شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
«الإنسانية الرائعة» للبابا ليون الرابع عشر: وثيقة تأسيسية في عصر الذكاء الاصطناعي (1/3)

في رسالته العامة الأولى منذ اعتلائه السدة البابوية، يخوض البابا لاون الرابع عشر مباشرة في ملف الذكاء الاصطناعي، مستعرضاً منافعه الهائلة ومحذراً، في آنٍ، من أخطاره الراهنة والمستقبلية. ففي عصرٍ بات يستسلم لفكرة أن «الحرب جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية»، يخرج الحبر الأعظم ليعيد إلى الواجهة منطق «السلام الممكن». طرح البابا لاون الرابع عشر، الذي مرّ على اعتلائه كرسي بطرس ما يزيد قليلاً عن العام، في الخامس عشر من أيار الماضي رسالته الرعوية الأولى تحت عنوان «الإنسانية الرائعة» (Magnifica humanitas). وتتناول الوثيقة بإسهاب المنافع الكبرى للذكاء الاصطناعي ومخاطره القائمة والمستقبلية، باعتباره طفرة تكنولوجية غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، لكنه يمثل في الوقت عينه أداة رهيبة قادرة على استعباد البشرية وتشويه الطبيعة الإنسانية. وتبدو الموازاة جليّة، حتى في الشكل، بين «الإنسانية الرائعة» والرسالة الشهيرة «في الشؤون الحديثة» (Rerum novarum) التي أطلقها البابا لاون الثالث عشر عام 1891؛ إذ اختار لاون الرابع عشر خطوة رمزية بتوقيع وثيقته في 15 أيار 2026، بالتزامن مع الذكرى السنوية الخامسة والثلاثين بعد المئة لصدور تلك الرسالة التي أرست الحجر الأساس لـ«العقيدة الاجتماعية للكنيسة». وكان الحبر الأعظم قد أفصح في وقت سابق عن اختياره اسمه البابوي تكريماً للاون الثالث عشر، رابطاً في خطوة مباشرة بين الاضطرابات التي واكبت الثورة الصناعية الأولى وتلك التي يفرضها اليوم عصر الذكاء الاصطناعي. ففي عام 1891، وضعت رسالة «في الشؤون الحديثة» - والتي شكلت مصدر إلهام لكل العقيدة الاجتماعية للكنيسة طوال القرن العشرين - جملة من المبادئ للتأكيد على أن الاقتصاد والتقدم التقني عموماً، واللذين كانا يشهدان تحولاً جذرياً آنذاك، يجب أن يظلا في خدمة الإنسان وليس العكس. وفي خضم الثورة الصناعية، أراد البابا لاون الثالث عشر التحذير من الخطر الذي يهدد الإنسانية جراء صعود الرأسمالية المتفلتة من جهة، والمشروع الاشتراكي لاقتصاد الدولة من جهة أخرى. ومن بين تلك المبادئ الكبرى، برزت كرامة العامل، وضرورة التزام الدولة برعاية الصالح العام، والوجهة العالمية للممتلكات في مواجهة احتكار القلة، ومبدأ التضامن الذي يقضي بألا تتدخل السلطة العليا إلا في الشؤون التي عجزت عن إنجازه الوحدات الصغرى بمفردها. هذا إلى جانب الإقرار بشرعية العمل النقابي والملكية الخاصة على حد سواء، والتشديد على خيار الانحياز المبدئي للفقراء. إرث «مُعزَّز» لَقِيَت الرسالة العامة «الإنسانية الرائعة» ترحيباً واسعاً بصفتها وثيقة تأسيسية للعصر الرقمي، تضاهي في أبعادها رسالة «في الشؤون الحديثة» التي واكبت الثورة الصناعية. فالوثيقة الجديدة تستكمل هذا الإرث وتُمَدِّد مفاعيله إلى الفضاء الرقمي المستجد، انطلاقاً من رؤية مفادها أن «الذكاء الاصطناعي لا يمكن مقارنته كملف هامشي، أو كحالة طارئة تتطلب تدبيراً موقتاً، بل هو تحول بنيوي يُسائل في الصميم مقوّمات العقيدة الاجتماعية للكنيسة من الداخل» (الفقرة 17). ويرى كثر من المفكرين أن البابا لاون الرابع عشر يثبت، من خلال هذه الوثيقة، أنه رجل المرحلة بلا منازع. وفي هذا السياق، تدمج الرسالة العامة البيانات الرقمية في «الوجهة العالمية للممتلكات»؛ إذ تؤكد أن «براءات الاختراع، والخوارزميات، والبنى التحتية الرقمية، هي خيرات لا يجوز أن تظل حكراً على قلةٍ من المتنفّذين» (الفقرة 67). وفي مقلب آخر، تعيد الوثيقة صياغة «مبدأ التدرج»؛ نظراً إلى أن «المستوى الأعلى» لم يعد متمثلاً في الدولة بمفهومها التقليدي، بل في المنصات التكنولوجية الكبرى التي باتت تتحكم في شروط الانخراط في الحياة العامة (الفقرة 71). نداءٌ يستحثّ المجتمع برمّته وعلى غرار الرسائل الاجتماعية الكبرى في التقليد الكاثوليكي، تُسائل «الإنسانية الرائعة» المجتمع بمختلف مكوناته. إنه نداء عالمي يتوجه إلى مصممي الخوارزميات والقادة السياسيين بالقدر نفسه الذي يخاطب به المواطنين العاديين، مؤمنين وغير مؤمنين، بغية إعادة كرامة الإنسان، غير القابلة للتصرف، إلى صلب الابتكار التكنولوجي. وتتسم الرسالة العامة بوفاء عقائدي راسخ؛ إذ تستعيد المفاهيم التي أرساها البابا يوحنا بولس الثاني حول كرامة العمل البشري (رسالة «ممارسة العمل»)، وأطروحات البابا بندكتس السادس عشر بشأن التنمية البشرية المتكاملة في مواجهة المد التقني (رسالة «المحبة في الحقيقة»)، كما تتقاطع مع رؤية البابا فرنسيس في تكريس الوجهة العالمية للممتلكاتومناهضة «النموذج التكنوقراطي» (رسالة «كن مسبَّحاً»)، فضلاً عن تعزيز قيم الأخوّة الإنسانية في مواجهة الفردية الرقمية التي تغذيها الشاشات (رسالة «جميعنا إخوة»). مواكبة لاهوتية «لا بدّ من إحياء الفكرة القائلة بأنّ البشريّة تحمل في طيّاتها عظمةً كبرى»، عبارةٌ خطّها يوماً البابا بندكتس السادس عشر؛ وتأتي الرسالة العامة للبابا لاون الرابع عشر، بعُنوانها فحسب، لِتُرجّع صدى هذا الطموح بصورة مباشرة. إنّ هذه «الإنسانيّة الرائعة» إنّما تتجلّى «في وجه الابن»، كما يعبّر الحبر الأعظم الأميركي (الفقرة 133)؛ الابن «الذي بِهِ وَلأَجْلِهِ خُلِقَ كُلُّ شَيْءٍ» (كولوسي 1: 