شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
صورة أ ف ب
عين على الحدث
صورة المؤلف
بقلم هشام دبسي
نُشر أكتوبر 10, 2026 - 16:38
I - “من عاصفة الحزم” إلى “فجر اليمن” ليست المسافة بين “عاصفة الحزم” و”فجر اليمن” مجرد أحد عشر عاماً من الحرب اليمنية، بل هي مسافة سياسية واستراتيجية تختصر إخفاقات متراكمة، وتبدلات في موازين القوى، وتحولات في موقع اليمن ضمن الصراع الإقليمي، وصولاً إلى لحظة بات فيها أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب جزءاً من حسابات الحرب ومآلاتها. حين أطلقت السعودية عملية “عاصفة الحزم” في آذار/مارس 2015، كان الهدف المعلن استعادة السلطة المعترف بها دولياً، ووقف تمدد الحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء وتقدمهم نحو عدن. بدا التدخل محاولة لمنع انهيار معادلة سياسية وأمنية ترى الرياض أن استمرارها ضروري لحماية حدودها الجنوبية ومنع تحوّل اليمن إلى قاعدة نفوذ معادية على الخاصرة الجنوبية للمملكة. لكن السنوات التالية أظهرت أن التفوق الجوي لا يكفي وحده لإنتاج سلطة سياسية مستقرة، وأن استعادة المواقع لا تعني بالضرورة استعادة الدولة، مثلما أن إضعاف الخصم عسكرياً لا يؤدي تلقائياً إلى تفكيك قدرته على إدارة الصراع. فقد بقي الحوثيون قوة مسيطرة على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن، فيما عانت القوى المناهضة لهم من الانقسام وتعدد مراكز القرار، واستمرت الأزمة الإنسانية والاقتصادية في استنزاف المجتمع اليمني. لم تكن المشكلة في غياب القوة العسكرية وحدها، بل في الفجوة بين أهداف الحرب المعلنة والقدرة على تحويل نتائجها الميدانية إلى تسوية سياسية قابلة للحياة. وهنا يكمن أحد أهم دروس التجربة السابقة: لا يمكن بناء الدولة بمجرد استعادة الأرض، إذا بقيت السلطة موزعة بين قوى متنافسة، وظلت المؤسسات رهينة الولاءات العسكرية والحسابات الإقليمية. ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة عملية “فجر اليمن”، التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية في تشرين الأول/أكتوبر 2026، بدعم سعودي، في ظل تصاعد المواجهة على الساحل الغربي ومناطق ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. من إدارة الحرب إلى تغيير شروطها ما يميز اللحظة الراهنة أن المعركة لم تعد محصورة في خطوط التماس داخل اليمن. فقد تداخلت الجبهة اليمنية مع أمن السعودية، ومصالح التجارة الدولية، والتنافس الإقليمي على الممرات البحرية. وبذلك، لم يعد باب المندب مجرد مضيق جغرافي تطل عليه السواحل اليمنية، بل أصبح نقطة ارتكاز في معادلة أمنية واقتصادية تتجاوز اليمن نفسه. من هنا يمكن فهم انتقال مركز الثقل إلى الساحل الغربي والمناطق المحيطة بالمضيق. فاستعادة هذه المواقع لا تعني فقط تقليص مساحة سيطرة الحوثيين، بل تستهدف أيضاً الحد من قدرتهم على استخدام الجغرافيا اليمنية ورقة ضغط على السعودية والملاحة الدولية. غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تريد الرياض استعادة المواقع الاستراتيجية وتأمين حدودها وممراتها البحرية، أم أنها تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى اليمني بما يتيح لها فرض تسوية سياسية بشروط مختلفة؟ قد تجتمع الأهداف الثلاثة في استراتيجية واحدة، لكن لكل منها متطلبات مختلفة. فتأمين مضيق بحري يمكن أن يتحقق بعملية عسكرية محدودة نسبياً، أما إنهاء السيطرة الحوثية على صنعاء فيحتاج إلى حملة أوسع وأكثر تعقيداً، في حين يتطلب بناء تسوية مستقرة معالجة الانقسامات اليمنية، وليس الاكتفاء بتغيير خطوط السيطرة. وهذا هو الاختبار الحقيقي لـ«فجر اليمن»: هل تنجح في الربط بين القوة العسكرية والشرعية السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، أم تتكرر الفجوة التي طبعت سنوات الحرب السابقة؟ باب المندب: الجغرافيا التي غيّرت حسابات الحرب تُظهر تطورات المواجهة أن السيطرة على الساحل الغربي أصبحت محوراً أساسياً في المعركة. لكن الإعلان عن استعادة مواقع استراتيجية لا يحسم وحده حقيقة السيطرة الميدانية، ولا يضمن القدرة على الاحتفاظ بها. فالمواقع الساحلية تحتاج إلى قوة قادرة على حماية خطوط الإمداد ومنع الخصم من العودة إليها أو تهديدها من جبهات أخرى. وقد أظهرت الهجمات المتبادلة على المنشآت السعودية أن المواجهة لا تجري في اتجاه واحد. فكلما ارتفعت قيمة الأهداف العسكرية والاقتصادية، ازدادت احتمالات الرد عليها في جغرافيا أوسع. وقد تتحول المعركة من محاولة لتأمين الملاحة إلى مواجهة استنزاف متبادل، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاقتصاد والطيران والطاقة. لذلك، لا يتعلق السؤال فقط بمن يسيطر على باب المندب في لحظة معينة، بل بمن يمتلك القدرة على تأمينه بصورة مستدامة، ومن يستطيع منع استخدامه أداة للضغط السياسي والعسكري. الحوثيون ومعضلة القوة المقابلة لا يمكن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم قوة تنتهي بمجرد خسارة بعض المواقع. فقد راكموا خلال سنوات الحرب خبرة قتالية وتنظيمية، واستفادوا من سيطرتهم على مؤسسات ومناطق واسعة، وطوّروا أدوات للضغط تتجاوز الجبهات البرية. كما أن علاقتهم بإيران تضيف بعداً إقليمياً إلى المواجهة، وإن كان من الخطأ اختزال الحركة اليمنية كلها في هذه العلاقة وتجاهل جذورها المحلية. إن التحدي الذي تواجهه القوات الحكومية لا يتمثل في التقدم نحو مواقع محددة فحسب، بل في تحويل التقدم إلى تغيير مستدام في ميزان القوى. وهذا يتطلب تنسيقاً بين التشكيلات العسكرية، وتوحيداً للقرار، وإدارة سياسية للمناطق المستعادة، ومعالجة المصالح المحلية التي تؤثر في استمرار القتال أو توقفه. وهنا تظهر معضلة القوى المناهضة للحوثيين. فالحكومة ومجلس القيادة الرئاسي ليسا وحدهما طرفي المشهد؛ إذ توجد قوى جنوبية لها مشروعها السياسي الخاص، وتشكيلات عسكرية ذات قواعد ومصالح مختلفة، وقوى محلية في الساحل الغربي ومأرب وتعز. وقد تتفق هذه الأطراف على مواجهة الحوثيين، لكنها لا تتفق بالضرورة على شكل الدولة المقبلة أو توزيع السلطة والثروة فيها. إن توحيد هذه القوى ليس مسألة تنظيمية ثانوية، بل شرط سياسي وعسكري لأي تحول طويل الأمد. فالتقدم الميداني الذي لا يستند إلى توافق على إدارة المناطق المستعادة قد يفتح نزاعات جديدة، ويعيد إنتاج الانقسام تحت عناوين مختلفة. الدرس الذي لم تُنْهِه عاصفة الحزم لقد أثبتت التجربة أن الحرب اليمنية لا تُختصر في مواجهة بين السعودية والحوثيين، ولا في صراع بين نفوذ عربي وآخر إيراني. إنها أيضاً أزمة دولة، وانهيار انتقال سياسي، وتنافس على السلطة والموارد، وصراع بين تصورات مختلفة لمستقبل اليمن. ولهذا ينبغي ألا تقوم المقارنة بين “عاصفة الحزم” و”فجر اليمن” على حجم الغارات أو عدد المواقع المستعادة، بل على اختلاف الأهداف والظروف والقدرة على تحويل القوة إلى نتائج سياسية. فالتجربة الأولى لم تنجح في إنهاء الحرب أو إعادة بناء سلطة مركزية مستقرة، أما العملية الجديدة فتواجه اختباراً أشد تعقيداً: استعادة المبادرة في ظل انقسام يمني متراكم، وتهديدات عابرة للحدود، وممرات بحرية أصبحت جزءاً من حسابات الصراع الإقليمي. إذا كان “فجر اليمن” يمثل انعطافة فعلية، فلن يكون ذلك لأن عملية عسكرية بدأت أو لأن جبهة تقدمت، بل لأن ميزان القوى قد يتغير بطريقة تفتح باباً سياسياً لم يكن متاحاً من قبل. أما إذا بقيت الأهداف العسكرية منفصلة عن مشروع الدولة، فقد تنتهي الجولة الجديدة إلى تعديل خطوط المواجهة من دون تغيير طبيعة الأزمة. من هنا تبدأ الأسئلة الأصعب التي يتناولها الجزء الثاني: ما الذي تريده السعودية فعلياً من الحرب الجديدة؟ وما حدود الدور الإيراني؟ وهل تستطيع القوى اليمنية بناء شراكة سياسية تتجاوز خلافاتها؟ وأي مسار يمكن أن يقود إلى إنهاء الحرب، لا إلى تدويرها في جولة أخرى؟
