شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الصراع الإيراني يشعل جبهات جديدة

استهدف المتمردون الحوثيون في اليمن، حلفاء طهران، السبت منشآت نفطية في المملكة العربية السعودية، رداً على غارات نفذتها الرياض، في تصعيد جديد للأعمال العدائية على جبهة إضافية من الحرب التي تزداد اشتعالاً في الشرق الأوسط. ورغم التزام السلطات السعودية الصمت حتى الآن بشأن هذه الهجمات، أعلنت القوات الجوية اليونانية، التي تتولى تشغيل منظومة للدفاع الجوي في المملكة، أنها اعترضت صاروخين وطائرة مسيّرة أُطلقت من اليمن باتجاه مدينة ينبع. وبعد أشهر من تكثيف الضربات الإيرانية ضد دول الخليج رداً على القصف الأميركي، يبدو أن طهران تفتح اليوم جبهة جديدة عبر حلفائها الحوثيين ضد التحالف الذي تقوده الرياض. وتزيد هذه المواجهات الجديدة في منطقة البحر الأحمر الاستراتيجية، في وقت لا يزال فيه مضيق هرمز مغلقاً عند الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية، من المخاوف بشأن أمن حركة نقل النفط والغاز على المستوى العالمي. وأمام هذا التصعيد، هدد الرئيس الأميركي دونالد ترامب هذا الأسبوع الحوثيين وإيران بـ«عقاب عسكري كبير». وأكد الرئيس الأميركي أنه لا يزال يترك الباب مفتوحاً أمام المسار الدبلوماسي ويواصل الحوار مع القادة الإيرانيين، لكنه شدد في الوقت نفسه على أنه قادر على توجيه ضربات «أشد بكثير» للجمهورية الإسلامية. وكانت عدة وسائل إعلام أميركية قد أفادت الجمعة بوجود مناقشات حول احتمال تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق. البحرين والكويت: رد خليجي نادر منذ أسابيع، تركز إيران هجماتها الانتقامية على البحرين والكويت، اللتين تستضيفان قواعد عسكرية أميركية. وبفضل امتلاكهما قوات جوية محدودة نسبياً مزودة بطائرات أميركية وأوروبية، لم تعد الدولتان الخليجيتان ترغبان في السماح لطهران باستهدافهما من دون رد. ووفقاً لما أوردته صحيفة وول ستريت جورنال الجمعة، أرسلت البحرين والكويت سراً مقاتلات لتنفيذ ضربات ضد مواقع عسكرية داخل إيران، في أول رد مباشر لهما على الجمهورية الإسلامية. ونُفذت هذه العمليات مطلع الشهر الجاري، وتعكس إدراك الدول العربية المتزايد لخطورة نزاع يهدد بجرها أكثر فأكثر إلى أتون الحرب. وبحسب الصحيفة، استهدفت الضربات مستودعات للطائرات المسيّرة ومخازن للصواريخ، إضافة إلى بنى تحتية عسكرية أخرى. كما أفادت المصادر نفسها بأن دولة الإمارات العربية المتحدة، التي شاركت سابقاً في عدة عمليات ضد إيران مع بداية النزاع، وفرت معلومات استخباراتية عن الأهداف، إلى جانب غطاء جوي دفاعي، في مؤشر على تنامي التعاون العسكري العربي في مواجهة طهران. القمع يتواصل في إيران على الرغم من وقف إطلاق النار المبرم في أبريل، تتواصل في إيران عمليات إعدام متظاهرين وأعضاء في جماعات محظورة وأشخاص متهمين بالتجسس. وترى منظمات حقوق الإنسان أن هذه الحملة تهدف إلى منع ظهور حركة احتجاجية جديدة شبيهة بتلك التي شهدتها البلاد في يناير الماضي. كما يثير تجدد الأعمال القتالية قلقاً متزايداً لدى هذه المنظمات، التي تخشى أن تلجأ السلطات إلى مزيد من التشدد لقمع أي تحرك احتجاجي. وتتهم السلطات الإيرانية الأشخاص الذين أُعدموا بالمشاركة في هجمات دامية ضد قوات الأمن أو باستهداف مبانٍ عامة، في حين تؤكد المنظمات الحقوقية أن هذه القضايا شابتها محاكمات تعسفية وسريعة، فضلاً عن مزاعم بممارسة التعذيب. وتمثل هذه القضايا، بحسب تلك المنظمات، مجرد جزء من الصورة الكاملة. ووفق منظمة Iran Human Rights (IHR) ، أُعدم نحو 400 شخص منذ بداية العام، معظمهم في قضايا قتل أو اتجار بالمخدرات. وبحسب منظمة العفو الدولية، احتلت إيران مجدداً المرتبة الثانية عالمياً بعد الصين من حيث عدد الإعدامات، مع تسجيل 2150 حالة إعدام خلال العام الماضي. التوترات تمتد إلى جبهات جديدة تواصل بؤر التوتر انتقالها عبر الشرق الأوسط، وسط مخاوف مستمرة من اندلاع مواجهة جديدة في أي لحظة بين واشنطن وطهران. ويؤكد الطرفان استعدادهما لجولة جديدة من المواجهات، فيما تبدو فرص العودة إلى الحوار أكثر محدودية في ظل تشدد مواقفهما. من جهتها، تؤكد إسرائيل أنها مستعدة لاستئناف ضرباتها ضد الجمهورية الإسلامية إذا تعرضت لهجوم إيراني، أو إذا منحتها واشنطن الضوء الأخضر لشن عملية عسكرية واسعة النطاق. وفي هذا السياق، تكتسب الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن مطلع الأسبوع المقبل أهمية خاصة. وأعلن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية، الجمعة، أن نتنياهو سيستقبله الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم الثلاثاء في البيت الأبيض، واضعاً بذلك حداً للتكهنات التي سادت خلال الأسابيع الماضية بشأن تدهور العلاقات بين الرجلين. ومن المتوقع أن يبحث الجانبان مختلف الخيارات الكفيلة بوضع حد لنزاع يزداد تعقيداً، مع الحيلولة دون تمكن طهران من إعادة بناء قدراتها العسكرية أو استعادة زمام المبادرة الدبلوماسية من موقع قوة. وفي مؤشر آخر على احتمال تجدد الأعمال القتالية، دعت السفارة الأميركية في إسرائيل المواطنين الأميركيين الموجودين في البلاد إلى «متابعة تطورات الوضع عن كثب والاستعداد لاحتمال حدوث اضطرابات في حركة الملاحة الجوية». اشتباكات دامية في الضفة الغربية في الضفة الغربية، شيّع أهالي بلدة تل الفلسطينية، السبت، أربعة رجال قُتلوا في اليوم السابق خلال مواجهات مع مستوطنين إسرائيليين. وكانت أعمال العنف قد اندلعت الجمعة بعد دخول نحو عشرين مستوطناً من مستوطنة حفات غلعاد المجاورة إلى البلدة. ووفقاً للجيش الإسرائيلي، تمكن فلسطيني من الاستيلاء على سلاح أحد المستوطنين قبل أن يقتله، لتندلع بعد ذلك اشتباكات مسلحة أسفرت عن مقتل أربعة فلسطينيين وإسرائيلي ثانٍ. وعلى إثر ذلك، أطلقت إسرائيل عملية أمنية واسعة، ففرضت طوقاً على المنطقة وأغلقت الحواجز العسكرية في مختلف أنحاء الضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967. وقد تصاعدت أعمال العنف في الضفة الغربية بشكل ملحوظ منذ هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. وأصبحت اعتداءات المستوطنين وعمليات الجيش الإسرائيلي في القرى الفلسطينية شبه يومية، فيما توثق مقاطع فيديو تُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي هذه الانتهاكات، وأحياناً من قبل مرتكبيها