شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
صورة أ ف ب
عين على الحدث
صورة المؤلف
بقلم هشام دبسي
نُشر أكتوبر 10, 2026 - 16:38
I - “من عاصفة الحزم” إلى “فجر اليمن” ليست المسافة بين “عاصفة الحزم” و”فجر اليمن” مجرد أحد عشر عاماً من الحرب اليمنية، بل هي مسافة سياسية واستراتيجية تختصر إخفاقات متراكمة، وتبدلات في موازين القوى، وتحولات في موقع اليمن ضمن الصراع الإقليمي، وصولاً إلى لحظة بات فيها أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب جزءاً من حسابات الحرب ومآلاتها. حين أطلقت السعودية عملية “عاصفة الحزم” في آذار/مارس 2015، كان الهدف المعلن استعادة السلطة المعترف بها دولياً، ووقف تمدد الحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء وتقدمهم نحو عدن. بدا التدخل محاولة لمنع انهيار معادلة سياسية وأمنية ترى الرياض أن استمرارها ضروري لحماية حدودها الجنوبية ومنع تحوّل اليمن إلى قاعدة نفوذ معادية على الخاصرة الجنوبية للمملكة. لكن السنوات التالية أظهرت أن التفوق الجوي لا يكفي وحده لإنتاج سلطة سياسية مستقرة، وأن استعادة المواقع لا تعني بالضرورة استعادة الدولة، مثلما أن إضعاف الخصم عسكرياً لا يؤدي تلقائياً إلى تفكيك قدرته على إدارة الصراع. فقد بقي الحوثيون قوة مسيطرة على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن، فيما عانت القوى المناهضة لهم من الانقسام وتعدد مراكز القرار، واستمرت الأزمة الإنسانية والاقتصادية في استنزاف المجتمع اليمني. لم تكن المشكلة في غياب القوة العسكرية وحدها، بل في الفجوة بين أهداف الحرب المعلنة والقدرة على تحويل نتائجها الميدانية إلى تسوية سياسية قابلة للحياة. وهنا يكمن أحد أهم دروس التجربة السابقة: لا يمكن بناء الدولة بمجرد استعادة الأرض، إذا بقيت السلطة موزعة بين قوى متنافسة، وظلت المؤسسات رهينة الولاءات العسكرية والحسابات الإقليمية. ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة عملية “فجر اليمن”، التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية في تشرين الأول/أكتوبر 2026، بدعم سعودي، في ظل تصاعد المواجهة على الساحل الغربي ومناطق ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. من إدارة الحرب إلى تغيير شروطها ما يميز اللحظة الراهنة أن المعركة لم تعد محصورة في خطوط التماس داخل اليمن. فقد تداخلت الجبهة اليمنية مع أمن السعودية، ومصالح التجارة الدولية، والتنافس الإقليمي على الممرات البحرية. وبذلك، لم يعد باب المندب مجرد مضيق جغرافي تطل عليه السواحل اليمنية، بل أصبح نقطة ارتكاز في معادلة أمنية واقتصادية تتجاوز اليمن نفسه. من هنا يمكن فهم انتقال مركز الثقل إلى الساحل الغربي والمناطق المحيطة بالمضيق. فاستعادة هذه المواقع لا تعني فقط تقليص مساحة سيطرة الحوثيين، بل تستهدف أيضاً الحد من قدرتهم على استخدام الجغرافيا اليمنية ورقة ضغط على السعودية والملاحة الدولية. غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تريد الرياض استعادة المواقع الاستراتيجية وتأمين حدودها وممراتها البحرية، أم أنها تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى اليمني بما يتيح لها فرض تسوية سياسية بشروط مختلفة؟ قد تجتمع الأهداف الثلاثة في استراتيجية واحدة، لكن لكل منها متطلبات مختلفة. فتأمين مضيق بحري يمكن أن يتحقق بعملية عسكرية محدودة نسبياً، أما إنهاء السيطرة الحوثية على صنعاء فيحتاج إلى حملة أوسع وأكثر تعقيداً، في حين يتطلب بناء تسوية مستقرة معالجة الانقسامات اليمنية، وليس الاكتفاء بتغيير خطوط السيطرة. وهذا هو الاختبار الحقيقي لـ«فجر اليمن»: هل تنجح في الربط بين القوة العسكرية والشرعية السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، أم تتكرر الفجوة التي طبعت سنوات الحرب السابقة؟ باب المندب: الجغرافيا التي غيّرت حسابات الحرب تُظهر تطورات المواجهة أن السيطرة على الساحل الغربي أصبحت محوراً أساسياً في المعركة. لكن الإعلان عن استعادة مواقع استراتيجية لا يحسم وحده حقيقة السيطرة الميدانية، ولا يضمن القدرة على الاحتفاظ بها. فالمواقع الساحلية تحتاج إلى قوة قادرة على حماية خطوط الإمداد ومنع الخصم من العودة إليها أو تهديدها من جبهات أخرى. وقد أظهرت الهجمات المتبادلة على المنشآت السعودية أن المواجهة لا تجري في اتجاه واحد. فكلما ارتفعت قيمة الأهداف العسكرية والاقتصادية، ازدادت احتمالات الرد عليها في جغرافيا أوسع. وقد تتحول المعركة من محاولة لتأمين الملاحة إلى مواجهة استنزاف متبادل، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاقتصاد والطيران والطاقة. لذلك، لا يتعلق السؤال فقط بمن يسيطر على باب المندب في لحظة معينة، بل بمن يمتلك القدرة على تأمينه بصورة مستدامة، ومن يستطيع منع استخدامه أداة للضغط السياسي والعسكري. الحوثيون ومعضلة القوة المقابلة لا يمكن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم قوة تنتهي بمجرد خسارة بعض المواقع. فقد راكموا خلال سنوات الحرب خبرة قتالية وتنظيمية، واستفادوا من سيطرتهم على مؤسسات ومناطق واسعة، وطوّروا أدوات للضغط تتجاوز الجبهات البرية. كما أن علاقتهم بإيران تضيف بعداً إقليمياً إلى المواجهة، وإن كان من الخطأ اختزال الحركة اليمنية كلها في هذه العلاقة وتجاهل جذورها المحلية. إن التحدي الذي تواجهه القوات الحكومية لا يتمثل في التقدم نحو مواقع محددة فحسب، بل في تحويل التقدم إلى تغيير مستدام في ميزان القوى. وهذا يتطلب تنسيقاً بين التشكيلات العسكرية، وتوحيداً للقرار، وإدارة سياسية للمناطق المستعادة، ومعالجة المصالح المحلية التي تؤثر في استمرار القتال أو توقفه. وهنا تظهر معضلة القوى المناهضة للحوثيين. فالحكومة ومجلس القيادة الرئاسي ليسا وحدهما طرفي المشهد؛ إذ توجد قوى جنوبية لها مشروعها السياسي الخاص، وتشكيلات عسكرية ذات قواعد ومصالح مختلفة، وقوى محلية في الساحل الغربي ومأرب وتعز. وقد تتفق هذه الأطراف على مواجهة الحوثيين، لكنها لا تتفق بالضرورة على شكل الدولة المقبلة أو توزيع السلطة والثروة فيها. إن توحيد هذه القوى ليس مسألة تنظيمية ثانوية، بل شرط سياسي وعسكري لأي تحول طويل الأمد. فالتقدم الميداني الذي لا يستند إلى توافق على إدارة المناطق المستعادة قد يفتح نزاعات جديدة، ويعيد إنتاج الانقسام تحت عناوين مختلفة. الدرس الذي لم تُنْهِه عاصفة الحزم لقد أثبتت التجربة أن الحرب اليمنية لا تُختصر في مواجهة بين السعودية والحوثيين، ولا في صراع بين نفوذ عربي وآخر إيراني. إنها أيضاً أزمة دولة، وانهيار انتقال سياسي، وتنافس على السلطة والموارد، وصراع بين تصورات مختلفة لمستقبل اليمن. ولهذا ينبغي ألا تقوم المقارنة بين “عاصفة الحزم” و”فجر اليمن” على حجم الغارات أو عدد المواقع المستعادة، بل على اختلاف الأهداف والظروف والقدرة على تحويل القوة إلى نتائج سياسية. فالتجربة الأولى لم تنجح في إنهاء الحرب أو إعادة بناء سلطة مركزية مستقرة، أما العملية الجديدة فتواجه اختباراً أشد تعقيداً: استعادة المبادرة في ظل انقسام يمني متراكم، وتهديدات عابرة للحدود، وممرات بحرية أصبحت جزءاً من حسابات الصراع الإقليمي. إذا كان “فجر اليمن” يمثل انعطافة فعلية، فلن يكون ذلك لأن عملية عسكرية بدأت أو لأن جبهة تقدمت، بل لأن ميزان القوى قد يتغير بطريقة تفتح باباً سياسياً لم يكن متاحاً من قبل. أما إذا بقيت الأهداف العسكرية منفصلة عن مشروع الدولة، فقد تنتهي الجولة الجديدة إلى تعديل خطوط المواجهة من دون تغيير طبيعة الأزمة. من هنا تبدأ الأسئلة الأصعب التي يتناولها الجزء الثاني: ما الذي تريده السعودية فعلياً من الحرب الجديدة؟ وما حدود الدور الإيراني؟ وهل تستطيع القوى اليمنية بناء شراكة سياسية تتجاوز خلافاتها؟ وأي مسار يمكن أن يقود إلى إنهاء الحرب، لا إلى تدويرها في جولة أخرى؟
دراسة
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو - نُشر أكتوبر 10, 2026 - 10:23
صورة للأخبار
تُظهر هذه اللقطة المأخوذة من فيديو نشره المركز الإعلامي لأنصار الله في 7 أكتوبر 2026، مقاتلًا تابعًا للسلطات الحوثية يطلق النار من رشاش أثناء تقدم ضد القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، في محافظة تعز، بحسب وسائل الإعلام الحوثية. (عبر وكالة فرانس برس)
I. الملخص التنفيذي أدّى انهيار هدنة عام 2022 إلى تحوّل الصراع اليمني إلى حرب تقليدية عالية الحدة. وتهدف «عملية فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والقوات المتحالفة معها بدعم من الرياض، إلى كسر التهديد الحوثي المزدوج، إذ تشكل الجماعة الحوثية المدعومة من إيران خطراً على الممر البحري لباب المندب والبحر الأحمر، وعلى المنشآت النفطية داخل اليمن نفسه، ولا سيما في مأرب، وفي المملكة العربية السعودية. بات هذا الصراع يتمحور حول ثلاث ديناميات رئيسية: تأمين الجناح الغربي (الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر)، وخنق المراكز الحضرية (تعز)، والتدويل المباشر للصراع عبر تفعيل تحالفات عسكرية مع أطراف ثالثة (تركيا وباكستان). II. تحليل المسرح العسكري الساحلي والمشهد الطبوغرافي تستند استراتيجية التحالف إلى نهج منهجي لاستعادة السيطرة على الممرات المائية الدولية وإحكام تأمينها. ويتمثل ذلك في تأمين مضيق باب المندب ومدينة المخا المينائية. وقد أمّنت القوات المشتركة الموالية للحكومة، وهي ألوية العمالقة ودرع الوطن ومقاومة تهامة، بالفعل مطار ذباب العسكري جنوب المخا، بما يتيح إمكانية فتح خط إمداد جوي، كما أمّنت مدينة المخا نفسها. الهدف المباشر هو حرمان الحوثيين من قواعد لإطلاق المسيّرات البحرية السطحية، أو ما يُعرف عسكرياً بالأجهزة المتفجرة البحرية المرتجلة (IMED)، ومن الألغام البحرية. وقد استُخدمت هذه الأجهزة سابقاً بصورة مدمرة في أوكرانيا وأغرقت سفناً بارزة في البحرية الروسية، كما استخدمها الأميركيون في إيران ضد الموانئ الإيرانية التي تؤوي الزوارق السريعة التابعة للجمهورية الإسلامية. يتخذ المشهد الطبوغرافي الشكل الآتي: محافظة تعز ساحلية وجبلية. تقع في جنوب غرب اليمن، وتضم مدينتي ذباب، التي يرتبط اسمها بباب المندب، والمخا. وتضم المحافظة قمماً عديدة، يشرف بعضها على السهل الساحلي الممتد من باب المندب إلى الحديدة، وهو ميناء بحري مهم لا يزال بيد الحوثيين، مروراً بذباب والمخا. وتكتسب المرتفعات المسيطرة في هذه المحافظة، ولا سيما مرتفعات حيفان وكهبوب، أهمية اليوم لأنها لا تشرف فقط على السهل الساحلي الغربي لليمن، بل أيضاً على خطوط إمداد القوات الحكومية الممتدة من عدن إلى باب المندب. عزّزت القوات الحكومية مواقعها في جبال المنظرة والعشاري وذيبان في قطاع حيفان، على ارتفاع يتراوح بين 1000 و1500 متر وعلى مسافة 50 إلى 60 كيلومتراً من الساحل، كما سيطرت خصوصاً على سلسلة جبل كهبوب الاستراتيجية، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من الساحل. وهذا يعني أن نشر مدفعية بعيدة المدى أو صواريخ تقليدية على هذا الجبل يجعل الساحل الشرقي ضمن مدى النيران، ما يصعّب على الحوثيين شن هجمات مضادة. فضلاً عن ذلك، فإن السيطرة على هذه القمم وعلى جبل زَلات، منذ 22 سبتمبر، تحرم الحوثيين من السيطرة النارية البصرية على الطريق الساحلي. كما تؤمّن الجناح الشرقي للمحور اللوجستي للتحالف، وهو شرط لا غنى عنه لمواصلة العمليات على المحور الساحلي الممتد من الجنوب إلى الشمال باتجاه الحديدة. أحد مقاتلي الحوثيين في مرتفعات تعز. يمكن وضع كل ما سبق في إطار التحضير لتشكيل قتالي هجومي ضد الحديدة. وهذا مطلب جيوسياسي تتقاطع بشأنه مصالح متعددة، ولا سيما مصالح أميركية وأوروبية وعربية وآسيوية وأفريقية. إن وجود ساحل شرقي للبحر الأحمر يضم ميناءً خاضعاً لسيطرة الحوثيين يشكّل ورقة بيد طهران ينبغي انتزاعها. وستكون العملية في الحديدة مكلفة، إذ يعزز الحوثيون دفاعاتهم جنوب المدينة وفي سهل تهامة المحيط بها، ما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إلى إصدار تحذير بإجلاء المدنيين. تنفذ القوات الموالية للحكومة مناورة كماشة انطلاقاً من عقد طرق، ولا سيما في حيس والخوخة. وقد قصفت البحرية السعودية بالفعل ميناء المدينة لتدمير مخزونات الألغام والطائرات المسيّرة البحرية. ومن المرجح أن تحظى القوات الموالية بدعم من الطيران السعودي، الأقوى في المنطقة، ولا سيما من الدعم الاستخباراتي للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) التي توفر معلومات استخباراتية تكتيكية في الوقت الفعلي. يجري إذن التحضير للهجوم على ميناء الحديدة. فأي تأخير في عملية الحديدة أو إلغاؤها سيمنح الحوثيين الوقت لإقامة منظومة دفاعية قتالية متينة، ويتيح لهم فرصة ضرب أهداف رخوة في عدن والسعودية، ولا سيما المطارات والمنشآت النفطية ومحطات تحلية مياه البحر. III. تأمين الداخل والمأزق الاستراتيجي: تعز ومأرب إذا تقدمت قوات التحالف على الساحل، فمن المؤكد أن الجبهات الداخلية ستتعرض لضغط هائل. تدافع عن مدينة تعز ما بين 15,000 و20,000 جندي من الجيش اليمني النظامي (الألوية 22 و17 و35)، تدعمهم مقاومة محلية وتعزيزات خارجية (درع الوطن والعمالقة). ويتمركزون بقوة في مرتفعات حضرية حول المدينة، ويبدون مقاومة شرسة للحوثيين. تمتلك هذه القوات مدفعية خفيفة وأنظمة حديثة مضادة للطائرات المسيّرة، كما أن قدرتها الدفاعية في القتال الحضري ممتازة. وتتعرض المدينة منذ بضعة أيام لحصار عملياتي كامل. وقد قطعت القوات الحوثية طريق هيجة العبد، وهو ممر جبلي يربطها بعدن، ما