دراسة
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو - نُشر أكتوبر 10, 2026 - 10:23
صورة للأخبار
تُظهر هذه اللقطة المأخوذة من فيديو نشره المركز الإعلامي لأنصار الله في 7 أكتوبر 2026، مقاتلًا تابعًا للسلطات الحوثية يطلق النار من رشاش أثناء تقدم ضد القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، في محافظة تعز، بحسب وسائل الإعلام الحوثية. (عبر وكالة فرانس برس)
I. الملخص التنفيذي أدّى انهيار هدنة عام 2022 إلى تحوّل الصراع اليمني إلى حرب تقليدية عالية الحدة. وتهدف «عملية فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والقوات المتحالفة معها بدعم من الرياض، إلى كسر التهديد الحوثي المزدوج، إذ تشكل الجماعة الحوثية المدعومة من إيران خطراً على الممر البحري لباب المندب والبحر الأحمر، وعلى المنشآت النفطية داخل اليمن نفسه، ولا سيما في مأرب، وفي المملكة العربية السعودية. بات هذا الصراع يتمحور حول ثلاث ديناميات رئيسية: تأمين الجناح الغربي (الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر)، وخنق المراكز الحضرية (تعز)، والتدويل المباشر للصراع عبر تفعيل تحالفات عسكرية مع أطراف ثالثة (تركيا وباكستان). II. تحليل المسرح العسكري الساحلي والمشهد الطبوغرافي تستند استراتيجية التحالف إلى نهج منهجي لاستعادة السيطرة على الممرات المائية الدولية وإحكام تأمينها. ويتمثل ذلك في تأمين مضيق باب المندب ومدينة المخا المينائية. وقد أمّنت القوات المشتركة الموالية للحكومة، وهي ألوية العمالقة ودرع الوطن ومقاومة تهامة، بالفعل مطار ذباب العسكري جنوب المخا، بما يتيح إمكانية فتح خط إمداد جوي، كما أمّنت مدينة المخا نفسها. الهدف المباشر هو حرمان الحوثيين من قواعد لإطلاق المسيّرات البحرية السطحية، أو ما يُعرف عسكرياً بالأجهزة المتفجرة البحرية المرتجلة (IMED)، ومن الألغام البحرية. وقد استُخدمت هذه الأجهزة سابقاً بصورة مدمرة في أوكرانيا وأغرقت سفناً بارزة في البحرية الروسية، كما استخدمها الأميركيون في إيران ضد الموانئ الإيرانية التي تؤوي الزوارق السريعة التابعة للجمهورية الإسلامية. يتخذ المشهد الطبوغرافي الشكل الآتي: محافظة تعز ساحلية وجبلية. تقع في جنوب غرب اليمن، وتضم مدينتي ذباب، التي يرتبط اسمها بباب المندب، والمخا. وتضم المحافظة قمماً عديدة، يشرف بعضها على السهل الساحلي الممتد من باب المندب إلى الحديدة، وهو ميناء بحري مهم لا يزال بيد الحوثيين، مروراً بذباب والمخا. وتكتسب المرتفعات المسيطرة في هذه المحافظة، ولا سيما مرتفعات حيفان وكهبوب، أهمية اليوم لأنها لا تشرف فقط على السهل الساحلي الغربي لليمن، بل أيضاً على خطوط إمداد القوات الحكومية الممتدة من عدن إلى باب المندب. عزّزت القوات الحكومية مواقعها في جبال المنظرة والعشاري وذيبان في قطاع حيفان، على ارتفاع يتراوح بين 1000 و1500 متر وعلى مسافة 50 إلى 60 كيلومتراً من الساحل، كما سيطرت خصوصاً على سلسلة جبل كهبوب الاستراتيجية، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من الساحل. وهذا يعني أن نشر مدفعية بعيدة المدى أو صواريخ تقليدية على هذا الجبل يجعل الساحل الشرقي ضمن مدى النيران، ما يصعّب على الحوثيين شن هجمات مضادة. فضلاً عن ذلك، فإن السيطرة على هذه القمم وعلى جبل زَلات، منذ 22 سبتمبر، تحرم الحوثيين من السيطرة النارية البصرية على الطريق الساحلي. كما تؤمّن الجناح الشرقي للمحور اللوجستي للتحالف، وهو شرط لا غنى عنه لمواصلة العمليات على المحور الساحلي الممتد من الجنوب إلى الشمال باتجاه الحديدة. أحد مقاتلي الحوثيين في مرتفعات تعز. يمكن وضع كل ما سبق في إطار التحضير لتشكيل قتالي هجومي ضد الحديدة. وهذا مطلب جيوسياسي تتقاطع بشأنه مصالح متعددة، ولا سيما مصالح أميركية وأوروبية وعربية وآسيوية وأفريقية. إن وجود ساحل شرقي للبحر الأحمر يضم ميناءً خاضعاً لسيطرة الحوثيين يشكّل ورقة بيد طهران ينبغي انتزاعها. وستكون العملية في الحديدة مكلفة، إذ يعزز الحوثيون دفاعاتهم جنوب المدينة وفي سهل تهامة المحيط بها، ما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إلى إصدار تحذير بإجلاء المدنيين. تنفذ القوات الموالية للحكومة مناورة كماشة انطلاقاً من عقد طرق، ولا سيما في حيس والخوخة. وقد قصفت البحرية السعودية بالفعل ميناء المدينة لتدمير مخزونات الألغام والطائرات المسيّرة البحرية. ومن المرجح أن تحظى القوات الموالية بدعم من الطيران السعودي، الأقوى في المنطقة، ولا سيما من الدعم الاستخباراتي للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) التي توفر معلومات استخباراتية تكتيكية في الوقت الفعلي. يجري إذن التحضير للهجوم على ميناء الحديدة. فأي تأخير في عملية الحديدة أو إلغاؤها سيمنح الحوثيين الوقت لإقامة منظومة دفاعية قتالية متينة، ويتيح لهم فرصة ضرب أهداف رخوة في عدن والسعودية، ولا سيما المطارات والمنشآت النفطية ومحطات تحلية مياه البحر. III. تأمين الداخل والمأزق الاستراتيجي: تعز ومأرب إذا تقدمت قوات التحالف على الساحل، فمن المؤكد أن الجبهات الداخلية ستتعرض لضغط هائل. تدافع عن مدينة تعز ما بين 15,000 و20,000 جندي من الجيش اليمني النظامي (الألوية 22 و17 و35)، تدعمهم مقاومة محلية وتعزيزات خارجية (درع الوطن والعمالقة). ويتمركزون بقوة في مرتفعات حضرية حول المدينة، ويبدون مقاومة شرسة للحوثيين. تمتلك هذه القوات مدفعية خفيفة وأنظمة حديثة مضادة للطائرات المسيّرة، كما أن قدرتها الدفاعية في القتال الحضري ممتازة. وتتعرض المدينة منذ بضعة أيام لحصار عملياتي كامل. وقد قطعت القوات الحوثية طريق هيجة العبد، وهو ممر جبلي يربطها بعدن، ما أدى إلى قطع شريان الإمداد بالكامل. يتلقى الحوثيون الذين يحاصرون المدينة إمدادات متواصلة من الشمال عبر محور صنعاء–ذمار–إب، الذي يتعرض باستمرار لضربات جوية سعودية ويمنية. وفي مواجهة هذا الوضع، يستخدم الحوثيون شبكات ثانوية من الوديان تتيح لهم الالتفاف على الحظر الجوي الذي يفرضه التحالف. وتحاول الحكومة فك الطوق عبر معارك عنيفة عند المعابر الجبلية التي لا يزال المتمردون يسيطرون عليها. تكتسب مأرب، الواقعة تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة في شمال شرقي اليمن، أهمية استراتيجية كبرى، إذ تضم المنطقة بنى تحتية نفطية وغازية تمثل الموارد الرئيسية للحكومة اليمنية. ويستهدف هجوم حكومي مزدوج في هذا القطاع جبهات رغوان (شمال جبهة مأرب) والمناطق الجنوبية لحماية هذه المنشآت، التي تعد أهدافاً رخوة ذات أولوية للهجمات الحوثية المضادة. الخسائر فادحة لدى الطرفين، ومن بينها جنرال موالٍ للحكومة. وإلى جانب ذلك، فتحت الحكومة محوراً هجومياً مباشراً نحو العاصمة صنعاء، وتتقدم شمالاً في حرض (حجة/صعدة) باتجاه معقل الحوثيين في حيدان. ومع ذلك، ينبغي توقع جمودٍ في المعارك وحرب استنزاف، لأن ميزان القوى البرية لا يزال يميل لمصلحة الحوثيين. وتتمثل قوة القوات الحكومية في التفوق الجوي والتكنولوجي بفضل السعوديين والأميركيين، بينما يتمتع الحوثيون، الذين يملكون أفضلية عددية، بقدرات كبيرة غير متماثلة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، إضافة إلى الصواريخ الباليستية