) خلال مناورات في صحراء النقب. (ا ف ب) إلا أن التقرير لم يعزُ هذه الخسائر إلى فعالية الصواريخ وحدها، بل أكد أن معظم الإصابات نتجت عن أخطاء تكتيكية ممنهجة في استخدام الدبابات. كما انتقد التقرير ضعف التنسيق بين سلاح الجو والقوات البرية والوحدات المدرعة، إضافة إلى النقص الكبير في تدريب قوات الاحتياط، التي لم تكن قد نفذت أي مناورات مدرعة طوال ست سنوات قبل الحرب. سابقة في التاريخ العسكري شكّل الاستخدام المكثف لقذائف RPG-29 وصواريخ «كورنيت» و«ميتيس-إم» ذات الرؤوس الترادفية نقطة تحول في التاريخ العسكري الحديث. فعلى الرغم من استخدام هذه الأسلحة بصورة محدودة خلال الحرب الشيشانية في تسعينيات القرن الماضي، وكذلك خلال حرب العراق عام 2003 ضد القوات الأميركية، فإن حرب 2006 كشفت للمرة الأولى فعالية استخدامها بشكل واسع من قبل ميليشيا مسلحة ضد دبابات مزودة بدروع تفاعلية متطورة. علاوة على ذلك، أظهرت التكتيكات المتقدمة التي اعتمدها حزب الله، والاستعدادات التي سبقت الحرب، حجم الانخراط الإيراني في لبنان، وقدمت مثالًا بارزًا على أساليب القتال في الحروب غير المتكافئة. ومن المرجح أن القوات الأوكرانية استفادت من دروس هذه الحرب، إذ إن التكتيكات التي استخدمتها خلال الأسابيع الأولى من الهجوم الروسي عام 2022 تشابهت في جوانب عديدة مع تلك التي اعتمدها حزب الله عام 2006، مع فارق أن الصواريخ المضادة للدروع المستخدمة كانت غربية الصنع، مثل صواريخ «جافلين» (المكافئة تقريبًا لـ«كورنيت») و«إن لاو» (المكافئة تقريبًا لـ«ميتيس-إم»). إقرأ أيضًا في الموضوع نفسه : حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (7) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (6) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (5) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (4) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (3) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (2) حزب الله وإسرائيل: حرب بلا نهاية في خدمة مَن؟ (1)

ال"حزب" أو الهيمنة عبر منع الاختلاف مسبقا والمعاقبة عليه

عندما استعدت فحوى كتاب أورويل “1984” ورواية “الغريب” لكامو، شعرت برابط معين فيما يتعلق بوصفهما لأداة السيطرة، أو للإطار العام للسيطرة، وبين ما هو حاصل في لبنان، خصوصاً في السنوات الاخيرة، بعد ان استتبت السلطة في يد حزب الله وتحت أمرته. هناك تقاطع غريب بين عالمي أورويل وكامو، في حين يبدوان ظاهرياً مختلفان: عالم القمع الخارجي عند اورويل وعالم اللامعنى والبرود الوجودي عند كامو. عند أورويل الفرد خاضع لرقابة خارجية مطلقة. “الأخ الأكبر” لا يراقب السلوك فقط، بل يحاول السيطرة على الوعي ذاته. الهدف ليس فقط الامتثال، بل إلغاء إمكانية الاختلاف الداخلي. هنا الحرية مهددة من الخارج، والفرد (وينستون) يسعى إلى استعادة ذاته عبر التمرد. أما عند كامو، فالأمر مقلوب تقريباً. لا توجد سلطة شمولية ظاهرة