أدى إلى قطع شريان الإمداد بالكامل. يتلقى الحوثيون الذين يحاصرون المدينة إمدادات متواصلة من الشمال عبر محور صنعاء–ذمار–إب، الذي يتعرض باستمرار لضربات جوية سعودية ويمنية. وفي مواجهة هذا الوضع، يستخدم الحوثيون شبكات ثانوية من الوديان تتيح لهم الالتفاف على الحظر الجوي الذي يفرضه التحالف. وتحاول الحكومة فك الطوق عبر معارك عنيفة عند المعابر الجبلية التي لا يزال المتمردون يسيطرون عليها. تكتسب مأرب، الواقعة تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة في شمال شرقي اليمن، أهمية استراتيجية كبرى، إذ تضم المنطقة بنى تحتية نفطية وغازية تمثل الموارد الرئيسية للحكومة اليمنية. ويستهدف هجوم حكومي مزدوج في هذا القطاع جبهات رغوان (شمال جبهة مأرب) والمناطق الجنوبية لحماية هذه المنشآت، التي تعد أهدافاً رخوة ذات أولوية للهجمات الحوثية المضادة. الخسائر فادحة لدى الطرفين، ومن بينها جنرال موالٍ للحكومة. وإلى جانب ذلك، فتحت الحكومة محوراً هجومياً مباشراً نحو العاصمة صنعاء، وتتقدم شمالاً في حرض (حجة/صعدة) باتجاه معقل الحوثيين في حيدان. ومع ذلك، ينبغي توقع جمودٍ في المعارك وحرب استنزاف، لأن ميزان القوى البرية لا يزال يميل لمصلحة الحوثيين. وتتمثل قوة القوات الحكومية في التفوق الجوي والتكنولوجي بفضل السعوديين والأميركيين، بينما يتمتع الحوثيون، الذين يملكون أفضلية عددية، بقدرات كبيرة غير متماثلة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، إضافة إلى الصواريخ الباليستية التي لا يترددون في استخدامها ضد أهداف مدنية. IV. إعادة تشكيل التحالفات والامتداد الإقليمي يمثل تدويل الصراع منعطفًا جيوسياسيًا كبيرًا. ففي إطار ميثاق مكة، كانت إسلام آباد قد نشرت بالفعل قدرات عسكرية داعمة على الأراضي السعودية. ويؤمّن هذا الانتشار الدفاع عن المجال الجوي والاستطلاع والتنسيق التكنولوجي، بما يتيح للقوات السعودية التفرغ للعمليات الهجومية في اليمن. أما أنقرة فتنتظر الضوء الأخضر من برلمانها للقيام بذلك، ولا يزال نوع القوات التي ستُنشر غير معروف، إلا أنها ستشمل بالتأكيد تقنيات متقدمة. سحبت الإمارات العربية المتحدة رعايتها المباشرة في اليمن. وتعيد أبوظبي توجيه استراتيجيتها نحو السيطرة على البنى التحتية للموانئ في القرن الأفريقي، ولا سيما في صوماليلاند وإثيوبيا، وكذلك نحو قوات الدعم السريع في السودان... ومع ذلك، يحرص الأسطول الإماراتي على إبقاء ممر البحر الأحمر مفتوحًا رغم تناقضاته مع السعودية في القرن الأفريقي. ولذلك قد يمتد الصراع اليمني إلى الضفة الأفريقية. وتواصل إريتريا والسعودية دعمهما للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع. وبالتوازي مع ذلك، تراقب الرياض عن كثب مساعي إثيوبيا، المدعومة من الإمارات، للوصول إلى البحر الأحمر، لما قد تسببه من زعزعة استقرار حليفها الإريتري. خامسًا: الآفاق وتقييم المخاطر ينذر الصراع اليمني بأن يصبح بؤرة مواجهة متعددة الأطراف للسيطرة على الأمن البحري وتدفقات الطاقة العالمية. وبما أن تحقيق نصر سريع لأي من الطرفين أمر مستبعد، فإن السيناريو الأرجح هو حرب استنزاف عنيفة ومدمرة خلال الأشهر المقبلة.
ملخص اليوم

جائزة نوبل للسلام لإنقاذ القانون الدولي المهدد بالخطر

منحت الجائزة المرموقة للجنوب أفريقية نافي بيلاي، المدافعة الدؤوبة عن المظلومين
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 20:37
صورة للأخبار
تسلّمت نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 في قاعة المحكمة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ، جنوب ألمانيا، وهي القاعة نفسها التي شهدت محاكمات نورمبرغ ضد قادة ألمانيا النازية في عامي 1945 و1946…
يأتي منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي في سياق تشكيك متزايد في القانون الدولي، الذي أضعفته كثرة النزاعات والهجمات على المؤسسات المكلفة بإنفاذه. فمنذ عدة أشهر، تتوالى تقارير وتصريحات المنظمات الدولية للتحذير من الأخطار التي تهدد حقوق الإنسان وأسس النظام القانوني العالمي. ويجسّد هذا الوضع ردّ إسرائيل الغاضب على هذا التكريم، إلى جانب الهجوم الأميركي الجديد على المحكمة الجنائية الدولية. مُنحت جائزة نوبل للسلام يوم الجمعة للقاضية نافي بيلاي، وهي جنوب أفريقية تبلغ 85 عاماً كرّست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن القانون الدولي. وقد ترأست السيدة بيلاي، على وجه الخصوص، لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي اتهمت إسرائيل العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. طوال مسيرتها، ناضلت الجنوب أفريقية التي نشأت في ظل نظام الفصل العنصري ضد أبشع الفظائع، من رواندا إلى الشرق الأوسط. وقالت محذّرة يوم الجمعة، خلال مؤتمر صحافي عُقد في نورمبرغ في قاعة حوكم فيها كبار المسؤولين النازيين، وهي تهدي جائزة نوبل «إلى جميع الناجين من الجرائم الدولية»: «نمرّ بمرحلة يتعرض فيها القانون الدولي وحقوق الإنسان لهجمات سياسية كبيرة»… مدافعة لا تكلّ عن حقوق الإنسان السيدة بيلاي محامية من أصول هندية، أصبحت قاضية ثم مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2008-2014)، وتشتهر بقدرتها على التعامل مع أكثر الملفات صعوبة. قادتها مسيرتها من محاكم جنوب أفريقيا، حيث دافعت عن ناشطي مناهضة الفصل العنصري، إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، مروراً بالمحكمة الجنائية الدولية. مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا. اكتسبت شهرة عالمية بفضل انتقاداتها الحادة للقمع الذي مارسته عدة حكومات ضد التظاهرات الشعبية في العالم العربي، ولا سيما في ليبيا وسوريا. وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان الساحلية، وهي ابنة سائق حافلة وتنحدر من عائلة من أصول تاميلية، وقد سلكت مساراً استثنائياً. نشأت في حي فقير من هذه المدينة الساحلية، ودرست القانون ثم نالت درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية المرموقة. أصبحت أول امرأة ملوّنة تفتتح مكتب محاماة في إقليم كوازولو-ناتال، ودافعت بشراسة عن معارضي نظام الفصل العنصري. «البكاء أو القتال» بعد عام من انتخاب نيلسون مانديلا في 1994، أصبحت أول امرأة ملوّنة تُعيّن في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا. وفي العام نفسه، وبمساندة مانديلا، انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا. كانت من بين القضاة الذين أصدروا حكماً تاريخياً أفضى إلى الاعتراف بالاغتصاب بوصفه سلاحاً من أسلحة الإبادة الجماعية. وقالت السيدة بيلاي لوكالة فرانس برس في مقابلة عام 2023: «تعرضنا لأبشع الإهانات والتمييز العنصري، وأُسيئت معاملتنا وعوملنا كأننا لا