التي لا يترددون في استخدامها ضد أهداف مدنية. IV. إعادة تشكيل التحالفات والامتداد الإقليمي يمثل تدويل الصراع منعطفًا جيوسياسيًا كبيرًا. ففي إطار ميثاق مكة، كانت إسلام آباد قد نشرت بالفعل قدرات عسكرية داعمة على الأراضي السعودية. ويؤمّن هذا الانتشار الدفاع عن المجال الجوي والاستطلاع والتنسيق التكنولوجي، بما يتيح للقوات السعودية التفرغ للعمليات الهجومية في اليمن. أما أنقرة فتنتظر الضوء الأخضر من برلمانها للقيام بذلك، ولا يزال نوع القوات التي ستُنشر غير معروف، إلا أنها ستشمل بالتأكيد تقنيات متقدمة. سحبت الإمارات العربية المتحدة رعايتها المباشرة في اليمن. وتعيد أبوظبي توجيه استراتيجيتها نحو السيطرة على البنى التحتية للموانئ في القرن الأفريقي، ولا سيما في صوماليلاند وإثيوبيا، وكذلك نحو قوات الدعم السريع في السودان... ومع ذلك، يحرص الأسطول الإماراتي على إبقاء ممر البحر الأحمر مفتوحًا رغم تناقضاته مع السعودية في القرن الأفريقي. ولذلك قد يمتد الصراع اليمني إلى الضفة الأفريقية. وتواصل إريتريا والسعودية دعمهما للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع. وبالتوازي مع ذلك، تراقب الرياض عن كثب مساعي إثيوبيا، المدعومة من الإمارات، للوصول إلى البحر الأحمر، لما قد تسببه من زعزعة استقرار حليفها الإريتري. خامسًا: الآفاق وتقييم المخاطر ينذر الصراع اليمني بأن يصبح بؤرة مواجهة متعددة الأطراف للسيطرة على الأمن البحري وتدفقات الطاقة العالمية. وبما أن تحقيق نصر سريع لأي من الطرفين أمر مستبعد، فإن السيناريو الأرجح هو حرب استنزاف عنيفة ومدمرة خلال الأشهر المقبلة.
ملخص اليوم

جائزة نوبل للسلام لإنقاذ القانون الدولي المهدد بالخطر

منحت الجائزة المرموقة للجنوب أفريقية نافي بيلاي، المدافعة الدؤوبة عن المظلومين
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 20:37
صورة للأخبار
تسلّمت نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 في قاعة المحكمة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ، جنوب ألمانيا، وهي القاعة نفسها التي شهدت محاكمات نورمبرغ ضد قادة ألمانيا النازية في عامي 1945 و1946…
يأتي منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي في سياق تشكيك متزايد في القانون الدولي، الذي أضعفته كثرة النزاعات والهجمات على المؤسسات المكلفة بإنفاذه. فمنذ عدة أشهر، تتوالى تقارير وتصريحات المنظمات الدولية للتحذير من الأخطار التي تهدد حقوق الإنسان وأسس النظام القانوني العالمي. ويجسّد هذا الوضع ردّ إسرائيل الغاضب على هذا التكريم، إلى جانب الهجوم الأميركي الجديد على المحكمة الجنائية الدولية. مُنحت جائزة نوبل للسلام يوم الجمعة للقاضية نافي بيلاي، وهي جنوب أفريقية تبلغ 85 عاماً كرّست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن القانون الدولي. وقد ترأست السيدة بيلاي، على وجه الخصوص، لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي اتهمت إسرائيل العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. طوال مسيرتها، ناضلت الجنوب أفريقية التي نشأت في ظل نظام الفصل العنصري ضد أبشع الفظائع، من رواندا إلى الشرق الأوسط. وقالت محذّرة يوم الجمعة، خلال مؤتمر صحافي عُقد في نورمبرغ في قاعة حوكم فيها كبار المسؤولين النازيين، وهي تهدي جائزة نوبل «إلى جميع الناجين من الجرائم الدولية»: «نمرّ بمرحلة يتعرض فيها القانون الدولي وحقوق الإنسان لهجمات سياسية كبيرة»… مدافعة لا تكلّ عن حقوق الإنسان السيدة بيلاي محامية من أصول هندية، أصبحت قاضية ثم مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2008-2014)، وتشتهر بقدرتها على التعامل مع أكثر الملفات صعوبة. قادتها مسيرتها من محاكم جنوب أفريقيا، حيث دافعت عن ناشطي مناهضة الفصل العنصري، إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، مروراً بالمحكمة الجنائية الدولية. مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا. اكتسبت شهرة عالمية بفضل انتقاداتها الحادة للقمع الذي مارسته عدة حكومات ضد التظاهرات الشعبية في العالم العربي، ولا سيما في ليبيا وسوريا. وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان الساحلية، وهي ابنة سائق حافلة وتنحدر من عائلة من أصول تاميلية، وقد سلكت مساراً استثنائياً. نشأت في حي فقير من هذه المدينة الساحلية، ودرست القانون ثم نالت درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية المرموقة. أصبحت أول امرأة ملوّنة تفتتح مكتب محاماة في إقليم كوازولو-ناتال، ودافعت بشراسة عن معارضي نظام الفصل العنصري. «البكاء أو القتال» بعد عام من انتخاب نيلسون مانديلا في 1994، أصبحت أول امرأة ملوّنة تُعيّن في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا. وفي العام نفسه، وبمساندة مانديلا، انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا. كانت من بين القضاة الذين أصدروا حكماً تاريخياً أفضى إلى الاعتراف بالاغتصاب بوصفه سلاحاً من أسلحة الإبادة الجماعية. وقالت السيدة بيلاي لوكالة فرانس برس في مقابلة عام 2023: «تعرضنا لأبشع الإهانات والتمييز العنصري، وأُسيئت معاملتنا وعوملنا كأننا لا شيء». ففي ظل الفصل العنصري، كان المجتمع الهندي يُصنّف مجموعةً عرقية منفصلة ويخضع لأشكال كثيرة من التمييز. وأكدت أن الخيار كان بسيطاً آنذاك: أن تكون «ضعيفاً وتبكي» أو أن «تقاتل في كل مباراة». وأضافت: «كنت دائماً أعرف من أنا وكيف أواجه كل أشكال التمييز، بأن أجرؤ على الكلام وأدينها. وهذا ما فعلته في الأمم المتحدة». إسرائيل تستحضر… غوبلز في سبتمبر/أيلول 2025، خلصت لجنة التحقيق التي ترأستها — والتي لا تتحدث باسم الأمم المتحدة — إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة منذ بداية الحرب التي أشعلها هجوم حماس غير المسبوق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت إسرائيل قد رفضت هذا التقرير رفضًا قاطعًا، واصفةً إياه بأنه «منحاز وكاذب»، ومتهمةً معدّيه بالتحيز المعادي للسامية. ملصقات في باريس. اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في ردّ نشرته الجمعة على منصة إكس، أن منح جائزة نوبل للسيدة بيلاي يضفي الشرعية على «الكراهية المعادية لإسرائيل»، مضيفةً أن جوزف غوبلز، رئيس الدعاية النازية، لا بد أنه «يصفق من الجحيم». وفي عام 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أيضًا مذكرات توقيف، لا تزال غير منفذة، بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وردًا على ذلك، كان دونالد ترامب قد فرض بالفعل عقوبات على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العام وأعضاء من طاقمها. وفي الشهر الماضي، ذهب أبعد من ذلك بدعوة الدول الأعضاء إلى الانسحاب من هذه المؤسسة، التي وصفها بأنها «خبيثة». «محكمة مارقة» والجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن جائزة نوبل، جدّدت الحكومة الأميركية إجراءاتها بإعلان عقوبات جديدة على المحكمة، مبررةً هذه الخطوات برغبتها في «الدفاع عن السيادة الأميركية». وشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن «هم يريدون مزيدًا من السلطة، ويريدونها على حسابنا»، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية في الوقت نفسه بأنها «محكمة مارقة». وأضاف: «نأمل أن يعمل حلفاؤنا على كبح جماح المحكمة. وإلا فإن الولايات المتحدة ستواصل تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنةً لبنة، إلى أن يصبح الأميركيون بمنأى عن التهديد». ورحّب بنيامين نتنياهو بالعقوبات الأميركية، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية بأنها «خطر مميت على الديمقراطيات التي تحترم سيادة القانون». وقال نتنياهو: «المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل كيان سياسي». وعلى منصة إكس، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السيدة بيلاي أيضًا بأنها شخصية «طائفية» «تشيطن اليهود».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