16)، والذي تراءى لمعاصريه وللعالم بوصفه «ابن الإنسان»، وأخاً للجميع («جميعنا إخوة»). وفي هذا المنحى، تتبدّى «الإنسانيّة الرائعة» كرسالة عامة ذات أبعاد «شخصانيّة» وثيقة، تَضع الشخص البشري «في الصدارة» لا على الهامش من أيّ نشاط إنساني. وهي كذلك وثيقة ذات عمق أخلاقي بالِغ؛ بيد أنّ الأمر هنا لا يتعلّق بالأخلاقيّات الفرديّة، بل بالمنظومة الأخلاقيّة التي يفرضها بزوغ هذه الأداة الاستثنائيّة واستخدامها، ونعني بها الذكاء الاصطناعي. ويتّصل ذلك، على وجه الخصوص، بأخلاقيّات أنماط إنتاجه، والعلاقات بين الأمم الغنيّة والفقيرة، والجدليّة القائمة بين رأس المال والعمل، فضلاً عن تركز النفوذ المعرفي والاقتصادي والسياسي في أيدي كبريات الشركات العالمية أو قلة من النافذين. كما تمتدّ هذه المقاربة لتشمل أخلاقيّات توظيف السطوة الرقميّة في قطاع التعليم، أو تسخيرها لغايات مدنيّة وعسكريّة، أو توجيهها خِدمةً للخير المشترك في مواجهة نزعات الهدم والأذى. عمىً روحيٌّ شديد ولا تقتصر الأبعاد الأخلاقية للرسالة العامة على ما تقدَّم، بل تتبدّى في حُكمها على عصرنا الراهن، المطبوع، وفقاً للحبر الأعظم، بـ«عمىً روحي وثقافي مستحكم». إذ نطالع في الفقرة 204: «إننا نعيش حقبة من التيه الروحي والثقافي؛ حيث تدعونا براغماتية زائفة إلى قطع جذور الذاكرة، وكأنّ بمقدورنا تدشين "خلقٍ جديد" مبتورٍ عن الماضي. وحتى أولئك الذين يتغنّون بالمبادئ الأخلاقية السامية، قد يقعون في فخ هذه العدمية التاريخية، غارقين في أوهام تزعم أن فظائع القرن العشرين (ملاحظة المحرر: ويل مطلع القرن الفائت، والحربين العالميتين، والقنبلتين الذريتين على هيروشيما وناجازاكي، ومعسكرات الغولاغ السوفياتية، ومحرقة "الـشـوا"، ومجازر حقول الأرز في كمبوديا...) لم تعد قابلة للتكرار. غير أن الواقع يؤكد أن الديناميات والنزعات الإقصائية نفسها تطفو مجدداً على السطح، ولكن في قوالب حديثة». وهذا تماماً ما نشهده ماثلاً أمام أعيننا اليوم في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وآسيا، وحتى في القارة الأوروبية العجوز. المقال المقبل: برج بابل أم المدينة المقدسة؟ (2/3)

مائة يوم على الحرب
بقلم
هشام دبسي
نُشر

يستمر الجدل هذه الايام حول وحدة الملفات والمسارات وفصلها. والواقع يكشف أن الملفات السياسية مترابطة بطبيعتها، وتعكس تعقيد الحياة الاقتصادية والسياسية، لكن أوزانها مختلفة وتأثيراتها المتبادلة ليست متساوية وأنّ فصل أي ملف ومعالجته مسألة خيارات مرتبطة بالاولويات، وبالخطورة، والحساسية. وفي هذا المجال، كان الرئيس باراك اوباما يعتبر أن قوة السياسة الخارجية الاميركية تكمن في فن ترتيب الأولويات التي تسمح بإدارة عجلة الحلول في القضايا المعقّدة، ويمكن في كل يوم اعادة هذا الترتيب وفق النتائج المرجُوّة. بالامس وبعد فشل القيادة الإيرانية في الحصول على الاموال اللازمة لتسويق الاتفاق مع واشنطن داخلياً، عادت إلى ربط ملف لبنان بالمفاوضات و اطلقت صواريخها إلى شمال اسرائيل للتوكيد على جدّيّتها في تكريس وحدة المسارات في مواجهة المفاوضات اللبنانية - الاسرائيلية. بعد أن أدركت طهران ان البيت الابيض يتصرّف بارتياح نسبي بين استمرار الهدنة والحفاظ على التهدئة واستمرار الحصار البحري. هذه معادلة تنهك الاقتصاد الايراني اذا استمرّ الهدوء النسبي واستمرّ الحصار. هذه الحيثيّة وراء ما أعلنته طهران من غيرة متأخّرة على حزب الله وجمهوره في الوقت الذي لم تحصل فيه على نتائج مباشرة من عدوانها على الكويت والبحرين والامارات، لأنها لم تستطع اجبار هذه الدول على تغيير سياساتها الاحتوائية والحفاظ على حقوقها بما فيها حق الرد والتعويض. ويمكن تلخيص المسألة بأنّ المطالب الاساسية (النووي وغيره) ليست هي مجال البحث، وانما الخلاف على المطالب المالية المعلَنة، التي استدعت هذا التصعيد والعودة لربط الملف اللبناني بالاتفاق الشامل، وهذا لا يعني أن واشنطن سترضخ. بقدر ما يمكن ملاحظة أن استمرار البيت الابيض في ضبط رد الفعل الاسرائيلي يندرج برغبة واشنطن استمرار الهدنة والحصار إلى أن تستسلم القيادة الإيرانية للشروط المالية الاميركية. اما إذا كان رد الفعل الاسرائيلي يذهب اولاً إلى اغلاق منافذ قطاع غزة بموجب إعلان حالة الحرب، كما فعل نتنياهو اليوم، مع تصاعد حرارة المفاوضات في القاهرة بين حماس والفصائل التابعة لها. فإنّ هذا الملف الفلسطيني لا يزعج واشنطن إذا أبدى نتنياهو انضباطاً لبنان وهذا ما يمكن ترجيحه للأيام القادمة. قتال مجّاني اطلق قائد القسام يحيى السنوار عملية 7/أكتوبر من دون هدف سياسي مُعْلَن سوى ما يوحي به اسم العملية (طوفان الاقصى) من غيرة دينية على المسجد الاقصى، وظلّ منتظراً لأيامٍ طويلةٍ تحرُّك طهران لمساندته ضد الشيطان الأصغر، وكذلك اسناد غرفة عمليات "الممانعة والمقاومة" في دمشق الاسد والضاحية الجنوبية لبيروت فضلاً عن الحشد العراقي والحوثي في اليمن. وعندما تحرّكت حرب اسناد "الطوفان"، وفق معايير الحرس الثوري لم يقنع الجهد العسكري قادة وكوادر حماس والقسّام وهم في أوجّ المعارك الطاحنة، وأن هذا الاسناد هو ما كان مُتفق عليه. لذا لم تخل تصريحات قادة القسام من عبارات ونداءات تدعم هذا التقدير حتى بلغ الاحباط من المحور حدّ التصريح به. وبعد انتهاء أركان الحرب الاميركية - الاسرائيلية من إبادة وتدمير شعب غزة وعمرانها، شهدنا على النتائج الكارثية السريعة للهجوم الاسرائيلي