شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
صورة أ ف ب
عين على الحدث
صورة المؤلف
بقلم هشام دبسي
نُشر أكتوبر 10, 2026 - 16:38
I - “من عاصفة الحزم” إلى “فجر اليمن” ليست المسافة بين “عاصفة الحزم” و”فجر اليمن” مجرد أحد عشر عاماً من الحرب اليمنية، بل هي مسافة سياسية واستراتيجية تختصر إخفاقات متراكمة، وتبدلات في موازين القوى، وتحولات في موقع اليمن ضمن الصراع الإقليمي، وصولاً إلى لحظة بات فيها أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب جزءاً من حسابات الحرب ومآلاتها. حين أطلقت السعودية عملية “عاصفة الحزم” في آذار/مارس 2015، كان الهدف المعلن استعادة السلطة المعترف بها دولياً، ووقف تمدد الحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء وتقدمهم نحو عدن. بدا التدخل محاولة لمنع انهيار معادلة سياسية وأمنية ترى الرياض أن استمرارها ضروري لحماية حدودها الجنوبية ومنع تحوّل اليمن إلى قاعدة نفوذ معادية على الخاصرة الجنوبية للمملكة. لكن السنوات التالية أظهرت أن التفوق الجوي لا يكفي وحده لإنتاج سلطة سياسية مستقرة، وأن استعادة المواقع لا تعني بالضرورة استعادة الدولة، مثلما أن إضعاف الخصم عسكرياً لا يؤدي تلقائياً إلى تفكيك قدرته على إدارة الصراع. فقد بقي الحوثيون قوة مسيطرة على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن، فيما عانت القوى المناهضة لهم من الانقسام وتعدد مراكز القرار، واستمرت الأزمة الإنسانية والاقتصادية في استنزاف المجتمع اليمني. لم تكن المشكلة في غياب القوة العسكرية وحدها، بل في الفجوة بين أهداف الحرب المعلنة والقدرة على تحويل نتائجها الميدانية إلى تسوية سياسية قابلة للحياة. وهنا يكمن أحد أهم دروس التجربة السابقة: لا يمكن بناء الدولة بمجرد استعادة الأرض، إذا بقيت السلطة موزعة بين قوى متنافسة، وظلت المؤسسات رهينة الولاءات العسكرية والحسابات الإقليمية. ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة عملية “فجر اليمن”، التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية في تشرين الأول/أكتوبر 2026، بدعم سعودي، في ظل تصاعد المواجهة على الساحل الغربي ومناطق ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. من إدارة الحرب إلى تغيير شروطها ما يميز اللحظة الراهنة أن المعركة لم تعد محصورة في خطوط التماس داخل اليمن. فقد تداخلت الجبهة اليمنية مع أمن السعودية، ومصالح التجارة الدولية، والتنافس الإقليمي على الممرات البحرية. وبذلك، لم يعد باب المندب مجرد مضيق جغرافي تطل عليه السواحل اليمنية، بل أصبح نقطة ارتكاز في معادلة أمنية واقتصادية تتجاوز اليمن نفسه. من هنا يمكن فهم انتقال مركز الثقل إلى الساحل الغربي والمناطق المحيطة بالمضيق. فاستعادة هذه المواقع لا تعني فقط تقليص مساحة سيطرة الحوثيين، بل تستهدف أيضاً الحد من قدرتهم على استخدام الجغرافيا اليمنية ورقة ضغط على السعودية والملاحة الدولية. غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تريد الرياض استعادة المواقع الاستراتيجية وتأمين حدودها وممراتها البحرية، أم أنها تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى اليمني بما يتيح لها فرض تسوية سياسية بشروط مختلفة؟ قد تجتمع الأهداف الثلاثة في استراتيجية واحدة، لكن لكل منها متطلبات مختلفة. فتأمين مضيق بحري يمكن أن يتحقق بعملية عسكرية محدودة نسبياً، أما إنهاء السيطرة الحوثية على صنعاء فيحتاج إلى حملة أوسع وأكثر تعقيداً، في حين يتطلب بناء تسوية مستقرة معالجة الانقسامات اليمنية، وليس الاكتفاء بتغيير خطوط السيطرة. وهذا هو الاختبار الحقيقي لـ«فجر اليمن»: هل تنجح في الربط بين القوة العسكرية والشرعية السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، أم تتكرر الفجوة التي طبعت سنوات الحرب السابقة؟ باب المندب: الجغرافيا التي غيّرت حسابات الحرب تُظهر تطورات المواجهة أن السيطرة على الساحل الغربي أصبحت محوراً أساسياً في المعركة. لكن الإعلان عن استعادة مواقع استراتيجية لا يحسم وحده حقيقة السيطرة الميدانية، ولا يضمن القدرة على الاحتفاظ بها. فالمواقع الساحلية تحتاج إلى قوة قادرة على حماية خطوط الإمداد ومنع الخصم من العودة إليها أو تهديدها من جبهات أخرى. وقد أظهرت الهجمات المتبادلة على المنشآت السعودية أن المواجهة لا تجري في اتجاه واحد. فكلما ارتفعت قيمة الأهداف العسكرية والاقتصادية، ازدادت احتمالات الرد عليها في جغرافيا أوسع. وقد تتحول المعركة من محاولة لتأمين الملاحة إلى مواجهة استنزاف متبادل، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاقتصاد والطيران والطاقة. لذلك، لا يتعلق السؤال فقط بمن يسيطر على باب المندب في لحظة معينة، بل بمن يمتلك القدرة على تأمينه بصورة مستدامة، ومن يستطيع منع استخدامه أداة للضغط السياسي والعسكري. الحوثيون ومعضلة القوة المقابلة لا يمكن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم قوة تنتهي بمجرد خسارة بعض المواقع. فقد راكموا خلال سنوات الحرب خبرة قتالية وتنظيمية، واستفادوا من سيطرتهم على مؤسسات ومناطق واسعة، وطوّروا أدوات للضغط تتجاوز الجبهات البرية. كما أن علاقتهم بإيران تضيف بعداً إقليمياً إلى المواجهة، وإن كان من الخطأ اختزال الحركة اليمنية كلها في هذه العلاقة وتجاهل جذورها المحلية. إن التحدي الذي تواجهه القوات الحكومية لا يتمثل في التقدم نحو مواقع محددة فحسب، بل في تحويل التقدم إلى تغيير مستدام في ميزان القوى. وهذا يتطلب تنسيقاً بين التشكيلات العسكرية، وتوحيداً للقرار، وإدارة سياسية للمناطق المستعادة، ومعالجة المصالح المحلية التي تؤثر في استمرار القتال أو توقفه. وهنا تظهر معضلة القوى المناهضة للحوثيين. فالحكومة ومجلس القيادة الرئاسي ليسا وحدهما طرفي المشهد؛ إذ توجد قوى جنوبية لها مشروعها السياسي الخاص، وتشكيلات عسكرية ذات قواعد ومصالح مختلفة، وقوى محلية في الساحل الغربي ومأرب وتعز. وقد تتفق هذه الأطراف على مواجهة الحوثيين، لكنها لا تتفق بالضرورة على شكل الدولة المقبلة أو توزيع السلطة والثروة فيها. إن توحيد هذه القوى ليس مسألة تنظيمية ثانوية، بل شرط سياسي وعسكري لأي تحول طويل الأمد. فالتقدم الميداني الذي لا يستند إلى توافق على إدارة المناطق المستعادة قد يفتح نزاعات جديدة، ويعيد إنتاج الانقسام تحت عناوين مختلفة. الدرس الذي لم تُنْهِه عاصفة الحزم لقد أثبتت التجربة أن الحرب اليمنية لا تُختصر في مواجهة بين السعودية والحوثيين، ولا في صراع بين نفوذ عربي وآخر إيراني. إنها أيضاً أزمة دولة، وانهيار انتقال سياسي، وتنافس على السلطة والموارد، وصراع بين تصورات مختلفة لمستقبل اليمن. ولهذا ينبغي ألا تقوم المقارنة بين “عاصفة الحزم” و”فجر اليمن” على حجم الغارات أو عدد المواقع المستعادة، بل على اختلاف الأهداف والظروف والقدرة على تحويل القوة إلى نتائج سياسية. فالتجربة الأولى لم تنجح في إنهاء الحرب أو إعادة بناء سلطة مركزية مستقرة، أما العملية الجديدة فتواجه اختباراً أشد تعقيداً: استعادة المبادرة في ظل انقسام يمني متراكم، وتهديدات عابرة للحدود، وممرات بحرية أصبحت جزءاً من حسابات الصراع الإقليمي. إذا كان “فجر اليمن” يمثل انعطافة فعلية، فلن يكون ذلك لأن عملية عسكرية بدأت أو لأن جبهة تقدمت، بل لأن ميزان القوى قد يتغير بطريقة تفتح باباً سياسياً لم يكن متاحاً من قبل. أما إذا بقيت الأهداف العسكرية منفصلة عن مشروع الدولة، فقد تنتهي الجولة الجديدة إلى تعديل خطوط المواجهة من دون تغيير طبيعة الأزمة. من هنا تبدأ الأسئلة الأصعب التي يتناولها الجزء الثاني: ما الذي تريده السعودية فعلياً من الحرب الجديدة؟ وما حدود الدور الإيراني؟ وهل تستطيع القوى اليمنية بناء شراكة سياسية تتجاوز خلافاتها؟ وأي مسار يمكن أن يقود إلى إنهاء الحرب، لا إلى تدويرها في جولة أخرى؟
دراسة
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو - نُشر أكتوبر 10, 2026 - 10:23
صورة للأخبار
تُظهر هذه اللقطة المأخوذة من فيديو نشره المركز الإعلامي لأنصار الله في 7 أكتوبر 2026، مقاتلًا تابعًا للسلطات الحوثية يطلق النار من رشاش أثناء تقدم ضد القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، في محافظة تعز، بحسب وسائل الإعلام الحوثية. (عبر وكالة فرانس برس)