أنفسهم. وعقب ما وصفه بـ«الهجوم الإرهابي الدامي» الذي أودى بحياة إسرائيليين، تعهد بنيامين نتنياهو بالتحرك «بحزم»، وأعلن «تسريع إجراءات تقنين البؤر الاستيطانية العشوائية». وتتكون هذه البؤر غالباً من عدد محدود من الكرفانات أو المباني الجاهزة التي تُقام من دون ترخيص رسمي، بهدف فرض أمر واقع على الأرض. إدراج موقعين بصورة عاجلة على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر على صعيد آخر، أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، الجمعة، بصورة عاجلة قلاع جبل عامل في جنوب لبنان، إلى جانب الموقع الأثري في سبسطية بالضفة الغربية، على قائمة التراث العالمي، وكذلك على قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر. وتقع قلاع جبل عامل الخمس في منطقة من جنوب لبنان تتعرض بصورة متكررة للقصف الإسرائيلي منذ اندلاع النزاع. وأكدت اليونسكو أن «العناصر الأساسية» لهذه القلاع، التي يعود تاريخها إلى القرن الثاني عشر وأُقيمت على تلال تشرف على المناطق المحيطة، تعرضت لأضرار وما زالت تواجه تهديدات ناجمة عن النزاع المسلح القائم، وهي تهديدات «بالغة الخطورة بما يبرر اللجوء إلى إجراء الإدراج العاجل». عودة تدريجية إلى زوطر الغربية في لبنان، برزت أخيراً بوادر خجولة على انحسار التوتر في الجنوب. فقد بدأ أهالي بلدة زوطر الغربية بالعودة تدريجياً إلى قريتهم، تحت إشراف الجيش اللبناني الذي انتشر فيها تنفيذاً للاتفاق الإطاري المبرم في 26 يونيو بين بيروت وإسرائيل. ويشير هذا التطور إلى إحراز تقدم في تنفيذ الاتفاق، رغم استمرار الجيش الإسرائيلي في تنفيذ عمليات تفجير في مناطق أخرى من جنوب لبنان. إلا أن الانسحاب التدريجي للقوات الإسرائيلية لا يزال مشروطاً باستكمال انتشار الجيش اللبناني وتفكيك البنى التحتية شبه العسكرية التابعة لحزب الله. في سوريا... غوتيريش يدعو إلى دعم دولي على الصعيد الدبلوماسي، دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الذي يزور سوريا للمرة الأولى، المجتمع الدولي، السبت، إلى دعم هذا البلد الذي يمر بمرحلة انتقالية بعد أكثر من عقد من الحرب الأهلية وتولي سلطات جديدة زمام الحكم. وإلى جانب الرئيس أحمد الشرع، شدد غوتيريش أيضاً على ضرورة احترام سيادة سوريا، في إشارة إلى التوغلات الإسرائيلية في جنوب البلاد. وتُعد هذه الزيارة الأولى لأمين عام للأمم المتحدة إلى سوريا منذ زيارة بان كي مون عام 2009، كما تأتي بعد أكثر من عام ونصف العام على سقوط الرئيس بشار الأسد في أواخر عام 2024، إثر إطاحته على يد تحالف من الفصائل المسلحة.

حروب إيران وأذرعها: من سيدفع الثمن؟
بقلم
ربيع دندشلي
نُشر

لم تعد المواجهة التي تشهدها المنطقة مجرد فصل جديد في الصراع بين إيران وخصومها، ولا يمكن اختزالها في المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. فما تكشفه التطورات الأخيرة يتجاوز حدود الحرب نفسها إلى سؤال أكثر عمقاً يتعلق بشكل النظام الإقليمي الذي سيخرج من هذه المواجهة، وبموقع إيران داخله، وبمستقبل شبكة القوى المسلحة التي بنت طهران من خلالها جزءاً مهماً من نفوذها في العالم العربي. لسنوات طويلة، قامت الاستراتيجية الإيرانية على معادلة واضحة نسبياً: حماية الداخل الإيراني وتوسيع النفوذ والقدرة على الردع خارج الحدود، عبر شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة الممتدة من العراق ولبنان إلى اليمن. وقد وفّر هذا النموذج لطهران ما اعتبرته “عمقاً استراتيجياً”، وأتاح لها ممارسة الضغط على خصومها من ساحات متعددة من دون أن تكون الأراضي الإيرانية بالضرورة ميدان المواجهة المباشرة. لكن الحرب الحالية تكشف حدود هذه المعادلة، وربما بداية انقلابها على أصحابها. فالمسألة لم تعد مقتصرة على تحرك حلفاء إيران. لقد أصبحت دول مجاورة لإيران نفسها جزءاً من مسرح المواجهة، وتعرضت دول عربية لهجمات إيرانية مباشرة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي 28 شباط، أفادت الكويت وقطر والإمارات والبحرين باعتراض صواريخ إيرانية، كما اعترض الأردن صواريخ دخلت أجواءه. وفي الأسابيع التالية امتدت الهجمات والتداعيات إلى ساحات أخرى في الخليج. وفي 11 آذار، اعتمد مجلس الأمن القرار 2817 الذي أدان الهجمات الإيرانية على دول إقليمية وطالب إيران بوقفها. وهنا تظهر المفارقة الأولى التي ينبغي التوقف عندها: كيف تستطيع إيران أن تطالب باحترام سيادتها، وفي الوقت نفسه تتعامل مع سيادة دول الجوار باعتبارها قابلة للتجاوز كلما اقتضت حساباتها العسكرية ذلك؟ لا شك أن إيران تعرضت بدورها لهجمات عسكرية واسعة، وقد استندت في تبرير ردها إلى حق الدفاع عن النفس. وهذه حقيقة لا ينبغي تجاهلها في أي قراءة موضوعية للصراع. لكن حق أي دولة في الدفاع عن نفسها لا يمنحها تلقائياً الحق في تحويل دول أخرى إلى امتداد جغرافي لساحة المواجهة، خصوصاً عندما تكون هذه الدول حريصة على عدم الانخراط في الحرب أو تعمل على احتواء التصعيد. من تصدير النفوذ إلى تصدير كلفة الحرب تكمن إحدى المشكلات الأساسية في السياسة الإقليمية الإيرانية في أنها لم تكتفِ خلال العقود الماضية بتوسيع نفوذها السياسي، بل ربطت جزءاً من أمنها القومي ببناء قدرة عسكرية خارج حدودها. كانت الفكرة، من وجهة النظر الإيرانية، أن مواجهة الخصوم بعيداً عن الأراضي الإيرانية توفر لطهران هامشاً أكبر للمناورة والردع. لكن لهذه الاستراتيجية وجهاً آخر: نقل كلفة الصراع الإيراني إلى دول ومجتمعات أخرى. وهذا ما يجعل التطورات الراهنة مختلفة في دلالاتها. دول الخليج، على سبيل المثال، ليست اليوم الدول نفسها التي كانت عليها قبل عقدين. السعودية والإمارات وقطر والكويت وعُمان والبحرين تستثمر في نماذج اقتصادية تعتمد بصورة متزايدة على الاستقرار، وجذب الاستثمارات، والطيران والسياحة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية وربط اقتصاداتها بالأسواق العالمية. بالنسبة إلى هذه الدول، لم يعد الأمن مجرد حماية للحدود. لقد أصبح جزءاً من نموذجها الاقتصادي ومن قدرتها على تنفيذ مشاريعها المستقبلية. لذلك، عندما تصبح مطاراتها أو منشآتها الحيوية أو أجواؤها أو ممراتها البحرية جزءاً من مواجهة إيرانية مع طرف ثالث، فإن المشكلة تتجاوز مسألة عسكرية عابرة. إنها تمس مباشرة مفهوم السيادة الذي يفترض أن يحكم العلاقات بين دول المنطقة. والأخطر أن هذه السياسة لا تتحرك فقط من خلال الدولة الإيرانية. هنا تبدأ الحلقة الثانية من المشكلة: الأذرع والحلفاء المسلحون. الحوثيون: عندما تقرر جماعة مسلحة علاقة دولة بدولة أخرى التطور الأخير في اليمن يقدم ربما المثال الأكثر وضوحاً على المعضلة التي تواجه المنطقة. فقد أعلن الحوثيون ما وصفوه بـ”الحصار البحري” على السعودية، وهددوا حركة السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، في خطوة نقلت المواجهة إلى مستوى يتجاوز بكثير حدود الصراع اليمني الداخلي. وقد دفعت التهديدات بالفعل ناقلات تحمل النفط السعودي إلى تغيير مساراتها، بما يظهر أن تداعيات القرار لا تتوقف عند البيانات السياسية، بل تصل إلى التجارة والطاقة والملاحة الدولية. هنا يجب ألا يكون السؤال فقط: لماذا يفعل الحوثيون ذلك؟ السؤال الأكثر أهمية هو: من منح جماعة مسلحة داخل اليمن حق اتخاذ قرار يمكن أن يحدد علاقة اليمن بدولة مجاورة بحجم السعودية، وأن يعرّض اليمن نفسه لتداعيات عسكرية واقتصادية قد تكون هائلة؟ هذه ليست مسألة يمنية فقط. إنها تمس جوهر الأزمة التي أنتجها نموذج القوى المسلحة الموازية للدولة في أكثر من بلد عربي. فالمشكلة لم تعد أن إيران تمتلك حلفاء مسلحين في المنطقة فحسب، بل إن بعض هؤلاء الحلفاء بات يمتلك القدرة على إعادة رسم علاقات دوله مع جيرانها من خارج مؤسسات الدولة نفسها. وهذا فارق بالغ الأهمية. يمكن لحزب سياسي أن يتبنى الموقف الإقليمي الذي يريده، وأن يؤيد إيران أو يعارضها، وأن يعلن موقفه من الولايات المتحدة أو إسرائيل أو السعودية. هذه هي السياسة. لكن امتلاك القدرة العسكرية المستقلة التي تسمح لهذا الحزب أو التنظيم بتحويل موقفه السياسي إلى حرب تتورط فيها الدولة بأكملها هو أمر مختلف تماماً. من اليمن إلى لبنان والعراق ما يطرحه المثال اليمني اليوم ليس بعيداً عما اختبره لبنان، وإن اختلفت الظروف والسياقات. لقد عرف اللبنانيون خلال السنوات الأخيرة معنى أن يصبح قرار الحرب مرتبطاً بحسابات تتجاوز مؤسسات الدولة، وأن يتحول بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية وسياسية عميقة إلى جزء من مواجهة إقليمية أوسع. وهنا لا يتعلق النقاش فقط بموقف اللبنانيين من إسرائيل، ولا بشرعية مقاومة الاحتلال في مراحل تاريخية سابقة، بل بسؤال أكثر تحديداً: من يملك اليوم قرار إدخال لبنان في الحرب؟ الدولة أم تنظيم داخل الدولة؟ وفي العراق، تبدو المعضلة مشابهة وإن اتخذت شكلاً مختلفاً. فبغداد تسعى إلى الحفاظ على علاقاتها مع إيران من جهة، ومع الدول العربية والولايات المتحدة والمجتمع الدولي من جهة أخرى، بينما يمكن لتحركات بعض الفصائل المسلحة أن تضع الدولة أمام نتائج قرارات لم تتخذها الحكومة نفسها. وقد أظهرت المواجهة الحالية أيضاً أن حسابات بعض القوى العراقية المسلحة ليست بالضرورة متطابقة بصورة كاملة مع حسابات طهران؛ إذ أفادت تقارير بأن جماعات بنت إيران معها علاقات على مدى سنوات أبدت تحفظاً على الانخراط في حرب واسعة قد يدفع العراق ثمنها. وهذا تطور يستحق الانتباه. لأن السؤال الذي بدأ يظهر داخل هذه البيئات قد لا يكون: هل نقف مع إيران أم ضدها؟ بل سؤالاً مختلفاً تماماً: هل مصلحة إيران في هذه الحرب هي بالضرورة مصلحة العراق أو لبنان أو اليمن؟ الميليشيات بين “العمق الاستراتيجي” والعبء الاستراتيجي هنا ربما تكمن أكبر مفارقات الاستراتيجية الإيرانية. لقد استثمرت طهران لعقود في بناء شبكة من العلاقات مع قوى مسلحة في المنطقة، واعتبرت هذه الشبكة جزءاً من قدرتها على الردع وحماية أمنها القومي. لكن ما اعتُبر طوال سنوات عمقاً استراتيجياً قد يتحول في البيئة الإقليمية الجديدة إلى عبء استراتيجي . فكلما استخدمت جماعة مسلحة أراضي دولة عربية لتهديد دولة أخرى، تزداد الضغوط ليس فقط على تلك الجماعة، وإنما على الدولة التي تعمل منها. وكلما أصبحت الصواريخ والطائرات المسيّرة والممرات البحرية أدوات تستخدمها قوى من خارج المؤسسات الرسمية، يصبح من الأصعب التعامل مع سلاح هذه القوى باعتباره مجرد شأن داخلي للدولة التي توجد فيها. وهنا قد ترتكب إيران وحلفاؤها خطأ استراتيجياً كبيراً إذا افترضوا أن الشرق الأوسط الذي سيخرج من الحرب الحالية سيقبل بالقواعد نفسها التي حكمت المنطقة قبلها. المنطقة تتغير… وقواعد اللعبة أيضاً هناك تحول أوسع يحدث في الشرق الأوسط. السعودية ودول الخليج تعيد تعريف أولوياتها. دول عربية أخرى تحاول استعادة مؤسساتها بعد سنوات من الحروب والانقسامات. وهناك اتجاه متزايد نحو اعتبار الاستقرار الاقتصادي والأمن الإقليمي والسيادة الوطنية مصالح مترابطة وليست ملفات منفصلة. وفي هذا السياق، يصبح من الصعب تصور نظام إقليمي مستقر يقبل بصورة دائمة بوجود تنظيمات مسلحة تستطيع اتخاذ قرارات عسكرية مستقلة ضد دول أخرى. الدولة لا تستطيع أن تطالب جيرانها باحترام سيادتها إذا كانت لا تحتكر السلاح وقرار الحرب داخل حدودها. والتنظيم المسلح لا يستطيع أن يكون جزءاً من النظام السياسي عندما يناسبه ذلك، ثم يتصرف كدولة مستقلة عندما يتعلق الأمر بالحرب والسلم. هذه المعادلة قد تكون قابلة للاستمرار عندما تكون كلفة المواجهات محدودة. لكنها تصبح أكثر صعوبة عندما تستطيع مسيّرة واحدة أو صاروخ واحد أن يستهدف منشأة حيوية، أو يعطل مطاراً، أو يهدد ممراً بحرياً، أو يجر دولتين إلى مواجهة أوسع. ولهذا، فإن ما يحدث اليوم قد يؤدي إلى ما هو أبعد من إعادة رسم موازين القوى بين إيران وخصومها. قد يؤدي إلى إعادة تعريف المقبول وغير المقبول في النظام الأمني الإقليمي نفسه . الخطأ الإيراني الأكبر ربما يكون الخطأ الأكبر في حسابات طهران اليوم هو الاعتقاد بأن توسيع مساحة المواجهة يزيد دائماً قدرتها على الردع. قد يكون ذلك صحيحاً عسكرياً في لحظة معينة. لكن الاستراتيجية لا تقاس فقط بعدد الجبهات التي يستطيع اللاعب فتحها، وإنما أيضاً بالنظام السياسي والأمني الذي تنتجه تلك الجبهات بعد انتهاء الحرب. إذا أدت التحركات الإيرانية وتهديدات القوى المتحالفة معها إلى دفع السعودية ودول الخليج والأردن ودول أخرى نحو تعاون دفاعي أعمق، وإلى زيادة الضغط الدولي على الجماعات المسلحة خارج الدولة، وإلى تعزيز المطالبة الداخلية في لبنان والعراق واليمن بحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الشرعية، فإن إيران قد تكتشف أن الحرب التي أرادت من خلالها إثبات اتساع نفوذها ساهمت في تقويض البيئة التي سمحت لهذا النفوذ بالنمو أصلاً. وهذا الاحتمال لا ينبغي التقليل من أهميته. فالقوة الإيرانية الإقليمية لم تقم فقط على الصواريخ أو البرنامج النووي أو القدرات العسكرية التقليدية. جزء مهم منها قام على قدرة طهران على العمل داخل المساحات الرمادية للدولة العربية: دولة موجودة، ولكنها لا تحتكر القوة؛ حكومة قائمة، ولكنها لا تحتكر القرار العسكري؛ وحدود معترف بها، ولكنها لا تمنع انتقال السلاح والصراع عبرها. إذا بدأت هذه المساحات بالانحسار، فإن أحد أهم مصادر النفوذ الإيراني سيتعرض لتحدٍ جوهري. حروب إيران وأذرعها… من سيدفع الثمن؟ لا تزال نتيجة المواجهة الحالية مفتوحة على احتمالات متعددة. ولا يمكن الجزم اليوم بشكل النظام الإقليمي الذي سيخرج منها. لكن هناك حقيقة يصعب تجاهلها: المنطقة التي تعيش هذه الدرجة من التهديد وعدم الاستقرار لن تعود ببساطة إلى النقطة التي كانت عندها قبل الحرب. ستعيد الدول تقييم تحالفاتها ودفاعاتها وحدودها وعلاقاتها مع إيران، كما ستعيد النظر في الطريقة التي تتعامل بها مع الجماعات المسلحة القادرة على تهديدها من أراضي دول أخرى. وهنا ينبغي على حلفاء إيران أنفسهم أن يطرحوا السؤال الذي قد يكون أكثر أهمية من سؤال الانتصار والهزيمة في الحرب الحالية: ماذا سيبقى لهم ولدولهم عندما تتوقف الحرب؟ فالحوثيون يستطيعون تهديد السعودية، لكن اليمن سيكون أول من يتحمل نتائج أي حرب جديدة. والفصائل العراقية تستطيع الدخول في مواجهة إقليمية، لكن العراق هو الذي سيواجه انعكاساتها الاقتصادية والأمنية والسياسية. وفي لبنان، يمكن لأي قوة مسلحة أن تعتبر نفسها جزءاً من معادلة إقليمية أكبر، لكن اللبنانيين هم الذين سيبقون بعد انتهاء المواجهة أمام بلد يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده ودولته ومؤسساته. أما إيران، فقد تستطيع توسيع ساحات المواجهة وإثبات قدرتها على إيذاء خصومها خارج حدودها، لكنها بذلك تخاطر أيضاً بتحويل الخوف من نفوذها إلى أساس لنظام إقليمي جديد يقوم على احتوائه. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: ما بنته إيران طوال عقود ليكون عمقاً استراتيجياً قد يتحول، بفعل الاستخدام المفرط له، إلى السبب الذي يدفع المنطقة إلى البحث عن نظام أمني جديد هدفه منع أي دولة أو جماعة مسلحة من امتلاك القدرة على تقرير مصير دول أخرى. لذلك، فإن السؤال اليوم ليس ما إذا كانت إيران وأذرعها قادرة على فتح جبهات جديدة. لقد أثبتت أنها تملك أدوات لذلك. السؤال الأصعب هو ما إذا كانت تدرك أن كل جبهة جديدة قد تسرّع ولادة شرق أوسط لم يعد مستعداً لقبول القواعد التي سمحت لهذه الأذرع بالنشوء والاستمرار. حروب إيران قد تبدأ من حسابات طهران، لكن الدول والشعوب التي تتحول إلى ساحاتها قد تكون أول من يدفع الثمن. وفي الشرق الأوسط الذي يتشكل اليوم، قد يصبح احتكار الدولة لقرار الحرب والسلم ليس مجرد مطلب سيادي داخلي، بل شرطاً أساسياً لأي نظام إقليمي قابل للحياة.

هرمز... الدبلوماسية القسرية و"نظرية الرجل المجنون"!

تمسّكوا جيدًا! فوفقًا لبعض القراءات، لم يكن القصف الأميركي المتواصل لإيران، لليلة تلو الأخرى، يهدف فقط إلى تدمير أهداف عسكرية أو مدنية، أو إلى نسف الرادارات ومنصات إطلاق الصواريخ ومصافي النفط، بل كان يحمل في طياته رسالة سياسية موجهة إلى طهران. وبحسب هذا المنطق، فإن كل ضربة جوية ليست سوى وسيلة لدفع إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، ولكن وفق شروط جديدة. وهذا ما كان سيدافع عنه الاقتصادي الأميركي توماس شيلينغ، الحائز جائزة نوبل عام 2005، الذي اعتبر أن الحروب ليست مجرد مواجهات عسكرية، بل هي أيضًا شكل من أشكال التفاوض بوسائل أخرى، حيث يتبادل الخصوم الرسائل عبر القصف بقدر ما يتبادلونها عبر القنوات الدبلوماسية. التحول في المقاربة الأميركية في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict)، يميز شيلينغ بين مفهومَي الردع (Deterrence) والإكراه (Compellence)، ويجعل منهما ركيزتين لفهم السلوك الاستراتيجي للدول. فطالما اكتفت حاملات الطائرات الأميركية بالانتشار في المنطقة من دون استخدام القوة، كانت واشنطن تمارس سياسة الردع. لكن مع اندلاع المواجهات، ثم التوصل إلى وقف لإطلاق النار، جاءت الوساطة الباكستانية لتفضي، في 17 حزيران/يونيو الماضي، إلى مذكرة التفاهم (MOU). ورأى كثيرون أن الدبلوماسية الإيرانية، بما أظهرته من مرونة وقدرة على المناورة، دفعت الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى خفض سقف مطالبه، فانتقل من السعي إلى إسقاط نظام الملالي إلى الاكتفاء بضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وبدا وكأن الولايات المتحدة انتقلت من سياسة الردع إلى الإكراه، ثم انتهت إلى التفاوض، الأمر الذي فسره البعض على أنه تراجع في الموقف الأميركي. غير أن ترامب لم يكن قد أنهى اللعبة. فقد أثار غضبه ما اعتبره مناورة من المفاوضين الإيرانيين وتأويلهم للمادة الخامسة من مذكرة التفاهم، فاتخذ من حادث أمني محدود ذريعة لاستئناف العمليات العسكرية. وهكذا عاد الخليج إلى دائرة التصعيد، مع استئناف الضربات الأميركية المكثفة.(1) السابقة الفيتنامية كثيرون وصفوا سياسة ترامب بالتقلب، معتبرين أن أهدافه غير واضحة وأن إدارته للحرب تفتقر إلى الاتساق. لكن هل كان هذا التوصيف منصفًا؟ فالرئيس الأميركي، وإن لم يكن من دعاة الحروب، ولا يشبه بنيامين نتنياهو في اندفاعه العسكري، ولا الحرس الثوري الإيراني في نهجه التصعيدي، فإنه يجيد التكيف مع تطورات الميدان، ويعرف كيف يوظف القوة عندما يرى أنها تخدم أهدافه السياسية. وإذا بدا أحيانًا وكأنه يتراجع، فإنه غالبًا ما يعود إلى التصعيد في توقيت غير متوقع. والتاريخ الأميركي يقدم سابقة مشابهة. ففي حرب فيتنام، وبعد سنوات من الاستنزاف العسكري، وصل ريتشارد نيكسون إلى البيت الأبيض وهو يسعى إلى إنهاء الحرب من دون أن تبدو الولايات المتحدة مهزومة. وأسند إلى وزير خارجيته هنري كيسنجر مهمة إدارة المفاوضات في باريس مع الفيتناميين الشماليين. لكن عندما تعثرت المفاوضات، لجأ كيسنجر إلى الجمع بين التصعيد العسكري المكثف والتفاوض، في إطار ما أصبح يعرف بـ«الدبلوماسية القسرية» (Coercive Diplomacy) و«نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) التي ارتبطت باسم الرئيس نيكسون.