تراقب البطل ميرسو. المشكلة ليست رقابة خارجية، بل فراغ داخلي. ميرسو لا "يتمرّد" لأنه أصلاً لا يرى ما يستحق التمرد. ومع ذلك، المجتمع لا يقبل هذا الحياد؛ فيُحاكمه ليس على جريمته فقط، بل على عدم امتثاله العاطفي، عدم البكاء في جنازة أمه. في “1984”: المجتمع يفرض رقابة شاملة - الفرد يحاول الهروب منها لاستعادة إنسانيته. في “الغريب”: الفرد لا يخضع تلقائياً للمعايير – فيمارس المجتمع عليه رقابة لاحقة ليُعيده إلى "السلوك السوي". بمعنى آخر: أورويل يصف مجتمعاً يمنع الاختلاف مسبقاً. أما كامو فيصف مجتمعاً يعاقب الاختلاف بعد ظهوره. ان القمع عند أورويل: سياسي-مؤسساتي. وعند كامو: أخلاقي-اجتماعي. في عالم أورويل لا يُسمح للفرد أن "يبتعد" أصلاً ، لأن الرقابة استباقية وشاملة، وإن ابتعد (كما فعل وينستون)، فسوف تُعاد صياغته بالكامل، وسوف يُجبر على حب السلطة نفسها. وهنا "الاستعادة" أكثر رعباً: ليست عودة للسلوك الطبيعي، بل إعادة خلق الإنسان من الداخل. في العملين، المجتمع لا يحتمل الابتعاد عن "النموذج"، لذلك يمارس رقابة هدفها النهائي إعادة الفرد إلى القاعدة، إما عبر الإقناع القسري (كامو) أو إعادة البرمجة الكاملة (أورويل). عند كامو: القاعدة أخلاقية/اجتماعية، المطلوب أن تشعر كما يجب. عند أورويل: القاعدة سياسية/فكرية، المطلوب أن تفكر كما يجب. كلا العالمين يقولان شيئاً مزعجاً جداً: المشكلة ليست فقط في السلوك، بل في أن المجتمع يريد: توحيد الداخل الإنساني نفسه: المشاعر أو الأفكار. ميرسو يُدان لأنه لا يشعر كما يجب وينستون يُكسر لأنه لا يفكر كما يجب. الآن إذا قمنا باستبدال كلمة "المجتمع"، ووضعنا مكانها "حزب الله"، أفلن نجد أن هذا الحزب قام بإنجاز أسلوب القمع كما في رواية أورويل 1984، وتعامل جميع محازبيه والمدافعين عنه، كما فعل "المجتمع" في رواية كامو؟ عند إسقاط هذا على الواقع على حزب الله نجده قام ب: إعادة تشكيل الوعي (إقناع، هوية، سردية) أقرب إلى "أورويل الرمزي"، والعقاب المباشر عند الرفض، أقرب إلى "كامو الفعلي". بل حتى أنه أضاف البعد الديني على رقابته، التكفير والخروج على الدين. ورقابته للسلوك الاجتماعي – الاخلاقي، هو كما عند كامو يتمثل في منع حتى التعبير عن مظاهر الحزن، "فالشهيد ارتقى سعيداً". ان ما هو أخطر من القتل، أن تُعاد صياغتك بحيث لا تعود ترى نفسك منفصلاً عن السلطة أو الجماعة. وهنا تحديدا يلتقي أورويل مع كامو في الطريقة التي اتبعها حزب الله: الأول عبّر كسر الداخل، والثاني عبّر عن معاقبة من يرفض الانخراط في "الإطار المرسوم" عبر "ثقافة السحسوح". من هنا نجد ان هيمنة حزب الله على جزء كبير من الطائفة الشيعية، وعلى مفاصل أساسية في الدولة اللبنانية، لم تكن نتيجة عامل واحد بسيط، ولا يمكن تفسيرها فقط بالقوة العسكرية أو فقط بالشرعية الشعبية. ما حصل هو نتيجة تراكم تاريخي معقد جمع بين العنف، وتأطير الهوية، وإعادة تشكيل المجتمع من الداخل. لفهم هذا المسار، لا بد من قراءة ثلاث