I. الملخص التنفيذي أدّى انهيار هدنة عام 2022 إلى تحوّل الصراع اليمني إلى حرب تقليدية عالية الحدة. وتهدف «عملية فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والقوات المتحالفة معها بدعم من الرياض، إلى كسر التهديد الحوثي المزدوج، إذ تشكل الجماعة الحوثية المدعومة من إيران خطراً على الممر البحري لباب المندب والبحر الأحمر، وعلى المنشآت النفطية داخل اليمن نفسه، ولا سيما في مأرب، وفي المملكة العربية السعودية. بات هذا الصراع يتمحور حول ثلاث ديناميات رئيسية: تأمين الجناح الغربي (الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر)، وخنق المراكز الحضرية (تعز)، والتدويل المباشر للصراع عبر تفعيل تحالفات عسكرية مع أطراف ثالثة (تركيا وباكستان). II. تحليل المسرح العسكري الساحلي والمشهد الطبوغرافي تستند استراتيجية التحالف إلى نهج منهجي لاستعادة السيطرة على الممرات المائية الدولية وإحكام تأمينها. ويتمثل ذلك في تأمين مضيق باب المندب ومدينة المخا المينائية. وقد أمّنت القوات المشتركة الموالية للحكومة، وهي ألوية العمالقة ودرع الوطن ومقاومة تهامة، بالفعل مطار ذباب العسكري جنوب المخا، بما يتيح إمكانية فتح خط إمداد جوي، كما أمّنت مدينة المخا نفسها. الهدف المباشر هو حرمان الحوثيين من قواعد لإطلاق المسيّرات البحرية السطحية، أو ما يُعرف عسكرياً بالأجهزة المتفجرة البحرية المرتجلة (IMED)، ومن الألغام البحرية. وقد استُخدمت هذه الأجهزة سابقاً بصورة مدمرة في أوكرانيا وأغرقت سفناً بارزة في البحرية الروسية، كما استخدمها الأميركيون في إيران ضد الموانئ الإيرانية التي تؤوي الزوارق السريعة التابعة للجمهورية الإسلامية. يتخذ المشهد الطبوغرافي الشكل الآتي: محافظة تعز ساحلية وجبلية. تقع في جنوب غرب اليمن، وتضم مدينتي ذباب، التي يرتبط اسمها بباب المندب، والمخا. وتضم المحافظة قمماً عديدة، يشرف بعضها على السهل الساحلي الممتد من باب المندب إلى الحديدة، وهو ميناء بحري مهم لا يزال بيد الحوثيين، مروراً بذباب والمخا. وتكتسب المرتفعات المسيطرة في هذه المحافظة، ولا سيما مرتفعات حيفان وكهبوب، أهمية اليوم لأنها لا تشرف فقط على السهل الساحلي الغربي لليمن، بل أيضاً على خطوط إمداد القوات الحكومية الممتدة من عدن إلى باب المندب. عزّزت القوات الحكومية مواقعها في جبال المنظرة والعشاري وذيبان في قطاع حيفان، على ارتفاع يتراوح بين 1000 و1500 متر وعلى مسافة 50 إلى 60 كيلومتراً من الساحل، كما سيطرت خصوصاً على سلسلة جبل كهبوب الاستراتيجية، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من الساحل. وهذا يعني أن نشر مدفعية بعيدة المدى أو صواريخ تقليدية على هذا الجبل يجعل الساحل الشرقي ضمن مدى النيران، ما يصعّب على الحوثيين شن هجمات مضادة. فضلاً عن ذلك، فإن السيطرة على هذه القمم وعلى جبل زَلات، منذ 22 سبتمبر، تحرم الحوثيين من السيطرة النارية البصرية على الطريق الساحلي. كما تؤمّن الجناح الشرقي للمحور اللوجستي للتحالف، وهو شرط لا غنى عنه لمواصلة العمليات على المحور الساحلي الممتد من الجنوب إلى الشمال باتجاه الحديدة. أحد مقاتلي الحوثيين في مرتفعات تعز. يمكن وضع كل ما سبق في إطار التحضير لتشكيل قتالي هجومي ضد الحديدة. وهذا مطلب جيوسياسي تتقاطع بشأنه مصالح متعددة، ولا سيما مصالح أميركية وأوروبية وعربية وآسيوية وأفريقية. إن وجود ساحل شرقي للبحر الأحمر يضم ميناءً خاضعاً لسيطرة الحوثيين يشكّل ورقة بيد طهران ينبغي انتزاعها. وستكون العملية في الحديدة مكلفة، إذ يعزز الحوثيون دفاعاتهم جنوب المدينة وفي سهل تهامة المحيط بها، ما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إلى إصدار تحذير بإجلاء المدنيين. تنفذ القوات الموالية للحكومة مناورة كماشة انطلاقاً من عقد طرق، ولا سيما في حيس والخوخة. وقد قصفت البحرية السعودية بالفعل ميناء المدينة لتدمير مخزونات الألغام والطائرات المسيّرة البحرية. ومن المرجح أن تحظى القوات الموالية بدعم من الطيران السعودي، الأقوى في المنطقة، ولا سيما من الدعم الاستخباراتي للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) التي توفر معلومات استخباراتية تكتيكية في الوقت الفعلي. يجري إذن التحضير للهجوم على ميناء الحديدة. فأي تأخير في عملية الحديدة أو إلغاؤها سيمنح الحوثيين الوقت لإقامة منظومة دفاعية قتالية متينة، ويتيح لهم فرصة ضرب أهداف رخوة في عدن والسعودية، ولا سيما المطارات والمنشآت النفطية ومحطات تحلية مياه البحر. III. تأمين الداخل والمأزق الاستراتيجي: تعز ومأرب إذا تقدمت قوات التحالف على الساحل، فمن المؤكد أن الجبهات الداخلية ستتعرض لضغط هائل. تدافع عن مدينة تعز ما بين 15,000 و20,000 جندي من الجيش اليمني النظامي (الألوية 22 و17 و35)، تدعمهم مقاومة محلية وتعزيزات خارجية (درع الوطن والعمالقة). ويتمركزون بقوة في مرتفعات حضرية حول المدينة، ويبدون مقاومة شرسة للحوثيين. تمتلك هذه القوات مدفعية خفيفة وأنظمة حديثة مضادة للطائرات المسيّرة، كما أن قدرتها الدفاعية في القتال الحضري ممتازة. وتتعرض المدينة منذ بضعة أيام لحصار عملياتي كامل. وقد قطعت القوات الحوثية طريق هيجة العبد، وهو ممر جبلي يربطها بعدن، ما أدى إلى قطع شريان الإمداد بالكامل. يتلقى الحوثيون الذين يحاصرون المدينة إمدادات متواصلة من الشمال عبر محور صنعاء–ذمار–إب، الذي يتعرض باستمرار لضربات جوية سعودية ويمنية. وفي مواجهة هذا الوضع، يستخدم الحوثيون شبكات ثانوية من الوديان تتيح لهم الالتفاف على الحظر الجوي الذي يفرضه التحالف. وتحاول الحكومة فك الطوق عبر معارك عنيفة عند المعابر الجبلية التي لا يزال المتمردون يسيطرون عليها. تكتسب مأرب، الواقعة تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة في شمال شرقي اليمن، أهمية استراتيجية كبرى، إذ تضم المنطقة بنى تحتية نفطية وغازية تمثل الموارد الرئيسية للحكومة اليمنية. ويستهدف هجوم حكومي مزدوج في هذا القطاع جبهات رغوان (شمال جبهة مأرب) والمناطق الجنوبية لحماية هذه المنشآت، التي تعد أهدافاً رخوة ذات أولوية للهجمات الحوثية المضادة. الخسائر فادحة لدى الطرفين، ومن بينها جنرال موالٍ للحكومة. وإلى جانب ذلك، فتحت الحكومة محوراً هجومياً مباشراً نحو العاصمة صنعاء، وتتقدم شمالاً في حرض (حجة/صعدة) باتجاه معقل الحوثيين في حيدان. ومع ذلك، ينبغي توقع جمودٍ في المعارك وحرب استنزاف، لأن ميزان القوى البرية لا يزال يميل لمصلحة الحوثيين. وتتمثل قوة القوات الحكومية في التفوق الجوي والتكنولوجي بفضل السعوديين والأميركيين، بينما يتمتع الحوثيون، الذين يملكون أفضلية عددية، بقدرات كبيرة غير متماثلة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، إضافة إلى الصواريخ الباليستية التي لا يترددون في استخدامها ضد أهداف مدنية. IV. إعادة تشكيل التحالفات والامتداد الإقليمي يمثل تدويل الصراع منعطفًا جيوسياسيًا كبيرًا. ففي إطار ميثاق مكة، كانت إسلام آباد قد نشرت بالفعل قدرات عسكرية داعمة على الأراضي السعودية. ويؤمّن هذا الانتشار الدفاع عن المجال الجوي والاستطلاع والتنسيق التكنولوجي، بما يتيح للقوات السعودية التفرغ للعمليات الهجومية في اليمن. أما أنقرة فتنتظر الضوء الأخضر من برلمانها للقيام بذلك، ولا يزال نوع القوات التي ستُنشر غير معروف، إلا أنها ستشمل بالتأكيد تقنيات متقدمة. سحبت الإمارات العربية المتحدة رعايتها المباشرة في اليمن. وتعيد أبوظبي توجيه استراتيجيتها نحو السيطرة على البنى التحتية للموانئ في القرن الأفريقي، ولا سيما في صوماليلاند وإثيوبيا، وكذلك نحو قوات الدعم السريع في السودان... ومع ذلك، يحرص الأسطول الإماراتي على إبقاء ممر البحر الأحمر مفتوحًا رغم تناقضاته مع السعودية في القرن الأفريقي. ولذلك قد يمتد الصراع اليمني إلى الضفة الأفريقية. وتواصل إريتريا والسعودية دعمهما للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع. وبالتوازي مع ذلك، تراقب الرياض عن كثب مساعي إثيوبيا، المدعومة من الإمارات، للوصول إلى البحر الأحمر، لما قد تسببه من زعزعة استقرار حليفها الإريتري. خامسًا: الآفاق وتقييم المخاطر ينذر الصراع اليمني بأن يصبح بؤرة مواجهة متعددة الأطراف للسيطرة على الأمن البحري وتدفقات الطاقة العالمية. وبما أن تحقيق نصر سريع لأي من الطرفين أمر مستبعد، فإن السيناريو الأرجح هو حرب استنزاف عنيفة ومدمرة خلال الأشهر المقبلة.
