شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
صورة أ ف ب
عين على الحدث
صورة المؤلف
بقلم هشام دبسي
نُشر أكتوبر 10, 2026 - 16:38
I - “من عاصفة الحزم” إلى “فجر اليمن” ليست المسافة بين “عاصفة الحزم” و”فجر اليمن” مجرد أحد عشر عاماً من الحرب اليمنية، بل هي مسافة سياسية واستراتيجية تختصر إخفاقات متراكمة، وتبدلات في موازين القوى، وتحولات في موقع اليمن ضمن الصراع الإقليمي، وصولاً إلى لحظة بات فيها أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب جزءاً من حسابات الحرب ومآلاتها. حين أطلقت السعودية عملية “عاصفة الحزم” في آذار/مارس 2015، كان الهدف المعلن استعادة السلطة المعترف بها دولياً، ووقف تمدد الحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء وتقدمهم نحو عدن. بدا التدخل محاولة لمنع انهيار معادلة سياسية وأمنية ترى الرياض أن استمرارها ضروري لحماية حدودها الجنوبية ومنع تحوّل اليمن إلى قاعدة نفوذ معادية على الخاصرة الجنوبية للمملكة. لكن السنوات التالية أظهرت أن التفوق الجوي لا يكفي وحده لإنتاج سلطة سياسية مستقرة، وأن استعادة المواقع لا تعني بالضرورة استعادة الدولة، مثلما أن إضعاف الخصم عسكرياً لا يؤدي تلقائياً إلى تفكيك قدرته على إدارة الصراع. فقد بقي الحوثيون قوة مسيطرة على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن، فيما عانت القوى المناهضة لهم من الانقسام وتعدد مراكز القرار، واستمرت الأزمة الإنسانية والاقتصادية في استنزاف المجتمع اليمني. لم تكن المشكلة في غياب القوة العسكرية وحدها، بل في الفجوة بين أهداف الحرب المعلنة والقدرة على تحويل نتائجها الميدانية إلى تسوية سياسية قابلة للحياة. وهنا يكمن أحد أهم دروس التجربة السابقة: لا يمكن بناء الدولة بمجرد استعادة الأرض، إذا بقيت السلطة موزعة بين قوى متنافسة، وظلت المؤسسات رهينة الولاءات العسكرية والحسابات الإقليمية. ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة عملية “فجر اليمن”، التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية في تشرين الأول/أكتوبر 2026، بدعم سعودي، في ظل تصاعد المواجهة على الساحل الغربي ومناطق ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. من إدارة الحرب إلى تغيير شروطها ما يميز اللحظة الراهنة أن المعركة لم تعد محصورة في خطوط التماس داخل اليمن. فقد تداخلت الجبهة اليمنية مع أمن السعودية، ومصالح التجارة الدولية، والتنافس الإقليمي على الممرات البحرية. وبذلك، لم يعد باب المندب مجرد مضيق جغرافي تطل عليه السواحل اليمنية، بل أصبح نقطة ارتكاز في معادلة أمنية واقتصادية تتجاوز اليمن نفسه. من هنا يمكن فهم انتقال مركز الثقل إلى الساحل الغربي والمناطق المحيطة بالمضيق. فاستعادة هذه المواقع لا تعني فقط تقليص مساحة سيطرة الحوثيين، بل تستهدف أيضاً الحد من قدرتهم على استخدام الجغرافيا اليمنية ورقة ضغط على السعودية والملاحة الدولية. غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تريد الرياض استعادة المواقع الاستراتيجية وتأمين حدودها وممراتها البحرية، أم أنها تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى اليمني بما يتيح لها فرض تسوية سياسية بشروط مختلفة؟ قد تجتمع الأهداف الثلاثة في استراتيجية واحدة، لكن لكل منها متطلبات مختلفة. فتأمين مضيق بحري يمكن أن يتحقق بعملية عسكرية محدودة نسبياً، أما إنهاء السيطرة الحوثية على صنعاء فيحتاج إلى حملة أوسع وأكثر تعقيداً، في حين يتطلب بناء تسوية مستقرة معالجة الانقسامات اليمنية، وليس الاكتفاء بتغيير خطوط السيطرة. وهذا هو الاختبار الحقيقي لـ«فجر اليمن»: هل تنجح في الربط بين القوة العسكرية والشرعية السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، أم تتكرر الفجوة التي طبعت سنوات الحرب السابقة؟ باب المندب: الجغرافيا التي غيّرت حسابات الحرب تُظهر تطورات المواجهة أن السيطرة على الساحل الغربي أصبحت محوراً أساسياً في المعركة. لكن الإعلان عن استعادة مواقع استراتيجية لا يحسم وحده حقيقة السيطرة الميدانية، ولا يضمن القدرة على الاحتفاظ بها. فالمواقع الساحلية تحتاج إلى قوة قادرة على حماية خطوط الإمداد ومنع الخصم من العودة إليها أو تهديدها من جبهات أخرى. وقد أظهرت الهجمات المتبادلة على المنشآت السعودية أن المواجهة لا تجري في اتجاه واحد. فكلما ارتفعت قيمة الأهداف العسكرية والاقتصادية، ازدادت احتمالات الرد عليها في جغرافيا أوسع. وقد تتحول المعركة من محاولة لتأمين الملاحة إلى مواجهة استنزاف متبادل، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاقتصاد والطيران والطاقة. لذلك، لا يتعلق السؤال فقط بمن يسيطر على باب المندب في لحظة معينة، بل بمن يمتلك القدرة على تأمينه بصورة مستدامة، ومن يستطيع منع استخدامه أداة للضغط السياسي والعسكري. الحوثيون ومعضلة القوة المقابلة لا يمكن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم قوة تنتهي بمجرد خسارة بعض المواقع. فقد راكموا خلال سنوات الحرب خبرة قتالية وتنظيمية، واستفادوا من سيطرتهم على مؤسسات ومناطق واسعة، وطوّروا أدوات للضغط تتجاوز الجبهات البرية. كما أن علاقتهم بإيران تضيف بعداً إقليمياً إلى المواجهة، وإن كان من الخطأ اختزال الحركة اليمنية كلها في هذه العلاقة وتجاهل جذورها المحلية. إن التحدي الذي تواجهه القوات الحكومية لا يتمثل في التقدم نحو مواقع محددة فحسب، بل في تحويل التقدم إلى تغيير مستدام في ميزان القوى. وهذا يتطلب تنسيقاً بين التشكيلات العسكرية، وتوحيداً للقرار، وإدارة سياسية للمناطق المستعادة، ومعالجة المصالح المحلية التي تؤثر في استمرار القتال أو توقفه. وهنا تظهر معضلة القوى المناهضة للحوثيين. فالحكومة ومجلس القيادة الرئاسي ليسا وحدهما طرفي المشهد؛ إذ توجد قوى جنوبية لها مشروعها السياسي الخاص، وتشكيلات عسكرية ذات قواعد ومصالح مختلفة، وقوى محلية في الساحل الغربي ومأرب وتعز. وقد تتفق هذه الأطراف على مواجهة الحوثيين، لكنها لا تتفق بالضرورة على شكل الدولة المقبلة أو توزيع السلطة والثروة فيها. إن توحيد هذه القوى ليس مسألة تنظيمية ثانوية، بل شرط سياسي وعسكري لأي تحول طويل الأمد. فالتقدم الميداني الذي لا يستند إلى توافق على إدارة المناطق المستعادة قد يفتح نزاعات جديدة، ويعيد إنتاج الانقسام تحت عناوين مختلفة. الدرس الذي لم تُنْهِه عاصفة الحزم لقد أثبتت التجربة أن الحرب اليمنية لا تُختصر في مواجهة بين السعودية والحوثيين، ولا في صراع بين نفوذ عربي وآخر إيراني. إنها أيضاً أزمة دولة، وانهيار انتقال سياسي، وتنافس على السلطة والموارد، وصراع بين تصورات مختلفة لمستقبل اليمن. ولهذا ينبغي ألا تقوم المقارنة بين “عاصفة الحزم” و”فجر اليمن” على حجم الغارات أو عدد المواقع المستعادة، بل على اختلاف الأهداف والظروف والقدرة على تحويل القوة إلى نتائج سياسية. فالتجربة الأولى لم تنجح في إنهاء الحرب أو إعادة بناء سلطة مركزية مستقرة، أما العملية الجديدة فتواجه اختباراً أشد تعقيداً: استعادة المبادرة في ظل انقسام يمني متراكم، وتهديدات عابرة للحدود، وممرات بحرية أصبحت جزءاً من حسابات الصراع الإقليمي. إذا كان “فجر اليمن” يمثل انعطافة فعلية، فلن يكون ذلك لأن عملية عسكرية بدأت أو لأن جبهة تقدمت، بل لأن ميزان القوى قد يتغير بطريقة تفتح باباً سياسياً لم يكن متاحاً من قبل. أما إذا بقيت الأهداف العسكرية منفصلة عن مشروع الدولة، فقد تنتهي الجولة الجديدة إلى تعديل خطوط المواجهة من دون تغيير طبيعة الأزمة. من هنا تبدأ الأسئلة الأصعب التي يتناولها الجزء الثاني: ما الذي تريده السعودية فعلياً من الحرب الجديدة؟ وما حدود الدور الإيراني؟ وهل تستطيع القوى اليمنية بناء شراكة سياسية تتجاوز خلافاتها؟ وأي مسار يمكن أن يقود إلى إنهاء الحرب، لا إلى تدويرها في جولة أخرى؟