آليات مترابطة: أولاً: القسر – تأسيس القوة وفرض الوقائع في مرحلة الثمانينيات، وضمن سياق الحرب الأهلية اللبنانية، لم يكن الصراع سياسياً فقط، بل كان صراعاً على الوجود والنفوذ داخل الطائفة نفسها. ولقد شهدت هذه المرحلة: تصفية أو إقصاء قوى فكرية حسن حمدان وحسين مروة وغيرهم حتى من المقاومين (شيوعية، يسارية، ليبرالية) صدامات مع قوى شيعية أخرى (حركة أمل وحرب الأخوة) استخدام أدوات العنف، والخطف، والردع المباشر على البيئة اللبنانية، وعلى الاجانب ايضاً (تفجير السفارات وخطف الاجانب..) فرض أنماط سلوك بالقوة أو بالترهيب في بعض البيئات، هذا يعني أن الحزب لم ينشأ في بيئة "اقتناع حر"، بل في بيئة: أُعيد تشكيلها جزئياً بالقوة. وهنا نكون أمام ما يمكن تسميته: المرحلة الأورويلية التأسيسية؛ حيث تُفرض الحدود أولاً، قبل أن تُبنى الشرعية. ثانياً: الضبط الاجتماعي: تحويل الإكراه إلى "السلوك السوي - الطبيعي". بدأ بعد تثبيت النفوذ، التحول الأهم: لم يعد المطلوب فقط السيطرة، بل إعادة تشكيل المجتمع نفسه. تم ذلك عبر: فرض معايير للسلوك (الديني، الاجتماعي، الثقافي)، محاولة فرض الحجاب بالقوة عبر التهديد بالتشويه (ماء النار)، ومن ثم بالترغيب، عبر دفع اموال مقابل التحجب. ثم خلق ثنائية: "مقاوم/خائن"، و"ملتزم/منحرف". وتم ضغط اجتماعي قوي على المختلفين (سمعة، مقاطعة وعزلة، وتخوين). في هذه المرحلة، لم يعد القمع مباشراً دائماً، بل أصبح: موزعاً داخل المجتمع نفسه. أي أن المجتمع بدأ يمارس الرقابة على أفراده. وهنا نقترب من منطق كامو: لا يُعاقَب الفرد فقط على ما يفعل، بل على عدم امتثاله للنموذج الجماعي. ثالثاً: بناء الإطار الذي ينتج القناعة والهوية. والمرحلة الأهم في نجاح هذا النموذج كانت: بناء سردية قوية تؤطر كل ما سبق، كي تعطيه المعنى. هذه السردية قامت على: فكرة المقاومة والكرامة حماية الجماعة من تهديدات خارجية إعطاء قيمة للتضحية والمعاناة والشهادة ربط الدين بالسياسة والهوية بالتوازي، تم بناء: شبكات خدمات اجتماعية مؤسسات تعليمية وصحية وترفيهية بنية تضامن داخلي: تزييد المناسبات الدينية، وخلق طقوس وعادات مستوردة اصلاً من إيران. وهنا بدأ يتحقق التحول الحاسم: من مجتمع خاضع إلى مجتمع مقتنع (جزئياً على الأقل). ونجد تفسير هذا السلوك عند إريك فروم: الإنسان لا يهرب فقط من القمع، بل أحياناً: يختار الامتثال لأنه يمنحه الأمان والشعور بالانتماء للجماعة. رابعاً: اللجوء الى القمع والقسر السياسيين رغم نجاح الضبط الاجتماعي وبناء القناعة، بقي القسر السياسي حاضراً عند الأزمات. تجلى ذلك في: أحداث داخلية مفصلية (مثل 2008) مناخ الاغتيالات والردع السياسي، منذ الشهيد الحريري وحتى استشهاد لقمان سليم. ترسيخ خطوط حمراء غير قابلة للتجاوز: الدوحة والثلث المعطل، والقمصان السود. هذه اللحظات تؤدي وظيفة أساسية: التذكير الدائم بأن القوة لا تزال موجودة. وبذلك يبقى التوازن قائماً بين: القناعة من جهة والخوف من جهة اخرى. خامساً: كيف نشأ "الرضى الظاهري"؟ لا يمكن تبسيط ما يبدو كـ"رضى" داخل البيئة، بل هو نتيجة تداخل عوامل مركبة: قناعة فعلية عند شريحة من الناس، و تكيف عند شريحة أخرى، وخوف أو صمت عند آخرين، إضافة الى غياب بدائل مقنعة. أي أن: "الرضى" هو في الواقع بنية مركبة، وليس موقفاً واحداً. ما نتج عن هذا المسار الطويل، وصولنا إلى وضع حيث: الحزب لا يسيطر فقط بالقوة، بل عبر الهوية والاطار الذي من خلاله يفهم الإنسان نفسه، ومعاناته، وخياراته، بوصفها منطقية ومشروعة وذات قيمة. عندها يساهم المجتمع نفسه جزئياً في إعادة إنتاج هذه الهيمنة. وبالتالي: لا تعود السيطرة خارجية فقط، بل تصبح داخلية أيضاً. ماذا يحدث اليوم؟ لكن التحولات الأخيرة، خصوصاً تحت ضغط الأحداث الإقليمية والعنف الخارجي، أودت الى ظهور: فجوة بين السردية والواقع تساؤلات داخلية (لا تزال صامتة في الغالب) إعادة تقييم غير معلنة لكن في المقابل: الخطر الخارجي يعيد شدّ التماسك والضغط الاجتماعي يمنع الانفجار العلني لذلك نعيش اليوم: مرحلة اهتزاز صامت، لا تحول واضح أو نهائي بعد.

دبلوماسية تحت النار: ترامب يهدد طهران بضربات جديدة

تواصل حدة التوتر ارتفاعها في المنطقة، لكنها لا تزال حتى الآن تحت السيطرة. ويبدو أن طهران وواشنطن، اللتين تواصلان تبادل الرسائل عبر الوسيط الباكستاني، قد اختارتا تكتيكاً جديداً يمكن وصفه بـ«الدبلوماسية تحت النار». ومن هذا المنظور تُفسَّر اليوم التطورات العسكرية التي أطلقتها إيران في المنطقة خلال الساعات الثماني والأربعين الماضية. فالجمهورية الإسلامية، التي تخنقها إجراءات الحصار البحري التي فرضتها واشنطن على موانئها، ولم تعد تملك هامشاً كبيراً للمناورة بعد سياسة كسب الوقت التي اعتمدتها سابقاً، باتت ترى في الخيار العسكري وسيلة لتخفيف الضغوط الواقعة عليها على مستويين. الأول يتعلق بالمفاوضات المباشرة اللبنانية ـ الإسرائيلية للتوصل إلى اتفاق سلام. ففي حال إبرام هذا الاتفاق، فإنه سيضع حداً حتماً لنفوذ إيران في لبنان عبر حزب الله، في وقت تسعى فيه طهران إلى إدراج ملف الحزب على جدول أعمال أي مفاوضات محتملة مع واشنطن لفرض شروطها. أما المستوى الثاني، فيرتبط بمفاوضاتها الخاصة مع الولايات المتحدة من أجل التوصل إلى وقف إطلاق نار دائم. وبإسقاطها الثلاثاء مروحية عسكرية أميركية من طراز «أباتشي» كانت تقوم بدورية في المياه الدولية لمضيق هرمز، انتقلت إيران إلى مرحلة أكثر تصعيداً في مواجهتها مع الولايات المتحدة. وسارعت واشنطن إلى الرد عبر تنفيذ موجتين من الغارات استهدفتا أنظمة دفاع جوي ورادارات حول مضيق هرمز، بحسب موقع «أكسيوس» الأميركي. وقد دوّت انفجارات متتالية خلال الليل على طول الساحل الجنوبي لإيران. ووفقاً للقيادة العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط (سنتكوم)، فإن هذه «ضربات دفاعية» نُفذت بأمر من «القائد الأعلى للقوات المسلحة»، في إشارة إلى الرئيس دونالد ترامب. وردّت إيران بشن هجمات