ملخص اليوم

جائزة نوبل للسلام لإنقاذ القانون الدولي المهدد بالخطر

منحت الجائزة المرموقة للجنوب أفريقية نافي بيلاي، المدافعة الدؤوبة عن المظلومين
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 20:37
صورة للأخبار
تسلّمت نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 في قاعة المحكمة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ، جنوب ألمانيا، وهي القاعة نفسها التي شهدت محاكمات نورمبرغ ضد قادة ألمانيا النازية في عامي 1945 و1946…
يأتي منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي في سياق تشكيك متزايد في القانون الدولي، الذي أضعفته كثرة النزاعات والهجمات على المؤسسات المكلفة بإنفاذه. فمنذ عدة أشهر، تتوالى تقارير وتصريحات المنظمات الدولية للتحذير من الأخطار التي تهدد حقوق الإنسان وأسس النظام القانوني العالمي. ويجسّد هذا الوضع ردّ إسرائيل الغاضب على هذا التكريم، إلى جانب الهجوم الأميركي الجديد على المحكمة الجنائية الدولية. مُنحت جائزة نوبل للسلام يوم الجمعة للقاضية نافي بيلاي، وهي جنوب أفريقية تبلغ 85 عاماً كرّست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن القانون الدولي. وقد ترأست السيدة بيلاي، على وجه الخصوص، لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي اتهمت إسرائيل العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. طوال مسيرتها، ناضلت الجنوب أفريقية التي نشأت في ظل نظام الفصل العنصري ضد أبشع الفظائع، من رواندا إلى الشرق الأوسط. وقالت محذّرة يوم الجمعة، خلال مؤتمر صحافي عُقد في نورمبرغ في قاعة حوكم فيها كبار المسؤولين النازيين، وهي تهدي جائزة نوبل «إلى جميع الناجين من الجرائم الدولية»: «نمرّ بمرحلة يتعرض فيها القانون الدولي وحقوق الإنسان لهجمات سياسية كبيرة»… مدافعة لا تكلّ عن حقوق الإنسان السيدة بيلاي محامية من أصول هندية، أصبحت قاضية ثم مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2008-2014)، وتشتهر بقدرتها على التعامل مع أكثر الملفات صعوبة. قادتها مسيرتها من محاكم جنوب أفريقيا، حيث دافعت عن ناشطي مناهضة الفصل العنصري، إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، مروراً بالمحكمة الجنائية الدولية. مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا. اكتسبت شهرة عالمية بفضل انتقاداتها الحادة للقمع الذي مارسته عدة حكومات ضد التظاهرات الشعبية في العالم العربي، ولا سيما في ليبيا وسوريا. وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان الساحلية، وهي ابنة سائق حافلة وتنحدر من عائلة من أصول تاميلية، وقد سلكت مساراً استثنائياً. نشأت في حي فقير من هذه المدينة الساحلية، ودرست القانون ثم نالت درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية المرموقة. أصبحت أول امرأة ملوّنة تفتتح مكتب محاماة في إقليم كوازولو-ناتال، ودافعت بشراسة عن معارضي نظام الفصل العنصري. «البكاء أو القتال» بعد عام من انتخاب نيلسون مانديلا في 1994، أصبحت أول امرأة ملوّنة تُعيّن في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا. وفي العام نفسه، وبمساندة مانديلا، انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا. كانت من بين القضاة الذين أصدروا حكماً تاريخياً أفضى إلى الاعتراف بالاغتصاب بوصفه سلاحاً من أسلحة الإبادة الجماعية. وقالت السيدة بيلاي لوكالة فرانس برس في مقابلة عام 2023: «تعرضنا لأبشع الإهانات والتمييز العنصري، وأُسيئت معاملتنا وعوملنا كأننا لا شيء». ففي ظل الفصل العنصري، كان المجتمع الهندي يُصنّف مجموعةً عرقية منفصلة ويخضع لأشكال كثيرة من التمييز. وأكدت أن الخيار كان بسيطاً آنذاك: أن تكون «ضعيفاً وتبكي» أو أن «تقاتل في كل مباراة». وأضافت: «كنت دائماً أعرف من أنا وكيف أواجه كل أشكال التمييز، بأن أجرؤ على الكلام وأدينها. وهذا ما فعلته في الأمم المتحدة». إسرائيل تستحضر… غوبلز في سبتمبر/أيلول 2025، خلصت لجنة التحقيق التي ترأستها — والتي لا تتحدث باسم الأمم المتحدة — إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة منذ بداية الحرب التي أشعلها هجوم حماس غير المسبوق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت إسرائيل قد رفضت هذا التقرير رفضًا قاطعًا، واصفةً إياه بأنه «منحاز وكاذب»، ومتهمةً معدّيه بالتحيز المعادي للسامية. ملصقات في باريس. اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في ردّ نشرته الجمعة على منصة إكس، أن منح جائزة نوبل للسيدة بيلاي يضفي الشرعية على «الكراهية المعادية لإسرائيل»، مضيفةً أن جوزف غوبلز، رئيس الدعاية النازية، لا بد أنه «يصفق من الجحيم». وفي عام 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أيضًا مذكرات توقيف، لا تزال غير منفذة، بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وردًا على ذلك، كان دونالد ترامب قد فرض بالفعل عقوبات على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العام وأعضاء من طاقمها. وفي الشهر الماضي، ذهب أبعد من ذلك بدعوة الدول الأعضاء إلى الانسحاب من هذه المؤسسة، التي وصفها بأنها «خبيثة». «محكمة مارقة» والجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن جائزة نوبل، جدّدت الحكومة الأميركية إجراءاتها بإعلان عقوبات جديدة على المحكمة، مبررةً هذه الخطوات برغبتها في «الدفاع عن السيادة الأميركية». وشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن «هم يريدون مزيدًا من السلطة، ويريدونها على حسابنا»، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية في الوقت نفسه بأنها «محكمة مارقة». وأضاف: «نأمل أن يعمل حلفاؤنا على كبح جماح المحكمة. وإلا فإن الولايات المتحدة ستواصل تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنةً لبنة، إلى أن يصبح الأميركيون بمنأى عن التهديد». ورحّب بنيامين نتنياهو بالعقوبات الأميركية، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية بأنها «خطر مميت على الديمقراطيات التي تحترم سيادة القانون». وقال نتنياهو: «المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل كيان سياسي». وعلى منصة إكس، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السيدة بيلاي أيضًا بأنها شخصية «طائفية» «تشيطن اليهود».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
تطرح الأزمات الإيرانية تساؤلات حول مصير النظام

كانت 2025 سنة سوريا التي عاشت للمرة الأولى منذ نصف قرن من دون حافظ الأسد وبشّار الأسد، أي دون نظام أقلّوي، رعته إسرائيل، تحكّم بمصائر السوريين عن طريق آلته القمعيّة ثم عن طريق الإستعانة بالخارج من أجل الإنتصار على شعبه. للمرّة الأولى، أيضا، خرجت "الجمهوريّة الإسلاميّة" الإيرانية من سوريا مع ما يعنيه ذلك من تحوّل على صعيد التوازن الإقليمي، خصوصا أنّ سوريا في ظلّ الأسدين كانت أقرب إلى مستعمرة إيرانيّة مزروعة في قلب العالم العربي... لكن التركيز على سوريا، وعلى ما إذا كانت ستتجاوز السنة 2026 من دون تغييرات كبيرة، لا يمنع لفت النظر إلى أنّ الأحداث المتتالية منذ هجوم "طوفان الأقصى" الذي شنته "حماس" على المستوطنات الإسرائيلة في غلاف غزّة يوم السابع من تشرين الأول – أكتوبر 2023، جعل الظروف ناضجة للحديث عن مصير النظام الإيراني وهل سيتمكن من بلوغ نهاية 2026؟ يبدو هذا السؤال مشروعا في ضوء عوامل عدّة تجعل مصير النظام الإيراني الذي قام في العام 1979 مطروحا بشكلّ جدّي. يمكن الحديث في البداية عن واقع الاقتصاد الإيراني والتذكير في الوقت ذاته أن الإتحاد السوفياتي انهار لأسباب إقتصادية قبل أي شيء بعدما عمّر من 1917 إلى نهاية 1991. يعطي سعر الريال الإيراني فكرة عن عمق الأزمة الإقتصاديّة التي تعاني منها "الجمهوريّة الإسلامية". في أواخر أيام الشاه في العام 1979 كانت الحاجة إلى نحو 70 ريالا لشراء دولار أميركي. في أيامنا هذه يساوي الدولار الأميركي نحو مليون و400 الف ريال. تبدو المقارنة بين سعر الريال أيام الشاه وسعره الحالي مذهلة وتعبّر عن الفشل الاقتصادي لنظام أصرّ على مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة والغرب عموما وذلك منذ افتعال أزمة الرهائن الأميركيين في تشرين الثاني – نوفمبر من تلك السنة بغية التخلّص من أي أثر للإصلاحيين والليبراليين في تركيبة النظام الجديد. احتجز "طلاب" تابعون لـ"الحرس الثوري" ديبلوماسيي السفارة الأميركيّة في طهران 444 يوما. ثمة نقاط عدّة يمكن التوقف عندها في المرحلة الراهنة. قد تساعد هذه النقاط في فهم الوضع الحالي للنظام الإيراني وما يعانيه من أزمات قد تؤدي إلى الإنتهاء منه على غرار الإنتهاء، بوتيرة متسارعة، من الإتحاد السوفياتي بمجرد سقوط جدار برلين في تشرين الثاني – نوفمبر 1989. لا بد من التوقف أولا عند مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي في أيار - مايو 2024 في تحطم طائرة هليكوبتر. لا تزال ظروف الحادث غامضة. تتحدث الرواية الرسميّة عن سوء الأحوال الجويّة التي رافقت إقلاع طائرة هليكوبتر أميركية، قديمة الصنع، من منطقة حدودية مع أذربيجان. لكنّ التأكيدات الرسمية لم تزل الشكوك في وجود من أراد التخلّص من ابراهيم رئيسي بسبب دوره المحوري في مجال بقاء النظام متماسكا. يعود ذاك إلى علاقته القوية بالقوى التي يرتكز عليها النظام والتي يستمد منها حماية له. كان إبراهيم رئيسي الوحيد القادر قادر على التنسيق في ما بين هذه القوى المفترض بها إخماد أي تحرّك شعبي، ولو بالقوّة. يفتقد النظام منذ غياب رئيس، وقبله غياب قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الشخصية المحورية التي تمتلك نفوذا كافيا لتنظيم المرحلة الإنتقالية في حال غياب "المرشد" على خامنئي الذي يعاني من تقدّمه في السنّ ومن أمراض عدّة. كان سليماني، الذي اغتاله الأميركيون مطلع العام 2020، القائد الأعلى لكل أدوات إيران في المنطقة بدءا بـ"حزب الله" في لبنان والحوثيين في اليمن والميليشيات المذهبيّة التابعة لـ"الحرس الثوري" في العراق. عوّض إبراهيم رئيسي جزءا من الفراغ الذي تركه قاسم سليماني. عوضّ هذا الجزء من الفراغ إلى درجة لم يعد يوجد في طهران من هو قادر على ممارسة دور فاعل في عمليّة تنظيم المرحلة الإنتقالية المتوقعة بمجرد غياب خامنئي، أو قبل ذلك. الأهمّ من ذلك كلّه، أنّ لا مفرّ من دفع "الجمهوريّة الإسلاميّة" ثمن الحروب التي خاضتها في مرحلة ما بعد "طوفان الأقصى" وذلك في ضوء رهانها على جعل هذه الحروب تصبّ في مصلحتها. خسرت إيران حرب لبنان التي افتعلها "حزب الله" بمجرّد فتحه جبهة الجنوب مع إسرائيل. خسرت سوريا بعدما ارتكب بشّار الأسد أخطأ عدة بينها السماح بارسال إيران صواريخ دقيقة إلى الحزب كي يستخدمها انطلاقا من لبنان. خسرت إيران كلّ الحروب التي اعتقدت أن في استطاعتها توظيفها في مصلحة تحول "الجمهوريّة الإسلاميّة" إلى الطرف الإقليمي الذي يمتلك مفتاح توسيع حرب غزّة أو ضبطها. انتقلت الحرب منتصف 2025 إلى داخل إيران نفسها، خصوصا في ضوء إعادة فتح أميركا وإسرائيل وأوروبا ملفّها النووي من جهة والمخاوف من الصواريخ الباليستيّة التي تمتلكها والتي تبدوو قادرة على الحصول عليها من جهة أخرى. باختصار شديد لم يعد في استطاعة "الجمهوريّة الإسلاميّة" التكيّف مع التطورات التي شهدتها المنطقة. لم تدرك معنى هذه التطورات وابعادها بعدما اعتمدت منذ اليوم الأوّل لقيام "الجمهوريّة الإسلاميّة" سياسة تقوم على تصدير الأزمات الداخلية إلى خارج الحدود. مع نهاية 2025، فقدت "الجمهوريّة الإسلاميّة" القدرة على الهرب من أزماتها التي يعبّر سعر العملة الوطنيّة أفضل تعبير عنها. هل يدرك حلفاء إيران واتباعها، خصوصا في لبنان، هذا الواقع الذي لا يزال المسؤولون في طهران، في مقدمهم الرئيس مسعود بزشكيان، يجهلون أن لا مجال للهرب منه؟ خلاصة الأمر أن الأزمات الإيرانية الحالية، أزمات متشعّبة تختلف عن سابقاتها. إنها أزمات نظام قبل أي شيء. يعود ذلك إلى عجز هذا النظام، مع حلول 2026، عن التصالح مع نفسه ومع لغة الأرقام أولا ثمّ مع المعطيات الإقليمية والدولية في ضوء خسارته لحروب عدّة، من غزّة إلى لبنان، إلى سوريا، حروب يرفض دفع ثمنها...

مشروع قانون الإنتظام المالي وإسترداد الودائع: كيف سيُطبَّق سقف الـ100,000 دولار على المودعين؟

في 26 كانون الأول 2025، أقرّ مجلس الوزراء مشروع قانون الإنتظام المالي وإسترداد الودائع، وهو نص يهدف إلى وضع إطار قانوني لتوزيع الخسائر المالية في البلاد، المقدّرة بنحو 70 مليار دولار أميركي، تمهيدًا لعرضه قريبًا على مجلس النواب. وقد أُقرّ مشروع القانون بأغلبية 13 صوتًا مقابل 9. يُدخل القانون تصنيفًا للمودعين وفق حجم ودائعهم، ويقرّ آلية ضمان للودائع التي لا تتجاوز 100,000 دولار أميركي، على شكل دفعات مرحلية موزّعة على أربع سنوات. أمّا المبالغ التي تتجاوز هذا السقف، فينصّ الإطار التشريعي على تحويلها إلى أدوات مالية طويلة الأجل صادرة عن مصرف لبنان، منظمة على شكل أوراق مالية مدعومة بأصول. وفي هذا السياق، أعلنت النقابات المهنية عزمها عقد اجتماع يوم الاثنين لإعلان موقفها من التدابير التي ينص عليها القانون، ولا سيما تلك التي تطال الصناديق التعاونية وصناديق التقاعد. وقد أجاب المحامي المتخصص في قانون الأعمال والمحكّم الدولي عزالدين أكرم بعاصيري، في هذا الإطار، عن سلسلة من الأسئلة الدقيقة والتقنية التي طرحتها عليه منصة Levant Time . س – كيف يُطبَّق سقف الضمان البالغ 100,000 دولار على الحسابات المشتركة؟ ج – يتناول القانون صراحةً مسألة الحسابات المشتركة في المادة 8، الفقرة الرابعة، التي تنص على ما يلي: "رابعاً – لغرض تطبيق أحكام هذه المادة، يُعتبر بمثابة وديعة واحدة مجموع الحسابات الشخصية للمودِع كما وحصته من حساباته المشتركة لدى جميع المصارف العاملة في لبنان. ويُعتبر بمثابة الحساب الواحد كل حساب تركة وكل حساب مشترك، مهما تعدد أصحابه. تتوزّع الحسابات المشتركة بين أصحاب الحساب المشترك، وفقاً لشروط الاتفاقية الموقّعة بينهم وبين المصرف المعني، وإلاّ بالتساوي بين أصحاب الحساب المشترك. إذا كان صاحب الحسابات المشتركة لا يملك حساباً شخصياً لدى المصرف، يُعتبر مجموع حصصه في مختلف الحسابات المشتركة كوديعة واحدة. يقوم مصرف لبنان بتحديد دقائق تطبيق هذا البند." وبالتالي يحدّد النص آلية توزيع رصيد الحساب المشترك، كالآتي: وفق الشروط المنصوص عليها في اتفاقية فتح الحساب الموقّعة مع المصرف؛ أو بالتساوي بين أصحاب الحساب، في حال عدم تحديد حصص كل منهم. وبالاستناد إلى هذه الأحكام، تترتب عدة نتائج قانونية مباشرة. أولًا، لا يستفيد الحساب المشترك من سقف ضمان مستقل أو منفصل. ثانيًا، تُوزَّع قيمة الحساب المشترك بين الشركاء إمّا وفق اتفاقية الحساب أو بالتساوي عند غيابها، وذلك لغايات احتساب مجموع وديعة كل مودع. وأخيرًا، تُضاف الحصة العائدة لكل شريك إلى حساباته الفردية وإلى حصصه في حسابات مشتركة أخرى. وبالتالي، يُحتسب سقف الضمان البالغ 100,000 دولار على أساس الوضع الشامل لكل مودع، بعد احتساب جميع ودائعه، سواء كانت فردية أم ناتجة عن حسابات مشتركة. س – هل يُطبَّق سقف الضمان البالغ 100,000 دولار لكل مصرف أم لكل مودع؟ ج – يتناول مشروع القانون مسألة تطبيق سقف الضمان في حال امتلاك المودع نفسه حسابات لدى عدة مصارف، ويعتمد مبدأ تجميع الودائع على مستوى النظام المصرفي ككل. وفي هذا الإطار، تنص المادة 8، الفقرة الرابعة، صراحةً على ما يلي: " يُعتبر بمثابة وديعة واحدة مجموع الحسابات الشخصية للمودع … لدى جميع المصارف العاملة في لبنان." وبالتالي، يقرّ القانون نتائج واضحة ومحددة: لا يُطبَّق سقف الضمان البالغ 100,000 دولار على أساس كل مصرف على حدة، بل يُحتسب لكل مودع بشكل فردي، بغضّ النظر عن عدد المصارف التي يملك لديها حسابات. س- هل تخضع الشركات التجارية والمؤسسات الخاصة للقواعد نفسها المطبقة على الأشخاص الطبيعيين لجهة سقف الودائع ومعالجتها؟ ج- يشمل مشروع القانون الأشخاص المعنويين ضمن تعريف المودعين. إذ تنص المادة 2 على أنّ المودعين هم: " المودعون: الأشخاص الطبيعيون أو المعنويون أصحاب حسابات الودائع وشهادات الإيداع، وفقاً للتعريف القانوني للوديعة والحسابات المصرفية في القوانين السارية والمرعية الإجراء عامة، والتي تُحدَّد أحكامها بشكل رئيسي في قانون الموجبات والعقود، وقانون التجارة البرية، لا سيّما منه المادة /307/" ولا ينصّ القانون على أي نظام خاص أو استثنائي لصالح الشركات التجارية أو المؤسسات الخاصة. فالفصل الرابع من القانون، المخصّص لردّ الودائع، لا يتضمن أي استثناء أو آلية خاصة بالأشخاص المعنويين. وبناءً على ذلك، تترتب نتائج مباشرة وواضحة. أولًا، تخضع الشركات التجارية والمؤسسات الخاصة لسقف الضمان البالغ 100,000 دولار. ثانيًا، تُصنَّف ودائعها ضمن الفئات نفسها المعتمدة للأشخاص الطبيعيين، أي الودائع الصغيرة والمتوسطة والكبيرة والكبيرة جدًا. وأخيرًا، تُطبَّق عليها آليات السداد المنصوص عليها في المادة 8 من القانون بالشروط نفسها. س – ما هو مصير الحسابات المقيّمة بالليرة اللبنانية، وأي سعر صرف سيُعتمد لها ضمن سقف الـ100,000 دولار؟ ج – من الناحية القانونية، يشمل مشروع القانون الحسابات المقيّمة بالليرة اللبنانية ضمن نطاق تطبيقه. إذ تنص المادة 3 من المشروع على ما يلي: " يُطبَّق هذا القانون على الخزينة العامة، وعلى مصرف لبنان، وعلى المصارف العاملة في لبنان والمسجّلة على لائحة المصارف. كما يُطبَّق على جميع الحسابات المفتوحة لدى مصرف لبنان والمصارف المذكورة، سواء فُتحت قبل 17/10/2019 أو بعد" وبالمعنى نفسه، تنص المادة 8، الفقرة الرابعة، على أنّ: " يعتبر بمثابة وديعة واحدة مجموع الحسابات الشخصية للمودع كما وحصته من حساباته المشتركة لدى جميع المصارف العاملة في لبنان .." ولا يميّز النص بين الحسابات المقيّمة بالعملات الأجنبية وتلك المقيّمة بالليرة اللبنانية، ما يعني مبدئيًا أنّ الحسابات بالليرة اللبنانية مشمولة بنطاق تطبيق القانون. إلا أنّ الفصل الرابع من القانون، ولا سيما المادة 8 وما يليها، الذي ينظّم آلية ردّ الودائع، يقتصر حصرًا على الودائع المقيّمة بالدولار الأميركي. ولا يتناول صراحةً الودائع بالليرة اللبنانية، ولا يلحظ أي آلية خاصة أو طريقة مباشرة لردّها أو إعادة تقييمها في ظل الانهيار المالي. وعليه، وفي غياب أي نص صريح أو آلية محددة بوضوح، تبقى الحسابات المقيّمة بالليرة اللبنانية غير منظّمة قانونًا من حيث آليات ردّها. ولا يمكن الجزم بسعر الصرف الذي سيُعتمد لإعادة تقييمها، ولا بما إذا كانت ستُحتسب ضمن سقف الـ100,000 دولار، ولا بالكيفية التي قد تُدرج بها في حال شمولها. س – الصناديق التعاونية وصناديق التقاعد: ماذا ينص عليه فعليًا قانون الفجوة، وما هي الإشكاليات التي يثيرها؟ ج – لا يتضمن مشروع قانون الفجوة، في الواقع، أي أحكام خاصة تتناول هذه الكيانات، ولا الجمعيات التعاضدية. وفي غياب نظام خاص، تُعامَل هذه الجهات وفق القواعد العامة المنصوص عليها في القانون. وبموجب المادة 2، تُعدّ النقابات المهنية والصناديق التعاونية وصناديق التقاعد والجمعيات التعاضدية أشخاصًا معنويين. كما تُعتبر ودائعها وديعة واحدة بالمعنى المقصود في الفقرة الرابعة من المادة 8 من القانون، وبالتالي تخضع بالكامل لآلية السداد المنصوص عليها في المادة 8. وعمليًا، تتكوّن هذه الآلية من شقّين: من جهة، تستفيد هذه الجهات من سقف سداد محدد بـ100,000 دولار أميركي. ومن جهة أخرى، يُحوَّل الرصيد المتبقي من ودائعها إلى شهادات مالية مدعومة بأصول، يصدرها مصرف لبنان، وذلك وفقًا لأحكام المادة 8 من القانون. من خلال هذا المقال، سعت Levant Time إلى إيضاح عدد من المناطق الرمادية التي تحيط بقانون الفجوة. وستتبع ذلك مقالات أخرى لمعالجة مسائل إضافية وتقديم إجابات قانونية وتقنية واضحة عن الأسئلة العديدة التي يثيرها هذا النص لدى الرأي العام.

هلسنكي بلا ضوابط
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

في صورة نيكولاس مادورو وهو يُقاد في نيويورك، لا كرئيس دولة بل كأنّه مجرم عادي، شيءٌ يعيد إلى الذاكرة مشهد فرسن جتريكس وقد سيقَ إلى روما غنيمة حرب أمام يوليوس قيصر، بعد حصار أليسيا. مشهد قديم، لكنه لا يزال يعمل بالمنطق نفسه: إذلال الخصم عبر تحويله إلى رمز مهزوم. لا معنى طبعًا للبكاء على ديكتاتور شعبوي حكم بلاده بالاستعراض والإنكار. ثم إن مادورو ليس لومومبا، ولا تشي غيفارا. لا يحمل مأساة كبرى ولا أسطورة تحرّر. هو مجرّد نتاج مألوف من نتاجات أميركا اللاتينية في لحظاتها القاتمة: شخصية ماركيثية بامتياز، خارجة من خريف البطريرك، حيث البهرجة تعوّض غياب الهيبة، وحيث السلطة تتحول إلى ظلّها. حضور بلا وزن. صورة بلا عمق. الرسالة الأميركية كانت واضحة. أراد دونالد ترامب أن يذكّر، مرة أخرى، بمن يمسك بمفاتيح الهيمنة. كما فعل جورج دبليو بوش قبل عشرين عامًا، حين أُغلقت صفحة صدام حسين بالمشنقة بعد حرب العراق. لكن ما يبدو، للوهلة الأولى، استعراض قوة، يكشف في العمق شيئًا آخر. ليس رسوخ الهيمنة، بل هشاشتها. ليس ثقة الإمبراطورية بنفسها، بل حاجتها إلى التذكير بذاتها. ما نشهده ليس تقدمًا في النظام الدولي، بل عودة غير معلنة إلى منطق قديم: منطق مجالات السيطرة. هذا المنطق ليس جديدًا. عرفه العالم في أوج الحرب الباردة، حين قُسّمت الخريطة بين قطبين، وتم تثبيت التوازن في اتفاقات هلسنكي عام 1975. يومها، لم يكن النظام عادلًا ولا أخلاقيًا، لكنه كان مقروءًا. كان يعرف حدوده. اليوم، المشهد مختلف. والفارق جوهري. بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حاول النظام الدولي أن يعيد تعريف نفسه. تحدّث بلغة الكونية، ورفع شعارات القانون والديمقراطية وسيادة الشعوب. لكن هذه اللغة أخفت، في الواقع، تدخلًا انتقائيًا، يخضع لموازين القوة لا لمبادئ معلنة. النظام لم يكن عالميًا، بل أميركيًا. «فرطَ قوة»، كما وُصف آنذاك. خلال عقدين، ركّزت الولايات المتحدة على استهداف فاعلين خارج منطق الدولة: طالبان، أسامة بن لادن، البغدادي، قاسم سليماني. وحتى صدام حسين، الذي كان رئيس دولة، أُدرج في سردية استثنائية عن تهديد شامل ومنهجي. مع مادورو، يتغير الإطار. لا فاعل عابرًا للحدود هنا، ولا تهديدًا كونيًا. بل رئيس دولة في منصبه، داخل منطقة تعتبرها واشنطن منذ عقود امتدادًا طبيعيًا لنفوذها. الرسالة ليست أيديولوجية. هي جيوسياسية خالصة: هذا المجال لنا. هكذا يتشكّل، بصمت، ما يشبه «هلسنكي» جديدة، بلا مؤتمرات ولا توقيعات. قاعدة غير مكتوبة، لكنها فاعلة: كل قوة كبرى تضبط فضاءها الحيوي، شرط تجنّب الصدام المباشر مع القوى الأخرى. إسرائيل ترسم نظامها الأمني في الشرق الأوسط بالردع والضربات المحددة. تركيا توسّع هوامشها من سوريا إلى القوقاز. السعودية تقرأ أمنها بمنطق وجودي. الولايات المتحدة تعود إلى نصف الكرة الغربي بروح مونوية صريحة. روسيا تتحرك حيث ترى عمقها الاستراتيجي مهددًا، في أوكرانيا كما في سوريا سابقًا. الصين تعتبر تايوان خطًا أحمر لا يقبل التأويل. الهند وباكستان يعودان إلى صراعهما المزمن. وفي الخلفية، القرن الإفريقي، مسرح مفتوح للتجاذبات. العالم لم يعد يُدار بقواعد عامة، بل بموازين قوى محلية، متحركة، وهشة. لكن هنا تحديدًا تنهار مقارنة هلسنكي. في سبعينيات القرن الماضي، كان النظام ثنائي القطبية. خطوط التماس واضحة. الردع النووي، على خطورته، فرض منطقًا كابحًا. كل طرف يعرف ما لا يمكن تجاوزه. الخوف من الفناء المتبادل شكّل السقف الأعلى للصراع. التنافس كان موجودًا، لكن ضمن إطار من الضبط. اليوم، لم يعد هذا الإطار قائمًا. العالم متعدد الأقطاب، متشظّي. قوى متوسطة، فاعلون