دراسة
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو - نُشر أكتوبر 10, 2026 - 10:23
صورة للأخبار
تُظهر هذه اللقطة المأخوذة من فيديو نشره المركز الإعلامي لأنصار الله في 7 أكتوبر 2026، مقاتلًا تابعًا للسلطات الحوثية يطلق النار من رشاش أثناء تقدم ضد القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، في محافظة تعز، بحسب وسائل الإعلام الحوثية. (عبر وكالة فرانس برس)
I. الملخص التنفيذي أدّى انهيار هدنة عام 2022 إلى تحوّل الصراع اليمني إلى حرب تقليدية عالية الحدة. وتهدف «عملية فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والقوات المتحالفة معها بدعم من الرياض، إلى كسر التهديد الحوثي المزدوج، إذ تشكل الجماعة الحوثية المدعومة من إيران خطراً على الممر البحري لباب المندب والبحر الأحمر، وعلى المنشآت النفطية داخل اليمن نفسه، ولا سيما في مأرب، وفي المملكة العربية السعودية. بات هذا الصراع يتمحور حول ثلاث ديناميات رئيسية: تأمين الجناح الغربي (الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر)، وخنق المراكز الحضرية (تعز)، والتدويل المباشر للصراع عبر تفعيل تحالفات عسكرية مع أطراف ثالثة (تركيا وباكستان). II. تحليل المسرح العسكري الساحلي والمشهد الطبوغرافي تستند استراتيجية التحالف إلى نهج منهجي لاستعادة السيطرة على الممرات المائية الدولية وإحكام تأمينها. ويتمثل ذلك في تأمين مضيق باب المندب ومدينة المخا المينائية. وقد أمّنت القوات المشتركة الموالية للحكومة، وهي ألوية العمالقة ودرع الوطن ومقاومة تهامة، بالفعل مطار ذباب العسكري جنوب المخا، بما يتيح إمكانية فتح خط إمداد جوي، كما أمّنت مدينة المخا نفسها. الهدف المباشر هو حرمان الحوثيين من قواعد لإطلاق المسيّرات البحرية السطحية، أو ما يُعرف عسكرياً بالأجهزة المتفجرة البحرية المرتجلة (IMED)، ومن الألغام البحرية. وقد استُخدمت هذه الأجهزة سابقاً بصورة مدمرة في أوكرانيا وأغرقت سفناً بارزة في البحرية الروسية، كما استخدمها الأميركيون في إيران ضد الموانئ الإيرانية التي تؤوي الزوارق السريعة التابعة للجمهورية الإسلامية. يتخذ المشهد الطبوغرافي الشكل الآتي: محافظة تعز ساحلية وجبلية. تقع في جنوب غرب اليمن، وتضم مدينتي ذباب، التي يرتبط اسمها بباب المندب، والمخا. وتضم المحافظة قمماً عديدة، يشرف بعضها على السهل الساحلي الممتد من باب المندب إلى الحديدة، وهو ميناء بحري مهم لا يزال بيد الحوثيين، مروراً بذباب والمخا. وتكتسب المرتفعات المسيطرة في هذه المحافظة، ولا سيما مرتفعات حيفان وكهبوب، أهمية اليوم لأنها لا تشرف فقط على السهل الساحلي الغربي لليمن، بل أيضاً على خطوط إمداد القوات الحكومية الممتدة من عدن إلى باب المندب. عزّزت القوات الحكومية مواقعها في جبال المنظرة والعشاري وذيبان في قطاع حيفان، على ارتفاع يتراوح بين 1000 و1500 متر وعلى مسافة 50 إلى 60 كيلومتراً من الساحل، كما سيطرت خصوصاً على سلسلة جبل كهبوب الاستراتيجية، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من الساحل. وهذا يعني أن نشر مدفعية بعيدة المدى أو صواريخ تقليدية على هذا الجبل يجعل الساحل الشرقي ضمن مدى النيران، ما يصعّب على الحوثيين شن هجمات مضادة. فضلاً عن ذلك، فإن السيطرة على هذه القمم وعلى جبل زَلات، منذ 22 سبتمبر، تحرم الحوثيين من السيطرة النارية البصرية على الطريق الساحلي. كما تؤمّن الجناح الشرقي للمحور اللوجستي للتحالف، وهو شرط لا غنى عنه لمواصلة العمليات على المحور الساحلي الممتد من الجنوب إلى الشمال باتجاه الحديدة. أحد مقاتلي الحوثيين في مرتفعات تعز. يمكن وضع كل ما سبق في إطار التحضير لتشكيل قتالي هجومي ضد الحديدة. وهذا مطلب جيوسياسي تتقاطع بشأنه مصالح متعددة، ولا سيما مصالح أميركية وأوروبية وعربية وآسيوية وأفريقية. إن وجود ساحل شرقي للبحر الأحمر يضم ميناءً خاضعاً لسيطرة الحوثيين يشكّل ورقة بيد طهران ينبغي انتزاعها. وستكون العملية في الحديدة مكلفة، إذ يعزز الحوثيون دفاعاتهم جنوب المدينة وفي سهل تهامة المحيط بها، ما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إلى إصدار تحذير بإجلاء المدنيين. تنفذ القوات الموالية للحكومة مناورة كماشة انطلاقاً من عقد طرق، ولا سيما في حيس والخوخة. وقد قصفت البحرية السعودية بالفعل ميناء المدينة لتدمير مخزونات الألغام والطائرات المسيّرة البحرية. ومن المرجح أن تحظى القوات الموالية بدعم من الطيران السعودي، الأقوى في المنطقة، ولا سيما من الدعم الاستخباراتي للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) التي توفر معلومات استخباراتية تكتيكية في الوقت الفعلي. يجري إذن التحضير للهجوم على ميناء الحديدة. فأي تأخير في عملية الحديدة أو إلغاؤها سيمنح الحوثيين الوقت لإقامة منظومة دفاعية قتالية متينة، ويتيح لهم فرصة ضرب أهداف رخوة في عدن والسعودية، ولا سيما المطارات والمنشآت النفطية ومحطات تحلية مياه البحر. III. تأمين الداخل والمأزق الاستراتيجي: تعز ومأرب إذا تقدمت قوات التحالف على الساحل، فمن المؤكد أن الجبهات الداخلية ستتعرض لضغط هائل. تدافع عن مدينة تعز ما بين 15,000 و20,000 جندي من الجيش اليمني النظامي (الألوية 22 و17 و35)، تدعمهم مقاومة محلية وتعزيزات خارجية (درع الوطن والعمالقة). ويتمركزون بقوة في مرتفعات حضرية حول المدينة، ويبدون مقاومة شرسة للحوثيين. تمتلك هذه القوات مدفعية خفيفة وأنظمة حديثة مضادة للطائرات المسيّرة، كما أن قدرتها الدفاعية في القتال الحضري ممتازة. وتتعرض المدينة منذ بضعة أيام لحصار عملياتي كامل. وقد قطعت القوات الحوثية طريق هيجة العبد، وهو ممر جبلي يربطها بعدن، ما أدى إلى قطع شريان الإمداد بالكامل. يتلقى الحوثيون الذين يحاصرون المدينة إمدادات متواصلة من الشمال عبر محور صنعاء–ذمار–إب، الذي يتعرض باستمرار لضربات جوية سعودية ويمنية. وفي مواجهة هذا الوضع، يستخدم الحوثيون شبكات ثانوية من الوديان تتيح لهم الالتفاف على الحظر الجوي الذي يفرضه التحالف. وتحاول الحكومة فك الطوق عبر معارك عنيفة عند المعابر الجبلية التي لا يزال