التدخل الأمريكي في فنزويلا: تأثير جيوسياسي متعدد الأوجه

كما في مسرحية. الفصل الأخير في فنزويلا... إدارة دونالد ترامب نفذت تهديداتها بالتدخل المباشر على الأراضي الفنزويلية ضد حكومة نيكولاس مادورو، فجر السبت 3 يناير 2026. تجدر الإشارة إلى أنه في الثالث من يناير/كانون الثاني أيضاً، اغتيل قاسم سليماني، قائد فيلق القدس (التابع للحرس الثوري الإسلامي)، في بغداد عام ٢٠٢٠، بأمر من الرئيس دونالد ترامب. وفي اليوم نفسه، استسلم رئيس بنما، مانويل نورييغا، للأمريكيين عقب التدخل الأمريكي في بنما. وبالعودة إلى عملية الثالث من يناير/كانون الثاني ٢٠٢٦، بالتوازي مع الغارات الجوية التي شنت بالقرب من المواقع العسكرية في العاصمة كراكاس ومناطق أخرى من الجمهورية البوليفارية، تم القبض على مادورو وزوجته من قبل وحدة من القوات الخاصة الأمريكية، وتم إجلاؤه إلى الولايات المتحدة، حيث يواجه اتهامات جنائية تتعلق بتهريب المخدرات. من الواضح أن هذه العملية العسكرية الأمريكية تقلب المشهد الجيوسياسي في أمريكا اللاتينية وعموم القارة الأمريكية، لكن تأثيرها يتجاوز هذا الجزء من العالم أيضًا. وبشكل أكثر تحديدًا، بالنسبة لشعوب دول المشرق والشرق الأوسط والخليج بشكل عام، يطرح سؤال جوهري على ضوء هذه الاضطرابات: هل سيكون لسقوط مادورو نتيجة لإضعاف نظام الملالي الإيراني، الذي يعاني بالفعل، بشكل أكبر، وخصوصًا في الأيام الأخيرة؟ تؤكد الإدارة الأمريكية بالفعل أن هناك روابط وثيقة أكثر من أي وقت مضى بين كراكاس وطهران. وستجد الجمهورية الإسلامية نفسها محرومة، نتيجة لذلك، من حليف ثمين في وقت تواجه فيه انتفاضة شعبية، وأزمة اجتماعية اقتصادية غير مسبوقة، وضغوطًا أمريكية متزايدة. يطرح تساؤل ثانٍ في هذا السياق بحدة على دول المشرق، وخاصة لبنان: هل ستساهم التغييرات في فنزويلا حقًا في تجفيف مصادر تمويل حزب الله بشكل أكبر، والذي تتهمه إدارة ترامب باستغلال ورقة نظام مادورو للانخراط في تهريب المخدرات على نطاق واسع وعمليات غسيل الأموال؟ بانتظار إجابات موثوقة على هذه التساؤلات، وبانتظار كذلك عناصر أكثر دقة تتعلق بتطورات الساعات الأخيرة وتداعياتها على المدى القصير في فنزويلا، تُطرح ثلاث أسئلة أخرى، لا تقل أهمية، حول ظروف وتأثير التدخل الأمريكي على المدى القصير. التساؤل الأول، وهو كبير: هل كان “خروج” مادورو نتيجة لمفاوضات؟ على الرغم من حالة الطوارئ وتصريحات المسؤولين الفنزويليين، الذين أكدوا صباح السبت أنهم لا يعرفون مكان الزعيم البوليفاري، إلا أن خيار الخروج المتفاوض عليه كان قد ذُكر من قبل وسائل الإعلام والمستشاريات الغربية لعدة أشهر. وفي حين تم تبرير التدخل الأمريكي في البحر الكاريبي منذ منتصف أغسطس بمكافحة تهريب المخدرات، فقد أحكم الخناق منذ البداية حول نيكولاس مادورو، الذي اتهمته واشنطن لعدة سنوات بقيادة ما يسمى بكارتل لوس سوليس (Cartel de Los Soles)، بالإضافة إلى وصفه بالرئيس غير الشرعي. كان نيكولاس مادورو قد دعا مرارًا إلى حوار مباشر مع ترامب، وزيارات حديثة لمسؤولين أمريكيين إلى بيلاروسيا كانت قد لمحت إلى إمكانية الهروب إلى مينسك. ما يعادل بشار الأسد في موسكو... هل هو اعتراف بالضعف؟ يبقى أن عملية من هذا النوع، مثل التي حدثت في 3 يناير، تتخذ شكل تسليم قسري غير مسبوق؛ وهو سيناريو لم يحدث في أمريكا اللاتينية منذ القبض على نورييغا في بنما عام 1990. تبقى فكرة الخروج المتفاوض عليه ليست جديدة، مع العلم أن نتيجة مثل هذه المفاوضات لا يمكن أن تكون إلا في غير صالح مادورو. لكن المفاوضات سمحت رغم ذلك بإنقاذ ماء الوجه بطريقة ما... دليل بلا شك على أن مادورو ربما يكون قد أدرك افتقاره للشرعية في مواجهة الأزمات التي كانت تعصف ببلاده منذ موجة القمع الكبيرة عام 2017. ماذا عن المستقبل القريب؟ المجهول الثاني، في الوقت الحالي: هل يجب أن نتوقع فراغًا في مستوى السلطة في فنزويلا؟ من الضروري الإشارة في هذا الصدد إلى أن المعارضة مجزأة في مواجهة التشافيزية. في عام 2017، كان خوان غوايدو هو مرشح الرئيس ترامب في ضوء المظاهرات غير المسبوقة التي هزت البلاد، مما أدى إلى واحدة من أكبر عمليات النزوح في العالم: وفقًا للأمم المتحدة، غادر أكثر من 8 ملايين فنزويلي البلاد منذ ذلك الحين. ومع ذلك، تم تهميش غوايدو في تقاعده المريح في فلوريدا. في أعقاب الانتخابات المتنازع عليها عام 2024، كان إدموندو غونزاليس أوروتيا قد أُعلن فائزًا، لكنه أُجبر على المنفى. على الرغم من وعود العودة، فإن ماريا كورينا ماتشادو، التي كرمت مؤخرًا بجائزة نوبل للسلام، هي التي حظيت بدعم واشنطن العلني. يكشف هذا التغيير في الشخصية الداخلية عن صعوبة الحفاظ على معارضة موحدة ومتماسكة، خاصة وأن توجيهات ماتشادو للتصويت لم تتبعها قاعدة المعارضة. هذا دون احتساب جزء من المجتمع الفنزويلي المؤيد لمثل التشافيزية والمعارض للحظر الأمريكي. هذا الجمهور، بغض النظر عن تقديره لمادورو من عدمه، يحافظ على دعم أيديولوجي - أكثر منه ملموس - للنظام القائم. من المناسب في هذا السياق تسليط الضوء على موقف الرئيس ترامب تجاه إيران - الحليف الأكبر لفنزويلا. من الواضح أن التدخل العنيف يوم السبت سيسهل الوصول إلى الموارد المعدنية والنفطية والغازية في فنزويلا، ولكنه يهدف أيضًا، وقبل كل شيء، إلى قطع الطريق على روسيا والصين والمحور الإيراني. يبقى أن نعرف ما إذا كانت الخلافات الداخلية في فنزويلا ستؤدي إلى فوضى قد تكون الولايات المتحدة قد استخفت بها. مكافحة تهريب المخدرات المجهول الأخير المطروح، في الختام: أي تأثير يجب أن نتوقعه على المستوى الإقليمي؟ إن الانتشار غير المسبوق للقوات الأمريكية، خاصة منذ 13 نوفمبر، تاريخ الانطلاق الرسمي لـ «عملية رمح الجنوب»، كان سببه المعلن هو مكافحة تهريب المخدرات. ومع ذلك، فإن فنزويلا، وفقًا لخبراء الأمم المتحدة، ليست الدولة الرئيسية المنتجة ولا الدولة الرئيسية لعبور الكوكايين. المركز الأول في هذا الصدد يعود إلى جارتها كولومبيا. وكولومبيا، التي يحكمها منذ عام 2023 الرئيس اليساري غوستافو بيترو، تشهد، تجدر الإشارة إلى ذلك، أسوأ العلاقات الثنائية في تاريخها مع الولايات المتحدة منذ عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض. من ملف الهجرة إلى حرب غزة، مروراً بمكافحة تهريب المخدرات، كل شيء تقريباً يعارض الزعيم الأمريكي الجنوبي دونالد ترامب. الرسوم الجمركية، قيود التأشيرات، التهديد بإنهاء تمويل الجيش الكولومبي، لا شيء ينجح... حتى الرئيس الكولومبي أُدرج في قائمة كلينتون الشهيرة لمكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC)، مما يضعه هو والعديد من المقربين منه تحت طائلة عقوبات الخزانة الأمريكية. السؤال المطروح، في ظل الوضع الراهن، هو معرفة ما إذا كان التصعيد الحالي يخصه أيضًا، قبل خمسة أشهر من الانتخابات الرئاسية في كولومبيا التي ستجرى في سياق غير مسبوق من التحول نحو اليمين، منذ عام 2022، للحكومات المنتخبة في دول هذا الجزء من العالم.