شيء». ففي ظل الفصل العنصري، كان المجتمع الهندي يُصنّف مجموعةً عرقية منفصلة ويخضع لأشكال كثيرة من التمييز. وأكدت أن الخيار كان بسيطاً آنذاك: أن تكون «ضعيفاً وتبكي» أو أن «تقاتل في كل مباراة». وأضافت: «كنت دائماً أعرف من أنا وكيف أواجه كل أشكال التمييز، بأن أجرؤ على الكلام وأدينها. وهذا ما فعلته في الأمم المتحدة». إسرائيل تستحضر… غوبلز في سبتمبر/أيلول 2025، خلصت لجنة التحقيق التي ترأستها — والتي لا تتحدث باسم الأمم المتحدة — إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة منذ بداية الحرب التي أشعلها هجوم حماس غير المسبوق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت إسرائيل قد رفضت هذا التقرير رفضًا قاطعًا، واصفةً إياه بأنه «منحاز وكاذب»، ومتهمةً معدّيه بالتحيز المعادي للسامية. ملصقات في باريس. اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في ردّ نشرته الجمعة على منصة إكس، أن منح جائزة نوبل للسيدة بيلاي يضفي الشرعية على «الكراهية المعادية لإسرائيل»، مضيفةً أن جوزف غوبلز، رئيس الدعاية النازية، لا بد أنه «يصفق من الجحيم». وفي عام 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أيضًا مذكرات توقيف، لا تزال غير منفذة، بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وردًا على ذلك، كان دونالد ترامب قد فرض بالفعل عقوبات على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العام وأعضاء من طاقمها. وفي الشهر الماضي، ذهب أبعد من ذلك بدعوة الدول الأعضاء إلى الانسحاب من هذه المؤسسة، التي وصفها بأنها «خبيثة». «محكمة مارقة» والجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن جائزة نوبل، جدّدت الحكومة الأميركية إجراءاتها بإعلان عقوبات جديدة على المحكمة، مبررةً هذه الخطوات برغبتها في «الدفاع عن السيادة الأميركية». وشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن «هم يريدون مزيدًا من السلطة، ويريدونها على حسابنا»، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية في الوقت نفسه بأنها «محكمة مارقة». وأضاف: «نأمل أن يعمل حلفاؤنا على كبح جماح المحكمة. وإلا فإن الولايات المتحدة ستواصل تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنةً لبنة، إلى أن يصبح الأميركيون بمنأى عن التهديد». ورحّب بنيامين نتنياهو بالعقوبات الأميركية، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية بأنها «خطر مميت على الديمقراطيات التي تحترم سيادة القانون». وقال نتنياهو: «المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل كيان سياسي». وعلى منصة إكس، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السيدة بيلاي أيضًا بأنها شخصية «طائفية» «تشيطن اليهود».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
الحريات: روح الجمهورية
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

يمكن أكتر مفهوم مستهلك بلبنان هو الحرّيّة، بس مع هيك هي لا رفاهيّة ولا شعار. هي شرط وجودنا نفسه؛ هالنَفَس الخفيف اللي خلّى هالبلد الغريب يضل واقف بين البحر والجبل، بين لغات وطقوس وذكريات وجروح. من دونها، ما بيبقى غير أرض مكسّرة، قبائل مسلّحة. ومعها، بصير لبنان مساحة—هشّة، مليانة صراعات، بس حيّة—بعدها بتحاول تجمع عوالم، بمحلّات تانية بالعالم، ما عادوا يشوفوا بعض. بس هالحرّيّة اليوم بخطر. من كل الجهات. من جهة، مهدَّدة من “أقليّات” حقيقيّة أو معلَنة عن حالها، باسم اعتراف مشروع، بتنجرّ لإنكار الآخر بالكامل: ثقافة الإلغاء، ملاحقة الكلمات، الأعمال، والاختلاف. التحرّر بيتحوّل لمحكمة دايمة، النقاش لمحاكم تفتيش، والنقد لتهمة تجديف. ومن الجهة التانية، الحرّيّة محاصَرة بالشعبيّات المتطرّفة، بالتعصّب، وبالقوميّات السلطويّة اللي أسماءها ترامب، بوتين، أوربان، وأشباههم المحلّيّين—رجال أقوياء من كرتون، بوعدوا بالنظام وبيزرعوا الخوف. مرض العصر مش بس صعود “الفاشيّات” وباقي الـ“إيزمات” المعجبة بحالها، ولا بس “انحلال الأخلاق”. المرض الحقيقي هو الدوغمائيّة بكل أشكالها. هو ادّعاء كل فريق إنّه يمثّل الحقيقة المطلقة، وإنّه يملك الوسط، وبيطلع برّا الإنسانيّة السياسيّة كل شي ما بيشبهه. هون، باسم الله، في قمع ومنع وتهديد. وهونيك، باسم التقدّم، في محو وإقصاء و”دي-بلاتفورمينغ”، وفي اختزال حياة كاملة بزَلّة كلمة. بالحالتين، الفعل واحد: تسكير المساحة المشتركة، طرد الشكّ، ومنع الخلاف الخلّاق. تقليد غيراردي بأبهى—وبأحطّ—صوره. لبنان مش محصَّن ضد هالوباء. بالعكس، هو مختبر إلو. عرفنا المكتب التاني، الميليشيات، الاحتلال الإسرائيلي والسوري، ظلّ إيران، الوصايات الظاهرة والمخبّاية. منعرف منيح ردّات الفعل الأمنيّة، الاستدعاءات على بوست، نكتة، أو رأي. منعرف شو يعني محكمة عسكريّة بتحاكم مدنيّين، وأجهزة بتفتّش بيت أستاذ متل ما بتفتّش بيت مجرم، ورقابة بتقرّر عن الكل شو مسموح ينشاف وينقرا وينسمع. ومع هيك، ولا واحد من هالأنظمة البوليسيّة—ولا حتى الوصاية السوريّة-الإيرانيّة بكل تشعّباتها—قدر يتجذّر كليًّا. لأنّ هالبلد، بتكوينه نفسه، بيقاوم الطغيان. ممكن يتحمّله، يتكيّف معه فترة، يسايرُه من تعب أو خوف، بس بالنهاية دايمًا بيشقّه، بيلفّ عليه، أو بيسخر منه. تنوّع لبنان الديني والثقافي والاجتماعي ما بينحبس بالكامل بجهاز واحد للسيطرة. هاي نقمتنا… وفرصتنا. عكس الخيال اللي دايمًا بيرجع بالخطاب الشعبي—“بدنا أتاتورك أو عبد الناصر ليَفرضوا العلمانيّة”، “بن سلمان ليحارب الفساد”، “أسد ليسحق الإسلام السياسي”، “شرع ليهذّب الأقليّات”، “بشير ليستعيد المسيحيّين”، “جنرال ليضبط الكل”—لبنان ما رح ينقذه رجل قوي. التجارب علّمتنا شو بيعملوا “الرؤساء الأقوياء” والزعماء الكاريزميّين: تعليق الدستور، إلغاء المحاسبة، عبادة الشخص، وبعدين انهيار كامل—أخلاقي، مؤسّساتي، وعمراني. مشكلة لبنان مش نقص قادة. مشكلته نقص مواطنين. لفترة طويلة، خلطنا بين الشرعيّة السياسيّة وعبادة الزعيم والطائفة والراية. وبحسب تعبير فيبر، بقينا عالقين بين شرعيّة تقليديّة للقبائل والجماعات، وشرعيّة كاريزميّة لـ“المنقذين”—أنصاف قدّيسين، جنرالات، أو أمراء حرب. وما كمّلنا الانتقال للشرعيّة الوحيدة اللي بتحرّر: الشرعيّة العقلانيّة-القانونيّة، شرعيّة الدولة والقانون والمؤسّسات والمسؤوليّة المشتركة. الحرّيّة مش إضافة أخلاقيّة بتجي بعد ما “يرجع النظام”. هي نقطة البداية. هي وجوديّة: بتكوّن الإنسان قبل أي انتماء. هيدا اللي قاله سبينوزا برغبة الكائن بالاستمرار بوجوده؛ واللي أكّده ميشال شيحا لما جعل الشخص والملكيّة ركائز لبنان المنفتح على العالم؛ واللي ذكّره البابا بنديكتوس السادس عشر بعبدا لما قال إنّ كرامة الإنسان بتفترض خيارات حرّة “مش تحت ضغط إكراه خارجي صرف”. وهيدا اللي ردّده لآخر نفس محمد مهدي شمس الدين، سمير قصير، جبران تويني، غسان تويني، هاني فحص، سمير فرنجية، نصرالله صفير، حسن رفاعي، وغيرهم كُثُر. من دون هالحرّيّة الأولى، ما في مواطَنة ولا مسؤوليّة ولا عدالة—بس غرائز قطيع، جموع بدائيّة، كلاب وذئاب. لهيك، الرقابة بلبنان أكتر من تجاوز: هي خيانة لرسالتنا. كل مرّة مجموعة بتفرض فيتو على حفلة أو فيلم أو مسرحيّة أو مقال؛ كل مرّة كنيسة أو حزب أو ميليشيا بتهدّد بالشارع لتركّع الدولة؛ كل مرّة جهاز أمني بيستدعي مواطن على كلمة أو رسمة أو سخرية—بينبتر جزء من الروح اللبنانيّة. عم نربّي على الخوف، ننتج رقابة ذاتيّة، ونحضّر للعنف. شوي شوي، عم ندمّر إمكانيّة نصير شعب مواطنين. عم نقتل روح هالبلد، فرادته الأساسيّة. الخيار قدّامنا، بعد قرن على ولادة لبنان الكبير، واضح وقاسي: يا منكمّل نحلم بليفياثان يحلّ خلافاتنا على حساب حرّيّاتنا؛ يا منقبل أخيرًا مخاطرة الديموقراطيّة. هالمخاطرة مش فوضى. هي تعلّم صعب للتعدديّة، لفصل السلطات، لمراقبة الأجهزة الأمنيّة، ولحطّ حدود لكل مقدّس—ديني أو هويّاتي—بس يحاول يصير رقيب. هي احترام الدستور وقواعد الـ jus cogens اللي بتأطّره. مرّة جديدة، لبنان ما بحاجة لطاغية مستنير جديد. بحاجة لرجال ونساء دولة بيحترقوا بخدمتهم مش ليستغلّوها؛ لقضاة بيحموا الحرّيّة كقاعدة مش كاستثناء مسموح؛ لجيش بيشوف حاله آخر خط دفاع عن الدستور، مش ذراع نظام أو عشيرة. وقبل كل شي، بحاجة لمواطنين محرَّرين من العبوديّة الطوعيّة، رافضين يسلّموا تفكيرهم لزعيم أو طائفة أو قوّة خارجيّة. هيدا بيتطلّب نتخطّى خوفنا من الآخر، ونثق فيه لنصنع سوا مستقبل مشترك قائم على ثقافة الرابط. الذاكرة والماضي مهمّين، بس ما فيهن يضلّوا جامدين؛ دورهم يتطوّر، مش يرجع لورا. بعالم عم تعلى فيه الجدران، وعم تحبسنا الخوارزميّات بقفص ذهني، وعم تتغذّى فيه التطرّفات من بعض لحدّ ما تطحن المعتدلين، لبنان بعده قادر يقدّم شي غير الخراب. قادر يرجع يكون اللي كان لازم يضلّه: مساحة لتجريب الحرّيّة، مختبر للعيش المشترك، ورهان خطِر على قدرة البشر يمدّوا إيدهم لبعض من دون ما يتنازلوا عن ذاتهم. هيدا مش يوتوبيا، بل فعل يومي من إرادة وحياة. بس هالرهان ما بينربح بالتعاويذ. بده قرارات واضحة: إلغاء الرقابة المسبقة؛ سحب أي صلاحيّة للمحاكم العسكريّة بمحاكمة المدنيّين؛ إخضاع الأجهزة الأمنيّة لرقابة مدنيّة حقيقيّة؛ تعليم التعدديّة والشكّ والمسؤوليّة من المدرسة؛ حماية حرّيّة التعبير لحدّ الفضيحة—خصوصًا لما تهزّ قناعاتنا الدينيّة أو السياسيّة أو الأخلاقيّة. قتل العبوديّة الداخليّة وعبادة الزعيم. ما في حدا كامل. ولا حدا فوق النقد. الكلّ معرّض للخطأ، من الجبّة للبدلة العسكريّة. الحرّيّة مش نزوة مثقّفين. هي آخر حدودنا قبل الفوضى. إذا لبنان تخلّى عن فرادته—هالمزيج المستحيل بين التعدديّة والحرّيّة—ما رح يبقى عنده شي يواجه فيه الإمبراطوريات اللي محيطته، ولا العقائد اللي ساكنته. بصير مجرّد قطعة إضافيّة على خريطة السيطرة، محبوس بالماضي متل بعوض محجور بالكهرمان من العصر الجوراسي، أو سكّان متجمّدين بحمم بومبي. بقايا زمن مضى، ميّتين بس بعد ملموسين، قبل ما يحملهم الغبار. إنّو نرجّع نأخذ الحرّيّة بجدّ، يعني نرجّع الروح للجمهوريّة—ويمكن نرجّع فرصة لتاريخنا المشترك. وهون، بالضبط، خلاصنا… فداءنا الحقيقي.

جبهة إسرائيلية-يونانية-قبرصية في مواجهة النفوذ التركي

يمثل توقيع خطة تعاون عسكري ثلاثي بين إسرائيل واليونان وقبرص لعام 2026 خطوة مهمة في تعزيز محور أمني في شرق البحر الأبيض المتوسط. رسميًا، ينص الاتفاق، الذي كشف عنه الجيش الإسرائيلي الأحد الماضي، على تعزيز التدريبات المشتركة والتدريب المتبادل والحوار العسكري الاستراتيجي. لكن أبعد من غلافه التقني، يندرج الاتفاق في منطق أوسع للردع الجماعي، في سياق تصاعد قوة تركيا على الصعيد العسكري والدبلوماسي والبحري، لا سيما حول المناطق الاقتصادية الخالصة ومسارات الطاقة والمجالات الجوية المتنازع عليها. يوضح المشروع، الذي تم التحدث عنه منذ عدة أشهر، لإنشاء قوة رد فعل سريع - غير دائمة ولكن يمكن حشدها بسرعة براً وبحراً وجواً - تطوراً عقائدياً رئيسياً. لم يعد الأمر يتعلق فقط بالتعاون العرضي أو الثنائي، بل ببناء تدريجي لقدرة عملياتية متعددة الجنسيات موثوقة. في منطقة تتسم بالحرب في غزة، وعدم الاستقرار السوري، والتوترات المستمرة في لبنان، والتنافس حول موارد الغاز، يهدف هذا النهج إلى منع الأزمات بقدر ما يهدف إلى الاستجابة لها. التفوق الجوي الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، ساهمت الإجراءات التركية في تعزيز شعور أثينا ونيقوسيا وتل أبيب بالتهديد المشترك: الانتهاكات المتكررة للمجال الجوي في بحر إيجه، والمناورات البحرية في البحر الأبيض المتوسط، والنشاط في ليبيا، والرغبة في ترسيخ نفوذها بشكل دائم في سوريا، كلها أقنعت هذه العواصم بأن أنقرة تختبر الحدود الإقليمية. بالنسبة لإسرائيل، يكمن الخوف في أن يؤدي تزايد النفوذ التركي في نهاية المطاف إلى تقييد حرية مناوراتها، لا سيما في المجالين الجويين اللبناني والسوري. تندرج هذه الديناميكية الثلاثية في إطار إقليمي أوسع، حيث تتشابك الأمن الطاقوي وحرية الملاحة والانتشار العسكري الآن بشكل وثيق. كما تعكس اتجاهًا هيكليًا: إضفاء الطابع الإقليمي على الأمن، مع تزايد انتقائية الالتزام المباشر للقوى الغربية الكبرى. في الوقت نفسه، تضاعف تركيا مبادراتها لتعزيز نفوذها. تشارك أنقرة في القوة متعددة الجنسيات المنتشرة في قطاع غزة وتجري محادثات مع الحكومتين الليبيتين المتنافستين بهدف التفاوض على اتفاق بحري جديد. قد يعزز مثل هذا النهج موقعها المهيمن في الفضاء البحري للبحر الأبيض المتوسط المركزي والشرقي، على حساب جيرانها. الشراكة بين إسرائيل واليونان وقبرص ليست وليدة اليوم. لقد تطور هذا التعاون العسكري بشكل مستمر منذ وصول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السلطة في عام 2003. منذ إغلاق المجال الجوي التركي أمام الطائرات الإسرائيلية، وجد طيارو القوات الجوية الإسرائيلية في اليونان ساحة تدريب واسعة. تكثفت التدريبات المشتركة، وتعمق التعاون الاستخباراتي، وفي أوائل العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تم ترسيخ هذه العلاقة من خلال اتفاقيات دفاع طويلة الأمد وعقود تسليح مهمة. في هذا السياق، تشهد الانتقادات التي وجهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ضد القمة الثلاثية الإسرائيلية اليونانية القبرصية على مركزية هذا التشكيل الاستراتيجي الجديد. فبينما أكد الرئيس التركي دعم أنقرة لغزة، أدان أي مساس بـ «حقوق» تركيا في البحر الأبيض المتوسط.