المتمردون يسيطرون عليها. تكتسب مأرب، الواقعة تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة في شمال شرقي اليمن، أهمية استراتيجية كبرى، إذ تضم المنطقة بنى تحتية نفطية وغازية تمثل الموارد الرئيسية للحكومة اليمنية. ويستهدف هجوم حكومي مزدوج في هذا القطاع جبهات رغوان (شمال جبهة مأرب) والمناطق الجنوبية لحماية هذه المنشآت، التي تعد أهدافاً رخوة ذات أولوية للهجمات الحوثية المضادة. الخسائر فادحة لدى الطرفين، ومن بينها جنرال موالٍ للحكومة. وإلى جانب ذلك، فتحت الحكومة محوراً هجومياً مباشراً نحو العاصمة صنعاء، وتتقدم شمالاً في حرض (حجة/صعدة) باتجاه معقل الحوثيين في حيدان. ومع ذلك، ينبغي توقع جمودٍ في المعارك وحرب استنزاف، لأن ميزان القوى البرية لا يزال يميل لمصلحة الحوثيين. وتتمثل قوة القوات الحكومية في التفوق الجوي والتكنولوجي بفضل السعوديين والأميركيين، بينما يتمتع الحوثيون، الذين يملكون أفضلية عددية، بقدرات كبيرة غير متماثلة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، إضافة إلى الصواريخ الباليستية التي لا يترددون في استخدامها ضد أهداف مدنية. IV. إعادة تشكيل التحالفات والامتداد الإقليمي يمثل تدويل الصراع منعطفًا جيوسياسيًا كبيرًا. ففي إطار ميثاق مكة، كانت إسلام آباد قد نشرت بالفعل قدرات عسكرية داعمة على الأراضي السعودية. ويؤمّن هذا الانتشار الدفاع عن المجال الجوي والاستطلاع والتنسيق التكنولوجي، بما يتيح للقوات السعودية التفرغ للعمليات الهجومية في اليمن. أما أنقرة فتنتظر الضوء الأخضر من برلمانها للقيام بذلك، ولا يزال نوع القوات التي ستُنشر غير معروف، إلا أنها ستشمل بالتأكيد تقنيات متقدمة. سحبت الإمارات العربية المتحدة رعايتها المباشرة في اليمن. وتعيد أبوظبي توجيه استراتيجيتها نحو السيطرة على البنى التحتية للموانئ في القرن الأفريقي، ولا سيما في صوماليلاند وإثيوبيا، وكذلك نحو قوات الدعم السريع في السودان... ومع ذلك، يحرص الأسطول الإماراتي على إبقاء ممر البحر الأحمر مفتوحًا رغم تناقضاته مع السعودية في القرن الأفريقي. ولذلك قد يمتد الصراع اليمني إلى الضفة الأفريقية. وتواصل إريتريا والسعودية دعمهما للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع. وبالتوازي مع ذلك، تراقب الرياض عن كثب مساعي إثيوبيا، المدعومة من الإمارات، للوصول إلى البحر الأحمر، لما قد تسببه من زعزعة استقرار حليفها الإريتري. خامسًا: الآفاق وتقييم المخاطر ينذر الصراع اليمني بأن يصبح بؤرة مواجهة متعددة الأطراف للسيطرة على الأمن البحري وتدفقات الطاقة العالمية. وبما أن تحقيق نصر سريع لأي من الطرفين أمر مستبعد، فإن السيناريو الأرجح هو حرب استنزاف عنيفة ومدمرة خلال الأشهر المقبلة.
ملخص اليوم

جائزة نوبل للسلام لإنقاذ القانون الدولي المهدد بالخطر

منحت الجائزة المرموقة للجنوب أفريقية نافي بيلاي، المدافعة الدؤوبة عن المظلومين
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 20:37
صورة للأخبار
تسلّمت نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 في قاعة المحكمة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ، جنوب ألمانيا، وهي القاعة نفسها التي شهدت محاكمات نورمبرغ ضد قادة ألمانيا النازية في عامي 1945 و1946…
يأتي منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي في سياق تشكيك متزايد في القانون الدولي، الذي أضعفته كثرة النزاعات والهجمات على المؤسسات المكلفة بإنفاذه. فمنذ عدة أشهر، تتوالى تقارير وتصريحات المنظمات الدولية للتحذير من الأخطار التي تهدد حقوق الإنسان وأسس النظام القانوني العالمي. ويجسّد هذا الوضع ردّ إسرائيل الغاضب على هذا التكريم، إلى جانب الهجوم الأميركي الجديد على المحكمة الجنائية الدولية. مُنحت جائزة نوبل للسلام يوم الجمعة للقاضية نافي بيلاي، وهي جنوب أفريقية تبلغ 85 عاماً كرّست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن القانون الدولي. وقد ترأست السيدة بيلاي، على وجه الخصوص، لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي اتهمت إسرائيل العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. طوال مسيرتها، ناضلت الجنوب أفريقية التي نشأت في ظل نظام الفصل العنصري ضد أبشع الفظائع، من رواندا إلى الشرق الأوسط. وقالت محذّرة يوم الجمعة، خلال مؤتمر صحافي عُقد في نورمبرغ في قاعة حوكم فيها كبار المسؤولين النازيين، وهي تهدي جائزة نوبل «إلى جميع الناجين من الجرائم الدولية»: «نمرّ بمرحلة يتعرض فيها القانون الدولي وحقوق الإنسان لهجمات سياسية كبيرة»… مدافعة لا تكلّ عن حقوق الإنسان السيدة بيلاي محامية من أصول هندية، أصبحت قاضية ثم مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2008-2014)، وتشتهر بقدرتها على التعامل مع أكثر الملفات صعوبة. قادتها مسيرتها من محاكم جنوب أفريقيا، حيث دافعت عن ناشطي مناهضة الفصل العنصري، إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، مروراً بالمحكمة الجنائية الدولية. مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا. اكتسبت شهرة عالمية بفضل انتقاداتها الحادة للقمع الذي مارسته عدة حكومات ضد التظاهرات الشعبية في العالم العربي، ولا سيما في ليبيا وسوريا. وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان الساحلية، وهي ابنة سائق حافلة وتنحدر من عائلة من أصول تاميلية، وقد سلكت مساراً استثنائياً. نشأت في حي فقير من هذه المدينة الساحلية، ودرست القانون ثم نالت درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية المرموقة. أصبحت أول امرأة ملوّنة تفتتح مكتب محاماة في إقليم كوازولو-ناتال، ودافعت بشراسة عن معارضي نظام الفصل العنصري. «البكاء أو القتال» بعد عام من انتخاب نيلسون مانديلا في 1994، أصبحت أول امرأة ملوّنة تُعيّن في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا. وفي العام نفسه، وبمساندة مانديلا، انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا. كانت من بين القضاة الذين أصدروا حكماً تاريخياً أفضى إلى الاعتراف بالاغتصاب بوصفه سلاحاً من أسلحة الإبادة الجماعية. وقالت السيدة بيلاي لوكالة فرانس برس في مقابلة عام 2023: «تعرضنا لأبشع الإهانات والتمييز العنصري، وأُسيئت معاملتنا وعوملنا كأننا لا شيء». ففي ظل الفصل العنصري، كان المجتمع الهندي يُصنّف مجموعةً عرقية منفصلة ويخضع لأشكال كثيرة من التمييز. وأكدت أن الخيار كان بسيطاً آنذاك: أن تكون «ضعيفاً وتبكي» أو أن «تقاتل في كل مباراة». وأضافت: «كنت دائماً أعرف من أنا وكيف أواجه كل أشكال التمييز، بأن أجرؤ على الكلام وأدينها. وهذا ما فعلته في الأمم المتحدة». إسرائيل تستحضر… غوبلز في سبتمبر/أيلول 2025، خلصت لجنة التحقيق التي ترأستها — والتي لا تتحدث باسم الأمم المتحدة — إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة منذ بداية الحرب التي أشعلها هجوم حماس غير