الاختراق والتغلغل أمسكا بخناقنا!

من قال إن حزب الله لا يتغذّى إلّا من المناوشات والصراعات المسلحة؟ منذ تسعينيات القرن الماضي وهو لا يتوقف عن “اللبننة”، أي عن تليين مواقفه واختيار طريق التسويات. على الأقل شكلياً، ولإخفاء الحقيقة ليس إلا! صحيح أنه في البدايات، أي عند تأسيسه، لم يُخفِ الحزب نواياه. فقد أعلن جهاراً أنه يعتزم إقامة نظام منسوخ حرفياً عن النموذج الخميني. وبناءً على ذلك، وضع نفسه خارج اللعبة السياسية الوطنية، تلك اللعبة “غير الجديرة” التي لا تصلح، في نظره، إلا للماكرين. لكنه ما لبث أن غيّر موقفه، فانطلق بذكاء في مشروع اختراق أجهزة الدولة اللبنانية. إلى درجة أنه في عام 2005 استحصل من الشيخ عفيف النابلسي على فتوى تبيح له المشاركة في الحكومة. وهكذا تحققت الشرعية الشكلية بعد مسار طويل. فابتلع أصحاب“النية الحسنة” والسذج الطُّعم؛ إذ رأوا أن التركيبة اللبنانية قد نجحت أخيراً في “استيعاب” حزب الثورة الإسلامية. وإعتقدوا أن هذا الأخير سيتلبنن، وسيتبنى عقليتنا النفعية الواقعية، تلك العقلية التجارية التي ورثناها من الفينيقيين. صحيح أن الحزب الإيراني خفّف من حدّة خطابه، لكن هؤلاء البسطاء والمتفائلون صرخوا بالنصر باكراً جداً. غير أن الواقع سرعان ما كذّبهم! فالمنصة الديمقراطية لم تكن لتستفيد في هذه اللعبة. فالحزب، وقد قرر ألا يبقى على الهامش، تسلل إلى الإدارة العامة ليخدم أهدافه، القريبة والبعيدة معاً. وبث فيها روحه المناضلة. وبما أن الدولة كانت قابلة للأخذ، فإن الثنائي الشيعي عمل على ترويضها من داخل مفاصلها! اختراق وتغلغل هذا الاندساس، وهو ممارسة ماركسية ـ لينينية تقليدية، يقوم على “إدخال أعضاء تنظيم نضالي بشكل منسّق إلى داخل تنظيم منافس، أو حتى إلى أجهزة الدولة البرجوازية نفسها”. وأي وسيلة أسهل من هذه للوصول إلى السلطة ثم التمكن منها. في حين كان السياق الإقليمي والداخلي مناسبين تماماً لهذه اللعبة المخادعة. وإذا كان “حزب الله” ولا يزال ممتناً للرئيس إميل لحود، فذلك لأن الحزب خلال عهده كان قد تمدّد في كل مستويات السلطة والإدارة. واثقة من الإفلات من العقاب، وتحت حماية رعاتهم، استقرت “البيادق” المتسللة أو “الخلايا النائمة” في الإدارات العامة، وصعدت في السلم الوظيفي. وفي إدارة الشؤون اليومية، لم تكن ولاءتها موضع شك: كانت تطيع تعليمات “ضباط ارتباطها” وتتواطأ معهم في تأمين الخروقات. مساوئ “المؤامرة” لقد تحولت قضية الانفجار المزدوج في المرفأ، في ذلك الرابع المشؤوم من آب، إلى الدليل الأمثل على مؤامرة على مستوى الوطن بأكمله. والدليل أننا لانزال حتى اليوم نطرح الأسئلة نفسها: كيف أمكن تخزين أطنان من المواد المتفجرة في قلب مدينة، من دون تلاعب على كل المستويات؟ لماذا بقيت كل التحذيرات من الخطر الداهم حبراً على ورق؟ كم من الجبن سجلنا، وكم من الاغتيالات بقيت من دون كشف؟ يا لها من إدارة عامة “نموذجية”! كم من أجهزة أغمضت عينيها: القضاء والجمارك والقوى الأمنية على حد سواء. وفوق ذلك كله، مؤامرة الصمت. مهمّة ناجحة أيّها السّادة في حزب الله: لقد أثمرت سياسة الاختراق التي انتهجتموها. فما من عملية تغلغل كشفت هذا القدر من التواطؤ!

المتاحف : الطريق الى ذاكرة الشعوب

في الشرق الأوسط، لا تُعَدُّ المتاحف مجرّد أُطرٍ حجرية لروائعَ فنية مهدَّدة بالزوال، بل هي تشكل مساحات تُعاد فيها كتابة الذاكرة، وتتشكل فيها الهوية، وتُمارَس من خلالها القوة الناعمة في العلاقاتُ بين الدول. فبعض بلدان المشرق، مهد أعرق الحضارات القديمة، تعيش حالة من عدم الاستقرار بسبب الحروب والثورات وإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية في المنطقة. في هذه البلدان، تتحول كلُّ واجهة عرضٍ في متحف، وكلُّ قطعةٍ أُعيد ترميمها، إلى موقف سياسيٍّ والى تجسيد لروح الصمود الوطني. فالمتاحف مدماك تتمسكُ به الشعوب الباحثة عن هويتها وعن قراءةٍ موحَّدةٍ لتاريخها. أمّا في دول الخليج، فالصورة مختلفة. فالفنّ عمومًا، والمتاحفُ خصوصًا، مؤتمنة على الذاكرة والتقاليد، لكنها أيضًا أدواتٌ للقوة الناعمة، وتُسهم في الارتقاء بنوعية وجودة حياة سكان هذه البلدان. ففي هذه الدول تعتبر الثقافة ركيزةً أساسيةً لمسار التطوّر ولمستقبل ورخاء شعوبها. وهذا ما يفسّر الغِنى بالمشاريع الثقافية و المتاحف الجديدة التي تعتمد أحدث التقنيات والتي تشجع على الابداع في كافة مجالات الثقافة والفن. إنّ هذه الرحلة عبر متاحف المشرق و الخليج العربي هي رحلةٌ مدهشة تمتدّ على سبعة آلاف عام من التاريخ، وجسر بين ماضٍ عريق ومستقبل مشرق ٍ يُبنى للمئة عام القادمة. لقد اخترنا بعضٍاً من هذه المتاحف التي تمثل في نظرنا افضل تمثيل للواقع المتحفي المعاصر. متحف بيروت الوطني منذ أيام، بدأنا رحلتنا من متحف بيروت الوطني ، الذي يجسّد في آن واحد ضعف وصلابة بلاد المشرق . فقد وُلد المتحف في أربعينيات القرن العشرين كمشروع لدولةٍ فتيةٍ مستقلة. لكنه ما لبث ان عانى من ويلات الحرب اللبنانية. ومع إعادة إعماره تدريجياِ في تسعينيات القرن الماضي، اصبح المتحف الوطني خير دليل على رغبة بلدٍ مفتت في التمسك بتاريخه وبضرورة اعتماد قراءة واحدة لهذا التاريخ. المتحف المصري الكبير اما في مصر، فالمتحف المصري الكبير صمم ليكون رمزًا لطموحٍ دولةٍ تسعى إلى إبراز قوتها عبر تراثها. فهو أحد أكبر المتاحف الأثرية في العالم، وصرحا يليق بالأهرامات المجاورة ومشروعًا يجسد الإشعاع الثقافي والسياحي في مصر. وراء الواجهات المهيبة للمتحف الكبير، تراهن الدولة المصرية على سبعة آلاف سنة من التاريخ لدعم قطاعي السياحة والاقتصاد. المتحف العراقي اما المتحف العراقي فقصته هي قصة تراثٍ اختطفته الحروبُ والنهبُ المنظّم. فهو يجسّد مأساةَ الذاكرة العراقية المنهوبة، وإصرارَ وتصميم حفنة من عشاق التراث والتاريخ على إعادة جمع كنوزِه المبعثرة في الأسواق السوداء العالمية، والمجموعات الخاصة، ومستودعات المتاحف الغربية. Le Louvre