شعار Levant Time
العودة إلى المقال
اقتصاد

“منطقة ترامب الاقتصادية”: حلم السلام وهاجس المؤامرة

صورة للأخبار
صورة المؤلف
بقلم نايلة عساف
نُشر ديسمبر 31, 2025 - 15:58

أثار اقتراح إنشاء منطقة اقتصادية في جنوب لبنان، الذي طرحه المبعوث الأمريكي توم باراك لأول مرة في أغسطس/آب 2025، صدمةً في البلاد. وتقوم فكرة مشروع "المنطقة الاقتصادية لترامب" على افتراض أن هذه المنطقة ستجذب الاستثمارات الأجنبية، وتموّل إعادة الإعمار، وبالتالي تضمن أمنًا مستدامًا. إلا أن أصواتًا عديدة حذرت من خطر تقويض سيادة الدولة اللبنانية من خلال إنشاء "محمية" إسرائيلية أمريكية في المنطقة الحدودية.

ويُعدّ مشروع "المنطقة الاقتصادية لترامب" جزءًا من نهج تبنّاه الرئيس الأمريكي الحالي لحلّ النزاعات عبر التنمية الاقتصادية والتجارة.

ويُعتبر هذا النهج أحد أركان الفكر الليبرالي في العلاقات الدولية. إذ تقوم نظرية "التجارة الناعمة" على فكرة أن التبادلات الاقتصادية بين الدول تُشكّل عاملًا أساسيًا للاستقرار السياسي والسلام. ومن خلال بناء علاقات تجارية متينة، تصبح الدول مترابطة، مما يقلل من دوافع اللجوء إلى الحرب. انتشرت هذه النظرية في القرن الثامن عشر على يد مونتسكيو، الذي كتب: "التجارة تُليّن وتُهذّب العادات الوحشية"، مؤكدًا أن التبادلات الاقتصادية تُحوّل ديناميكيات القوة إلى علاقات تعاونية. وقد طرح ترامب هذه الفكرة لغزة، من خلال "ريفييرا ترامب"، وكذلك لأوكرانيا، عبر تحويل دونباس إلى منطقة تجارة حرة تُفيد الروس والأوكرانيين على حد سواء.

المنطق الشرطي

بحسب فيليب سميث، الخبير الأمريكي في شؤون الشرق الأوسط الذي عمل في معهد واشنطن والمجلس الأطلسي، فإن المنطقة الاقتصادية تتجاوز الإطار السياسي البحت، وتستند إلى منطق شرطي واضح. ويؤكد سميث أن تطبيقها يتطلب مستوى عالٍ من التنظيم والتخطيط والتنسيق على أرض الواقع، وهي شروط أساسية لتخفيف المخاطر وجذب مستثمرين موثوقين. ويرى سميث أن هذا الشرط عاملٌ يدل على الجدية والجدوى، وليس عائقًا أمام التنمية.

أشار باراك في أغسطس/آب 2025 إلى استعداد السعودية وقطر لاستثمار مليارات الدولارات في المنطقة الاقتصادية، وهو تصريح لم يُعلّق عليه المعنيون. الأمر المؤكد هو أن هذه الاستثمارات مشروطة بضمانات أمنية محددة، أبرزها نزع سلاح حزب الله. بل إن بعض المصادر تُشير إلى استثمارات محتملة تصل إلى 10 مليارات دولار في البنية التحتية والمناطق الصناعية ومشاريع خلق فرص العمل. إلا أن هذه المبالغ لا تزال بحاجة إلى تأكيد من خلال التزامات رسمية. ووفقًا لسميث، لا توجد أرقام محددة حتى الآن. وتُظهر هذه المؤشرات اهتمامًا حقيقيًا بدعم التنمية الاقتصادية لجنوب لبنان وتوفير فرص عمل للسكان المحليين.

الخروج عن منطق المساعدات المؤقتة

يُمكن لجنوب لبنان، بقاعدته الاقتصادية الرسمية المحدودة، أن يستفيد من آثار مضاعفة كبيرة: خلق فرص عمل، وتطوير البنية التحتية، وزيادة التجارة، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية. وبالتالي، يُمكن للمنطقة الاقتصادية أن تُطلق ديناميكية إعادة إعمار مستدامة، وأن تُعيد تدريجيًا الثقة الاقتصادية إلى هذه المنطقة الهشة، كما يقول سميث.

يهدف هذا المشروع إلى تحويل منطقة عانت طويلاً من الصراع المسلح إلى فضاء منظم قادر على جذب رؤوس الأموال الإقليمية والدولية. وتسعى هذه المبادرة إلى تجاوز منطق المساعدات المؤقتة لصالح إعادة الإعمار القائمة على استثمارات طويلة الأجل.