المسبوق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت إسرائيل قد رفضت هذا التقرير رفضًا قاطعًا، واصفةً إياه بأنه «منحاز وكاذب»، ومتهمةً معدّيه بالتحيز المعادي للسامية. ملصقات في باريس. اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في ردّ نشرته الجمعة على منصة إكس، أن منح جائزة نوبل للسيدة بيلاي يضفي الشرعية على «الكراهية المعادية لإسرائيل»، مضيفةً أن جوزف غوبلز، رئيس الدعاية النازية، لا بد أنه «يصفق من الجحيم». وفي عام 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أيضًا مذكرات توقيف، لا تزال غير منفذة، بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وردًا على ذلك، كان دونالد ترامب قد فرض بالفعل عقوبات على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العام وأعضاء من طاقمها. وفي الشهر الماضي، ذهب أبعد من ذلك بدعوة الدول الأعضاء إلى الانسحاب من هذه المؤسسة، التي وصفها بأنها «خبيثة». «محكمة مارقة» والجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن جائزة نوبل، جدّدت الحكومة الأميركية إجراءاتها بإعلان عقوبات جديدة على المحكمة، مبررةً هذه الخطوات برغبتها في «الدفاع عن السيادة الأميركية». وشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن «هم يريدون مزيدًا من السلطة، ويريدونها على حسابنا»، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية في الوقت نفسه بأنها «محكمة مارقة». وأضاف: «نأمل أن يعمل حلفاؤنا على كبح جماح المحكمة. وإلا فإن الولايات المتحدة ستواصل تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنةً لبنة، إلى أن يصبح الأميركيون بمنأى عن التهديد». ورحّب بنيامين نتنياهو بالعقوبات الأميركية، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية بأنها «خطر مميت على الديمقراطيات التي تحترم سيادة القانون». وقال نتنياهو: «المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل كيان سياسي». وعلى منصة إكس، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السيدة بيلاي أيضًا بأنها شخصية «طائفية» «تشيطن اليهود».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
السيولة، الوقود الذي غذّى الأسواق في عام ٢٠٢٥ (٣/٣)

إذا كان الذكاء الاصطناعي قد وفّر الوقود السردي للأداء الاستثنائي للأسواق في عام 2025، فقد وفّرت السيولة الأكسجين. وإذا كان التركيز قد انصب إلى حد كبير على سياسات البنوك المركزية الغربية، فإن المصدر الأكثر استمرارية — والأكثر زعزعة للاستقرار في نهاية المطاف — للسيولة العالمية جاء من مكان آخر: من اليابان. على مدى عقود، كانت اليابان تُنظر إليها على أنها شذوذ — اقتصاد محاصر بالانكماش، يعمل وفقًا لمنطقه النقدي الخاص ومنفصل إلى حد كبير عن الدورات العالمية. في عام 2025، ثبت أن هذا التصور تجاوزته الأحداث بشكل خطير. لم تظل اليابان مجرد دولة متساهلة؛ بل أصبحت أحد الميسرين الرئيسيين لتحمل المخاطر العالمية. لسنوات، جمع بنك اليابان تريليونات الدولارات من السندات والأسهم في ميزانيته العمومية مع الحفاظ على أسعار فائدة قريبة من الصفر. أسعار الفائدة اليابانية المنخفضة للغاية والين الذي يتدهور باستمرار قد أعاد تنشيط وتضخيم تجارة الفائدة العالمية. تدفقت رؤوس الأموال المقترضة بتكلفة منخفضة بالين إلى أصول ذات عائد أعلى في جميع أنحاء العالم — الأسهم، الائتمان، الأسواق الخاصة والاستثمارات المضاربة — مما عزز شهية المخاطرة إلى حد كبير خارج حدود اليابان. في الواقع، قامت اليابان بتصدير السيولة إلى النظام المالي العالمي في وقت كانت فيه البنوك المركزية الأخرى تحاول، بحذر وبشكل غير متناسق، سحبها. أصبحت تجارة الفائدة بالين أحد أقوى عوامل ارتفاع أسعار الأصول في عام 2025، حيث غذت في الوقت نفسه تقييمات أسهم أعلى وزيادة في الرافعة المالية في جميع أنحاء النظام المالي. لكن اليابان دخلت عام 2025 مقيدة بواقعها الهيكلي الخاص. مع دين عام يتجاوز 235% من الناتج المحلي الإجمالي، ونظام مالي يعتمد على أسعار فائدة منخفضة للغاية، وسوق سندات محلية هشة، فرض عودة التضخم واحتمال النمو الاقتصادي المستدام تغييرًا استراتيجيًا. في سبتمبر 2025، أضفى بنك اليابان الطابع الرسمي على قراره بوقف شراء الأصول وأصبح بائعًا صافيًا للسندات والأسهم. في ديسمبر، رفع أسعار الفائدة مرة أخرى، مما دفع عوائد السندات طويلة الأجل للغاية إلى مستويات قياسية. كانت الآثار فورية وعالمية: وجدت تجارة الفائدة بالين نفسها في خطر شديد — وبالتالي، الأصول الخطرة في جميع أنحاء العالم. بينما استمرت السيولة في تضخيم الأسواق المالية، كان الاقتصاد الحقيقي يرسل إشارة مختلفة تمامًا. قفزت السلع — التعبير الأكثر وضوحًا عن العرض والندرة والتوترات الجيوسياسية — عبر الطيف بأكمله. ارتفعت الطاقة والمعادن الصناعية والموارد الاستراتيجية جميعها بشكل حاد، مما يعكس سنوات من نقص الاستثمار، وتجزئة سلاسل التوريد، والتكاليف المتزايدة للعولمة. هذا الارتفاع في السلع ليس ازدهارًا دوريًا؛ إنه توتر هيكلي. على عكس الأصول المالية، تستجيب السلع لقيود مادية. إنها تدمج الجيولوجيا، والجغرافيا السياسية، وكثافة الطاقة، والوقت. دخل العالم عام 2025 بمخزونات مستنزفة، وسلاسل توريد مجزأة، ومنافسة استراتيجية متزايدة على الموارد — من المعادن الحيوية إلى الغذاء والطاقة. في هذه البيئة، تصادمت السيولة المستمرة مع العرض المحدود. التأثير حاسم: لم يختف خطر التضخم — إنه يتزايد. ومع ذلك، طوال عام 2025، قامت الأسواق إلى حد كبير بتضمين عودة إلى الانكماش وتخفيف السياسات، حتى مع ارتفاع تكاليف المدخلات، وأسعار السلع، والضغوط على الموارد الاستراتيجية. هذا التناقض — تخفيف الظروف المالية في مواجهة القيود المتزايدة في الاقتصاد الحقيقي — غير مستقر بطبيعته. إنه يضع البنوك المركزية في موقف مستحيل: إما التسامح مع التضخم أو المخاطرة بزعزعة استقرار الأسواق التي أصبحت تعتمد على السيولة. قد تفرض أسواق السندات هذا الخيار في عام 2026. دور اليابان يضخم هذا الخطر. من شأن ضعف الين مرة أخرى أن يعزز التضخم عبر ارتفاع أسعار الواردات والسلع. على العكس من ذلك، فإن أي تقدير كبير قد يؤدي إلى تفكيك مفاجئ لتجارة الفائدة، مما يزعزع استقرار أسعار الأصول العالمية. يحمل كلا السيناريوهين عواقب لم تستوعبها الأسواق بعد بشكل كامل. دعم الذكاء الاصطناعي والسيولة الارتفاع في عام 2025. وتطرح السلع الآن تساؤلات حول استدامته. وقد بدأ مجال العملات المشفرة — التعبير الأكثر نقاءً عن الفائض المضاربي — بالفعل في التحول، حيث انخفض سعر البيتكوين بأكثر من 35% عن ذروته في أكتوبر. يقدم التاريخ أمثلة قليلة حيث يتم حل تشويه نقدي مطول، ورافعة مالية متزايدة، وتشديد القيود المادية دون تقلبات. إن المسار الاستثنائي للأسواق المالية في عام 2025 قد يكشف في النهاية عن ميل مفرط للتفاؤل الذي يميز فقاعات الاستثمار، أكثر مما يكشف عن ولادة عصر جديد مدمر.