Abu Dhabi أمّا في دول الخليج، فالمشهد مختلف. المتاحف هناك، رغم كونها حارساً اميناً للذاكرة والتراث، الا انها جزءٌ من استراتيجيةٍ ثقافيةٍ تجعل من منطقة الخليج مختبرًا جديدًا للدبلوماسية الثقافية والفنية، ومساحة للحوار بين الحضارات، ولتنافسٍ رمزيٍّ يخدم في النهاية رفاهيةَ مواطنيها ويحسن نوعية حياتهم. من أبرز الأمثلة على هذا الواقع متحف اللوفر أبوظبي في الإمارات العربية المتحدة. فمن خلال استقدام اسمٍ متحفيٍّ عالميٍّ مثل Louvre وإنشاء مؤسساتٍ ثقافيةٍ مميزة لدعم الثقافة والفن، رسّخت دول الخليج عموماً والإمارات خصوصًا موقعَها كجسرٍ فنيٍّ بين أوروبا وآسيا وأفريقيا. فدول الخليج تحاول خلق سردياتٍ فنية متقاطعةٍ وجديدة، وتحاول اعادة رسم مسارات تداول الأعمال الفنية فتشجع من اجل ذلك على الابتكار الفني الثقافي. فهذه الدول تطمح للدخول في منافسة فنية وثقافية مع العواصم الثقافية والفنية التقليدية العالمية والمحلية على حد سواء خلال هذه الرحلة بين متاحف دول المشرق والخليج العربي، ندعو القارئ إلى قراءة قصة هذه المتاحف الخمسة كما لو انها مخطوطات قديمة يكتشف من خلال صفحاتها تاريخ وفكر وفن واقتصاد هذه البلدان صفحة تلو الاخرى. فكلُّ متحف وكل مؤسسةٍ تعبّر، على طريقتها الخاصة، عن نظرة شعوب المنطقة إلى ذاتها، وتروي قصتها وتاريخها، وتستشرف من خلالها مستقبلها. المقال التالي: جناح نهاد السعيد للثقافة اقرأ في الموضوع نفسه المتحف الوطني في بيروت، رغم كل الصعاب

كيف يُعاد تعريف السيطرة في الشرق الأوسط؟

من الخطأ الفادح مقاربة التوسّع الأميركي والتوسّع الإسرائيلي بالمنظار نفسه، رغم ما يبدو من تلاقٍ ظرفي بين المشروعين في لحظات إقليمية مفصلية. فالخلط بينهما لا يحجب فقط الفوارق البنيوية في الجوهر، بل يُضلّل في فهم طبيعة الصراعات الدائرة اليوم، وأشكال السيطرة التي باتت تُمارَس باسم الأمن أو الردع أو «الاستقرار». التوسّع، بوصفه مفهومًا سياسيًا–استراتيجيًا، ليس واحدًا في الدوافع ولا في الأدوات، حتى عندما يفضي إلى نتائج متشابهة. وما يجمع الولايات المتحدة وإسرائيل اليوم ليس وحدة المشروع، بل تقاطع المصالح، ووحدة بعض الأدوات، في لحظة انتقالية يُعاد فيها تعريف معنى السيطرة والنفوذ. أولًا: التوسّع الأميركي… إمبراطورية بلا خرائط تاريخيًا، لم يكن التوسّع الأميركي توسّعًا جغرافيًا بالمعنى الكلاسيكي الذي عرفته الإمبراطوريات القديمة أو الاستعمار الأوروبي. الولايات المتحدة، منذ الحرب العالمية الثانية، بنت نفوذها العالمي على قاعدة مختلفة: السيطرة الاقتصادية والتجارية بوصفها جوهر القوة، والقوة العسكرية كأداة حماية لهذا النفوذ لا كهدف بحدّ ذاته. واشنطن لا تبحث عن أرضٍ تضمّها، ولا عن أعلام ترفعها فوق الجغرافيا. ما تريده هو: • فتح الأسواق وربطها بالاقتصاد الأميركي، • حماية طرق الإمداد والطاقة، • فرض قواعد النظام المالي العالمي، • والتحكّم بسلاسل التوريد والتكنولوجيا. بهذا المعنى، فإن التوسّع الأميركي هو توسّع في الفضاء الاقتصادي لا في الخرائط. دولة قد تكون «مستقلة» سياسيًا، لكنها خاضعة اقتصاديًا، مرتبطة بالدولار، أو مرهونة بالمؤسسات المالية الدولية، أو معتمدة على السوق الأميركية. هنا تتحقق السيطرة من دون احتلال، والنفوذ من دون إدارة مباشرة. حتى التدخل العسكري الأميركي، حين يحصل، غالبًا ما يُقدَّم بوصفه وسيلة لضمان هذا النظام: حماية حلفاء، منع انهيار أسواق، تأمين ممرات بحرية، أو احتواء قوى تهدّد التوازنات الاقتصادية العالمية. لذلك، تميل واشنطن في السنوات الأخيرة إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر، من دون التخلّي عن النفوذ، في انتقال واضح من «الحرب الصلبة» إلى «الإدارة الذكية للصراعات». ثانيًا: التوسّع الإسرائيلي… الأرض كهوية لا كأداة في المقابل، يقوم المشروع الإسرائيلي على منطق مختلف جذريًا. التوسّع الإسرائيلي توسّع أيديولوجي–تاريخي، حيث تشكّل الأرض جوهر المشروع الصهيوني، لا مجرّد وسيلة. من «أرض الميعاد» إلى عقيدة الحدود المتحرّكة، ظلت الجغرافيا عنصر الهوية والبقاء، لا مجرد مجال نفوذ. في هذا السياق، لا يمكن فصل التوسّع عن الرواية التأسيسية لإسرائيل، حيث تُقدَّم الأرض باعتبارها: • حقًا تاريخيًا، • وضمانة أمنية، • وشرطًا لوجود الدولة واستمرارها. لكن هذا المنطق، رغم رسوخه العقائدي، اصطدم بوقائع سياسية وديموغرافية وأمنية جعلت الاحتلال المباشر عبئًا أكثر منه مكسبًا. السيطرة البرّية الطويلة الأمد باتت مكلفة على أكثر من مستوى: • مقاومة دائمة تستنزف الجيش، • أعباء ديموغرافية تهدّد «يهودية الدولة»، • وضغط دولي متزايد يعمّق العزلة السياسية. من هنا، لم يتخلَّ المشروع الإسرائيلي عن التوسّع، بل أعاد تعريفه. ثالثًا: من الاحتلال إلى التحكّم… التوسّع بصيغته الجديدة في التحوّل الإسرائيلي الراهن، لم يعد التوسّع مرادفًا لضمّ الأرض أو إدارتها مباشرة. التوسّع اليوم يعني التحكّم بالأرض من دون احتلالها. أي إبقاؤها ضمن مجال السيطرة، لا ضمن حدود الدولة. هنا تبرز السيطرة الجوية والتفوّق التكنولوجي كأداة التوسّع الحديثة. فالسماء باتت البديل عن الأرض، والتكنولوجيا صارت بديلاً عن الإدارة المدنية والعسكرية المباشرة. هذا النموذج يقوم على عناصر واضحة: • سماء مفتوحة بلا ردع فعلي، • تفوّق استخباري وتقني يسمح بالمراقبة الدائمة، • قدرة على الضرب متى شاءت ومن حيث تشاء، • فرض معادلة سيادية منقوصة على الخصوم. في هذا النموذج، قد لا تكون الأرض محتلة رسميًا، لكنها عمليًا فاقدة للسيادة الكاملة. القرار الأمني، وحدود الحركة، وحتى الاستقرار اليومي، يبقى مرهونًا بإرادة القوة المسيطرة جوًا. رابعًا: وحدة الأدوات… لا وحدة المشروع هنا يلتقي المنطقان الأميركي والإسرائيلي مرحليًا، لا لأن المشروعين واحد، بل لأن أدوات السيطرة الحديثة باتت مشتركة. فالولايات المتحدة، التي تُدير توسّعها عبر الاقتصاد والأسواق، تجد في هذا النموذج