هجينون، ميليشيات، دول منهارة، تكنولوجيات قاطعة. السلاح النووي لم يختفِ، لكنه لم يعد ينظم النظام بأكمله. إلى جانبه، حروب طويلة، ضربات دقيقة، عمليات سرية، هجمات سيبرانية، وصراعات بالوكالة. لم تعد الردع لغة مشتركة. أما التنسيق، فغائب. أو مُفرغ من معناه. في هذا السياق، تبدو عودة «الشرطيات الإقليمية» مريحة للقوى الكبرى، لأنها تجعل العالم أكثر قابلية للقراءة من زاويتها. لكنها تجعل المناطق الرمادية أكثر هشاشة. دول لا تملك القدرة على فرض سيادتها، ولا تملك رفاهية أن تُترك وشأنها، تتحول إلى ساحات توتر دائم. الأخطر أن غياب إطار عالمي موثوق يفتح الباب أمام ما لم يكن ممكنًا سابقًا: خطأ في الحساب، تصعيد محلي، شرارة لا تجد من يحتويها. نظام يستدعي القواعد في الخطاب، لكنه لا يؤمن بها في الفعل. وهذا اسم آخر للفوضى. فوضى لا تحمل شيئًا «بنّاء». هلسنكي جمّدت العالم بالخوف من الإبادة المتبادلة. عالم اليوم يتحرك بلا شبكة أمان، مقتنعًا بأن القوة المحلية كافية لضبط كل شيء. لكنه يتجاهل حقيقة بسيطة: سياسة حافة الهاوية لا تلغي السقوط، بل تجعله احتمالًا دائمًا. ربما هذا هو نذير المرحلة المقبلة: نظام دولي أقل نفاقًا، لكنه أشد تقلبًا؛ أكثر صراحة في عنفه، لكنه بلا ضوابط. عالم يمارس فيه كل طرف الشرطة داخل حدوده، إلى أن تتداخل هذه الحدود من جديد، وتسقط. «رأيتُ المستقبل يا أخي، وهو قتل»، قال ليونارد كوهين بعد سقوط جدار برلين. لم يكن نبوءة شعرية، بل تشخيصًا مبكرًا. بين أحلام الحرية والديمقراطية، وكوابيس العنف المنفلت، المسافة غالبًا أقصر مما نحب أن نعتقد.

إيران وفنزويلا: هشاشة الأنظمة الاستبدادية

غالبًا ما يُخلط بين طول العمر والاستقرار. في الجغرافيا السياسية، يعد هذا أحد أغلى أخطاء التحليل. بعض الأنظمة لا تنجو لأنها قوية أو قابلة للتكيف أو مدعومة على نطاق واسع. إنها تنجو لأنها تعلمت إدارة التدهور : قمع المعارضة، وتفتيت المعارضة، ونقل الإخفاقات الداخلية إلى الخارج، وتوسيع الإكراه بما يتجاوز أي شرعية. بمرور الوقت، يخلق هذا وهمًا بالديمومة. لكن الديمومة القائمة على السيطرة بدلاً من الموافقة هي، بطبيعتها، هشة. مع مطلع عام 2026، تجسد دولتان هذا الوهم الخطير تمامًا: إيران وفنزويلا. يُوصف النظامان بانتظام بأنهما صامدان. إيران تعرض قوتها بعيدًا عن حدودها من خلال شبكة واسعة من المنصات الإقليمية. أما السلطة الفنزويلية، فقد نجت من العقوبات، والعزلة الدبلوماسية، والانهيار الاقتصادي. بالنسبة للكثيرين، أصبحت القدرة على التحمل دليلاً على الاستقرار. هذا الاستنتاج خاطئ بشكل عميق. لا تنهار الأنظمة فقط عندما يضعف الاقتصاد. إنها تفشل عندما تتدهور آليات السيطرة بشكل أسرع مما يمكن إعادة بناء الشرعية؛ عندما يحل القمع محل الموافقة؛ عندما تفقد الروايات المؤسسة مصداقيتها؛ عندما تتصدع تماسك النخب؛ وعندما لا يعوض النفوذ الإقليمي الاستنزاف الداخلي. هذه هي المرحلة التي تمر بها إيران وفنزويلا اليوم تحديدًا. في كلتا الحالتين، تآكلت الروايات المؤسسة التي بررت ممارسة السلطة. في إيران، لم يعد السرد الثوري الديني، الذي يعود عمره إلى ما يقرب من خمسة عقود، يسيطر على سكان شباب، حضريين، ومتصلين بشكل مفرط، لا يرون في التضحية، أو النقاء الأيديولوجي، أو المواجهة الدائمة مسارات تؤدي إلى الكرامة أو الازدهار. في فنزويلا، تحول المشروع البوليفاري لتشافيز ومادورو إلى نظام تحلل مُدار ، حيث تعتمد بقاء النظام على المحسوبية، والإكراه، واستنزاف المجتمع أكثر من اعتماده على الأيديولوجية. هكذا تحدث انهيارات الأنظمة الحديثة: ليس بصدمة مفاجئة، بل بتراكم الضغوط الداخلية ضمن أنظمة محكمة السيطرة — ضغوط تبدو قابلة للسيطرة حتى يكشف صدمة خارجية عمقها. تفشل الدول لأنها تصبح متضخمة، ومفرغة من الداخل، وغير قادرة على امتصاص الضغط. عندما تصل إلى هذه النقطة، حتى الأحداث الخارجية المحدودة يمكن أن تنتج عواقب غير متناسبة. في كلا البلدين، وصلت الديناميكيات الداخلية اليوم إلى نقطة الغليان. على الصعيد الخارجي، يواجه النظامان أيضًا تحولًا صامتًا ولكنه حاسم: تآكل أهميتهما الإقليمية بسرعة. منذ ما يقرب من نصف قرن، حدد نظام الملالي في إيران نفسه حول ركيزتين أساسيتين: إنشاء «هلال شيعي» في العالم العربي — في منافسة على الزعامة الإسلامية مع السعودية وقطر — وإرادته الأيديولوجية لتدمير إسرائيل، وهو شرط مسبق، في سرده الخاص، لاكتساب المصداقية في العالمين العربي والإسلامي. لقد زعزعت هذه الاستراتيجية الخارجية استقرار الشرق الأوسط بشكل عميق على مدى العقود الخمسة الماضية. فقد أشعلت حربًا أهلية ومجاعة في اليمن، وغذت الانهيار السياسي والاقتصادي في لبنان، ومنعت ظهور حل الدولتين في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال دعم الفصائل الفلسطينية المتطرفة. تولد هذه الاستراتيجية الآن عوائد متناقصة بشدة. فقد أصبحت شبكة الوكلاء الإيرانيين أكثر تكلفة في صيانتها وأقل فعالية بشكل ملحوظ على المستوى الاستراتيجي. أدى هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023 ضد إسرائيل إلى رد عسكري واسع النطاق، أضعف حماس بشدة في غزة، وقطع رأس القيادة في حزب الله في لبنان، وقلل بشكل كبير من القدرات العملياتية للحوثيين في اليمن. فبدلاً من تعزيز نفوذها، سلطت الطموحات الإيرانية لفرض «هلال شيعي» الضوء على حدود قدرتها على إظهار القوة. في فنزويلا، كان المسار مختلفًا، لكن النتيجة قابلة للمقارنة. وصل هوغو تشافيز إلى السلطة في عام 1998 مدفوعًا بموجة من الغضب الشعبي ضد الفساد وعدم المساواة، واعدًا بإصلاح جذري تحت راية الثورة البوليفارية. ما تبع ذلك لم يكن تجديدًا، بل تآكلًا مؤسسيًا: ترسيخ السلطوية، وسوء الإدارة الاقتصادية، ونقص كبير في الاستثمار، وواحدة من أكبر موجات الهجرة في زمن السلم في تاريخ أمريكا اللاتينية. كانت فنزويلا في السابق واحدة من الاقتصادات الرئيسية في المنطقة، وتمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم، لكنها شهدت تآكل وزنها الاستراتيجي تدريجيًا. على الصعيد الخارجي، تقلصت فائدتها الجيوسياسية لحلفائها مع تآكل أهميتها الاقتصادية والدبلوماسية والإقليمية. يُظهر التاريخ أن المرحلة الأكثر خطورة للأنظمة الراسخة ليست الأزمة المفتوحة، بل اللحظة التي تفسح فيها الحوكمة المجال لمجرد إدارة البقاء. لقد حانت هذه اللحظة. عام 2026 مهم ليس لأنه يبدأ بحدث مذهل، بل لأنه قد يمثل النقطة التي تتوقف فيها استراتيجيات المماطلة عن العمل. يتلاقى فيها شيخوخة القادة، وعدم اليقين المرتبط بالخلافة، والانقسام بين الأجيال، وتسرب المعلومات، وضعف الدعم الخارجي. عندما يحدث ذلك، يمكن حتى للأنظمة المحكمة السيطرة أن تتزعزع بسرعة ملحوظة. بعد أسابيع عدة من هجمات القوات الأمريكية على سفن فنزويلية متورطة في تهريب المخدرات وفرض حصار صارم على صادرات البلاد النفطية، شنت القوات الأمريكية، في 3 يناير 2025، عملية واسعة النطاق ضد فنزويلا واعتقلت نيكولاس مادورو وزوجته. عملية 3 يناير تمثل النهاية الحاسمة للثورة البوليفارية وفتح حقبة جديدة لفنزويلا. فيما يتعلق بإيران والشرق الأوسط، قد يعلن اجتماع 2 يناير بين بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، في سياق انتفاضات شعبية واسعة النطاق في عدة مدن إيرانية، عن عملية عسكرية إسرائيلية كبرى في إيران ولبنان — استكمالًا للتحول الاستراتيجي التكتوني الذي بدأ في 7 أكتوبر. تحتاج إسرائيل إلى أنظمة قوية على حدودها لإحلال سلام دائم. سوريا ولبنان يمثلان القطعتين الأخيرتين المفقودتين. إن تحييد حزب الله بشكل دائم في لبنان وتثبيت نظام قوي هناك يمثل الخطوة التالية. وهذا يفترض تحولًا جذريًا للنظام الديمقراطي الطائفي الفاشل في لبنان. وهذا يعني أن على إسرائيل أن تتحرر بشكل نهائي من التهديد الذي يمثله نظام الملالي الإيراني. الظروف مواتية. والوقت ربما حان الآن.