لبنان بعد الأعياد: حربٌ مؤجَّلة أم سِلمٌ مُعلَّق؟

مع انتهاء الأعياد، يعود القلق ليخيّم على اللبنانيين بسؤال بات وجوديًا: هل يتجه لبنان نحو حرب جديدة، أم أن البلاد ستبقى في هدنة هشّة قابلة للانهيار في أي لحظة؟ غير أن هذا السؤال، على أهميته، لم يعد كافيًا وحده. فخلفه يبرز سؤال أكثر عمقًا وخطورة: إذا كانت المبادرة العسكرية تأتي من الطرف الإسرائيلي، وحزب الله لا يرد منذ وقف إطلاق النار، فهل هذا عجز أم قرار؟ ومن يملك أصلًا حق اتخاذ قرار الحرب والسلم في لبنان؟ لبنان اليوم لا يعيش حربًا شاملة، لكنه لا ينعم بسِلم فعلي. هو عالق في مساحة رمادية خطيرة، حيث التهدئة ليست استقرارًا، والتصعيد لا يصل إلى حد الانفجار الكبير. هذه المنطقة الرمادية، التي اعتادها اللبنانيون، تستنزف البلد بصمت، وتُبقيه في حال انتظار دائم لما قد يأتي من الخارج. ميدانيًا، لا يمكن إنكار أن الجنوب اللبناني لا يزال ساحة مفتوحة. الخروقات الإسرائيلية مستمرة بأشكال مختلفة، من ضربات موضعية إلى رسائل عسكرية وأمنية محسوبة. إسرائيل، في هذا السياق، لا تشن حربًا شاملة، لكنها تمارس سياسة اختبار الحدود: اختبار قدرة الخصم على الرد، وحدود صبره، وإمكانية فرض قواعد اشتباك جديدة بقوة الأمر الواقع. في المقابل، يبرز امتناع حزب الله عن الرد الواسع منذ وقف إطلاق النار كعامل أساسي في النقاش العام. البعض يفسّر هذا السلوك على أنه ضعف أو عجز، لكن هذا التفسير يبقى مبسّطًا إلى حد التضليل. فالحزب، من حيث الإمكانات العسكرية والتنظيمية، هل فقد فجأة قدرته على الرد أو المبادرة؟. بنيته هل تفككت؟، وسلاحه هل اختفى؟ وانتشاره خل لا يزال قائمًا؟ لذلك، لا يمكن اختصار المشهد بعامل العجز العسكري في ظل هذه الاسئلة. الفرق الجوهري هنا هو بين القدرة والقرار. الحرب ليست مسألة تقنية، بل خيار سياسي بامتياز. وقرار حزب الله، في هذه المرحلة، يظهرونه كقرار تريّث لا قرار مواجهة. هذا التريّث تحكمه عوامل إقليمية واضحة. فالحزب جزء من محور أوسع تقوده إيران، وهذا المحور لا يرى مصلحة في تفجير الجبهة اللبنانية الآن. الأولوية، حتى إشعار آخر، هي إدارة الصراع لا توسيعه، وضبط الاشتباك لا كسره، واستخدام الساحات كورقة ضغط سياسية لا كساحات حسم عسكري. إلى جانب العامل الإقليمي، هناك العامل الداخلي اللبناني، وهو لا يقل أهمية. أي حرب واسعة ستقع كلفتها على بلد منهار أصلًا: اقتصاد مشلول، دولة غائبة، مؤسسات مفككة، ومجتمع منهك إلى حدّ العجز. حزب الله، مهما كانت حساباته الإقليمية، يدرك أن حربًا جديدة ستضعه في مواجهة ليس فقط مع إسرائيل، بل مع واقع لبناني غير قابل لتحمّل المزيد من الدمار، وربما مع بيئته الحاضنة نفسها. في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا التريّث يحمل ثمنًا سياسيًا ومعنويًا. استمرار الضربات الإسرائيلية من دون ردّ واضح يطرح أسئلة جدّية حول مفهوم الردع، ويضعف سردية “توازن الرعب”. كما أنه يعمّق شعور اللبنانيين بأن بلدهم مكشوف، وأن القرار العسكري منفصل عن الدولة، لكنه في الوقت نفسه غير خاضع لأي مساءلة وطنية. أما الحديث عن السِلم، فهو بدوره يحتاج إلى تدقيق. ما يعيشه لبنان ليس سلامًا ناتجًا عن تسوية أو اتفاق، بل هو سِلم الضرورة. تهدئة مفروضة بتوازنات إقليمية ودولية، لا بإرادة لبنانية سيادية. وهذا النوع من السلم هشّ بطبيعته، لأنه مرتبط بحسابات الآخرين، لا بمصلحة الدولة اللبنانية أو استقرارها. هنا تكمن المعضلة الأساسية: لبنان ليس طرفًا مقرّرًا في الحرب ولا في السلم. هو ساحة تُدار فوقها الصراعات، لا دولة تجلس إلى طاولة القرار. لا يملك القدرة على فرض شروطه، ولا على حماية نفسه سياسيًا قبل أن يكون أمنيًا. هذا الغياب هو الخطر الحقيقي، وهو ما يجعل السؤال عن الحرب أو السلم سؤالًا ناقصًا ما لم يُربط بإعادة بناء الدولة ودورها. بعد الأعياد، وعلى الأرجح، لن نشهد حربًا شاملة، كما لن نعيش سلامًا مستقرًا. سنبقى في المنطقة الرمادية نفسها: لا حرب تُحسم، ولا سِلم يُبنى. إسرائيل تختبر وتضغط، حزب الله "يضبط ويتريّث"، ولبنان يدفع ثمن الانتظار. المسألة ليست ما إذا كان حزب الله يستطيع الرد أم لا، ولا ما إذا كانت إسرائيل ستصعّد اليوم أو غدًا. المسألة الأعمق هي: إلى متى يبقى قرار الحرب والسلم خارج إطار الدولة اللبنانية؟ فمن دون دولة قادرة، سيبقى لبنان معلّقًا بين حرب مؤجّلة وسِلمٍ هشّ، رهينة توازنات لا يملك التحكم بها، ومجتمعًا يتمنى فقط “ألا يحدث الأسوأ”، بدل أن يطمح إلى مستقبل آمن ومستقر.