الإسرائيلي وسيلة لضبط الإقليم من دون تورّط مباشر. واشنطن لا تمانع تفوّقًا جويًا إسرائيليًا طالما أنه: • يمنع الانفجار الإقليمي الكبير، • يضبط الخصوم عند حدود معينة، • ولا يجرّ الولايات المتحدة إلى حرب شاملة. في المقابل، تستفيد إسرائيل من هذا الغطاء الأميركي لتكريس نموذج السيطرة عن بُعد، حيث تحافظ على قدرتها الردعية من دون تحمّل أعباء الاحتلال المباشر. لكن هذا الالتقاء يبقى التقاء مصالح لا اندماج مشاريع. فحين تتعارض الحسابات الاقتصادية الأميركية مع الاندفاعات الأيديولوجية الإسرائيلية، تظهر التباينات بوضوح، كما في حدود الحرب، وتوقيت التصعيد، وإدارة الأزمات الكبرى. خامسًا: لبنان نموذجًا… السيادة تحت سقف السماء يظهر هذا التحوّل بأوضح صوره في الحالة اللبنانية. لبنان اليوم ليس دولة محتلة بالمعنى الكلاسيكي، لكنه أيضًا ليس دولة ذات سيادة مكتملة. فالانتهاك اليومي للأجواء، والقدرة الإسرائيلية على العمل الجوي والاستخباري من دون عوائق حقيقية، يضع البلد في قلب نموذج التوسّع الجديد. هنا لا حاجة لاحتلال الأرض: • السماء كافية، • والتكنولوجيا كافية، • ومعادلة الردع المختلّة كافية لفرض وقائع سياسية وأمنية. هذا هو التوسّع في صيغته المعاصرة: لا دبابات على الحدود، بل سيطرة فوقها؛ لا أعلام مرفوعة، بل قرار سيادي معلّق. السيطرة بأقل كلفة… أخطر أشكال التوسّع في النهاية، لا يمكن فهم التحولات الإقليمية من دون إدراك أن التوسّع لم يعد ما كان عليه. الأرض لم تعد شرط السيطرة، والاحتلال لم يعد الشكل الوحيد للهيمنة. نحن أمام مرحلة تُدار فيها الصراعات بأدوات أقل صخبًا، لكنها أكثر عمقًا وتأثيرًا. الولايات المتحدة تُدير توسّعها عبر الاقتصاد والتجارة، وإسرائيل تُدير توسّعها عبر الجو والتكنولوجيا، لكن الهدف المشترك واحد: السيطرة بأقل كلفة وأكبر نفوذ. وهنا تكمن خطورة المرحلة المقبلة، لأن هذا النوع من التوسّع أقل وضوحًا، أصعب مواجهة، وأكثر قدرة على الاستمرار… من دون أن يُسمّى باسمه الحقيقي.

المشهد اليمني يبرز تصاعد التوتر بين حلفاء الخليج

اليمن، الذي دمرته ما يقرب من عقد من الحرب الأهلية بين الحكومة المعترف بها دولياً والمتمردين الحوثيين المدعومين من إيران، يواجه الآن خط صدع جديد. لقد أدت المواجهة مع الانفصاليين الجنوبيين إلى قلب توازن الصراع ووضع حليفين إقليميين قديمين ضد بعضهما البعض: المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. تصاعدت التوترات في أوائل ديسمبر، عندما سيطر المجلس الانتقالي الجنوبي، وهو حركة انفصالية مدعومة من الإمارات العربية المتحدة ولكنها عضو رسمي في التحالف المناهض للحوثيين، على مناطق واسعة في شرق اليمن، مؤكداً سيطرته على محافظة حضرموت بالإضافة إلى جزء كبير من محافظة المهرة المجاورة. يوم الثلاثاء، شنت المملكة العربية السعودية غارة جوية استهدفت ميناء المكلا، شرق البلاد. اتهمت الرياض علناً أبوظبي بتبني سلوك «خطير للغاية» من خلال دعم الانفصاليين، مذكرة بأن أمنها القومي يشكل «خطاً أحمر». ثم انسحبت القوات الإماراتية من اليمن بعد إنذار سعودي. يريد المجلس الانتقالي الجنوبي إعادة تأسيس دولة مستقلة في جنوب اليمن، وهي المنطقة التي شكلت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية بين عامي 1967 و1990، قبل توحيدها مع الشمال. تتركز معظم حقول النفط اليمنية في حضرموت، وهي أكبر محافظة في البلاد، وتغطي ما يقرب من ثلث الأراضي الوطنية، وتعتبر مورداً رئيسياً للمالية العامة. لقد سمح تقدم المجلس الانتقالي الجنوبي للحركة بالوصول إلى الحدود السعودية، في منطقة ذات أهمية تاريخية ورمزية، حيث تنحدر منها العديد من العائلات السعودية الكبيرة والمؤثرة. آل بن لادن، وبخشب، والجفالي، والعمودي، والزامل، جميعهم من أصول «حضرمية» ولديهم شركات تحمل أسماءهم تلعب دوراً رئيسياً في الاقتصاد السعودي. مركبات عسكرية متضررة أُرسلت من قبل الإمارات العربية المتحدة لدعم القوات الانفصالية للمجلس الانتقالي الجنوبي، عقب غارة جوية نفذها التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية في ميناء المكلا، جنوب اليمن، بتاريخ 30 ديسمبر 2025. (الصورة: أ ف ب) بينما تقول الرياض إنها تفضل يمناً مستقراً وغير معادٍ على حدودها الجنوبية، فإن أبوظبي تدرج عملها ضمن استراتيجية إقليمية أوسع. تسعى الإمارات العربية المتحدة إلى تعزيز نفوذها في البحر الأحمر وفي القرن الأفريقي، بالاعتماد على شبكة من الحلفاء في جنوب اليمن. علاوة على ذلك، تتبع أبوظبي، منذ حوالي عشر سنوات، سياسة خارجية نشطة في الشرق الأوسط وأفريقيا، لا سيما لمواجهة الحركات المرتبطة بالإخوان المسلمين، التي تعتبرها السلطات الإماراتية تهديداً للاستقرار الإقليمي. أصبحت الإمارات العربية المتحدة، على وجه الخصوص، الداعم المالي الرئيسي لمصر منذ الإطاحة بالرئيس الإسلامي محمد مرسي عام 2013. وفي السودان، يعد دعمها لقوات الدعم السريع، المنخرطة في حرب ضد الجيش النظامي، سراً مكشوفاً. وفي ليبيا، تدعم أبوظبي المشير خليفة حفتر، المعارض لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً. في عام 2020، طبعت الإمارات العربية المتحدة علاقاتها مع إسرائيل في إطار اتفاقيات أبراهام، وهي مبادرة ترفض المملكة العربية السعودية الانضمام إليها ما دامت لا توجد آفاق لإنشاء دولة فلسطينية. يندرج هذا التطبيع ضمن تقارب استراتيجي في مواجهة خصوم مشتركين، لا سيما إيران وبعض الجماعات الإسلامية. علاوة على ذلك، عززت أبوظبي روابطها الاقتصادية والأمنية مع أرض الصومال، وهي منطقة أعلنت نفسها مستقلة عن الصومال. استثمرت مجموعة موانئ دبي العالمية 442 مليون دولار في ميناء بربرة، الواقع على خليج عدن. وفي الأسبوع الماضي، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً باستقلال أرض الصومال، وهو قرار ينسبه موقع أكسيوس، نقلاً عن مسؤولين إسرائيليين، إلى وساطة من الإمارات العربية المتحدة...