على القدرات القتالية لحزب الله في لبنان وإصابتها، في "كعب أخيل"، قوتها الهجومية والدفاعية. ولما كانت حرب الاسناد المعلنة، لم تضع هدفاً سياسياً للقتال، سوى اسناد طوفان الاقصى، دخل الجهد العسكري من جانب حماس وحزب الله في دائرة الفراغ السياسي، في الوقت الذي تعلن فيه اسرائيل اهدافها المتتالية المرتبطة بعدة أجندات محلية واقليمية ودولية فضلاً عن الاجندة الشخصية لرئيس وزرائها نتنياهو وحلفائه في الحكومة. هكذا كشفت المواجهة بين محور المقاومة والممانعة واسرائيل، القُصور السياسي اولاً والقُصور العملياتي ثانياً عندما تم الاستفراد بكل طرف على حدة. ومن يقرأ في طبيعة العلاقات بين الدول والتنظيمات المتحالفة معها، يدرك ان المعادلة تسير في اتجاه واحد فقط، لان وظيفة الاتباع لا تتجاوز خدمة المركز مهما بدا متسامحاً وحريصاً على سردية التحالف. لذا لا داعي لإدراج الحرب من اجل الانتقام لمقتل المرشد الايراني الخامنئي في اطار الدفاع عن السيادة اللبنانية وردّ العدوان على ارض الجنوب وشعبه ولا يمكن جمع الخسائر البشرية والدمار الهائل في لبنان وفلسطين، بأي هدف سياسي على صلة بمصلحة الشعبين ولا يمكن اعتبار قتال المتطرّفين الا قتالاً مجانياً. عملية الليطاني الأولى استيقظت مدينة تل ابيب في 11 آذار مارس 1978 على قتال في شوارعها، للسيطرة على حافلة فيها مجموعة فدائيّين بقيادة الشابة دلال المغربي وعدداً من المدنيين الاسرائيليين. واستمر القتال حتى تم القضاء على الجميع وفق التعليمات التي صدرت للجنرال ايهودا باراك. كان هذا الحدث السبب المباشر لاجتياح ارض الجنوب وصولاً الى مجرى الليطاني وفي نفس الوقت نجح الرئيس الياس سركيس بتدويل قضية الجنوب، واستطاعت الدبلوماسية اللبنانية انتزاع القرارين 425 و426، لتأمين الانسحاب الكامل وتشكيل قوات اليونيفل. لكن لابد من تجاوز الحدث المباشر، الى قراءة التعثر في المفاوضات المصرية - الاسرائيلية واستعصائها، بعد انجاز عملية فك الارتباط الاولى والثانية وعدم استجابة حكومة مناحيم بيجن لمطالب الرئيس انور السادات، على الرغم من مبادراته للسلام وخطابه في الكنيست، واعلانه عن سقوط الحاجز النفسي. بينما تريد القيادة العسكرية الإسرائيلية اختبار السلوك المصري في حال الاشتباك مع الجيش السوري ومع قوات منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان. وبناءً على نجاح هذا الاختبار الناري بعد تنفيذ عملية الليطاني الأولى، نجح الرئيس الامريكي جيمي كارتر في مفاوضات "كامب ديفيد" بعد ستة اشهر على الحدث اللبناني. تلك المفاوضات التي أنتجت توقيع معاهدة السلام المصرية - الاسرائيلية في آذار 1979، أي خلال عام واحد تبدلت الدينامية السياسية العسكرية في لبنان، بموجب النتائج المباشرة لهذا الاختبار، انطلاقاً من الجنوب بعد ان صار قضية دولية بامتياز. هكذا شكلت "البروڤا" العسكرية الإسرائيلية المرجعية العملانية لاحقاً لاجتياح لبنان عام 1982 للقضاء على قوات منظمة التحرير الفلسطينية واعادة تحجيم وضبط الدور السياسي والعسكري والامني السوري في لبنان. بعد ان صار الاسرائيلي لاعب مباشر عبر قواته وعبر تشكيل "جيش لبنان الجنوبي" الى جانب اللاعب الثاني نظام حافظ الاسد فضلاً عن اللاعبين المحليّين على خط الصدام بين الحركة الوطنية اللبنانية، وحليفها منظمة التحرير، وبين الجبهة اللبنانية وعلاقاتها بالغرب واسرائيل. وقتها بدأ يتشكّل جنين جديد في رحم لبنان على صلة عضوية بالثورة الاسلامية في طهران، وكانت ولادته بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان. بروڤة اورکسترا في ذاك الزمن قبل نصف قرن ونيّف كانت صالة كليمنصو في "بيروت الغربية" تعرض فيلماً يصعب نسيانه للمخرج الايطالي فريدريكو فيلليني “Prova d'orchestra”" في زمن صعود اليسار الايطالي ونشاط العصابات من مختلف الأصناف حيث كان الرصاص صوتاً يوميًّأ مألوفاً في روما ومدن إيطاليا. عندما خرجنا من العرض الاستثنائي الكاشف لعلاقة المايسترو بالعازفين وكيف كانت الكرة الفولاذية الثقيلة تلوح على عرض الشاشة وهي تضرب المبنى حتى انهياره. كان النقاش يدور إلى أين يذهب لبنان؟ وما هي الاحتمالات؟ واي مطرقة سوف توقظ أصحاب المشاريع المختلفة؟ في ذاك الوقت، كنت أنتظر سقوط الامبريالية، وتدمير دولة إسرائيل، والجواب عندي كان جاهزاً، بأن المطرقة الفيتنامية وليس الروسية ولا الصينية هي التي ستنجز مهام التحرر الوطني وتحقق "الحتمية التاريخية". لم يخطر على بالي أن الرئيس الياس سركيس كان على حق. لكنه كان في محبسه في قصر بعبدا ينتظر خروجه الشخصي من القصر بكثير من الرضى والرفعة. لقد استطاع المخرج فيلليني طرح أسئلته المحرجة في تلك "البروڤا" المستمرة حتى اليوم، ونحن نحصي ضربات المطرقة الفولاذية، تسوّي العمران والناس بالارض على مساحة لبنان وفلسطين وتفيض إلى أقاصي الشرق الأوسط الكبير. بالامس وللمرة الأولى في تاريخ لبنان المعاصر أمسكت السلطات الشرعية بعصا القيادة واخترقت جدار الوعي السائد، وجدار الانتظار والمراوحة، وتَبَنّت مبادرة إنقاذية للبنان وشعبه، مبادرة قادرة على وقف كرة الفولاذ العنيفة. وقادرة على منع انهيار المبنى اللبناني الانساني، والسياسي، والثقافي، والتاريخي. إنّ المهام التي ترقى إلى هذا المستوى من الإقدام من اجل الانقاذ لا تستوجب قرارات تُرضي الجميع، ولا تشترط موافقة هواة الموت والدمار والانتحار وانما شرطها هو الجرأة على الانتصار لمصالح الناس.