على قواعد أميركية في البحرين والأردن والكويت. «ضربات وشيكة» ورغم أنه لم يتخلَّ عن الخيار الدبلوماسي، فإن الرئيس الأميركي، الذي دأب على التأكيد بأن اتفاقاً «جيداً» مع طهران بات وشيكاً، غيّر لهجته بشكل جذري الأربعاء. فقد بدا أكثر تهديداً، موحياً بأنه يدرك أسلوب المماطلة الإيراني ولا ينوي الوقوع في فخه. وأكد ترامب، خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، أنه يعتزم «توجيه ضربات جديدة لإيران اليوم»، الأربعاء، وأنه يدرس تنفيذ هجوم واسع النطاق يستهدف محطات كهرباء وجسوراً. وجاءت هذه التهديدات بعدما اتهم طهران بالخداع والمراوغة. وقال من المكتب البيضاوي: «سنهاجمهم، وسنهاجمهم بقوة شديدة. كنا بالفعل على وشك التوصل إلى اتفاق، لكنهم يواصلون خداعنا والاستهزاء بنا». وكان قد كتب قبل ساعات على منصة «تروث سوشال» أن إيران «استغرقت وقتاً طويلاً جداً للتفاوض على اتفاق كان سيكون ممتازاً لها»، لكنها «ستضطر الآن إلى دفع الثمن»، علماً أنه كان قد أعلن قبل حادثة الأباتشي بيوم واحد فقط عن «اتفاق جيد جداً» متوقع خلال «يومين إلى ثلاثة أيام». وأضاف: «إيران كثيرة الكلام وقليلة الأفعال. طاغية الشرق الأوسط قد مات!!!»، مذكّراً بأن الجيش الإيراني تعرض لضربات قاسية. إلا أن هذا الجيش لا يزال يحتفظ بقدرات مؤذية، كما أظهرت الهجمات الصاروخية الليلية التي استهدفت إسرائيل بين ليل الاثنين والثلاثاء. وجاءت تلك الهجمات رداً على الغارات الإسرائيلية التي استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت الأحد، والتي نُفذت انتقاماً من هجمات شنها حزب الله على شمال إسرائيل. ويمكن بسهولة ربط هذا التصعيد بالنظام الإيراني الذي كان قد هدد بالرد على أي هجوم يستهدف الضاحية الجنوبية، في حين كانت إسرائيل قد توعدت بقصف معقل حزب الله إذا واصل الحزب هجماته على أراضيها. وقد أقدم حزب الله، المتضرر من اتفاق وقف إطلاق النار اللبناني ـ الإسرائيلي الذي تم التوصل إليه في واشنطن، وربما بدفع من داعمه الإيراني، على إطلاق صواريخ باتجاه الجليل، ما أدى إلى رد إسرائيلي أعقبه رد إيراني كان متوقعاً بدوره. ورغم هذا التصعيد، لا تزال التوترات ضمن حدود يمكن السيطرة عليها، كما تعكس ذلك المهمة القطرية الجارية حالياً في طهران بالتنسيق مع واشنطن. لكن النار لا تزال كامنة تحت الرماد. ويبقى السؤال: هل سينفذ دونالد ترامب تهديداته إذا واصلت طهران سياسة المماطلة؟ وفي هذا السياق، أفادت معلومات مساء الأربعاء بأن إيران رفضت اقتراحاً قطرياً لعقد اجتماع مع الولايات المتحدة لبحث نقاط الخلاف بين الطرفين. وفي الوقت الراهن، تبدو الجمهورية الإسلامية ممزقة بين تيارين: الأول متشدد، يمثله الحرس الثوري الإيراني. والثاني أكثر اعتدالاً، يقوده الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. فبينما صعّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، المقرب من الحرس الثوري، لهجته تجاه واشنطن الأربعاء، لفت