(2) وقد أفضى هذا النهج في النهاية إلى توقيع اتفاقيات باريس في كانون الثاني/يناير 1973. من هرمز إلى جبل عامل ويبدو أن السيناريو نفسه يتكرر اليوم في مضيق هرمز، بعدما أدرك ترامب أن سياسة الردع وحدها لم تعد كافية، وأن حرب الاستنزاف مع إيران ستكون أكثر كلفة مما توقع. ومن هنا، يرى الكاتب أن واشنطن انتقلت إلى مرحلة الإكراه، حيث لا تستهدف الضربات الجوية القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية بقدر ما تهدف إلى رفع الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية للحرب، ودفع طهران إلى تعديل سلوكها والعودة إلى طاولة المفاوضات من موقع أكثر ضعفًا. وبذلك تتحول القوة العسكرية إلى وسيلة ضغط دبلوماسية، لا إلى غاية بحد ذاتها. العبرة بالنسبة إلى لبنان وانطلاقًا من هذا المنظور، يرى الكاتب أن إسرائيل ستواصل حرب الإكراه في جنوب لبنان إلى أن يرضخ حزب الله. فسياسة الأرض المحروقة والتدمير المنهجي ليست، في رأيه، سوى وسيلة ضغط لفرض نتائج سياسية. ويستحضر الكاتب تجربة عام 1982، عندما وافق ياسر عرفات على مغادرة بيروت مع مقاتليه، استجابة لنداءات شخصيات سنية رفضت تحويل العاصمة إلى «ستالينغراد» جديدة. ويطرح في المقابل سؤالًا: هل يمكن انتظار الموقف نفسه من طهران؟ ويجيب بأن القيادة الإيرانية، التي يصفها بأنها مركز المشروع الخميني، تبدو مستعدة، وفق رأيه، لمواصلة المواجهة «حتى آخر شيعي». ويختم بالقول إن التاريخ سيحكم، في نهاية المطاف، بأن الإيراني لم يُبدِ التعاطف نفسه الذي أظهره الفلسطيني. (1) يستند الكاتب في فرضيته إلى أن الطائرات الأميركية تواصل منذ السابع من تموز/يوليو قصف المنشآت الإيرانية، بينما ترد طهران باستهداف الكويت وقطر والبحرين وسلطنة عُمان والأردن بحجة استضافتها قواعد أميركية، من دون أن تستهدف مباشرة حاملات الطائرات أو القطع البحرية الأميركية. (2) تشير «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) إلى استراتيجية في السياسة الخارجية تبناها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، تقوم على إقناع الخصوم بأنهم يواجهون قائدًا غير قابل للتنبؤ، ومستعدًا للذهاب إلى أقصى درجات التصعيد، بما في ذلك استخدام قوة تدميرية هائلة.

الحرب في أوكرانيا: الأخطاء الاستراتيجية الروسية وسوء التقدير الغربي (3/5)

تواصل الحرب في أوكرانيا تصدّر النقاشات الدولية، في ظل قصف شبه يومي يستهدف، من الجانبين، مواقع حيوية، ولا سيما العاصمتين الروسية والأوكرانية. ولفهم مختلف أبعاد هذا الصراع القديم بصورة أفضل، لا بد من العودة إلى مقدماته وجذوره التي أفضت إلى اندلاع هذه الحرب (التي يمكن وصفها بالأخوية)، مع استعراض دوافع وتطلعات الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الغرب (الولايات المتحدة وأوروبا، بما في ذلك جميع دول حلف شمال الأطلسي باستثناء تركيا)، فضلاً عن التذكير ببدايات الهجوم الروسي وإخفاقات محاولات التوصل إلى السلام، أو على الأقل إلى مفاوضات، مع الإقرار بأن المسؤوليات في هذا السياق متعددة. ولفهم مختلف جوانب الحرب في أوكرانيا، تبرز منذ البداية مجموعة من الأسئلة الأساسية: ماذا تمثل روسيا وأوكرانيا بالنسبة إلى الغرب؟ وما التداعيات العملية لانتصار حاسم لأي من الطرفين؟ وما الانعكاسات التي قد تترتب على ذلك بالنسبة إلى الغرب والشرق الأوسط؟ في سلسلة من خمسة مقالات، يعرض جان-باتريك دايراس ، الأميرال البحري المتقاعد في البحرية الفرنسية، رؤيته وتحليله لهذه القضية. كان يمكن لأوكرانيا أن تصبح دولة شريكة لأوروبا من دون أن تكون عضواً فيها أو مرشحة للانضمام إليها، ومن دون الانتماء إلى حلف شمال الأطلسي. وفي هذا السياق، يمكن تحميل الولايات المتحدة وأوروبا، إلى جانب بريطانيا، جانباً من المسؤولية. كما ارتكبت أوكرانيا نفسها أخطاء مؤسفة بحق السكان الناطقين بالروسية وفي مناطق الشرق. وكان من الممكن أن يؤدي اعتماد موقف أكثر حزماً، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقة بناءة مع روسيا والرغبة في البقاء قريبة منها، حيث يعيش عدد كبير من الأوكرانيين، إلى تخفيف التوتر وإقامة شراكة مع كل من أوروبا وروسيا. قد لا يكون ذلك مضمون النجاح، لكنه كان يستحق المحاولة. فالأوروبيون، والولايات المتحدة، وروسيا، وأوكرانيا، جميعهم يتحملون قسطاً من المسؤولية، وجميعهم خسروا. ولماذا لم يكن من الممكن التوصل إلى مثل هذا الاتفاق؟ لقد أدى موقف الغرب إلى تعزيز تكتل «بريكس+» واستقطاب مزيد من الدول نحو هذا التكتل، بدلاً من الديمقراطيات الغربية التي تسعى، في نظر كثيرين، إلى فرض نموذجها في الحكم وإدارة العالم بالقوة. ومع مرور الوقت، تبرز ثلاث نقاط رئيسية تستحق أن تُدرج ضمن قائمة الأخطاء، أو بالأحرى «الذنوب السياسية»، لأنها تنطوي على مسؤولية واضحة: اتفاقا مينسك 1 ومينسك 2 اللذان لم يُطبقا. وتتحمل أنغيلا ميركل وفرانسوا هولاند جزءاً مهماً من المسؤولية في هذا الشأن. فبعد الغزو الروسي، صرّح كل من ميركل وهولاند، في مقابلات صحافية، بأن الاتفاقين لم يكونا، في نظرهما، معدّين للتنفيذ بقدر ما كانا يهدفان إلى منح أوكرانيا الوقت لتعزيز قدراتها العسكرية. وقد أثارت هذه التصريحات جدلاً واسعاً. أما روسيا، فقد اعتبرتها دليلاً على أن الاتفاقات لم تُبرم يوماً بحسن نية. في المقابل، أوضحت ميركل وهولاند أن هدفهما كان الحيلولة دون اندلاع حرب أوسع بين عامي 2014 و2015، وأن تعزيز القدرات العسكرية الأوكرانية أصبح نتيجة لغياب تسوية دائمة، وليس الهدف الوحيد من الاتفاقات. ومن الصعب تحميل هولاند أو ميركل وحدهما مسؤولية فشل تطبيق اتفاقات مينسك. فمعظم التحليلات تعتبرهما وسيطين لم ينجحا في فرض تنفيذ الاتفاقات، لا صاحبي القرار الأساسيين. أما المسؤوليات الرئيسية، فتقع على عاتق الأطراف المنخرطة مباشرة في النزاع، أي أوكرانيا وروسيا والسلطات الانفصالية، التي كانت تختلف جذرياً حول ترتيب تنفيذ الالتزامات. كما لا يتفق المؤرخون والمتخصصون جميعاً على تفسير تلك التصريحات. غير أنهم يجمعون في المقابل على أن اتفاقات مينسك كانت شديدة التعقيد، لأن الطرفين اختلفا حول تسلسل تنفيذها: فأوكرانيا كانت تطالب أولاً بالأمن والسيطرة على الحدود، بينما كانت روسيا تشدد على الإصلاحات السياسية ومنح دونباس وضعاً خاصاً قبل أي خطوة أخرى. أما الخطأ الثاني، فيتعلق بموقف بوريس جونسون، الذي لم يكن مشرّفاً. فقد طمأن الأوكرانيين، مؤكداً لهم حصولهم على دعم