2025... سنة مغربيّة بامتياز
بقلم
خيرالله خيرالله
نُشر

كانت السنة 2025 سنة مغربيّة بامتياز. كانت سنة انتصار المغرب في الحرب التي تعرّض لها طوال نصف قرن منذ استعاد، سلما، أقاليمه الصحراويّة من المستعمر الإسباني. لماذا كانت تلك الحرب؟ ولماذا استمرارها طوال نصف قرن؟ لماذا لم يستطع النظام في الجزائر الإعتراف يوما بأنّ حرب الإستنزاف التي شنّها على المغرب مستخدما أداة اسمها "بوليساريو" لم تكن سوى حرب مكشوفة سترتد عليه عاجلا أم آجلا؟ توجد مجموعة من الأسئلة تكشف، بين ما تكشف، صمود المغرب في وجه التحديات التي اجهها من جهة وأنّ قضيّة الصحراء كانت في كلّ وقت قضيّة وطنية تهمّ كلّ مواطن في الصميم المملكة من جهة أخرى. جاء انتصار المغرب، الذي كرسّته السنة 2025، بصفة كونها سنة مغربيّة، بشكل قرار صدر عن مجلس الأمن حمل الرقم 2797. أكّد القرار ما هو مؤكّد. أكّد "مغربية الصحراء" وسيادة المغرب عليها وأنّ مبادرة الحكم الذاتي التي طرحها الملك محمّد السادس في 2007 "في أساس" أي مفاوضات في شأن الصحراء. ركّز على أن الطرف الآخر في النزاع المفتعل هو الجزائر التي لم تعد تستطيع التلطي خلف "بوليساريو" بأي شكل على الرغم من كله المحاولات المبذولة للإعتراف بهذا الواقع . كان لدول الخليج العربي، منذ البداية، موقف واضح من قضيّة الصحراء ومن مغربيتها. جاءت القمة الأخيرة لدول مجلس التعاون لتثبيت الرابط بين الأمن العربي ومغربيّة الصحراء. أكّد البيان الصادر عن القمة التي انعقدت في المنامة "مغربية الصحراء ودعم مبادرة الحكم الذاتي لحل قضية الصحراء المغربية". رحب المجلس في بيانه الختامي، بقرار مجلس الأمن الرقم 2797، الصادر بتاريخ 31 تشرين الأوّل - أكتوبر 2025، باعتماد هذه المبادرة كـ"خطوة مهمة نحو التوصل إلى حل واقعي قابل للتطبيق". كما أشاد بقرار الملك محمد السادس، القاضي بتقديم هذه المبادرة إلى مجلس الأمن وجعل يوم 31 تشرين الأوّل - أكتوبر من كل سنة عيدا وطنيا تحت مسمى "عيد الوحدة". وقفت دول مجلس التعاون باكرا مع المغرب ومع قضيته الوطنيّة. يوجد شعور عميق في دول مجلس التعاون بأن وحدة التراب المغربي جزء لا يتجزّأ من الأمن العربي ككلّ، خصوصا أنّ كلّ المحاولات التي بذلت من أجل المس بمغربيّة الصحراء كانت تصبّ في اتجاه توفير مناخ مناسب لتكثيف نشاطات المنظمات الإرهابية والمتطرّفة بكل أشكالها في منطقة الساحل الممتدة من شواطئ موريتانيا إلى جنوب السودان. لم يكن البيان الأخير للقمة الخليجية الأول من نوعه. سبقته بيانات أخرى في الإتجاه ذاته، لكنّ اللافت في البيان إشارته إلى قرار مجلس الأمن 2797 وإلى اعتماد يوم صدور القرار عيدا وطنيّا مغربيا. يكرّس ذلك عمق العلاقة التي تربط المغرب بدول الخليج العربي ووعيا لأهمّية قطع الطريق على أي تنظيمات، بمن في ذلك "حزب الله" اللبناني المدعوم من إيران، في استخدام جبهة "بوليساريو". لم يكن سرّا تدريب عناصر من "بوليساريو" في لبنان وسوريا، على استخدام مسيّرات، في مرحلة ما قبل سقوط نظام بشّار الأسد وانهيار الحزب. لا يتعلّق الأمر بنجاحات حقّقها المغرب على كلّ صعيد منذ حصول "المسيرة الخضراء" في تشرين الثاني – نوفمبر 1975 فحسب، بل يتعلّق الأمر أيضا بوجود سياسة مغربيّة ثابتة ذات حلقات متماسكة. بدأت هذه السياسة بتحصين الصحراء عن طريق بناء سلسلة من الجدران والحواجز الطبيعية مكنت أهلها من العيش بأمان. توّجت هذه السياسة في 2025 بصدور القرار 2797 الذي لم تعترض عليه لا روسيا ولا الصين. يشير ذلك إلى شبكات العلاقات التي بناها محمّد السادس في العالم. لا تعتبر دول مثل روسيا والصين جمعيات خيريّة بمقدار ما أنّها دول تبحث عن مصالحها. ما كان لدولتين تمتلك كلّ منهما حق "الفيتو" في مجلس الأمن الإمتناع عن التصويت لولا وجود مصالح حقيقية لكلّ منهما في المغرب. استطاع المغرب جعل نفسه لاعبا على الصعيدين الإقليمي والدولي. كانت من بين أهمّ الخطوات التي أقدم عليها محمّد السادس تحقيق إختراقات إفريقية. لم يقتصر الأمر على الدول الإفريقية الفرنكفونية، بل إخترق المغرب دولا إفريقية ناطقة بالإنكليزية. لا يمكن الإستهانة بطبيعة الإستثمارات المغربية في القارة السمراء، وهي استثمارات قائمة على المنافع المتبادلة، بما في ذلك مصانع انتاج الأسمدة الكيميائية بفضل الفوسفات المغربي وبناء مدارس ومستشفيات ونشر الإسلام المعتدل. طوّر المغرب الصحراء كي تكون الواجهة الأطلسية لدول القارة السمراء. لا بدّ من الإشارة، في هذا المجال، إلى الدور الذي بات يلعبه ميناء الداخلة الذي يعدّ نفسه لدور كبير على صعيد الربط بين إفريقيا والقارة الأميركيّة. أكثر من ذلك لا يستطيع المراقب المحايد تفادي الإعتراف بأهمّية خط انابيب النفط والغاز الذي يجري بناؤه والذي يخترق دولا عدة انطلاقا من نيجيريا. يبقى السؤال الأساسي ما سرّ الإنتصار المغربي؟ السرّ في العلاقة بين العرش والشعب، وهي علاقة قائمة على الثقة المتبادلة التي سمحت للمغرب بالدفاع عن صحرائه من جهة ومتابعة البناء من جهة أخرى. بات المغرب يتمتع ببنية تحتية متقدمة، خصوصا في ما يتعلّق بشبكة السكة الحديد التي تربط بين المدن والمناطق المختلفة. المهمّ أن لا عقد في المغرب. هذا يعني أنّ لا عيب في الكلام العلني عن أي مشاكل يمكن أن تبرز، من نوع أزمة التعليم والطبابة وتتسبب باحتجاجات. كلّ ما في الأمر أن المغرب بلد متصالح مع نفسه. يمكنّه ذلك من مواجهة التحديات وبعضها تفرضه الطبيعة مثل الجفاف أو الهزات الأرضيّة. يحدث ذلك بعيدا عن الغوغاء والمزايدات. يحدث ذلك عن طريق متابعة مسيرة الإنماء والإعمار في بلد يمتلك رؤية واضحة، هي رؤية الملك محمّد السادس التي تقوم على الإستثمار في الإنسان المغربي الذي يبقى الثروة الحقيقية للبلد...