بزشكيان الأنظار بخطاب دعا فيه إلى الحوار. وقد اكتسبت كلماته أهمية خاصة لأنها بدت موجّهة إلى الحرس الثوري نفسه، ولأنه استشهد بالمرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي، معتبراً أن «الحوار هو السبيل الوحيد للخروج من حالة اللا حرب واللا سلم التي تعيشها إيران». وهو ما بدا بمثابة دعوة غير مباشرة إلى اتباع النهج الذي رسمه الزعيم الإيراني الذي قُتل في فبراير الماضي خلال ضربة إسرائيلية ـ أميركية استهدفت طهران. حرية أكبر لإسرائيل في لبنان على الجبهة اللبنانية، ليس مؤكداً أن حزب الله سيأخذ بمواقف بزشكيان، إذ إن الحزب يتلقى أوامره مباشرة من الحرس الثوري. غير أن أي عمليات إطلاق نار جديدة باتجاه إسرائيل قد تكون مكلفة للغاية، بعدما حصل الجيش الإسرائيلي على صلاحيات أوسع للرد الفوري عبر ضربات تستهدف الضاحية الجنوبية، من دون الحاجة إلى العودة إلى المستوى السياسي. ويعكس هذا القرار، الذي اتخذه المجلس الوزاري الأمني المصغر الاثنين، أولوية منطق الرد العسكري السريع، من دون أن يكون لذلك تأثير يُذكر على المسارات السياسية الجارية. وكأن كل طرف يسعى إلى اختبار الخطوط الحمراء للطرف الآخر. وفي هذا الإطار، جدد الرئيس اللبناني جوزاف عون الأربعاء تأكيد عزمه على «المضي حتى النهاية» في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. أما ميدانياً، فقد بقيت العمليات العسكرية في لبنان محدودة الأربعاء في جنوب البلاد، حيث قتل الجيش الإسرائيلي شخصين باستهداف سيارتهما في صيدا، من دون أن يتم التعرف إلى هويتيهما حتى الآن. وفي كفرشوبا، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه اعتقل «رجلين اقتربا من منطقة تنفذ فيها القوات الإسرائيلية عمليات ميدانية (...) وتم نقلهما إلى إسرائيل لاستجوابهما»، وفق بيان نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.

الحرب في إيران: مؤشرات تصعيد جديدة تلوح في الأفق

تأرجح مسار الصراع في إيران مجدداً بين التصعيد والتهدئة؛ فبعد التصريحات الأخيرة للمسؤولين الأمريكيين التي تحدثت – للمرة الألف – عن قرب التوصل إلى «اتفاق» مع الجمهورية الإسلامية، تلبّدت أجواء المشهد السياسي بغيوم رمادية جديدة مساء الثلاثاء. وفي هذا السياق، أعلن الرئيس دونالد ترامب في ساعة متأخرة من الليل أنه تلقى تقريراً من القيادة العسكرية الأمريكية، يؤكد أن نيراناً إيرانية أسقطت، مساء الإثنين، مروحية أمريكية من طراز "أباتشي" في مضيق هرمز، أثناء قيامها بمهمة دورية في المنطقة. وقد تمكنت فرق الجيش الأمريكي من إنقاذ الطيار ومساعده، وهما سالمان معافيان، بعد عمليات بحث استمرت ساعتين. وسارع سيد البيت الأبيض إلى التأكيد قائلاً: «يتعين على الولايات المتحدة الرد على هذا الهجوم». وبعيد تصريح الرئيس ترامب، أشار مسؤولون أمريكيون لصحيفة "نيويورك تايمز" إلى أنه «لم يعد واضحاً ما إذا كانت المفاوضات مع إيران ستُستأنف بعد تعهد ترامب بالرد على إسقاط المروحية». على