كامل، مع تزويدهم بالأسلحة والذخائر التي تضمن لهم تحقيق نصر سريع. ويُعدّ هذا، في رأي الكاتب، خطأً جسيماً، بل قاتلاً. فالتفاوض يبقى أفضل من الحرب، لأنه أقل كلفة من حيث الأرواح البشرية، والدمار، والمعاناة، والكراهية التي تخلّفها بين شعبين يرتبطان بروابط وثيقة. وكان من الممكن توقّع هذه النتائج، لأنها سبق أن ظهرت بوضوح خلال حروب البلقان. أما الخطأ الثالث، فهو الأخطاء الاستراتيجية الروسية. فقد بنت روسيا، بحسب الكاتب، خطتها على ما يُعرف في مدارس الجيوستراتيجية والكليات الحربية بـ«الافتراضات المسبقة بشأن العدو»، وهي افتراضات تبيّن أنها كانت خاطئة. فالدخول إلى أوكرانيا من دون إعلان حرب أدى إلى توحيد الشعب الأوكراني بأكمله، وهو موقف يستحق، برأي الكاتب، الإشادة. ومن المرجح أن الرئيس فلاديمير بوتين كان يعتقد أن الحكومة الأوكرانية ستسقط أو ستُطاح بسرعة، ما يتيح له تحويل أوكرانيا إلى دولة تدور في الفلك الروسي على غرار بيلاروسيا. لكن بوتين أخطأ في تقدير طبيعة الحرب. فهي لم تكن حرباً تستجيب لاستراتيجية عسكرية، بل كانت رهاناً سياسياً خاطئاً بُني على فرضيات غير صحيحة، أبرزها الاعتقاد بأن السلطة الأوكرانية ضعيفة ويقودها رجل إعلام يفتقر إلى الخبرة السياسية. ويرى الكاتب أن تطورات الأحداث أظهرت لاحقاً أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي كان يعتمد بصورة كبيرة على الدعم الأمريكي. أما على المستوى التكتيكي، فلم يكن الأداء الروسي أفضل حالاً. فقد استلزم الزحف الواسع للدبابات توفير إمدادات مستمرة من الوقود والذخيرة، وهو ما لم يكن متوافراً بالشكل الكافي. ويشير الكاتب إلى المقولة الشهيرة: «الخدمات اللوجستية ستلحق بالقوات»، مؤكداً أن الواقع يفرض أن ترافق العمليات العسكرية، بل أن تسبقها إن أمكن. ويستشهد في هذا السياق بما فعلته الولايات المتحدة خلال حرب تحرير الكويت. كما تم التقليل من شأن تهديد الطائرات المسيّرة، أو حتى تجاهله. فقد كان الروس يقاتلون بلداً تعرض للغزو، لكنه يتمتع بقاعدة صناعية متطورة ويضم شعباً متعلماً ومبدعاً، وهو ما أثبته الأوكرانيون عملياً. ولم تعد هذه الحرب تشبه «الحرب الوطنية العظمى» التي جرى تمجيدها لعقود طويلة في روسيا وغرسها في أذهان الأجيال منذ الصغر، بل كانت حرباً مختلفة تماماً، لا تحمل الطابع الوطني ذاته بالنسبة إلى الروس. أما بالنسبة إلى الأوكرانيين، فقد كانت بالفعل حرباً وطنية بكل معنى الكلمة. فقد تعرض وطنهم للاجتياح، واحتُلت أراضيهم وحقولهم، ودُمّرت مدنهم ومنازلهم، وتعرضت نساؤهم للاغتصاب أو القتل أو الإصابة، وكذلك أطفالهم. لذلك كانوا يقاتلون دفاعاً عن أرضهم ووطنهم وشعبهم. ولم تسقط الحكومة الأوكرانية، بل ما زالت قائمة، حتى وإن لم تعد، بحسب الكاتب، الطرف الأنسب لبدء مفاوضات السلام. ويرى أنه قد يكون من المناسب التفكير في قيادة جديدة وفريق جديد لأوكرانيا يحمل رؤية مختلفة للمستقبل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على موقف حازم في التفاوض مع الرئيس بوتين. ويضيف أن وضع شروط مسبقة قبل بدء أي مفاوضات يؤدي في الغالب إلى طريق مسدود وإلى فشل العملية التفاوضية، وهو ما حدث بالفعل. مسؤوليات أخرى ساهمت في إطالة أمد الحرب المناورات السياسية المكثفة، بل المفرطة، التي قادتها بصورة خاصة دول البلطيق وبولندا ــ رغم أن الأخيرة بدأت مؤخراً تراجع موقفها ــ للتأثير في الدول الأوروبية والمفوضية الأوروبية، التي يرى الكاتب أنها تعمل تحت «توجيهات» رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، والتي يعتبر أنها لم ترتقِ إلى مستوى المسؤولية التي تتولاها. مواصلة تمويل أوكرانيا من قبل الولايات المتحدة وأوروبا، ولا سيما من قبل الأخيرة مع تراجع انخراط واشنطن في تسوية النزاع، أسهمت، بحسب الكاتب، في استمرار الحرب وتعزيز قدرة الأوكرانيين على الصمود، وبالتالي رفع سقف مطالبهم. ويضيف أن الرئيس فولوديمير زيلينسكي يواصل الضغط على قادة الدول والحكومات الأوروبية، مستخدماً أحياناً لهجة حازمة للحصول على مساعدات مالية وعسكرية أصبحت تشكل عبئاً متزايداً على أوروبا، ولا سيما فرنسا. ما لا يُقال لا يرحب السياسيون، في أوروبا كما في أماكن أخرى، بكشف مواطن ضعفهم أو إساءة استخدامهم للسلطة والنفوذ وتأثيرهم في وعي مواطنيهم. فمنذ أحداث ميدان عام 2014، كان المطلوب الاصطفاف إلى جانب أوكرانيا، وتصوير الأوكرانيين، ولا سيما الشباب منهم، على أنهم ضحايا للقمع الروسي. وقد بدا هذا الخطاب وسيلة فعالة لكسب التأييد الشعبي، وكأن مجرد كون الإنسان شاباً يمنحه تلقائياً صفة الحكمة والفهم العميق للعالم. وفي فرنسا، يمكن التذكير بأحداث مايو/أيار 1968 وما ترتب عليها، بحسب الكاتب، من تداعيات عميقة ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم، من بينها بداية تراجع هيبة الدولة والسلطة، ولا سيما سلطة الأب داخل الأسرة، ثم تراجع مكانة المدرسة والعمل. ويرى الكاتب أن معظم السياسيين الغربيين، ولا سيما في أوروبا الغربية، يعتمدون على مخاطبة المشاعر أكثر من اعتمادهم على التحليل العقلاني. فكل ما يحدث يُفسَّر من خلال العاطفة والانفعال. ومنذ عام 2014، ثم بصورة أوضح منذ عام 2022، أصبح الشعار الضمني، وفق رأيه، هو: «أنا أحب أوكرانيا، وأحب الأوكرانيين، أما الروس فهم متوحشون ومغتصبون وقتلة»، وكأن جميع الحروب والجيوش، بدرجات متفاوتة، لا تشهد تجاوزات وانتهاكات مماثلة. ويتساءل الكاتب: هل ينبغي على الفرنسيين أن يحبوا زيلينسكي؟ يبدو أن الطبقة السياسية، والمحللين على شاشات التلفزة، ووسائل الإعلام الرئيسية، يكررون ذلك باستمرار. لكن ما الذي يجعل زيلينسكي، في نظرهم، أكثر استحقاقاً للتعاطف من بوتين؟ ويتابع قائلاً إنه لا ينبغي تمجيد بوتين بالطبع، لكن لا ينبغي أيضاً شيطنة الشعب الروسي بأكمله أو نبذه. ويضيف أن الفساد مستشرٍ لدى الجميع، مذكّراً بأن أوكرانيا كانت تُصنَّف عام 2014 من بين أكثر دول العالم فساداً، وأن هذه الظاهرة لم تُستأصل حتى اليوم. كما يشير إلى أن بعض المساعدات الغربية قد لا تصل إلى وجهتها الأصلية، وأن عدداً من الأوكرانيين استقروا في أوروبا في انتظار انتهاء الحرب والعودة إلى بلادهم بعد إحلال السلام. ويخلص الكاتب إلى أن الغرب يدير الجغرافيا السياسية بمنطق العواطف أكثر مما يديرها بمنطق المصالح، معتبراً أن هذا ليس أسلوباً سليماً في التفكير أو التحليل أو صياغة العلاقات بين الدول. فالدول، في رأيه، لا تملك أصدقاء دائمين، بل مصالح دائمة، وعلى هذا الأساس ينبغي للحكومات أن تحدد سياساتها وعلاقاتها الدولية. ويضيف أن بوتين لا يحكمه هذا المنطق العاطفي، وكذلك زيلينسكي، الذي تصرف مراراً، بحسب الكاتب، بقدر من السلطوية ورفع سقف مطالبه تجاه أوروبا، مطالباً الدول الأوروبية بالاستجابة لما يطلبه. المقال المقبل: تداعيات انتصار أوكرانيا أو روسيا (4/5). اقرأ أيضًا حول نفس الموضوع كيف اختار الغرب أوكرانيا (١/٥) الحرب في أوكرانيا: فشل جهود السلام الأولية (٢/٥)