إيران تضرب, إسرائيل تردّ وترامب يتوسط لاحتواء التصعيد

في وقت كان يُعتقد فيه أن إيران أعادت نهائياً أدواتها الحربية إلى صوامعها، أطلقت طهران نحو ثلاثين صاروخاً باليستياً على الدولة العبرية في وقت متأخر من مساء الأحد. وقدّمت السلطات الإيرانية هذا الهجوم على أنه ردّ على غارة إسرائيلية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل حزب الله، وأسفرت عن مقتل شخصين وإصابة عشرين آخرين. الرسالة واضحة: فإيران تعارض المحادثات اللبنانية ـ الإسرائيلية الجارية برعاية واشنطن، وتسعى إلى تقديم نفسها بوصفها المدافع عن لبنان «في مواجهة العدو الإسرائيلي»، حتى وإن كان ذلك ينطوي على خطر تصعيد جديد. وتواصل طهران الإصرار على أن يُعالج النزاع بين إسرائيل وحزب الله ضمن الإطار نفسه الذي تُناقش فيه المواجهة الأوسع بينها وبين إسرائيل وحلفائها في الشرق الأوسط. عند منتصف نهار الاثنين، أعلن قائد القوات المسلحة الإيرانية "وقف العملية"، التي وُصفت بأنها "ردّ قاسٍ" على إسرائيل. لكنه حذّر في الوقت نفسه من أنه "في حال استمرار العدوان والأعمال العدائية، بما في ذلك في جنوب لبنان، فسيتم اتخاذ إجراءات أشدّ وأكثر ردعاً مما سبق". وقال كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف: "لقد كسرنا المعادلة القائمة على توقيع وقف لإطلاق النار على الورق ثم انتهاكه بشكل منهجي على الأرض". ولم تتأخر تل أبيب في الرد، إذ دمّرت عدداً من أنظمة الدفاع الإيرانية. إلا أن الرد الإسرائيلي، وعلى خلاف التوقعات، جرى كبحه إلى حدّ كبير من قبل حليفته الرئيسية، الولايات المتحدة. ففي حين كان الرئيس دونالد ترامب قد انخرط بكل ثقله في النزاع عند انطلاق الضربات ضد إيران في 28 فبراير الماضي، طلب بشكل صريح يومي الأحد والاثنين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التحلي بضبط النفس، معتبراً أن مسار المفاوضات تعرقله "الجهالة أو الغباء". خلال الأيام الأخيرة، لم يُخفِ ترامب خلافاته مع نتنياهو. ووفقاً للبيت الأبيض، أجرى الزعيمان اتصالاً هاتفياً يوم الاثنين، حيث ضرب الرئيس الأميركي هذه المرة بيده على الطاولة لفرض وقف للأعمال العدائية. مع اقتراب انتخابات منتصف الولاية، يسعى ساكن البيت الأبيض إلى إيجاد مخرج لنزاع بات شديد السلبية في نظر الرأي العام الأميركي. وقد أثارت مداخلته يوم الاثنين، إلى جانب تصريحاته المتكررة التي يؤكد فيها أنه صاحب القرار النهائي، تكهنات بشأن الظروف التي أدت إلى شن الهجمات على إيران في فبراير، في وقت كانت المفاوضات لا تزال جارية. ويتهم عدد من المحللين والمسؤولين المنتخبين في الولايات المتحدة بنيامين نتنياهو بأنه عجّل بدخول الولايات المتحدة الحرب بعد وقت قصير من الضربات الأولى التي نفذها سلاح الجو الإسرائيلي. وفي مقابلة مع موقع أكسيوس يوم الأحد، حذر الرئيس الأميركي رئيس الوزراء الإسرائيلي من أي ردّ إضافي بعد إطلاق الصواريخ الإيرانية، قائلاً: "سأتصل ببيبي (اللقب الذي يُعرف به نتنياهو) فوراً لأطلب منه عدم الرد. إسرائيل نفذت ضربتها وإيران نفذت ضربتها. لسنا بحاجة إلى ضربة أخرى". إلا أن نتنياهو، رغم خطر إغضاب أقرب حلفائه على الساحة الدولية، أعطى الضوء الأخضر لشن ضربات جديدة. منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 أبريل، تُعد هذه المرة الأولى التي تستهدف فيها طهران الأراضي الإسرائيلية مباشرة، كما أنها المرة الأولى التي تقصف فيها إسرائيل الأراضي الإيرانية. من الجانب الإسرائيلي، يواجه رئيس الوزراء بدوره ضغوطاً داخلية كبيرة للحفاظ على نهج متشدد تجاه إيران. وفي مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز يوم الأحد، رأى دونالد ترامب أن على الزعيم الإسرائيلي قبول أي اتفاق تتوصل إليه واشنطن عبر التفاوض. وقال الرئيس الأميركي للصحيفة الاقتصادية: "لن يكون لديه خيار. أنا من يقرر. أنا من يقرر كل شيء. هو لا يقرر...". رداً على تصريحات البيت الأبيض، أكد نتنياهو أن بلاده سترد "بقوة" على أي هجوم إيراني جديد. وأضاف الزعيم الإسرائيلي، الذي كان قد أمر بشن ضربات ضد إيران رغم اعتراضات الرئيس الأميركي، أنه أبلغ ترامب "باحترام" أن إسرائيل ستواصل ممارسة حقها في الدفاع عن نفسها "كلما دعت الحاجة". وفي وقت سابق من اليوم، أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن بلاده "ستواصل العمل" ضد حزب الله. كما توعد بأن "أي محاولة إيرانية لربط لبنان بإيران بهدف مهاجمة إسرائيل ستلقى رداً بالغ القوة". وفي مقابلة بثتها شبكة NBC مساء الأحد، دعا دونالد ترامب إلى تنفيذ ضربات أكثر "دقة" ضد حزب الله، مؤكداً أنه يريد "حياة أفضل" للبنان. وكان حزب الله قد أدخل لبنان في الحرب عندما هاجم إسرائيل بهدف الثأر لمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، الذي قُتل خلال هجوم إسرائيلي ـ أميركي. وفي مقابلة أخرى نشرتها صحيفة نيويورك بوست الأربعاء الماضي، أكد الرئيس الأميركي أنه أجرى اتصالاً متوتراً للغاية مع بنيامين نتنياهو قبل يومين من ذلك. وخلال هذه المكالمة الهاتفية، وبّخ حليفه المقرب بسبب الهجوم الإسرائيلي الذي نُفذ في لبنان. وعندما سُئل عن احتمال إدراج لبنان ضمن أي اتفاق مع إيران، أجاب الرئيس الجمهوري: "لا، لا". وأضاف: "على الإطلاق. أنا لا أفرض أي شيء. أعتقد أنهم يرغبون في ذلك، لكنني لا أفرض أي شيء". تزايدت مخاطر التصعيد يوم الاثنين مع دخول الحوثيين في اليمن، حلفاء