الأرض، يرجّح أن يقتصر الردّ الأمريكي على الهجوم الإيراني ليل الإثنين على ضربة موضعية، محدودة في الزمان والمكان. ومع ذلك، فإن من شأن هذه الخطوة أن تُذكي، بل وتُفاقم مناخ التوتر والريبة المخيّم على الصراع مع طهران. ولم تكن مواقف رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف (الذي يرأس فريق المفاوضات مع واشنطن) قبل يومين، إلا انعكاساً جلياً لهذا التوتر؛ إذ لم يكتفِ بالتشديد على أن الجمهورية الإسلامية «لا تثق بالولايات المتحدة»، بل وصفها مجدداً، وبلا مواربة، بـ«العدو». وفي كل الأحوال، تشير المعطيات كافة إلى أن إدارة ترامب لا تعتزم، في الوقت الراهن على الأقل، الانخراط في مواجهة واسعة النطاق مع إيران. وهو ما دفع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، على الأرجح، إلى الجزم خلال الاجتماع الأخير للمجلس الوزاري المصغر (الكبينت)، بأن إسرائيل «قد تجد نفسها مضطرة لمواجهة إيران بمفردها»، مستطرداً بأن «المعركة مع الجمهورية الإسلامية وحزب الله لم تنتهِ بعد». جوزاف عون يواصل هجومه على إيران على الصعيد الميداني، واصل الطيران الإسرائيلي الإثنين غاراته المكثفة مستهدفاً مواقع ومستودعات ذخيرة تابعة لـ"حزب الله" في بلدات عدة بالجنوب اللبناني. وفي الموازاة، أعلن الجيش الإسرائيلي تصفية عنصر ميليشياوي من الحزب اجتاز الحدود اللبنانية، وكان يعتزم، على ما يبدو، التسلل إلى إحدى المستوطنات في شمال إسرائيل. بالتزامن، أصدرت قوات الاحتلال الإثنين إنذاراً بإخلاء مدينة صور، وتحديداً الحي المسيحي حيث تحصنت عناصر مسلحة موالية للحزب المدعوم من طهران. وفي هذا الإطار، وجهت فعاليات مسيحية نداءً عاجلاً لإخلاء الحي من السلاح والمسلحين. سياسياً، نشرت رئاسة الجمهورية نص الجزء الثاني من المقابلة التي أجراها الرئيس جوزاف عون مع شبكة "سي إن إن (CNN) . وجدد رئيس الجمهورية انتقاداته لممارسات الجمهورية الإسلامية في لبنان، مشدداً على أن السلطة اللبنانية تطمح إلى إقامة علاقات طيبة مع طهران، «لكن على قاعدة الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر»، آخذاً على النظام الإيراني تحديداً «تدخلاته في الساحة اللبنانية». وفي ما يخص "حزب الله"، اعتبر الرئيس عون أن «الوقت قد حان لتحلّ الدولة محل الميليشيات»، مؤكداً أن البيئة الشيعية «باتت متعبة» ولا بد من تقديم بديل لها «عبر مؤسسات رسمية قوية». وتطرق الرئيس عون إلى مسألة سلاح الحزب، لافتاً إلى أن «الحرب (في لبنان) كان ينبغي أن تنتهي عام 2000» (عقب الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الشريط الحدودي). وأبدى رئيس الدولة أسفه لكون "حزب الله" قد «ارتكب أخطاءً استراتيجية» بعد ذلك الانسحاب. أما في ما يتعلق بالمفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، فقد أعاد الرئيس عون تأكيد رغبة السلطة اللبنانية في إنهاء حالة الحرب بين البلدين بشكل نهائي.

قضية رياض سلامة: من يرى القشة في عين الجار...