الآلهة تُفقد عقول من تريد هلاكهم!

من يصدق أن الطائفة الشيعية، وخاصة في الجنوب،قادرة على الصمود في وجه هذه الحرب الخبيثة الاستنزافية! يوماً بعد يوم، تتحدّاها الضربات الإسرائيلية، تستفزها للرد، وتفرض عليها وتيرة جهنمية. فإذا كان ضبط النفس في البداية دليلاً على التحكم والسيطرة، فلم يعد الأمر كذلك اليوم. ولم يعد حزب الله قادراً على الادعاء أنه يمارس التماسك بعد عام كامل من الاستفزاز. ومن هنا السؤال: هل سيختار أخيراً طريق المواجهة أم سيُذعن لمتطلبات نزع السلاح؟ هل ستنتصر مثابرة الجيش الإسرائيلي على صبر المدنيين الأسطوري؟ إلّا أن التململ يتصاعد داخل مجتمع شيعي محتقن. وقد بلغ الاحتقان ذروته، ولم تعد هذه الطائفة ترى أي مخرج من هذا الصراع، ولا حتى أي فائدة منه. ومن ذا الذي يكون قادراً على خداعها بعدما أصبحت الحقيقة جلية: فغداة السابع من تشرين الأول، جرى التضحية بها على مذبح فلسطين، وها هي اليوم، بعد عام، مطالَبة بأن تُقدّم نفسها قرباناً على مذبح النووي الإيراني. سيتعين على حزب الله أن يفسر موقفه لأبناء بيئته الذين لم يتخلوا عنه في الساعات العصيبة. سيُحاسَب عاجلاً أم آجلاً. فبقبوله شروط وقف إطلاق النار، يكون قد تراجع إلى الخلف. ولم يعد بمقدوره ا لادعاء المقاومة ما دام في حالة انكماش وتراجع "من اجل حفنة من الدولارات" هذه الحرب منخفضة الوتيرة، إنما طويلة الأمد رغم ذلك. إنها مرهقة على الأقل بالنسبة لصحة المدنيين النفسية. حيرة وقلق لدى الجميع إزاء اختلال ميزان المواجهة! إنها أشبه بصيد الطيور الاصطناعية حيث لا يخاطر المعتدي بشيء، فيما الضحايا يسقطون بوتيرة منتظمة، وخطوط التواصل في الجنوب شبه مشلولة بفعل التهديد الآتي من الأجواء. أتعتقدون أن هناك من سيواصل طويلاً الانضمام إلى ساحات الموت«من أجل حفنة من الدولارات» في آخر كل شهر؟ لأن هذا بالتحديد ما يحدث. فإسرائيل تستطيع ضرب لبنان دون الخشية من رد مماثل على نهاريا أو المطلة أو كريات شمونة. وبهذا المعنى، فإن حزب الله، بنفسه، يضمن للعدو الإفلات من العقاب، بينما هو بالذات يرسل مقاتليه إلى موت شبه محتوم في مناطق بالغة الخطورة. وكل ذلك بذريعة إعادة بناء ترسانته وقدراته القتالية! متى يأتي المساء الكبير؟ لا يمكن لهذا الوضع أن يستمر. فالتململ والاعتراض داخل البيئة الشيعية بدأا يطفوان إعلامياً. إسماعيل النجار، اليوتيوبر المعروف بخطاباته النارية، صرخ مؤخراً: ماذا ينتظر الحزب ليلتقط القفاز الذي رمتْه إسرائيل بوجهه؟ إذا تراجع مجدداً عن المواجهة، فلن يبقى لنا سوى «قراءة الفاتحة عليه». بمعنى آخر: انتهت شعبيته. وفي اندفاعه وتهوره. يتابع قائلاً: لقد بلغنا حداً عظيماً من الإهانة! فليكن إذن الاشتعال العام والنهاية الكارثية. فليأتِ إذن «غروب الآلهة»، ولتجتاح النار المنطقة بأسرها! والحق يقال ، بأن بعض الذهنيات تميل إلى رؤيةٍ أبوكاليبسية لنهاية الزمن، رؤية تُسرّع ولادة عالم متجدد، وتطهيراً جماعياً يحمل وعد الخلاص. وهذا يمكن تصوره لدى المؤمنين بالفكر الألفي! لكن بما أننا أبناء وطن واحد، ونشترك إلى حد ما في المصير اللبناني نفسه، اسمحوا لنا أن نتدخل قليلاً: نحن لم نوقع عقداً فاوستياً مع مفستوفيلس، ولا مع حرس ثوري ولا حوثي من اليمن فبالله عليكم، لا تجرّونا معكم إلى الهاوية!

الذكاء الاصطناعي: الثورة التكنولوجية التي قادت الأسواق في عام  ٢٠٢٥ (٢/٣)

لم تشكل أي قوة مسار الأسواق المالية في عام 2025 بشكل حاسم مثل الذكاء الاصطناعي. لقد أصبح الذكاء الاصطناعي السرد المهيمن الذي يسمح للمستثمرين بتبرير التقييمات العالية، والتركيز الشديد، وزيادة المخاطرة. لقد قدم رؤية للمستقبل قوية بما يكفي لتحييد المخاوف المتعلقة بتباطؤ النمو، وتزايد الديون، والتجزئة الجيوسياسية. من حيث الجوهر، يشكل الذكاء الاصطناعي ثورة تكنولوجية حقيقية - قفزة إنتاجية تضاهي الكهرباء أو الإنترنت - وهو يحول بالفعل قطاعات بأكملها. لكن الأسواق المالية لا تقدر الفوائد المجتمعية طويلة المدى؛ إنها تقدر الحقائق الاقتصادية الجزئية: التدفقات النقدية للشركات، والكثافة الرأسمالية، والاستدامة. وهنا ظهر تباين متزايد. في عام 2025، كان النظام البيئي للذكاء الاصطناعي يُعرف بالإنفاق الرأسمالي أكثر بكثير مما يُعرف بالأرباح. تطلب تدريب النماذج على نطاق واسع، وبناء مراكز البيانات، وتأمين الرقائق المتقدمة، وتشغيل البنى التحتية كثيفة الاستهلاك للطاقة، استثمارات بحجم نادرًا ما يُلاحظ خارج الصناعات الثقيلة أو برامج البنية التحتية الوطنية. وقد نتج عن ذلك انفجار غير مسبوق في الإنفاق الرأسمالي لدى الشركات العملاقة ومقدمي منصات الذكاء الاصطناعي. إن الصعود الصاروخي لشركة NVIDIA - العمود الفقري المادي الذي لا جدال فيه لازدهار الذكاء الاصطناعي - نحو تقييم يقارب 5 تريليونات دولار لم يعكس القيادة التكنولوجية فحسب، بل عكس أيضًا سباقًا عالميًا للاستثمار. تسارعت الشركات والحكومات لتأمين قدرات الحوسبة، وغالبًا ما كانت تلتزم بالرأسمال قبل أن يتم إثبات الطلب النهائي بوقت طويل. وبالنسبة للكثيرين، كانت هذه الاستثمارات تتعلق بالتموضع الاستراتيجي أكثر من العوائد الفورية: الشراء اليوم حتى لا تتخلف عن الركب غدًا. مع تقدم العام، بدأت الأسواق تتساءل عن استدامة دورة الاستثمار هذه - والأكثر من ذلك، عن الطبيعة الدائرية لتمويلها. ما تم تجاهله إلى حد كبير، في المقابل، كان مسألة الربحية النهائية. كانت التقييمات تدمج بشكل متزايد مستقبلًا من النمو المفرط المدعوم، دون قلق حقيقي بشأن العائد على رأس المال المستثمر أو مخاطر التشبع. وتشير البيانات الأولية الآن إلى أن جزءًا صغيرًا فقط من المشاريع المتعلقة بالذكاء الاصطناعي سيحقق ربحية كبيرة، مما يلوح في الأفق باحتمال أن يتم في النهاية شطب ما يقرب من 1.5 تريليون دولار من الاستثمارات المخطط لها. لقد أوضح الملف المالي للقطاع هذا الخلل بشكل جلي. من المتوقع أن تحقق OpenAI، التي يُنظر إليها على نطاق واسع على أنها طليعة الثورة التكنولوجية للذكاء الاصطناعي، حوالي 19 مليار دولار من الإيرادات بينما تسجل ما يقرب من 13 مليار دولار من الخسائر - وهو مثال صارخ لتخلف تحقيق الدخل عن الاستثمار. بهذا المعنى، عمل الذكاء الاصطناعي في عام 2025 كنظام معتقد أكثر من كونه محرك نمو تقليدي. لقد سمح للمستثمرين بترشيد التقييمات المتطرفة والتركيز التاريخي. في نهاية العام، شكلت عشرة أسهم مبالغ في تقييمها بشكل كبير حوالي 45٪ من القيمة السوقية لمؤشر ناسداك 100 و 34٪ من مؤشر S&P 500 - وهو تكوين غير مستقر إذا لم تتحقق توقعات النمو.