قمة واشنطن: بين الآمال والأوهام

بدت المشهدية في المكتب البيضاوي يوم الثلاثاء 21 تموز/يوليو 2026 وكأنها أُعدّت بعناية فائقة. فمن جهة، وقف دونالد ترامب واعدًا بتقديم مساعدات عسكرية، ومعلنًا عن نافذة اقتصادية واسعة عبر رفع حظر جوي استمر أربعين عامًا. ومن جهة أخرى، عرض الرئيس اللبناني جوزاف عون وثيقة رسمية قُدّمت على أنها خريطة الطريق النهائية لنزع سلاح حزب الله. وبالنسبة إلى المراقبين الغربيين، بدا التبادل مثاليًا: توسيع سيادة الدولة اللبنانية مقابل رعاية أميركية تهدف إلى إنهاء النفوذ الإيراني في المشرق بصورة نهائية. لكن خلف الابتسامات الرسمية، والمصافحات، وعبارات المجاملة، قد تتحول هذه القمة، رغم ما حملته من وعود، إلى وهم دبلوماسي جديد. فالحماسة التي سادت في واشنطن تتجاهل عمدًا ثلاث ثغرات بنيوية تحدّ من هذا التفاؤل: محدودية الضغط الأميركي على إسرائيل، وافتقار الدولة اللبنانية إلى المصداقية عندما يتعلق الأمر بسلاح الميليشيا الموالية لإيران، ثم العامل الإيراني نفسه. ترتكز المعادلة التي طرحها جوزاف عون على مبدأ واضح يقوم على الترابط المشروط، أي إن نزع سلاح حزب الله يبقى مشروطًا بانسحاب كامل ونهائي للقوات الإسرائيلية من جنوب لبنان. وهذا الموقف ليس جديدًا، إذ سبق لعون أن أعلنه مرارًا. كما أن إعلانه في البيت الأبيض ساهم في تهدئة العاصفة السياسية التي سبقت القمة في بيروت. إلا أن واشنطن لا تملك سوى هامش محدود للتأثير على إسرائيل عندما يتعلق الأمر بما تعتبره أمنها القومي. فقد أكد دونالد ترامب أن إسرائيل «في طور الانسحاب»، في إشارة تعكس مرونة تجاه كل من تل أبيب وبيروت، من دون الإعلان عن أي جدول زمني ملزم. غير أن الجيش الإسرائيلي لا يحتكم إلا إلى عقيدته الأمنية الخاصة، التي تمنحه حق التدخل العسكري الفوري كلما شعر بوجود تهديد. وهذا المفهوم لسيادة منقوصة أو منتهكة يتعارض جوهريًا مع الخطة التي تدافع عنها الرئاسة اللبنانية. وقد جاءت الطلقات التحذيرية التي أطلقها الجيش الإسرائيلي باتجاه الجيش اللبناني في زوطر الغربية، قبل ساعات قليلة من انعقاد القمة، لتؤكد أن من يحدد إيقاع الأحداث على الخط الأزرق هو الجيش الإسرائيلي، لا بيانات وزارة الخارجية الأميركية. أما دونالد ترامب، الذي يبقى دعمه لإسرائيل الركيزة الأساسية لسياسته الشرق أوسطية، فلن يغامر أبدًا بالدخول في مواجهة مباشرة مع حليفه. ومن دون ضمانة مطلقة لإزالة ترسانة حزب الله، سيظل الضغط الأميركي محدودًا، وسيتجمد الانسحاب الإسرائيلي. وفي هذا السياق أيضًا، تبقى مصداقية السلطة التنفيذية اللبنانية موضع شك. فالمجتمع الدولي لا يمنح ثقة كبيرة لخطة نزع السلاح الحالية، لأنها تكاد تكون نسخة مكررة من الخطة التي وُضعت في آب/أغسطس 2025 بعد انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية باستثناء خمس نقاط حدودية. وفوق ذلك، فإن التجربة الممتدة على مدى عشرين عامًا تفرض كثيرًا من التشكيك. فمن الوعود التي أطلقها الحوار الوطني عام 2006، مرورًا باتفاق الدوحة عام 2008، وإعلان بعبدا عام 2012، ووصولًا إلى الانسحابين الإسرائيليين عامي 2006 و2025 تطبيقًا للقرار 1701، انتهى كل اتفاق كان يفترض أن يحصر السلاح بيد الدولة إلى صفحات التاريخ. ويبدو أن الخطة التي قدمها جوزاف عون إلى ترامب لن تشذ عن هذه القاعدة، إذ إنها، بحسب المعطيات، صيغت من دون موافقة الثنائي الشيعي، حزب الله وحركة أمل، اللذين يمتلكان نفوذًا وازنًا في القرار السياسي اللبناني. كما أن الرئيس عون أوحى في البيت الأبيض بأن رئيس مجلس النواب نبيه بري يؤيد وقف الحرب، وهو ما يترك مساحة من الغموض الدبلوماسي. ومع ذلك، تبقى هذه القمة أكثر من ضرورية، لأنها تحافظ على مسار سياسي قائم، وهو المسار الوحيد القادر على ضمان حد أدنى من الهدوء في الجنوب. أما الجيش اللبناني، الذي تنظر إليه واشنطن بوصفه القوة البديلة المحتملة، فهو مؤسسة تحظى بالاحترام، لكنه لن يدخل في مواجهة مباشرة لمصادرة صواريخ حزب الله شمال الليطاني. وهذا يعكس بوضوح إرادة الرئيس جوزاف عون، إذ ترى الدائرة المحيطة به أن خطوة من هذا النوع قد تقود إلى اضطرابات سياسية واجتماعية، رغم الحماسة التي يبديها كثير من أبناء الجنوب لانتشار الجيش في قراهم، ورغم المؤشرات الواضحة إلى تراجع قدرات حزب الله. وعليه، فإن خطة نزع السلاح التي تسرّبت في واشنطن تبدو أقرب إلى استراتيجية تواصل سياسي منها إلى خطة متماسكة، أو إلى مقاربة تهدف أساسًا إلى الحفاظ على الاستقرار. أما حزب الله، فما زال يمتلك قدرة كبيرة على التعطيل، ولن يتردد في استخدامها رغم تراجع قوته. فالميليشيا الموالية لإيران، بالتنسيق مع حليفها نبيه بري، تستطيع شل مؤسسات الدولة من الداخل، أو افتعال حوادث أمنية مدروسة داخل «المناطق النموذجية» في الجنوب أو خارجها، لدفع إسرائيل إلى الرد، وإظهار عجز الجيش اللبناني أمام المجتمع الدولي. وبعيدًا عن التفاؤل الذي ولدته القمة، سواء من خلال الدعم الأميركي للجيش أو الضغوط الرامية إلى تثبيت الاستقرار، ورغم العقبات الكبيرة التي تعترض خطة جوزاف عون، فإن المفاجأة الحقيقية تكمن في إعادة فتح خطوط الطيران المباشرة بين لبنان والولايات المتحدة. فإلى جانب ما تحمله هذه الخطوة من فوائد اقتصادية ونفسية للجالية اللبنانية ولقطاع السياحة، فإنها تحمل أيضًا رسالة سياسية مفادها أن مطار بيروت بات يخضع لرقابة فعالة من الجيش اللبناني، وهو تطور بالغ الأهمية. أما في المدى المتوسط، وحتى نهاية عام 2026، فلا يبدو أن لبنان يتجه نحو تطبيع سلمي أو نزع منظم للسلاح، بل نحو وضع قائم مسلح يخضع لرقابة دولية، مع آمال كبيرة في نجاح تجربة المناطق النموذجية لتكون نقطة انطلاق نحو إجراءات أوسع. وسيواصل لبنان، في المحصلة، الإبحار وسط الضباب، في بيئة جيوسياسية تشهد تحولات متسارعة.