إيران، على خط المواجهة، ما أثار المخاوف من اتساع رقعة النزاع. فقد أعلنت الجماعة اليمنية مسؤوليتها عن هجوم استهدف إسرائيل انطلاقاً من الأراضي اليمنية، كما فرضت حظراً على الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر، وهو ممر بحري استراتيجي آخر إلى جانب مضيق باب المندب. حزب الله ينفي أي اتصال مع واشنطن من جهة أخرى، أكد مسؤول حزب الله محمود قماطي، رداً على سؤال لوكالة فرانس برس يوم الاثنين، أن حزبه لم يجرِ "أي اتصال" مباشر مع دونالد ترامب، رغم التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي في هذا الشأن. وكان الرئيس الأميركي قد صرح في 3 يونيو أمام صحافيين قائلاً: "لقد تحدثنا مع حزب الله للمرة الأولى". وقبل ذلك بيومين، وفي وقت كانت إسرائيل تهدد باستهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل الحزب، قال إنه أجرى "محادثة مع ممثلين عن قيادة حزب الله"، مضيفاً أنهم "وافقوا على وقف إطلاق النار على إسرائيل وجنودها". وأوضح مسؤول حزب الله أن الرئيس ترامب "كان ربما يشير إلى أن مستشار رئيس مجلس النواب نبيه بري يتواصل مع السفير الأميركي وينقل الرسائل". وأضاف قماطي: "تُظهر هذه المزاعم إلى أي حدّ أن الإدارة الأميركية مستعدة لتجاوز السلطة اللبنانية بمجرد ظهور أي مؤشر على وجود تواصل مع الأطراف القوية والمؤثرة في لبنان". من جانبه، كرر رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يوم الاثنين أن "الدولة اللبنانية وحدها تتفاوض باسم لبنان، ولا أحد غيرها". في صور: قتلى وآثار مهددة ميدانياً، تعرضت أكثر من خمس عشرة بلدة وقرية في جنوب لبنان لغارات إسرائيلية يوم الاثنين، ولا سيما مدينة صور، حيث قُتل 14 شخصاً وأصيب 20 آخرون. واستهدفت إحدى الغارات سيارة قرب مبنى تابع للصليب الأحمر اللبناني في المدينة الساحلية، ما أدى إلى إصابة أربعة مسعفين بشظايا زجاج. من جهته، أعلن حزب الله مسؤوليته عن هجمات جديدة ضد قوات إسرائيلية في جنوب لبنان، من دون أن يتبنى أي هجوم على شمال إسرائيل. في المقابل، أكد الجيش الإسرائيلي أن ثلاثة مقذوفات أُطلقت من لبنان "باتجاه جنود إسرائيليين ينفذون عمليات في جنوب لبنان"، وأن مقذوفاً رابعاً "سقط بالقرب من القوات" من دون وقوع إصابات. تُعدّ صور واحدة من أقدم مدن حوض البحر المتوسط، وتضم موقعين أثريين رومانيين محميين ومدرجين على قائمة التراث العالمي لليونسكو. وجدد وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة «دعوة إلى تجنب استهداف المواقع الأثرية في البلاد، ولا سيما آثار صور التي تشكل جزءاً من التراث الإنساني المشترك». وقد تضررت آثار صور، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، جراء الغارات الإسرائيلية التي نُفذت يوم الأحد. وقال علي بدوي، مدير المواقع الأثرية في جنوب لبنان، لوكالة فرانس برس إن ذلك يمثل "أكبر ضرر يلحق بالموقع منذ بداية الحرب". وأضاف: "تضررت بعض القطع الأثرية بعدما أصابتها الأنقاض، إذ تساقطت كميات كبيرة من الحطام على مساحة واسعة"، موضحاً أن الأضرار طالت "الأعمدة والتيجان وقواعد الأعمدة والفسيفساء". وأكد غسان سلامة أن إسرائيل "لا تحترم" اتفاقية لاهاي التي تلزم بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، كما لا تحترم "الدروع الزرقاء"، وهو الشعار الذي اعتمدته هيئة مرتبطة باليونسكو لحماية موقع صور الأثري. وعقب الحرب السابقة بين إسرائيل وحزب الله خلال عامي 2023 و2024، وضعت اليونسكو أكثر من 70 موقعاً تراثياً في لبنان، من بينها صور، تحت "حماية معززة مؤقتة". ومنذ اندلاع الحرب مع حزب الله المدعوم من إيران في 2 مارس، تتعرض المدينة لحملة غارات إسرائيلية متواصلة، وقد استُهدفت مجدداً يوم الاثنين. وكان الجيش الإسرائيلي قد أصدر يوم الأحد أمراً جديداً بالإخلاء شمل منطقة تضم أحد الموقعين الأثريين اللذين يحتويان على بقايا رومانية، قبل أن يشن غاراته.

لماذا سقوط النظام الإيراني سيأتي من الداخل (2/2)

في مقال سابق، قمنا بتحليل الأثر العسكري والصناعي للعملية المشتركة « الغضب الملحمي » و « زئير الأسد » على القدرات التقليدية الإيرانية. وفي هذا الجزء الثاني والأخير، نستعرض مفاعيل المزدوجة للخنق الاقتصادي والتعبئة المحلية، والتي قد تفضي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام الإيراني من الداخل. لقد حلَّ الحصار البحري محلَّ الضربات الجوية التي شُنَّت بين شباط ونيسان ٢٠٢٦. ومع أن الحصار يشكّل شرطاً أساسياً لإضعاف النظام الإيراني، إلا أنه يظل غير كافٍ وحده. وثمة آليات عدة تفسر لماذا تعجز العقوبات الاقتصادية المفروضة منذ سنوات، معطوفةً على الحصار البحري الأميركي الحالي وما يترتب عليه من انقطاع في سلاسل التوريد وتوقفٍ تام لصادرات النفط، عن إسقاط هذا النظام بمفردها؛ إذ أثبت النظام قدرة عالية على التكيف، وأعاد هيكلة صفوفه في أعقاب ضربة قطع الرأس الأولى التي استهدفته في شباط الماضي. إعادة الهيكلة العسكرية والانتماء الوطني لقد استُبدلت القيادة الإيرانية التي تمت تصفيتها بأخرى شديدة العسكرة. وبات من الواضح تهميش الرئيس مسعود بزشكيان، المحسوب على التيار المعتدل، لصالح نقل السلطة التنفيذية الاستراتيجية إلى مجلس عسكري يهمين عليه الحرس الثوري الإيراني. وفي هرم السلطة، تمركزت آلية التنسيق في مقر "خاتم الأنبياء"، الذي يتولى، عبر وجوه جديدة، إعادة بناء قدرات الصواريخ والمسيرات