المتحف الوطني في بيروت، شاهدٌ على الحرب

إن بقاء المتحف الوطني اللبناني معجزة. يقع المبنى على خط التماس الذي قسم العاصمة بين الأطراف المتحاربة، وقد تعرض لإطلاق النار والقصف. لكن المتحف الأثري الرئيسي في البلاد، الذي يضم مجموعات استثنائية تمتد من عصور ما قبل التاريخ إلى الفترة المملوكية، تمكن من النهوض من جديد مباشرة بعد الحرب. نشأة المتحف ولدت فكرة إنشاء المتحف في مطلع القرن العشرين بهدف عرض مجموعة الضابط الفرنسي Raymond Weill، الذي كان متمركزاً في لبنان. شُيّد المبنى بين عامي 1930 و1937 خلال فترة الانتداب الفرنسي، بفضل لجنة «أصدقاء المتحف» برئاسة بشارة الخوري، الذي كان في ذلك الحين رئيساً للحكومة ووزيراً للتربية.. تم افتتاح المتحف رسمياً في 27 أيار عام 1942 وفق تصاميم المعماريين أنطوان نحاس و Pierre Leprince Ringuet ، بأسلوب معماري ضخم من الحجر الكلسي الأصفر المستوحى من الطراز الكلاسيكي القديم. المتحف خلال الحرب يقع المتحف الوطني في بيروت على ما كان يُعرف خلال الحرب اللبنانية بـ«خط التماس» في منطقة شهدت معارك عنيفة. فكان من الضروري آنذاك حماية المجموعات الثمينة من النهب والقصف. وقد تولى هذه المهمة الأمير موريس شهاب، الذي كان حينها مدير ومحافظ المتحف الوطني. فقام بنقل القطع الصغيرة القابلة للنقل الى خزنات حديدية محصّنة. أما القطع الضخمة، فقد غطاها بأكياس من الرمل، واقفل بعض القاعات بالاسمنة المصفح، كما قام بوضع بعض التحف الضخمة داخل الإسمنت المصفح. تُذكّرنا هذه المبادرة بما فعلهJacques Jaujard الذي انقذ التحف في متحف اللوفر (Louvre)خلال الحرب العالمية الثانية. وهذا ما يُثبت لنا أن تصميم رجلاً واحداً يستطيع تغيير مسار الأحداث مهما بدت حتمية. بعد انتهاء الحرب، أُطلقت عام 1993 حملة شاملة لإعادة تأهيل المتحف، لتُفتح أبوابه مجدداً عام 1997 بفضل دعم اشخاص شغوفين بالتراث، من بينهم منى الهراوي، زوجة رئيس الجمهورية آنذاك ورئيسة "المؤسسة الوطنية للتراث. ومنذ ذلك الحين، لم تتوقف عملية تحديث وتطوير المتحف. المجموعات والتحف النادرة يضم المتحف نحو مئة ألف قطعة أثرية، يُعرض منها حوالي 1300 قطعة مرتبة زمنياً من العصر الحجري القديم حتى الحقبة المملوكية. من أبرز الكنوز المعروضة تابوت «أحيرام» ملك جبيل، وهو تحفة فنية ونقشية تُعد من أقدم النصوص المعروفة بالأبجدية الفينيقية. من المجموعات اللافتة أيضاً مجموعة «فورد» التي تضم 31 تابوتاً فينيقياً ذات شكل إنساني، مصطفة كأنها “جيش من الأموات”، مستوحاة من النماذج المصرية واليونانية مع احتفاظها بالطابع الفينيقي المميز. اما مدخل القاعة الرئيسية، فتتصدره مجموعة من الفسيفساءُ الرومانية، اليونانية والبيزنطية الرائعة، التي تعرض بعضها لأضرار خلال الحرب لا تزال ظاهرة عليها حتى يومنا هذا. تجسد هذه الأعمال فن صنع الفسيفساء الذي كان مزدهراً في لبنان خلال العصور الرومانية والبيزنطية. تتنوع مواضيع الفسيفساء المعروضة بين الأساطير اليونانية والكتاب المقدس والمعتقدات الشعبية والفكر الفلسفي: نذكر منها على سبيل المثال فسيفساء «الحكماء السبعة» التي تظهر سبعة فلاسفة بينهم سقراط، وفسيفساء «الراعي الصالح»، و«اختطاف أوروبا على يد زيوس»، و «ولادة الإسكندر الكبير»... ارض لبنان غنية بالفسيفساء الجميلة، فقد كشفت الحفريات الأخيرة في وسط بيروت عن أكثر من ألف متر مربع من الفسيفساء الرائعة، قد يُخصص لها متحفاً في المستقبل. أما الطابق السفلي الذي أعيد ترميمه حديثاً، فقد كُرس للفن الجنائزي وللمعارض المتخصصة فالقبر بالنسبة للفينيقيين يشكل منزلاً أبدياً للمتوفى ووسيلة مادية لحفظ ذاكرة العائلة والسلالة الحاكمة. ويُكمل الطابقان العلويان القصة بعرض قطع أصغر مثل التماثيل والحلي والعملات والفخار التي تسلط الضوء على الحياة اليومية والاقتصاد والطقوس الدينية في مختلف العصور.. كما يحتوي المتحف على تماثيل نسائية صغيرة من الطين عثر على معظمها في معابد الإلهتين بعلت جبيل وعشتار. تجسد هذه التماثيل مفاهيم الجمال الانثوي المرتبطة بالخصوبة والمكانة الاجتماعية من خلال تفاصيل فاخرة مثل الحلي وتسريحات الشعر والثياب الفاخرة... فهي تظهر المرأة في اجمل مظهر لها واضعة إياها بمثابة الآلهة و مُشدّدتاً على كونها منبعاً للحياة والخصوبة. جسر بين الماضي والمستقبل على الرغم من أن المتحف الوطني في بيروت هو صرح للماضي وللذاكرة، إلا إنه في الوقت نفسه جسر عبور الى المستقبل. الدليل على ذلك «مركز نهّاد السعيد للثقافة»، وهو جناح جديد تابع للمتحف سنتطرق إليه في مقالنا القادم.