عمى سياسي انتحاري
بقلم
ميشال توما
نُشر

من المرجح أن قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أو على الأقل كبار قادة الحرس الثوري (الباسداران)، لم يقرأوا، أو حتى يحاولوا فهم، أسطورة لافونتين "الضفدع الذي أراد أن يكون بحجم ثور"، عندما كانوا في أوج قوتهم. ولو فعلوا ذلك، لأدركوا بلا شك أنهم لا يستطيعون منافسة قوى تمتلك إمكانات، في كل مجال، تبعد سنوات ضوئية عن قدراتهم "الإلهية" الفعلية من خلال الأيديولوجيا، والشعارات الفارغة، والخطب النارية، والشعبوية، والديماغوجية، وقبل كل شيء، الإرهاب. ولو كانوا على دراية بواقع هذا العالم، لكانوا أكثر واقعية بكثير في طموحاتهم التوسعية والجيواستراتيجية. منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فصاعدًا، ظهرت سلسلة من المؤشرات التي أوضحت بجلاء أنه ليس فقط الولايات المتحدة وإسرائيل، بل المجتمع الدولي بأسره، بما في ذلك روسيا والدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، لا يمكن أن يقبل بأي شكل من الأشكال أن يمتلك نظام إسلامي متطرف، يظهر موقفًا عدائيًا، أسلحة نووية متطورة. يبدو من الوثائق الرسمية التي رفعت عنها السرية قبل أيام قليلة في واشنطن أن الرئيس فلاديمير بوتين، خلال اجتماع عقده في سلوفينيا في يونيو 2001 مع رئيس البيت الأبيض، جورج دبليو بوش، أكد أنه يمتلك أدلة موثوقة تشير بوضوح إلى أن النظام الإيراني يسعى للحصول على أسلحة نووية، معربًا عن مخاوفه الجادة للرئيس الأمريكي. وخلال اجتماع آخر عقد بين رأسي الدولتين في نفس الوقت في البيت الأبيض، أكد الرئيس بوش لبوتين، في إشارة واضحة إلى إيران، أن "لا نحتاج إلى متطرفين دينيين يمتلكون سلاحًا نوويًا." كانت هذه أولى علامات ظهور مواجهة دبلوماسية وإعلامية طويلة الأمد كانت ستضع الجمهورية الإسلامية في مواجهة المجتمع الدولي بشأن البرنامج النووي الإيراني لأكثر من عقدين. في أعوام 2006 و2007 و2008، فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عقوبات على إيران (بموافقة روسيا والصين) بسبب سعيها المشبوه والمستمر لتخصيب اليورانيوم بمعدل لا يمكن أن يؤدي إلا إلى امتلاك القنبلة. منذ ذلك الحين، استمرت المناقشات المحمومة خلف الكواليس، والمناورات الدبلوماسية، والمفاوضات، دون إحراز أي تقدم يذكر، وكان هدف طهران بوضوح هو مجرد كسب الوقت. حتى اتفاق عام 2015 الذي توسط فيه باراك أوباما كان به عيوب ولم يذكر، على سبيل المثال، الإنتاج المكثف لإيران للصواريخ الباليستية، كما طالب وزير الخارجية الفرنسي آنذاك، لوران فابيوس، الذي دعا إلى موقف حازم بما فيه الكفاية تجاه الجمهورية الإسلامية. لكن باراك أوباما كان "يقظًا" لمواجهة أي محاولة لتبني موقف شديد القسوة تجاه الملالي في طهران... ونحن نعرف كيف تطورت الأحداث في هذا الصدد. قبل وقت طويل من هذه المعركة الدبلوماسية التي بدأت منذ أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لم تتردد إسرائيل في اتخاذ إجراء، دون الانغماس في نقاشات عقيمة، وفي يونيو 1981 قصفت المفاعل النووي الذي كانت العراق تعمل على بنائه. وفي عام 2007، شنت القوات الجوية الإسرائيلية غارة في سوريا ضد موقع نووي في منطقة دير الزور. أكدت كل هذه المؤشرات، يومًا بعد يوم، التصميم الثابت لإسرائيل والولايات المتحدة والدول الأوروبية وحتى روسيا لمنع القوى الاستبدادية، ولا سيما نظام متطرف مثل نظام الملالي الإيراني، من استكمال برنامج نووي كان غرضه العسكري واضحًا للجميع. وعلى الرغم من هذا الإجماع شبه الكامل، استمرت الجمهورية الإسلامية لأكثر من عقدين في استثمار مئات المليارات من الدولارات في مشروع استراتيجي للغاية كان تحقيقه وهميًا وغير عقلاني، بل وانتحاريًا تمامًا بالنظر إلى الحقائق الدولية. ومما زاد الطين بلة، ولتعزيز موقفها الانتحاري، قامت إيران، من خلال استثمارات بلغت عشرات المليارات من الدولارات، بتأسيس وصيانة ميليشيات خاضعة تمامًا للحرس الثوري في خمس دول ومناطق في بلاد الشام (بما في ذلك غزة). وقد أدى ذلك إلى تفاقم التوتر القديم بين السنة والشيعة، مصحوبًا بالزعزعة المزمنة لهذا الجزء من العالم، وذلك فقط لإرضاء طموحات الهيمنة لجهاز الحرس الثوري. كل هذا... مغلف بخطاب معادٍ لأمريكا والغرب وموقف عدائي تجاه دول الخليج. في ضوء العدد الهائل من هذه المؤشرات والاعتبارات التي تراكمت على مدى أكثر من عشرين عامًا، يبرز سؤال مقلق: كيف يمكن لقادة طمحوا إلى لعب دور رئيسي، بل مهيمن، في المنطقة أن يظهروا مثل هذا العمى السياسي، ويسمحوا لأنفسهم بالاقتناع بأنهم يستطيعون بسط نفوذهم دون عقاب، في كل مكان، متجاهلين الحقائق المجتمعية والتاريخية والسياسية والثقافية والجيوسياسية لمنطقة المشرق؟ إن الإعصار الذي يضرب حاليًا العاصمة والعديد من المدن الإيرانية هو، إلى حد كبير، نتيجة لهذه الرغبة العنيدة في بناء هيكل قوة ضخم، لا يتناسب على الإطلاق مع قدرات النظام الفعلية والإمكانات الهائلة للخصم الذي افترض الملالي مواجهته.