تحذير شديد اللهجة من ترامب لإيران والحوثيين

يتواصل التصعيد ويتخذ منحى أكثر حدة على الجبهة الإيرانية، في وقت تواصل فيه القوات الأميركية، منذ اثني عشر يوماً من دون انقطاع، قصف مواقع وبنى تحتية تابعة للحرس الثوري الإيراني في مناطق عدة من إيران. كما يتأكد دخول الحوثيين في اليمن على خط المواجهة. ففي وقت مبكر من صباح الخميس، أعلنت الميليشيا الحوثية المدعومة من إيران أنها استهدفت ناقلتي نفط سعوديتين في البحر الأحمر، في إطار الحصار البحري الذي تؤكد أنها تفرضه على المملكة العربية السعودية. ولم يمرّ تفعيل الجبهة اليمنية من دون رد أميركي. فقد وجّه الرئيس دونالد ترامب تحذيراً شديد اللهجة إلى النظام الإيراني وإلى الحوثيين. وإذ ندّد بالهجوم على ناقلتي النفط السعوديتين، أكد الرئيس الأميركي بوضوح أنه في حال تكرار مثل هذا الاعتداء، فإنه سيحمّل الجمهورية الإسلامية المسؤولية الكاملة، «لأنها هي التي تحرّك ميليشيا الحوثيين». وأضاف ترامب أنه إذا تكرر هذا النوع من الهجمات، فسيفرض «عقاباً قاسياً على إيران وكذلك على الحوثيين». من جهته، صرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الخميس، بأن الحوثيين ارتكبوا خطأً فادحاً عندما سمحوا لأنفسهم بالانخراط في المعركة الدائرة. وأضاف، بنبرة لا تخلو من السخرية، أنهم «وقعوا في الفخ» عندما قرروا دخول الحرب إلى جانب إيران. وأكد روبيو أن النظام الإيراني سيواصل دفع ثمن باهظ «سيزداد ارتفاعاً كل ليلة» إلى أن «يستعيد رشده». وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ورداً على سؤال خلال مقابلة صحافية بشأن المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، أكد أنه لم يلتقه في الآونة الأخيرة، موضحاً أن عدداً محدوداً جداً من الأشخاص يمكنهم الوصول إليه. ومن المؤشرات الأخرى المقلقة على التصعيد، قيام كل من المملكة المتحدة وفرنسا بإغلاق سفارتيهما في طهران. ويتهم الإيرانيون البريطانيين بالسماح لقاذفات B-1 الأميركية بالإقلاع من قواعدهم لقصف إيران. من جهة أخرى، وافق مجلس النواب الأميركي، بأغلبية ضئيلة، على خطة بقيمة 95 مليار دولار لتمويل الحرب في إيران، إلا أن المشروع لا يزال بحاجة إلى موافقة مجلس الشيوخ. ويأتي هذا التصويت في وقت تجاوز فيه سعر برميل النفط مجدداً حاجز 100 دولار. ويُشار أيضاً إلى زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزايدي إلى طهران الخميس، حيث استقبله الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. وذكرت وكالة إرنا الإيرانية أنه «تم توقيع عدة اتفاقيات ثنائية». ويبدو أن السياسي العراقي الشاب، الذي كان قد استُقبل قبل أيام بحفاوة كبيرة في واشنطن من قبل الرئيس ترامب ووقّع عدة اتفاقيات مع الولايات المتحدة، يسعى في الوقت نفسه إلى مراعاة جاره الإيراني، الذي لا يزال يتمتع بنفوذ كبير رغم تراجعه. اتفاق نووي مع السعودية لعل أبرز تطور شهدته الساحة الخميس كان الإعلان الذي أدلى به وزير الطاقة الأميركي كريس رايت بشأن اتفاق مرتقب لتطوير برنامج نووي مدني في المملكة العربية السعودية. وبحسب وكالة فرانس برس، تحدث الوزير الأميركي عن إمكانية تصدير التكنولوجيا الأميركية وخلق فرص عمل في إطار بناء محطات للطاقة النووية، لتحل محل المحطات التي تعمل بالنفط والغاز. وفي هذا السياق، شدد الرئيس ترامب، الخميس، على أن الاتفاق النووي الجاري الإعداد مع المملكة العربية السعودية «مرتبط بالاعتراف بإسرائيل والمصادقة على اتفاقيات أبراهام» التي سبق أن وقعتها عدة دول خليجية، وفي مقدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة. وكانت الرياض قد رفضت حتى الآن أي بحث في الاعتراف بإسرائيل قبل قيام دولة فلسطينية. وفي حين لم يصدر بعد أي موقف رسمي سعودي، سارع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الترحيب بتصريحات ترامب، حيث وصف مكتب نتنياهو احتمال انضمام السعودية إلى اتفاقيات أبراهام بأنه «تطور تاريخي». وعلى الأرض، يزداد الوضع توتراً بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فقد قام وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير بزيارة مثيرة للجدل إلى باحات المسجد الأقصى، حيث حيّا اليهود الذين كانوا يؤدون الصلاة هناك. وقد أثارت الزيارة موجة واسعة من الانتقادات، ولا سيما من الأردن الذي يتولى الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس، إذ ينص الوضع القائم على السماح لليهود بزيارة الموقع، لا الصلاة فيه. وفي الوقت نفسه، تتواصل المواجهات بين المستوطنين والفلسطينيين في الضفة الغربية، حيث قُتل فلسطينيان طعناً بالسكاكين خلال شجار مع أحد المستوطنين الذي أصيب بجروح. في لبنان... حزب الله غاضب في لبنان، تتواصل التعليقات بشأن نتائج زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى واشنطن ولقائه بالرئيس ترامب الثلاثاء الماضي. وفي حين اعتبرت غالبية القوى السياسية أن الزيارة إلى واشنطن كانت ناجحة، كثّف حزب الله جهوده للتشكيك في نتائجها، مستهدفاً رئيس الجمهورية وكذلك رئيس الحكومة نواف سلام. وفي بيان له، اعتبر تكتل حزب الله أن الزيارة الرئاسية «لم تنجح في تحقيق أي مطلب وطني سيادي، ولم تفضِ إلى أي التزام أميركي بالانسحاب الإسرائيلي». وأضاف البيان أن المسؤولين اللبنانيين يقودون البلاد «نحو وصاية أجنبية جديدة». ويُذكر أن رئيس مجلس النواب ورئيس حركة أمل، نبيه بري، الحليف الرئيسي لحزب الله، أجرى اتصالاً بالرئيس جوزاف عون فور عودته إلى قصر بعبدا، وذلك بعدما كانت العلاقة بين الرجلين قد شهدت فتوراً خلال الأسابيع الأخيرة.