بوتيرة سريعة. وبهدف الحد من هشاشة مركز القرار، لم تعد سلسلة القيادة هرمية بل جرى تسطيحها؛ حيث مُنحت القيادات الإقليمية ضوءاً أخضر للمبادرة وصلاحيات تكتيكية أوسع، لا سيما لإدارة الكمائن البحرية والجوية، وشن غارات استنزافية في حال انقطاع الاتصال بطهران. وتسعى هذه اللامركزية إلى مضاعفة مراكز القرار لتعقيد عملية استهداف منظومة القيادة. علاوة على ذلك، يعمد النظام إلى دغدغة الشعور بالانتماء الوطني في مواجهة التهديد الخارجي، عبر وصم المعارضة بالعمالة للخارج، وتحصين ولاء قاعدته الصلبة. تآكل اقتصاد الحصار... والقدرة على الصمود مستمرة طوّرت الجمهورية الإسلامية على مدى عقود شبكات ومسالك تجارية موازية للالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة منذ ثمانينيات القرن الماضي. ويشمل ذلك الأسواق السوداء، والشركات الصورية المنتشرة في أنحاء العالم كافة، فضلاً عن الشركاء الجيوسياسيين مثل الصين وروسيا وتركيا والعراق، المستعدين للالتفاف على الحظر؛ وهو ما أدى إلى تخفيف الوطأة الاقتصادية للعقوبات التي تسببت سابقاً في تقليص الناتج المحلي الإجمالي الإيراني بنحو 23%، وكبّدت البلاد خسائر تترواح بين 10 و12 تريليون دولار أميركي بين عامي 2010 و2022. واليوم، تستمر العقوبات والحصار الحالي في استهداف الاقتصاد الإيراني، وتأجيج التوترات الاجتماعية والسياسية في الداخل، والحد من النفوذ الإقليمي لطهران وقدرتها على تمويل حلفائها، وفي مقدمهم "حزب الله". وبناءً عليه، تشكّل العقوبات والحصار عوامل تحفيز وتسريع، لا أسباباً مباشرة لتفجير الوضع الداخلي. ما هي العوامل التي قد تُعجّل بانهيار النظام؟ ثمة أربعة عوامل ناجمة عن تقاطع الأزمة الاقتصادية الحادة الراهنة مع الانقسامات الداخلية، يمكن أن تشكّل نقاط تحوّل حاسمة تفضي إلى انهيار الجمهورية الإسلامية: انهيار الركائز الاقتصادية تواجه إيران عبئاً اقتصادياً خانقاً رغماً عما تبديه من مظاهر الصمود والصلابة الأيديولوجية؛ إذ يرزح النظام تحت وطأة الانهيار الحاد في قيمة الريال، والتضخم المتسارع، وكلفة إعادة بناء البنى التحتية، وترميم ترسانته العسكرية، إلى جانب تآكل القدرة الشرائية للمواطن الإيراني. وكان التجار وأصحاب الأعمال والأجراء قد توحدوا في حراكهم الاحتجاجي في كانون الثاني الماضي، في مؤشر إلى تآكل الأسس الاقتصادية للنظام، والتي تتجلى في تراجع الإيرادات الضريبية، والعجز عن دعم السلع الأساسية، واختناقات سلاسل التوريد. واليوم، تبدو الأوضاع أكثر خطورة، وسيكون من الصعب جداً على النظام، مع مرور الوقت، كبح جماح الغضب الشعبي بالاعتماد على على خيار القمع وحده. تباينات في صفوف النخبة وضغوط الإصلاحيين لقد قامت البنية السياسية للجمهورية الإسلامية على هندسةٍ تمحورت حول شخص المرشد الأعلى السيد علي خامنئي وشبكة من النخب المترابطة. أما اليوم، فقد آلت مقاليد السلطة الفعلية إلى الحرس الثوري الإيراني. وفي مواجهة الكارثة الاقتصادية، كيف سيتعامل الحرس مع التيارات الإصلاحية؟ وكيف سيدير النخب التي تحجب حالة الحرب شروخها الداخلية؟ وهل تطفو هذه الخلافات على السطح؟ وماذا سيكون موقف ثمانية ملايين كردي، وثلاثة ملايين بلوشي، وفئة من الآذريين البالغ عددهم ١٨ مليوناً، والذين يطالبون بالحكم الذاتي منذ عقود؟ إن الانتقال المفاجئ نحو لامركزية القيادة يدفع النظام إلى عسكرة مفرطة للمناطق الحدودية وتشديد الضغوط على الأقليات، تحت ذريعة "خطر تقسيم البلاد"، وهو ما يسهم في رص صفوف المكون الفارسي حول النظام. غير أن انهيار الاقتصاد والبنى التحتية الصناعية يقوّض بشدة قدرة النظام على شراء السلم الاجتماعي في هذه المحافظات التي عانت تاريخياً من التهميش. الانشقاقات في صفوف القوات الأمنية يبقى العنصر الأكثر حسماً لاستمرار النظام هو ولاء أجهزته الردعية، لا سيما الحرس الثوري، وجهاز الشرطة، وقوات التعبئة الشعبية (الباسيج). ولا تزال هذه القوات، حتى اللحظة، متماسكة ومنضبطة، مما يمكنها من احتواء موجات الاحتجاج بالقوة والترهيب. لكن، في حال رفضت وحدات أو ضباط الامتثال للأوامر، أو انشقوا، أو انحازوا إلى المتظاهرين بسبب انقطاع الرواتب على سبيل المثال، فإن الغضب الشعبي سينقلب إلى انتفاضة عارمة، وقد يتحول إلى ثورة. ومع أن المؤشرات الأولية لسيناريو كهذا لم تظهر بعد، إلا أن بروز أولى علاماته سيعني حتماً دخول الأزمة طورها النهائي. وفي الأقاليم الحدودية مثل كردستان أو بلوشستان، فإن التلازم بين الغضب الاجتماعي العارم وضعف القيادات المحلية من شأنه أن يسرّع دينامية التفكك هذه. تبدد الخوف الجماعي منذ عام 1979، واجهت الجمهورية الإسلامية بالقوة خمس موجات احتجاجية كبرى هزت أسس النظام الثيوقراطي، أبرزها: حملات التطهير في السنوات الأولى (1979-1988) التي شهدت تصفية معارضين وأقليات، وبلغت ذروتها بالإعدام السري لما بين 3000 و5000 سجين؛ ثم "الحركة الخضراء" عام 2009، التي انطلقت رفضا لنتائج الانتخابات الرئاسية المتنازع عليها، والتي فاز بها محمود أحمدي نجاد، وقمعتها قوات "الباسيج"، مما أسفر عن سقوط ما بين 100 و150 قتيلاً؛ تلتها الانتفاضات الاجتماعية (2017-2018) الناجمة عن التضخم والفساد، والتي خلّفت نحو 30 قتيلاً؛ ثم أحداث "تشرين الثاني الدامي" عام 2019، التي اندلعت إثر رفع أسعار الوقود، وقُمعت بمقتل ما لا يقل عن 1500 شخص في غضون عشرة أيام؛ وصولاً إلى حراك "امرأة، حياة، حرية" (2022-2023)، الذي