دول الخليج: بحثاً عن قوة نوعية خاصة (٣/٣)
بقلم
جان باتريك دايراس
نُشر

صعدت دول الخليج وأثرت، بالتأكيد، بفضل استغلال مواردها، لكنها قامت، على مراحل سريعة الإنجاز، بتحول سيبراني حقيقي يشبه ثورة بالمعنى الحرفي. لقد تم الوصول إلى عصر القوة الناعمة الذي انخرطت فيه بفضل إعادة التوجيه والملاحظات والتحولات والتكيفات التي بفضلها أصبحت قوة إقليمية. وقد وسعت لاحقًا قدراتها وطورت مجال عملها متعدد الخدمات، مما منحها مكانة عالمية المستوى. لكن هذه الدول لم ترغب في التوقف عند هذا الحد. إن الديناميكية التي مكنتها من تحقيق الأهداف المرجوة لم تتوقف عند هذه المرحلة. إن الإرادة والطاقة التي ميزت كل هذه التحولات الوجودية دفعتها إلى اللحاق بالركب الذي يشكل عالمًا جديدًا، عالم الشبكات والبيانات ومعالجتها وإدارتها: عالم التدفقات والاتصال، وكذلك عالم الفضاء. لقد أصبحت جهات فاعلة مهمة في المخطط الجديد للعولمة؛ وهي في مرحلة «القوة الذكية». تُعتبر الولايات المتحدة حامية على المستويين العسكري والاستراتيجي. أما بالنسبة للباقي: التحدث مع الجميع والتدخل حيث تُرى مصالحهم. العمل في المجالات التي ستزيد من ثروتهم، وتحافظ على مكانتهم، من أجل تطوير وتوطيد مواقعهم. ولهذا السبب أرادت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الانضمام إلى مجموعة البريكس+؛ وقد قدمت الكويت والبحرين طلبيهما. هل دول الخليج المعنية قوية؟ هل هي كلها قوية معًا؟ هل هي قوية بشكل مستقل عن بعضها البعض؟ طريقة أخرى لطرح السؤال: هل تملك وسائل القوة؟ من الواضح أن قوتها نسبية وانتقائية. بالإشارة إلى تعريف ريمون آرون الموجز، ولكن القائم على أسس، فإن دول الخليج بعيدة عن أن تكون قوية. ولكنها مجتمعة، وكل منها تؤدي دورها جزئيًا وفرديًا، تؤكد نفسها كمركز عصبي لا غنى عنه في العديد من المشاكل الإقليمية والعالمية. حكمتها في العديد من الملفات الصعبة الحل، ومعرفتها كوسطاء، ومواقفها السياسية والاستراتيجية المؤكدة والواضحة جدًا في كثير من الأحيان، تضعها فوق بعض البلدان التي سيكون من العبث، والوهم، الشروع في مفاوضات معها. الاقتصاد، المالية، الدبلوماسية، الاستماع، المواقف داخل وخارج المنطقة، الانضمام إلى البريكس+، التسلح الحديث والجيد المخصص لدفاعهم، التنمية الصناعية البحرية والموانئ، التجارة، السياحة، الفعاليات العالمية الرياضية، الثقافية، الفنية: قائمة مزاياهم طويلة. إنها تشكل دليلاً على تعدد أصولهم، مما يمنحهم مكانة دولية. قوتهم ليست تلك التي يمكن أن يتوقعها المرء من الدول الكبرى، لكنها في طريقها للتحقق. كان الانتقال من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة تطورًا. أما الانتقال إلى القوة الذكية فهو ثورة لا يزال أحد غير قادر على تحديد مداها ومن سيكون الفائزون. دعونا نأخذ دول الخليج هذه في الاعتبار. إن قوتها هي أهميتها في جميع مجالات التميز هذه. إرادتها هي التواجد حيث يعتمد العالم عليها بالفعل، وحيث تعتقد أن مكانها يجب أن يكون. ملاحظة: لقد دفعت أهمية هذا الموضوع منظمي النسخة الرابعة ة من اللقاءات الاستراتيجية للبحر الأبيض المتوسط (RSMed 2025)، وهو مؤتمر يُعقد في تولون (فرنسا) سنويًا منذ عام 2022 من قبل مؤسسة البحر الأبيض المتوسط للدراسات الاستراتيجية (FMES)، إلى تخصيص طاولة مستديرة له في برنامج أيام 8 و 9 أكتوبر 2025. اقرأ في نفس الموضوع: دول الخليج، من النفط إلى القوة (1/3) دول الخليج، من الإقليمية إلى الدولية (2/3)

سنة جديدة سعيدة 2026!
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

أيها المواطنون الأعزاء، يوم الخميس 1 كانون الثاني 2026 سيتحوّل لبنان تحولًا جذريًا! ستعمل الكهرباء على مدار الساعة، 24/24، من دون مولدات أو اشتراكات موازية. سيُحاكم جميع الأشرار والفاسدين، من أصغر عصفور إلى أقدم غراب، مهما علا موقعه. ستعمل الدولة—بالمعنى الحقيقي لكلمة تعمل، لا تَنهَب. دولة تكون فيها الخدمات الأساسية للجمهورية فعّالة لا مشلولة. وبالتوازي، سيكون مشغلو الطائرات المسيّرة من طراز MK في بطالة تقنية، نظرًا لأن حزب الله سيُنزَع سلاحه شمال وشرق وغرب نهر الليطاني. والسؤال الكبير—بحرف كبير—هو: كيف يحدث ذلك (حتى لو كنتم في الأول من كانون الثاني ما زلتم غارقين في الحرف أو في الفعل)؟ ببساطة، لأن كل سنة جديدة في لبنان هي وعد بمعجزة، تُؤجَّل حتمًا إلى السنة التالية. الآن، استفيقوا. خذوا حبّتي باراسيتامول وتنفسوا! إن يوم الخميس 1 كانون الثاني 2026 ليس سوى ثانية واحدة إضافية على يوم الأربعاء 31 كانون الأول 2025. ثانية واحدة . لا قطيعة. لا ثورة. لا “إعادة ضبط” ولا “ctrl + alt + delete”. والآن بعد أن يزول صداع ما بعد السُّكر، يمكنكم أن تعودوا إلى العبوس، فالمشهد مُحبط: النظام نفسه، القادة أنفسهم، الأكاذيب نفسها، حتى لو بحّت أصواتكم وأنتم تغنون أغنية ABBA الخالدة في الساعة النفسية، التي هي في لبنان ساعة نفسية-عقلية، إذ يظن الجميع أن السنة الجديدة ستكون أفضل. لم يُصلَح شيء عند منتصف الليل. لم يُمحَ شيء مع العدّ التنازلي. لبنان لا يخضع لأي تقويم؛ إنه جامد، يوم جرذ أرضي دائم منذ ما يقارب الأربعين عامًا. أطلقت قناة Canal Plus شعارها الجديد: «لا تسلّم خيالك لأيّ كان». وأنا أقترح ألّا تسلّموا أحلامكم لأحد، وإلا فإنكم، في أحسن الأحوال، قد تخاطرون بالقميص المقيّد، أو في أسوأ الأحوال، بأن تُؤخَذوا على أنكم حمقى—مع أن من الأفضل أن يُساء الظن بكم كالأوّلين لا كالثانين، علمًا أن كثيرين منّا، ولا سيما الذين يتبعون عميانًا تعاليم بعض الحركات أو الأحزاب، لا خطر عليهم من القميص المقيّد. نعم، سنة سعيدة. سنة أخرى من الاستمرارية في الكارثة، وقبل كل شيء، موعدنا في 31 كانون الأول المقبل، لنحتفل مجددًا بمرور الزمن، في بلد يرفض سكانه بعناد التقدّم، متجمّدين في الماضي، متّكلين على الله أو على الله… وقريبًا على يهوه أيضًا.