“منطقة ترامب الاقتصادية”: حلم السلام وهاجس المؤامرة

أثار اقتراح إنشاء منطقة اقتصادية في جنوب لبنان، الذي طرحه المبعوث الأمريكي توم باراك لأول مرة في أغسطس/آب 2025، صدمةً في البلاد. وتقوم فكرة مشروع "المنطقة الاقتصادية لترامب" على افتراض أن هذه المنطقة ستجذب الاستثمارات الأجنبية، وتموّل إعادة الإعمار، وبالتالي تضمن أمنًا مستدامًا. إلا أن أصواتًا عديدة حذرت من خطر تقويض سيادة الدولة اللبنانية من خلال إنشاء "محمية" إسرائيلية أمريكية في المنطقة الحدودية. ويُعدّ مشروع "المنطقة الاقتصادية لترامب" جزءًا من نهج تبنّاه الرئيس الأمريكي الحالي لحلّ النزاعات عبر التنمية الاقتصادية والتجارة. ويُعتبر هذا النهج أحد أركان الفكر الليبرالي في العلاقات الدولية. إذ تقوم نظرية "التجارة الناعمة" على فكرة أن التبادلات الاقتصادية بين الدول تُشكّل عاملًا أساسيًا للاستقرار السياسي والسلام. ومن خلال بناء علاقات تجارية متينة، تصبح الدول مترابطة، مما يقلل من دوافع اللجوء إلى الحرب. انتشرت هذه النظرية في القرن الثامن عشر على يد مونتسكيو، الذي كتب: "التجارة تُليّن وتُهذّب العادات الوحشية"، مؤكدًا أن التبادلات الاقتصادية تُحوّل ديناميكيات القوة إلى علاقات تعاونية. وقد طرح ترامب هذه الفكرة لغزة، من خلال "ريفييرا ترامب"، وكذلك لأوكرانيا، عبر تحويل دونباس إلى منطقة تجارة حرة تُفيد الروس والأوكرانيين على حد سواء. المنطق الشرطي بحسب فيليب سميث، الخبير الأمريكي في شؤون الشرق الأوسط الذي عمل في معهد واشنطن والمجلس الأطلسي، فإن المنطقة الاقتصادية تتجاوز الإطار السياسي البحت، وتستند إلى منطق شرطي واضح. ويؤكد سميث أن تطبيقها يتطلب مستوى عالٍ من التنظيم والتخطيط والتنسيق على أرض الواقع، وهي شروط أساسية لتخفيف المخاطر وجذب مستثمرين موثوقين. ويرى سميث أن هذا الشرط عاملٌ يدل على الجدية والجدوى، وليس عائقًا أمام التنمية. أشار باراك في أغسطس/آب 2025 إلى استعداد السعودية وقطر لاستثمار مليارات الدولارات في المنطقة الاقتصادية، وهو تصريح لم يُعلّق عليه المعنيون. الأمر المؤكد هو أن هذه الاستثمارات مشروطة بضمانات أمنية محددة، أبرزها نزع سلاح حزب الله. بل إن بعض المصادر تُشير إلى استثمارات محتملة تصل إلى 10 مليارات دولار في البنية التحتية والمناطق الصناعية ومشاريع خلق فرص العمل. إلا أن هذه المبالغ لا تزال بحاجة إلى تأكيد من خلال التزامات رسمية. ووفقًا لسميث، لا توجد أرقام محددة حتى الآن. وتُظهر هذه المؤشرات اهتمامًا حقيقيًا بدعم التنمية الاقتصادية لجنوب لبنان وتوفير فرص عمل للسكان المحليين. الخروج عن منطق المساعدات المؤقتة يُمكن لجنوب لبنان، بقاعدته الاقتصادية الرسمية المحدودة، أن يستفيد من آثار مضاعفة كبيرة: خلق فرص عمل، وتطوير البنية التحتية، وزيادة التجارة، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية. وبالتالي، يُمكن للمنطقة الاقتصادية أن تُطلق ديناميكية إعادة إعمار مستدامة، وأن تُعيد تدريجيًا الثقة الاقتصادية إلى هذه المنطقة الهشة، كما يقول سميث. يهدف هذا المشروع إلى تحويل منطقة عانت طويلاً من الصراع المسلح إلى فضاء منظم قادر على جذب رؤوس الأموال الإقليمية والدولية. وتسعى هذه المبادرة إلى تجاوز منطق المساعدات المؤقتة لصالح إعادة الإعمار القائمة على استثمارات طويلة الأجل. ويتمثل هدف هذه المنطقة في دمج جنوب لبنان بشكل أفضل في الديناميكيات الاقتصادية الإقليمية، والحد من تأثير الاعتبارات السياسية التي هيمنت لفترة طويلة على الأجندة المحلية. بالنسبة للبنان، فإن الرهان واضح: إما اغتنام هذه الفرصة للقيام بإعادة إعمار منظمة ومستدامة، أو السماح للعقبات الداخلية، التي تفاقمت بسبب معارضة حزب الله، بحرمان جنوب البلاد من آفاق تنموية من شأنها أن تعيد تشكيل مستقبله الاقتصادي والأمني. حالة من الفقر المدقع يضفي عمق الأزمة اللبنانية أهمية خاصة على هذا المشروع. فمنذ عام 2019، انكمش الناتج المحلي الإجمالي للبنان بنحو 40%، وفقًا للبنك الدولي. ويتفاقم هذا التراجع بسبب انخفاض قيمة الليرة اللبنانية بأكثر من 98% مقابل الدولار، مما أدى إلى تضخم مفرط وفقدان هائل للقوة الشرائية. في عام 2022، كان 44% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، أي ما يقارب 2.6 مليون شخص من أصل 5.8 مليون نسمة تقريباً. وقُدِّر معدل البطالة الإجمالي بنسبة 11.5%، ولكنه تجاوز 23.6% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، أثر بشكل خاص على جنوب البلاد. أدى تراكم الخسائر المالية، وتدمير البنية التحتية، وانسحاب الاستثمارات العامة إلى آثار بالغة على المنطقة مما يُبرز الحاجة المُلحة إلى تنمية اقتصادية هيكلية. اختبار سياسي بحسب سميث، يُمكن لمعارضة حزب الله أن تُعرقل تنفيذ المشروع. ويؤثر هذا المأزق بشكل مباشر على جاذبية المنطقة الاقتصادية من خلال زيادة تكلفة المخاطر بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتهدف المنطقة إلى تغيير هذه المعادلة من خلال إدخال مصالح اقتصادية ملموسة قادرة على تحويل الاستقرار إلى منفعة مشتركة بدلاً من كونه قيدًا مفروضًا من الخارج. ويُعدّ غياب تفويض لبناني واضح المعالم نقطة ضعف هيكلية، كما أنه يعكس محدودية قدرات الدولة. ويشير سميث إلى أن المشروع يُمثل اختبارًا سياسيًا للسلطات اللبنانية. ومن شأن مشاركة الدولة بشكل أكثر فاعلية أن تُحوّل هذه المبادرة الخارجية إلى مشروع وطني، وتُعزز الحوكمة الاقتصادية، وتُعيد تأكيد السلطة المؤسسية في منطقة تُهيمن عليها إلى حد كبير ديناميكيات قوى متوازية. لذا، تبقى معارضة حزب الله العقبة الرئيسية. فوجودها المسلح ونفوذها السياسي يُصعّبان تأمين المنطقة ويُثنيان الاستثمار الأجنبي. إن الشرط الذي وضعه مستثمرو الخليج - وهو تقليص النفوذ العسكري لحزب الله - يُبرز مدى اعتماد نجاح المشروع على ميزان القوى المحلي المتغير، وعلى استعداد الميليشيا الموالية لإيران للتكيف مع ديناميكية اقتصادية قد تُضعف نفوذها في جنوب البلاد. مخاوف على الجانب الآخر من الحدود، ستستفيد إسرائيل من إنشاء هذه المنطقة. فمن خلال تحويل المنطقة الحدودية إلى مركز اقتصادي، يُمكن للمشروع أن يُخفف التوترات ويُقلل الوجود العسكري لحزب الله، ويُتيح فرصًا للتعاون غير المباشر. ورغم أن لجنة آلية مراقبة وقف إطلاق النار لم تُدرس المشروع بعمق بعد، إلا أن هذه المشاورات الأولية تُشير إلى أن النهج الاقتصادي قد يفتح قنوات حوار جديدة بين بيروت وتل أبيب. وتُشير عدة أصوات مُنتقدة إلى نية إسرائيل المزعومة إنشاء منطقة عازلة أمنية منزوعة السلاح والسكان، على غرار تلك التي يُقال إنها تسعى إلى تطبيقها على طول حدودها السورية والفلسطينية. وتُشير تقارير غير مؤكدة إلى إنشاء محيطات أمنية واسعة. على الجانب الآخر من الحدود، من المتوقع أن تستفيد إسرائيل من إنشاء هذه المنطقة. في لبنان، تُؤجّج هذه التوقعات المخاوف من تحوّل ديموغرافي غير مباشر، يتمّ بموجبه تهجير السكان المحليين تدريجياً لإفساح المجال أمام نشاط اقتصادي خاضع لسيطرة خارجية. ووفقاً للمصادر نفسها، يكمن القلق الرئيسي في خطر أن تُرسّخ هذه الآلية تهجيراً قسرياً دائماً، لا سيما وأنّ النزوح مستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظلّ غياب أيّ استراتيجية واضحة المعالم لعودة النازحين وإعادة إعمار القرى المدمّرة. في الوقت الراهن، لا تزال خطة ترامب مجرّد إعلان - رسميّ بالتأكيد، لكنّه غامض ومؤقت. وتعكس الأهمية التي تُعطى لتصريحات باراك الضائقة الاقتصادية التي تُعاني منها البلاد، وفي الوقت نفسه، تُثير التوقّع التقليدي لدى اللبنانيين للحصول على مساعدات من الخارج.