ولد بعد وفاة مهسا أميني، وجرى احتواؤه بإطلاق الرصاص الحي والإعدامات العلنية، مما أدى إلى سقوط أكثر من 550 قتيلاً. أما المحطة الأكثر دموية فكانت الانتفاضة الأخيرة في كانون الثاني الماضي، والتي شكلت شرارة غير مباشرة للتدخل العسكري الأميركي. وخلال تلك الانتفاضة، سرعان ما تحولت المطالب الاقتصادية إلى سياسية تنادي بإسقاط النظام. وقد تولى الحرس الثوري والشرطة و"الباسيج" قمع هذه الانتفاضة، مما أسفر عن سقوط 5000 قتيلاً وفقاً للحصيلة الرسمية، وأكثر من 40 ألفاً بحسب التقديرات الأكثر ارتفاعاً. وقد أدى الحجب الكامل لشبكة الإنترنت، الذي فُرض منذ الثامن من كانون الثاني، إلى عزل البلاد، مما جعل التحقق المستقل من المعلومات حول الأحداث الجارية أمراً بالغ الصعوبة. وإذ كشفت هذه الأزمات المتعاقبة لجوء السلطة الممنهج إلى القوة المفرطة لضمان بقائها، فإن السيكولوجية الجماعية للشعوب تبدو متغيرة؛ إذ بدأت الأجيال الشابة، تحت وطأة العنف المتكرر والأزمة الاقتصادية الخانقة، تتخلص تدريجياً من حاجز الخوف. وعندما تتبدل الرؤية العامة للمجتمع تحت التأثير المزدوج لغياب الحريات، والاستياء السياسي والاجتماعي، والعجز عن تأمين الاحتياجات الأساسية للحياة اليومية، فإن الزخم الشعبي قد يبلغ مداه الحرج متجاوزاً عتبة الخوف تماماً. ومن شأن هذا التحول أن يفرز دينامية احتجاجية تتسع رقعتها سريعاً عبر شبكات التضامن المحلي، حتى في ظل غياب شبكة الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي. وفي الختام، يبدو الحصار الأميركي بمثابة مرجل يغلي ببطء؛ فهو يقلص الموارد الحيوية اللازمة لدعم الاقتصاد، وتمويل المرافق العامة، وضمان ولاء المؤسسة العسكرية والأمنية. ومع نفاذ هذه القدرات تدريجياً، يفقد النظام أدوات سيطرته المادية الأساسية. غير أن السقوط لن يحدث إلا إذا نجح المكون الفارسي والأقليات العرقية في الأقاليم الحدودية، بالتوازي، في كسر حواجز معينة، أو في حال حدوث انشقاقات جوهرية في صفوف القوات الأمنية. وبعبارة أخرى، ما لم يتشكل نقطة تحول داخلية (تتمثل في انهيار اقتصادي يتزامن مع حراك شعبي واسع، و/أو انشقاقات عسكرية)، فإن الحصار سيبقى عامل إضعاف للنظام لا أداة حاسمة لإسقاطه. وإذا تبين أن نقطة التحول هذه بعيدة المنال أو مستحيلة، فلن يتبقى أمام هذه الأزمة سوى ثلاث مسارات: إما أن تتراجع واشنطن، وهو ما سيعني تراجعاً لترمب؛ أو أن تتراجع طهران، مما يمهد لإضعاف النظام أو سقوطه؛ أو العودة إلى خيار الحرب، وهو السيناريو الذي يستعد له كل من الحرس الثوري الإيراني والبحرية الأميركية. إقرأ أيضاً: مُنهكةٌ لكن مُهدِّدة: إيران بعد عمليتي «الغضب الملحمي» و« زئير الأسد» (1/2)

لبنان: الخطر من الداخل
بقلم
نجيب زوين
نُشر

لطالما ردّد اللبنانيون المثل الشعبي القائل: "ألف عدو من خارج الدار ولا عدو من داخلها". وهو مثلٌ اختصر عبر الأجيال حقيقةً سياسية ووطنية ثابتة: فالأخطار الخارجية، مهما بلغت قوتها، تبقى أقلّ فتكًا من الأخطار التي تتسلّل إلى الداخل وتضرب وحدة الدولة وقرارها وسيادتها. ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب كبير من معاناة لبنان خلال العقود الماضية. فإيران لم تتعامل يومًا مع الدولة اللبنانية بوصفها دولةً سيدة مستقلة ذات مؤسسات دستورية قائمة بذاتها، بل اختارت دائمًا التعامل عبر قوى وتنظيمات تدين لها بالولاء السياسي والعقائدي. وقد وجدت في ظروف المنطقة، عقب الثورة الخمينية وتحت شعار "تصدير الثورة الإسلامية"، فرصةً لبناء أذرع ونفوذ يتجاوز حدودها الوطنية إلى عدد من الدول العربية. ومع مرور الوقت، بلغ الأمر حدّ التفاخر العلني بالهيمنة على أربع عواصم عربية، وكان لبنان في مقدمة هذه العواصم. وفي الداخل اللبناني، نجح "حزب الله" في توظيف عنوان المقاومة لترسيخ موقعه السياسي والعسكري، إلى أن وصل الأمر بأمينه العام السابق، السيد حسن نصرالله، إلى الإعلان صراحةً أن مال الحزب وسلاحه وإمكاناته تأتي من إيران. غير أن الطرفين وقعا في الخطأ نفسه. فإيران تصرفت وكأن لبنان أصبح جزءًا من نفوذها المباشر، فيما تصرف الحزب وكأنه المرجعية العليا التي تعلو على مؤسسات الدولة وسلطاتها الدستورية. لكن الوقائع أثبتت أن لبنان، رغم كل ما مرّ به، لم يفقد قدرته على النهوض واستعادة دوره ومؤسساته. ومع انتخاب العماد جوزيف عون رئيسًا للجمهورية وتكليف الدكتور نواف سلام رئاسة الحكومة، بدأت مرحلة سياسية جديدة عنوانها إعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ولمفهوم السيادة الوطنية. وتبدلت الظروف التي سمحت طويلًا باستمرار مشاريع الوصاية والهيمنة، وبدأت غيوم الاحتلالات والنفوذ الخارجي تنقشع تدريجيًا عن سماء لبنان، فيما أخذت الكثير من المشاريع الإقليمية تتكشف على حقيقتها. لكن المؤسف أن الحزب وإيران رفضا الاعتراف بهذه المتغيرات. فبدل إعادة النظر في أسلوب التعاطي مع الدولة اللبنانية، استمرا في مخاطبتها بعقلية الماضي. وقد حاولت السلطة اللبنانية في البداية اعتماد لغة هادئة ودبلوماسية، تجمع بين الاحترام والحزم، وتؤكد ضرورة التعامل مع المؤسسات الشرعية بوصفها المرجعية الوحيدة المخولة التعبير عن إرادة اللبنانيين. إلا أن التمادي استمر، إلى أن جاء الموقف الحاسم من رئيس الجمهورية، الذي أكد بوضوح أن الشرعية اللبنانية يمثلها الدستور ومؤسسات الدولة، وأن الشعب اللبناني ليس تابعًا لأي دولة أجنبية ولا خاضعًا لأي قيادة حزبية