لماذا تراهن إسرائيل على صوماليلاند؟

إن الاعتراف الرسمي بإقليم أرض الصومال من قبل إسرائيل، الذي أعلنه بنيامين نتنياهو يوم الجمعة الماضي، يقدم نظرة جديدة حول أمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الأفريقي، والتوازنات الجيوسياسية العالمية. وفي حين تعتزم الحكومة الإسرائيلية استغلال التداعيات الإيجابية لدبلوماسيتها، تختلف الآراء داخل الدولة العبرية وفي جميع أنحاء العالم. تمتد أراضي أرض الصومال، الواقعة شمال غرب الصومال، على مساحة 175 ألف كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها حوالي خمسة ملايين نسمة. وهي تتوافق مع المستعمرة البريطانية السابقة للصومال، بينما احتلت إيطاليا بقية البلاد. أعلن الإقليم استقلاله عام 1991، بينما كانت جمهورية الصومال تغرق في الفوضى بعد سقوط النظام العسكري للدكتاتور سياد بري. تتحكم أرض الصومال في واجهة بحرية استراتيجية على خليج عدن، بالقرب المباشر من مضيق باب المندب، وهو ممر رئيسي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. يمر حوالي 10% من التجارة البحرية العالمية عبر هذه المنطقة. نقطة استراتيجية رئيسية منذ عدة سنوات، تعرض هذا المسار للضعف بسبب هجمات الحوثيين اليمنيين، المدعومين من إيران، على السفن التجارية، في سياق صراع إقليمي أوسع منذ حرب غزة. بالنسبة لمؤيدي الاعتراف، هذا العامل الجغرافي محوري. فإسرائيل، المنخرطة في عدة جبهات أمنية، ترى في أرض الصومال منصة محتملة للتعاون في مجال الاستخبارات والمراقبة البحرية ومكافحة التهديدات غير المتماثلة، ولا سيما الطائرات بدون طيار والصواريخ. وعلى بعد حوالي 300 إلى 500 كيلومتر من المناطق التي يسيطر عليها الحوثيون، ستوفر الأراضي عمقًا استراتيجيًا مشابهًا لما طورته إسرائيل مع أذربيجان في مواجهة إيران. كشفت دراسة أجراها المجلس الأطلسي أن حركة المرور في باب المندب قد انخفضت خلال الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية، وقدر صندوق النقد الدولي أن حجم التبادل التجاري عبر السويس قد انخفض بنحو 50% في أوائل عام 2024. الاستقرار السياسي إلى جانب موقعها، تُقدم أرض الصومال من قبل مؤيديها كاستثناء إقليمي. فمنذ أكثر من ثلاثة عقود، لديها مؤسساتها الخاصة: برلمان منتخب، عملة، جيش، شرطة، وإدارات مدنية. وقد نظمت عدة انتخابات تعددية، وضمنت انتقالات سلمية للسلطة، وحافظت على استقرار نسبي، مما يتناقض بشكل حاد مع الصومال المجاورة التي تعاني من تمرد الشباب الإسلامي وتجزئة سياسية مزمنة. التحالف مع الغرب تؤكد إسرائيل أيضًا على التوافق السياسي لأرض الصومال. وقد كثّرت سلطات هرجيسا، عاصمة المنطقة الانفصالية، من إشاراتها باتجاه القوى الغربية، والإمارات العربية المتحدة، وتايوان، والآن إسرائيل، مع إظهار عداءها للنفوذ الصيني والتركي والإسلامي في المنطقة. وفي سياق التنافس المتزايد بين القوى الكبرى حول الطرق البحرية الاستراتيجية، فإن تجاهل فاعل مستقر وتعاوني نسبيًا سيكون، وفقًا لهذه القراءة، إهمالًا استراتيجيًا. يُنظر إلى هذا الاعتراف أيضًا كرسالة موجهة إلى واشنطن. يرى العديد من المسؤولين والمحللين الإسرائيليين أن الولايات المتحدة يجب أن تحذو حذو تل أبيب. ويؤكدون أن التزام أمريكا بمبدأ «صومال موحدة» لم يعد يعكس حقائق الواقع على الأرض، وأن استقرار أرض الصومال يعتمد تحديدًا على انفصالها عن النظام السياسي الفاشل في مقديشو. وقد عرض مسؤولون من أرض الصومال على الولايات المتحدة الوصول إلى ميناء استراتيجي ومدرج طائرات موروث من الحرب الباردة، مقابل اعتراف رسمي. النظام القبلي ومع ذلك، هذه القراءة المتفائلة محل نزاع من قبل البعض. يرى العديد من الخبراء أن القرار الإسرائيلي ينطوي على مخاطر كبيرة وقد يكون له نتائج عكسية. يتعلق الانتقاد الأول بالهشاشة الداخلية لأرض الصومال. فبالرغم من صورتها المستقرة، إلا أن الإقليم يعاني من انقسامات عميقة. يلعب الانتماء العشائري دورًا محوريًا في السياسة، وفي قضايا ملكية الأراضي، وفي التمثيل. الحرب الهجينة على الصعيد العسكري البحت، يرى المنتقدون أن فكرة أن أرض الصومال يمكن أن تغير التوازن الاستراتيجي في مواجهة الحوثيين هي فكرة وهمية. فقد قاوم الحوثيون سنوات من الضربات الجوية السعودية والأمريكية ويستمرون في تعطيل الملاحة بوسائل منخفضة التكلفة. ووفقًا لهذا التحليل، فإن حملة برية بقيادة أطراف تمتلك جيوشًا منظمة وإرادة سياسية حقيقية هي وحدها القادرة على هزيمتهم، وهي قدرات لا تملكها أرض الصومال. أرض بديلة للفلسطينيين؟ هذا العام، أفادت تقارير صحفية أن الولايات المتحدة وإسرائيل قد تواصلتا مع أرض الصومال، من بين دول أخرى، بخصوص استضافة فلسطينيين من غزة. ولم تتطرق أرض الصومال، التي كانت قد نفت في ذلك الوقت إجراء أي نقاش من هذا النوع، ولا إسرائيل إلى هذه المسألة في بياناتهما الصادرة يوم الجمعة. خطر الإرهاب وثمة خطر كبير آخر يتعلق بالتطرف. فقد أدانت حركة الشباب، التابعة لتنظيم القاعدة، على الفور الاعتراف وهددت بمحاربة أي محاولة إسرائيلية «لاستخدام» أرض الصومال. ويخشى المحللون من أن يُستغل الشعور القوي المناهض لإسرائيل الموجود في جزء من المجتمع الصومالي من قبل الإسلاميين لتعزيز تجنيدهم وشرعيتهم، من خلال تصوير حكومة هرجيسا كحليف «للصهيونية» وخائن للقضية الفلسطينية. إدانات من جميع الجهات دبلوماسياً، أثار الاعتراف موجة من الإدانات. فقد أعادت جامعة الدول العربية، ومجلس التعاون الخليجي، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى دول رئيسية مثل مصر وتركيا والصين، تأكيد التزامها بالوحدة الترابية للصومال. وتخشى العديد من الدول الأفريقية، التي تواجه هي نفسها مطالبات انفصالية، من خلق سابقة. حتى الولايات المتحدة، التي كانت تتودد إليها هرجيسا، رفضت أن تحذو حذو إسرائيل. وقد استبعد دونالد ترامب علنًا الاعتراف الفوري، مؤكدًا على العزلة الدبلوماسية المحتملة لمثل هذه الخطوة. ومن جانبها، أعربت المملكة العربية السعودية عن معارضتها، مما قلل من تأثير هذه المبادرة على أي توسع محتمل لاتفاقيات إبراهيم. يوم السبت، نددت طهران بـ «مناورة خبيثة من قبل النظام الصهيوني» و«مؤامرة تهدف إلى تفكيك» الصومال. ورداً على سؤال من صحيفة نيويورك بوست حول إمكانية اعتراف واشنطن، أجاب الرئيس الأمريكي بـ «لا»، رافضًا بذلك أن يتبع حليفه الإسرائيلي. وأضاف: «سندرس ذلك»، قبل أن يتساءل: «هل هناك حقًا أشخاص يعرفون ما هو أرض الصومال؟»... بين الفرصة الجيوستراتيجية وعامل زعزعة الاستقرار، لا يمكن قياس الآثار الحقيقية لهذا القرار إلا بمرور الوقت وديناميكيات المنطقة.