عاصفة تلوح في أفق النظام الايراني
بقلم
روجيه بركه
نُشر

ليست هذه المرة الأولى التي ينزل فيها الإيرانيون إلى الشوارع للاحتجاج على حكامهم. لكن هذا الحراك الشعبي المتكرر يتميز بتعبئة فاعل جديد: تجار البازار، الذين يعتبرون من ركائز النظام الإسلامي. بدأ كل شيء في 28 ديسمبر، عندما أطلق تجار طهران إضرابًا للاحتجاج على التضخم المفرط والركود الاقتصادي. ومنذ ذلك الحين، توسعت الحركة لتشمل مطالب سياسية. منذ بدء الاحتجاجات، يلعب النظام على وتر التهدئة، معترفًا بـ "مطالب مشروعة" مرتبطة بالصعوبات الاقتصادية، وعلى وتر الحزم في مواجهة أي محاولة لزعزعة الاستقرار. اعتبر المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، الذي يتولى السلطة منذ عام 1989، يوم السبت، في اليوم السابع من الانتفاضة الشعبية، أن المطالب الاقتصادية للمتظاهرين "عادله" لكن "مثيري الشغب" يجب "وضعهم في مكانهم"... عقود من التمرد الشعبي شكلت حركات التمرد سمة مميزة لحياة الجمهورية الإسلامية منذ عام 1999. في يوليو من ذلك العام، اندلعت حركة احتجاج طلابية تهدف إلى الدفاع عن الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي. وقد أدى التدخل العنيف لقوات الباسيج إلى إنهاء الاحتجاج عملياً. في يونيو 2009، أدت إعادة انتخاب الرئيس المحافظ المتشدد محمود أحمدي نجاد المتنازع عليها، وهو المفضل لدى خامنئي، إلى حركة احتجاج تندد بالتزوير. وانتهى الأمر بالنظام إلى سحق الثورة باللجوء إلى قمع شديد أسفر عن عشرات القتلى وآلاف الاعتقالات، مما أضعف الأوساط السياسية والفكرية المعارضة تحت وطأة أحكام قاسية للغاية في كثير من الأحيان. في أواخر ديسمبر 2017، تظاهر مئات الأشخاص في مشهد، ثاني أكبر مدن البلاد، وفي مدن أخرى ضد ارتفاع الأسعار والبطالة والحكومة. وفي نوفمبر 2019، نُظمت مظاهرات بعد وقت قصير من الإعلان عن زيادة كبيرة في سعر البنزين. وهنا أيضًا، يُسجل مئات القتلى وآلاف الاعتقالات. في يوليو 2021، اندلعت احتجاجات ضد نقص المياه في محافظة خوزستان، التي ضربها الجفاف. بينما في طهران، احتج السكان على انقطاع الكهرباء. تتزايد أعداد الإيرانيات اللواتي يظهرن مكشوفات الرأس في الأماكن العامة في طهران والمدن الكبرى، متحديات بذلك إلزامية ارتداء الحجاب المعمول بها منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. يعود آخر انتفاضة، وربما الأكثر دموية، إلى سبتمبر 2022. أدت وفاة مهسا أميني، شابة كردية إيرانية اعتقلت لاتهامها بانتهاك قواعد اللباس المتبعة بارتداء حجاب غير محكم، إلى اندلاع أشهر من الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، تحت شعار "المرأة، الحياة، الحرية!". وقد قُتل عدة مئات من الأشخاص، بينهم عشرات من أفراد قوات الأمن، واعتقل آلاف المتظاهرين. تعبئة غير مسبوقة بالعودة إلى الحركة الاحتجاجية الحالية، فقد حشدت مدنًا كبيرة مثل أصفهان وشيراز وحتى مدينة قم المقدسة، معقل الفكر الخميني، حيث قُتل رجل جراء انفجار قنبلة يدوية كان ينوي استخدامها. لم يتردد بعض المتظاهرين في ترديد شعار «الموت للديكتاتور!»، وهو الشعار الشهير الذي أُطلق ضد الشاه خلال الثورة الإسلامية عام 1979. ويُستخدم هذا الشعار هذه المرة من قبل الشعب ضد طغيان الملالي... بحسب الصحفي اللبناني والباحث في الشأن الإيراني علي الأمين، فإننا نشهد اليوم «للمرة الأولى حركة نشأت داخل البازار الإيراني»، وهو ما يعتبر، في رأيه، «مؤشرًا مهمًا سيكون له تأثير كبير». ويذكّر الأمين بأن هذا «يعيدنا إلى الثورة الإيرانية، في بداياتها عام 1979: ما قلب مجرى الأحداث حينها كان الإضراب الذي نظمه البازار، والذي لعب دورًا رئيسيًا في سقوط نظام الشاه». لماذا البازار؟ «نظام الملالي يقوم على ثلاثة أعمدة رئيسية: الحوزات والسلطة الدينية، والحرس الثوري، والبازار»، يوضح علي الأمين. «جميع الحركات السابقة جرت خارج هذا الثالوث». ويضيف: «اليوم، دخل البازار الساحة ويؤثر حتى على السلطة الدينية بفضل 'الخمس' (خُمس أو 20%)، وهو ضريبة إسلامية واجبة على جميع الشيعة. يستخدم هذا العشر لتمويل رجال الدين بطريقة ما. يتم تمويل الحوزات من أموال الخمس، وما إلى ذلك. وهذا المال دائمًا في أيدي الطبقات الغنية، أي تجار البازار. داء واحد، أعراض متعددة الشارع الإيراني يتحرك، فالاقتصاد الوطني يضعف بسبب عقود من العقوبات الغربية المرتبطة ببرنامجه النووي. يؤدي الانخفاض المزمن في قيمة الريال الإيراني إلى تضخم مفرط (52% على أساس سنوي في ديسمبر) وتقلب شديد في الأسعار. كما يتولد الاستياء من تداعيات «حرب الأيام الاثني عشر» التي اندلعت في يونيو الماضي بين إسرائيل وإيران، والتي تعرضت خلالها المنشآت النووية الإيرانية لضربات جوية إسرائيلية وأمريكية. «إيران اليوم في مأزق»، يؤكد علي الأمين. «حتى في المظاهرات السابقة، كانت إيران تستطيع دائمًا مخاطبة شعبها قائلة: "نحن على حدود إسرائيل، نحن على حدود البحر الأبيض المتوسط، نحن نسيطر على العراق، نحن نسيطر على سوريا..." وهذا كان يشكل نوعًا من الضمان لبقاء النظام على الصعيد الداخلي». "لا غزة ولا لبنان، حياتي فداء إيران!" تجد السلطات الإيرانية نفسها أيضًا في عزلة بعد الضربات التي وجهت لحلفائها الإقليميين: حماس في غزة، حزب الله في لبنان، وسقوط النظام العلوي لبشار الأسد. بعض الإيرانيين يحملون منذ فترة طويلة استياءً من الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه طهران لهؤلاء الحلفاء، بينما يعاني البلد اقتصاديًا. وقد ذكرت قناة "إيران إنترناشيونال"، وهي قناة تلفزيونية ناطقة بالفارسية ومقرها خارج البلاد ومنتقدة للنظام، شعار "لا غزة ولا لبنان، حياتي فداء إيران!"، الذي ردده بعض المتظاهرين. «بانسحابها من سوريا وكشف أنشطتها في مناطق أخرى لم تكن تستهدفها من قبل، تواجه إيران الآن عدة مشاكل: أزمات داخلية متزايدة، وتراجع نفوذها الإقليمي والدولي، وتوتر العلاقات الخارجية، وتصاعد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية»، يتابع السيد الأمين، قبل أن يضيف: «أحد أبرز التطورات، وفقًا لمصادر إيرانية، هو أن المظاهرات تشمل الآن الطبقات المتوسطة والعليا على حد سواء. نلاحظ مظاهرات في قلب طهران وأصفهان وشيراز، وهي مدن تتميز تقليديًا بحركات من الطبقات الميسورة والمتوسطة، وهذا مؤشر مهم آخر. وتعتبر هذه الحركات من بين الخيارات المتاحة للنظام الإيراني حاليًا، ومصيرها يعتمد على تطور الوضع». يؤكد علي الأمين أن «تصريح ترامب، الذي يفيد بأنه سيتدخل للدفاع عن المتظاهرين، مؤشر مهم. فهو يعزز دافعية الشعب الإيراني ويحثه على التعبئة!». ومن اللافت أن الموساد الإسرائيلي دعا يوم الأربعاء الماضي المحتجين الإيرانيين إلى تكثيف حراكهم الاجتماعي: «اخرجوا معًا إلى الشوارع. لقد حانت الساعة. نحن معكم»، كما أكدت أجهزة المخابرات الخارجية الإسرائيلية على حسابها في X، موجهة حديثها بالفارسية للمتظاهرين! إلى أين تسير الأمور؟ الخيارات المتاحة للإيرانيين، بالنظر إلى هذا المأزق الداخلي والخارجي، تعتمد أيضًا على تطور الأحداث ومدتها وتصاعدها. «أعتقد أن إيران تواجه اليوم خيارًا: إما إبرام اتفاق وقبول تنازلات كبيرة بشأن برامجها النووية والباليستية، أو التفاوض المتزامن على اتفاق نهائي مع الأمريكيين، وهو ما سيعادل الاستسلام فعليًا»، يؤكد الأمين. وفقًا لعلي الأمين، «هذه ورقة رابحة كبيرة للنظام، وقد نشهد أيضًا تطبيق خطة تم الحديث عنها علنًا تقريبًا تهدف إلى استبدال المرشد الأعلى بلجنة ثلاثية الأعضاء. ستضم هذه اللجنة نجل خامنئي، مجتبى، وهو معاون مقرب جدًا لوالده ورئيس مكتبه، ويسيطر فعليًا على المؤسسات الحكومية الرئيسية وعملية صنع القرار في إيران. هذا سيفتح الطريق أمام التنازلات التي يطالب بها الأمريكيون». لا تقتصر المؤسسات الحكومية على الجهاز الديني ولا على الحرس الثوري. كما يشرف مجتبى خامنئي على شبكة من الشركات التي تشكل نوعًا من الاقتصاد الموازي يعادل 60% من الناتج المحلي الإجمالي الإيراني. وقد قُدر حجم هذا الإمبراطورية الصناعية والتجارية والطاقوية بـ 95 مليار دولار وفقًا لدراسة أجرتها رويترز...