مهما بلغ حجمها أو نفوذها. ورغم ذلك، استمرت بعض المواقف الإيرانية في تجاهل هذه الحقائق، ووصل الأمر إلى مستوى غير مسبوق من الإساءة السياسية والأخلاقية عندما عمدت إحدى الصحف الإيرانية إلى مهاجمة رئيس الجمهورية ووصفه بأوصاف لا تليق بعلاقات الدول ولا باحترام سيادة الأوطان. وهو سلوك يعكس حجم الأزمة التي يعيشها من لم يستوعب بعد أن لبنان ليس تابعًا لأحد، وأن زمن الإملاءات والوصايات قد بدأ بالأفول. لقد اعتبر اللبنانيون إسرائيل عدوًا على مدى عقود طويلة، وما زال الخلاف معها قائمًا حول قضايا جوهرية تتعلق بالسيادة والحدود والأمن. لكن التفاوض مع الخصوم والأعداء ليس استسلامًا ولا تنازلًا، بل هو أداة سياسية تلجأ إليها الدول للدفاع عن مصالحها وحماية شعوبها. فالدول تفاوض من موقع الثقة بالنفس، لا من موقع الخوف أو التبعية. وفي المقابل، تبقى الطعنة الآتية من الداخل هي الأخطر. فالتاريخ اللبناني مليء بمحطات أثبتت أن الانقسامات الداخلية والارتهانات الخارجية كانت دائمًا المدخل الأكبر إلى الأزمات والكوارث. ولذلك بقي اللبنانيون يرددون أن الخيانة من الداخل تهدّ الجبال، لأنها تأتي ممن يُفترض أنهم أبناء البيت الواحد. إن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس المزيد من الولاءات العابرة للحدود، ولا المزيد من المشاريع التي تضع مصالح الخارج فوق مصالح اللبنانيين، بل دولة واحدة، وسلطة واحدة، وقرارًا وطنيًا واحدًا. فحين تتقدم الدولة يتراجع النفوذ، وحين ينتصر منطق المؤسسات تسقط أوهام الهيمنة، وحين يلتف اللبنانيون حول مؤسساتهم الدستورية وسلطاتهم الشرعية لا يعود هناك مكان لأي "بروتوس" جديد يطعن لبنان من الداخل.

عن أوهام السلام في لبنان
بقلم
رامي الريّس
نُشر

إذا كانت حالة الانكسار التي يعيشها اللبنانيون في هذه المرحلة مفهومة نتيجة الهزائم المتتالية التي تلاحقهم منذ سنوات والتي بلغت ذروتها في حربي الإسناد اللتين أطلقهما حزب الله دون استشارة أحد، وقد أدتا إلى عودة الاحتلال الإسرائيلي وتهجير أكثر من مليون لبناني وتدمير قرى جنوبية عن بكرة أبيها؛ إلا أن الحماسة الزائدة عند البعض للسلام مع إسرائيل وهرولة البعض الآخر للتطبيع الإعلامي وغير الإعلامي ليسا يحملان أي تبرير منطقي وأقل ما يُقال فيها أنها متعجلة وغير مسؤولة. والسبب لا يكمن في أن من يتحفظ على السلام يؤيد بالضرورة الحرب أو يريد استدامتها، أو أن من يدعو للتروي في خطوات الهرولة المصطنعة للتطبيع الإعلامي (والتي يفترض أن يحاسب عليها القانون أقله حتى اللحظة) هم ضد وقف الحرب وعودة الإستقرار؛ بل للتوضيح أن السلام مع إسرائيل ليس نزهة وأن الاستعجال في طلب شرب الجعة في تل أبيب لا يعدو كونه طرح صبياني سابق لاوانه! ويطرح هذا الانقسام نفسه على مستويين متناقضين تماماً، فثمة من هو على استعداد ليس فقط للتغاضي عن أفعال إسرائيل في قتل اللبنانيين واحتلال أرضهم، بل الذهاب لتبرئتها من تلك الأفعال ملصقاً ذلك حصراً بمن جر لبنان إلى تلك المواجهة من دون حتى الإشارة إلى الرد غير المتكافئ الذي قامت وتقوم به إسرائيل من احتلال القرى وتسويتها بالأرض وتوجيهها انذارات بالاخلاء لقرى بأكملها لتفريغ المناطق وخلق واقع ميداني جديد فضلاً عن استهدافها المستشفيات والمواقع التراثية وسوى ذلك من المرافق. وفي المقابل أيضاً، ثمة من يرفض قراءة التحولات ويصر على ربط الجبهة اللبنانية بحروب المنطقة (وهو أشعلها أساساً خدمة لتلك الحروب وانتقاماً لرموزها) ويتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور عند انتهائها مستعيداً فائض القوة الذي انكسر جزءاً منه في المرحلة الأخيرة ورافضاً جهود الدولة اللبنانية لوقف الحرب ولسعيها الحثيث لاستعادة سيادتها المسلوبة منذ زمن! لا يمكن للبنان أن يواجه هذا المستوى العالي من المخاطر بهذا القدر العميق من الانقسام بحيث يكاد يختلف اللبنانيون على كل شيء تقريباً وعلى رأس قائمة الاختلافات تحديد الصديق والعدو وهنا تكمن الخطورة الكبرى، ففي الوقت الذي تنقض فيه إسرائيل على لبنان وتقتل أبنائه من مدنيين وعسكريين وإعلاميين ومسعفين وأطباء، يصر البعض على تبرئتها وحصر الاتهام بالجهات التي ورطت لبنان بهذه الحرب والتي تسعى اليوم لوقف إطلاق النار، وهو على حال ما دأبت على القيام به في كل مرة: إشعال الحرب ثم البحث في كيفية اخمادها! في الفترة الماضية، لا سيما في حقبة ما بعد اتفاق الطائف، وقع الخلاف بين اللبنانيين على كيفية مواجهة إسرائيل وفشلوا في محاولات متكررة التوصل إلى رسم خطة وطنية للدفاع بسبب عدم تجاوب حزب الله (ورعاته الاقليميين من خلفه بطبيعة الحال) تمكّن لبنان من بسط سلطته الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية وهو ما يفترض أن تقوم به أي حكومة على وجه الأرض! إنما لا بد من القول أنه على الرغم من عمق هذا الخلاف لم يكن ثمة من يتنطح للدفاع عن إسرائيل أو من يروج للسلام المستعجل معها، أو من يخالف القوانين التي لا تزال سارية المفعول حتى اشعار آخر بالتواصل مع اسرائيليين أو إقامة حوارات تلفزيونية أو صحافية معهم! إذا كان التوريط المتتالي للبنان في حروب لا طائل له فيها هو أمر مرفوض وضاقت به ذرعاً الغالبية الساحقة من اللبنانيين الذين سئموا الحروب والقتل والتهجير، فإن التوهم بأن السلام مع إسرائيل هو نزهة جميلة في ظل الانعدام التام لموازين القوى هو خطأ قاتل من شأنه تعميق الانقسام بين اللبنانيين وزيادة الشرذمة الداخلية.