أنشطة القرض الحسن في مواجهة القانون اللبناني

القرض الحسن هي جمعية ذات طابع اجتماعي. ومع ذلك، فقد أصبحت تدريجياً جزءاً من المشهد المالي الموازي مع تفاقم الأزمة التي اندلعت في خريف عام 2019. أدى انهيار القطاع المصرفي وفقدان ثقة المودعين إلى خلق فراغ مؤسسي استطاعت الجمعية استغلاله. هذه الديناميكية، وإن كانت تلبي حاجة حقيقية في سياق فشل عام، إلا أنها لا تبدد بأي شكل من الأشكال العديد من التساؤلات القانونية التي تثيرها. إنها تسلط الضوء على حدود الإطار القانوني اللبناني والمخاطر النظامية التي تثقل كاهل كل من المودعين والاقتصاد الوطني. نذكر في هذا السياق أن جمعية القرض الحسن تأسست في سياق الغزو الإسرائيلي عام 1982. في عام 1987، حصلت على إشعار تسجيل من وزارة الداخلية تحت الرقم 218 أ.د. في الأصل، كانت رسالتها اجتماعية وتضامنية بحتة. ولا تزال خاضعة قانوناً للقانون العثماني للجمعيات لعام 1909، الذي يقيد الأنشطة بالمؤسسات غير الربحية ويحظر أي عملية مالية تتجاوز الغرض المعلن. ومع ذلك، فإن منح القروض بانتظام وإدارة الضمانات الذهبية يتجاوزان هذا الإطار بوضوح، مما يخلق تناقضاً هيكلياً بين الوضع القانوني للكيان وواقع أنشطته. القروض المضمونة بالذهب: نموذج قانوني معقد تمنح الجمعية بشكل أساسي قروضاً بالدولار مضمونة بودائع ذهبية تقدر قيمتها مسبقاً، مع هامش يغطي المخاطر. منذ عام 2020، تتيح أجهزة الصراف الآلي عمليات سحب بالليرة اللبنانية أو بالعملات الأجنبية. هذه الممارسات لا تخضع للقواعد الاحترازية المطبقة على البنوك وتثير تساؤلات تتعلق بتشريعات الصرف الأجنبي والقيود التي تحكم تداول العملات خارج الرقابة الرسمية. يحدد قانون النقد والتسليف لعام 1963 النشاط المصرفي بدقة. فالمادتان 70 و 71 تحصران استلام الأموال ومنح الائتمانات وإدارة وسائل الدفع بالمؤسسات المرخصة من قبل مصرف لبنان. وتحدد المادتان 2 و 4 العملة القانونية وطرق التسوية. من خلال جمع الأموال ومنح القروض، تمارس جمعية القرض الحسن فعلياً وظائف مصرفية دون ترخيص، في انتهاك مباشر للإطار القانوني المعمول به. أدت هذه الوضعية إلى قيام مصرف لبنان بإصدار التعميم رقم 170 عام 2021، الذي يحظر صراحة على المؤسسات المالية والبنوك العاملة في لبنان أي تفاعل مباشر أو غير مباشر مع جمعية القرض الحسن، بما في ذلك فتح الحسابات، تنفيذ التحويلات، توفير خدمات الدفع أو أي عملية مماثلة. بهذا التعميم، يعترف المصرف المركزي فعلياً بوجود لاعب مالي موازٍ يمثل مخاطر نظامية، بينما لا يمنحه أي وضع مصرفي رسمي. تعكس هذه الخطوة مقاربة حذرة ولكنها متضاربة قانونياً: فالمؤسسة تعتبر نشطة بما يكفي لتبرير إجراء محدد، لكنها تبقى خارج نطاق الإشراف والتنظيم. لإلغائها بالكامل، يجب على وزارة الداخلية سحب ترخيص القرض الحسن بتطبيق قانون توازي الأشكال. يأتي ظهور كيان «جود» مباشرة ضمن هذه المنطقة الرمادية التي أنشأها التعميم 170. فمن خلال تجزئة الهياكل قانونياً وتعدد التسميات، فإن إعادة التشكيل هذه تعقد التطبيق العملي للتعميم وتزيد من المخاطر على المودعين. نشاط خارج عن أي رقابة مؤسسية يتمتع مصرف لبنان بصلاحية حصرية في تنظيم الشؤون النقدية والمالية. تمنحه المادة 13 من قانون النقد والتسليف هذه الصلاحية، بينما تنظم المواد من 174 إلى 178 آليات الرقابة والعقوبات. هذه الترتيبات لا تنطبق على جمعية القرض الحسن ولا على «جود»، اللتين تفلتان أيضاً من التعميمات والتوجيهات الصادرة عن المصرف المركزي والمتعلقة بالائتمانات وعمليات العملات الأجنبية. هذا الغياب للرقابة يعرض المودعين لمخاطر كبيرة ويضعف النظام النقدي الوطني. في سياق هذا الفراغ التنظيمي، تزيد التطورات الأخيرة لجمعية القرض الحسن من التساؤلات القانونية. فبعد الحرب المسماة «حرب الدعم»، اختارت الجمعية إعادة تشكيل واجهتها القانونية لحماية نفسها من أي محاولة للسيطرة أو المساءلة. تجسدت هذه الاستراتيجية في اعتماد اسم جديد، «جود»، مما يسمح بمواصلة نفس الأنشطة المالية تحت كيان منفصل، خارج أي إشراف مصرفي فعال وتحت نظام من القيود القانونية المخففة محتملاً. «جود» هي ثمرة تفكير داخلي أجراه موظفو جمعية القرض الحسن اعتباراً من 7 أبريل 2025. اختيار هذا الاسم، ذي الدلالة العربية الإسلامية، يندرج ضمن منطق الاستمرارية الرمزية مع إحداث قطيعة شكلية على الصعيد القانوني. تم تسجيل الكيان في السجل التجاري في بعبدا تحت الرقم 2078233، مع أول تأسيس في الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم في السجل التجاري في النبطية تحت الرقم 6007003 كمؤسسة ثانية، في شهر نوفمبر. هذه إعادة الهيكلة لا تغير طبيعة الأنشطة الممارسة ولا المخاطر التي يتعرض لها المستخدمون، ولكنها تميل إلى تجزئة المسؤولية القانونية وتعقيد أي إجراء قضائي يستهدف الكيان الأصلي. وهكذا يبدو تغيير الاسم بمثابة إجراء وقائي، يستبق أي ملاحقات محتملة ضد القرض الحسن مع الحفاظ على تشغيل نظام مالي موازٍ. علاوة على ذلك، يُزعم أن الحسابات المصرفية لهذا الكيان الجديد مفتوحة لدى بنك صادرات إيران في لبنان. متطلبات قانون النقد والتسليف يفرض قانون النقد والتسليف على المؤسسات المالية التزامات صارمة. فالمادتان 121 و 125 تتطلبان بشكل خاص شكل شركة مساهمة ورأسمالاً أدنى، بينما تنص المادتان 178 و 181 على ترخيص مسبق وإشراف مستمر من قبل مصرف لبنان. جمعية القرض الحسن، وكذلك كيانها المسمى «جود»، لا تستوفي أياً من هذه المتطلبات، مما يجعل وضعهما القانوني غير متوافق بشكل أساسي مع النشاط الممارس. إن غياب الترخيص يستبعد هذه الكيانات من نطاق تطبيق القانون رقم 318/2001، المعدل بالقانون رقم 44/2015، المتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. فالتزامات العناية الواجبة، وتحديد هوية العملاء، والإبلاغ عن العمليات المشبوهة، التي تخضع لإشراف هيئة التحقيق الخاصة، لا تنطبق عليها، مما يخلق فراغاً تنظيمياً مقلقاً. خلاصة واضحة وتقنية ختاماً ذو طابع قانوني، فإن الاستنتاج قاطع: الاحتكار المصرفي لا يُحترم؛ إشراف مصرف لبنان غائب؛ الوضع القانوني للجمعية غير مناسب؛ التزامات الشفافية ومكافحة غسل الأموال لا تنطبق؛ حماية المودعين غير موجودة. توضح هذه التحليلات، القانونية والتقنية البحتة، والمستقلة عن أي قراءة سياسية، كيف يمكن لفاعل مالي موازٍ أن يتطور في سياق مؤسسي هش، وتؤكد على الحاجة الملحة لتعزيز الإطار القانوني لحماية المدخرات والحفاظ على استقرار النظام المالي اللبناني.