مِن المستغرب، بل ومِن المفارقة حقاً، أن نطالع حتى يومنا هذا تقارير منحازة واختزالية، تنشرها وسائل إعلام موجّهة وتتناقلها منصات التواصل الاجتماعي، في وقت يواجه فيه الوطن تطورات مفصلية على الصعيدين الداخلي والدولي، ويواجه مصيره اختباراً عسيراً منذ عقود. وللأسف، لا يشكّل هذا الأمر سابقة من نوعه. فنحن نقف اليوم أمام مناورات إعلامية تهدف إلى التعمية وتحويل الأنظار عن القضايا الساخنة والملحّة؛ ونعني بها تلك الحرب الضروس التي تجرّ البلاد نحو دمار شامل، وتهوي بها في قعر هُوّة سحيقة، اقتصادياً واجتماعياً ومالياً، غير مسبوقة. إن هذه الملحمة بأكملها، والتي لم تعد غريبة في واقع الأمر، تبدو أشبه بـ«سيناريو مكرر». لازمة رنّانة ومدروسة تعكس رغبة واضحة في التقويض التام: تشويه سمعة حاكم مصرف لبنان السابق، رياض سلامة، وشقيقه رجا، عبر اجترار المسألة آلاف المرات، مع إضافة لمسة جديدة هذه المرة من خلال إقحام دور بنك (HSBC) . وكأنَّ رياض سلامة بات، وحده، المتسبّب في إفلاس نظامنا المالي والاقتصادي وانهياره. فمن السهل، بالفعل، تغذية الرأي العام بهذه الأسطوانة المشروخة بعد كل ما شهدته الساحة السياسية اللبنانية من فبركات إعلامية، لطمس حقيقة مليارات الدولارات التي هُدرت - وربما نُهبت - على مدى سنوات، عبر وزارات متعاقبة وبموجب قرارات اتخذتها الحكومات المتتالية، وصادق عليها مجلس النواب، قبل أن يطويها النسيان مع الأسف الشديد. وفي هذا السياق القاتم والمربك، والذي يلامس حدّ الهوس غالباً، لا يبدو أنَّ ثمة ما يحرّك الساكن أو يدعو، على الأقل، إلى التفكير الهادئ، طالما أنَّ العقول أسيرة أوهامها. فقد نقلت صحيفة "لوموند" الفرنسية عن محامي رياض سلامة، أنَّ الأخير تمكّن من الاستحواذ على عقاراته بفضل المداخيل المرتفعة التي كان يتقاضاها إبّان عمله مستشاراً مالياً لدى شركة "ميريل لينش" (Merrill Lynch)، وذلك قبل تعيينه في منصب حاكم مصرف لبنان... غير أنَّ إشارة الصحيفة الفرنسية هذه تتبدد كأوراق الخريف المتساقطة. والأمر سيّان حين يقدّم وكيل الحاكم السابق للقضاء الأدلة والمستندات التي تثبت مصدر الأموال المتعلقة باستثماراته المختلفة ووجهتها. ألا يمكن، أخيراً، ترك العدالة تأخذ مجراها قبل إطلاق اتهامات لا أساس لها من الصحة؟ وبالحديث عن القضاء، أليس من المفاجئ حقاً أن تكفّ هذه السلطة، التي تشكّل ركيزة الدولة، عن ملاحقة زعماء سياسيين ورؤساء أحزاب يتحمّلون مسؤولية جسيمة - وهو أمر ليس سراً على أحد - عن الثغرات التي اعتورت إدارة الأمن والقضاء، وإنفاق الدولة في مجالات الشؤون الاجتماعية والكهرباء والتعليم؟ هذا ناهيك عن بعض الجمعيات الوهمية، مدنية كانت أم دينية، أو مليارات الدولارات التي تبخّرت في دعم البنزين والقمح والمواد الغذائية الأخرى... فلا نقعنَّ إذن في فخّ هذه المناورات الإعلامية، ولا في شِباك هذا التوقيت السياسي الموجّه والمجحف، وهو توقيت - نذكّر مجدداً - لا يمتّ إلى الصدفة بصلة. وإذا كان إلقاء اللوم على مسؤول رفيع يهدف إلى استمطار العقوبات ولعنات السماء عليه، فلنمتلك على الأقل الشجاعة واللياقة للاعتراف بأنَّ رياض سلامة هو الوحيد، حتى اليوم، الذي دفع الثمن. ومع ذلك، لم يخرج من نفق الأزمة بعد. فلنترك للقضاء مَهمة إنجاز عمله والبتّ في القضية في أجواء هادئة، دون سلب الحاكم السابق حقّه في الدفاع عن نفسه. وختاماً لهذا الفصل بكل تواضع، قد يكون من المفيد التذكير بمقولة شهيرة: «إذا كنت تبحث عن القشة في عين جارك، فعليك أولاً أن تملك الأمانة لترى الخشبة في عينك». ولا شك في أنَّ هذه العبارة تستدعي اليوم الكثير من التأمل. *أنطوان منسى هو الرئيس المؤسس لمجلس رجال الأعمال اللبنانيين الفرنسيين في فرنسا(HALFA) .