ويتمثل هدف هذه المنطقة في دمج جنوب لبنان بشكل أفضل في الديناميكيات الاقتصادية الإقليمية، والحد من تأثير الاعتبارات السياسية التي هيمنت لفترة طويلة على الأجندة المحلية. بالنسبة للبنان، فإن الرهان واضح: إما اغتنام هذه الفرصة للقيام بإعادة إعمار منظمة ومستدامة، أو السماح للعقبات الداخلية، التي تفاقمت بسبب معارضة حزب الله، بحرمان جنوب البلاد من آفاق تنموية من شأنها أن تعيد تشكيل مستقبله الاقتصادي والأمني.

حالة من الفقر المدقع

يضفي عمق الأزمة اللبنانية أهمية خاصة على هذا المشروع. فمنذ عام 2019، انكمش الناتج المحلي الإجمالي للبنان بنحو 40%، وفقًا للبنك الدولي. ويتفاقم هذا التراجع بسبب انخفاض قيمة الليرة اللبنانية بأكثر من 98% مقابل الدولار، مما أدى إلى تضخم مفرط وفقدان هائل للقوة الشرائية. في عام 2022، كان 44% من السكان يعيشون تحت خط الفقر، أي ما يقارب 2.6 مليون شخص من أصل 5.8 مليون نسمة تقريباً. وقُدِّر معدل البطالة الإجمالي بنسبة 11.5%، ولكنه تجاوز 23.6% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً، أثر بشكل خاص على جنوب البلاد. أدى تراكم الخسائر المالية، وتدمير البنية التحتية، وانسحاب الاستثمارات العامة إلى آثار بالغة على المنطقة مما يُبرز الحاجة المُلحة إلى تنمية اقتصادية هيكلية.

اختبار سياسي

بحسب سميث، يُمكن لمعارضة حزب الله أن تُعرقل تنفيذ المشروع. ويؤثر هذا المأزق بشكل مباشر على جاذبية المنطقة الاقتصادية من خلال زيادة تكلفة المخاطر بالنسبة للمستثمرين المحتملين. وتهدف المنطقة إلى تغيير هذه المعادلة من خلال إدخال مصالح اقتصادية ملموسة قادرة على تحويل الاستقرار إلى منفعة مشتركة بدلاً من كونه قيدًا مفروضًا من الخارج.

ويُعدّ غياب تفويض لبناني واضح المعالم نقطة ضعف هيكلية، كما أنه يعكس محدودية قدرات الدولة. ويشير سميث إلى أن المشروع يُمثل اختبارًا سياسيًا للسلطات اللبنانية. ومن شأن مشاركة الدولة بشكل أكثر فاعلية أن تُحوّل هذه المبادرة الخارجية إلى مشروع وطني، وتُعزز الحوكمة الاقتصادية، وتُعيد تأكيد السلطة المؤسسية في منطقة تُهيمن عليها إلى حد كبير ديناميكيات قوى متوازية.

لذا، تبقى معارضة حزب الله العقبة الرئيسية. فوجودها المسلح ونفوذها السياسي يُصعّبان تأمين المنطقة ويُثنيان الاستثمار الأجنبي. إن الشرط الذي وضعه مستثمرو الخليج - وهو تقليص النفوذ العسكري لحزب الله - يُبرز مدى اعتماد نجاح المشروع على ميزان القوى المحلي المتغير، وعلى استعداد الميليشيا الموالية لإيران للتكيف مع ديناميكية اقتصادية قد تُضعف نفوذها في جنوب البلاد.

مخاوف

على الجانب الآخر من الحدود، ستستفيد إسرائيل من إنشاء هذه المنطقة. فمن خلال تحويل المنطقة الحدودية إلى مركز اقتصادي، يُمكن للمشروع أن يُخفف التوترات ويُقلل الوجود العسكري لحزب الله، ويُتيح فرصًا للتعاون غير المباشر. ورغم أن لجنة آلية مراقبة وقف إطلاق النار لم تُدرس المشروع بعمق بعد، إلا أن هذه المشاورات الأولية تُشير إلى أن النهج الاقتصادي قد يفتح قنوات حوار جديدة بين بيروت وتل أبيب. وتُشير عدة أصوات مُنتقدة إلى نية إسرائيل المزعومة إنشاء منطقة عازلة أمنية منزوعة السلاح والسكان، على غرار تلك التي يُقال إنها تسعى إلى تطبيقها على طول حدودها السورية والفلسطينية. وتُشير تقارير غير مؤكدة إلى إنشاء محيطات أمنية واسعة.

على الجانب الآخر من الحدود، من المتوقع أن تستفيد إسرائيل من إنشاء هذه المنطقة. في لبنان، تُؤجّج هذه التوقعات المخاوف من تحوّل ديموغرافي غير مباشر، يتمّ بموجبه تهجير السكان المحليين تدريجياً لإفساح المجال أمام نشاط اقتصادي خاضع لسيطرة خارجية.

ووفقاً للمصادر نفسها، يكمن القلق الرئيسي في خطر أن تُرسّخ هذه الآلية تهجيراً قسرياً دائماً، لا سيما وأنّ النزوح مستمر منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظلّ غياب أيّ استراتيجية واضحة المعالم لعودة النازحين وإعادة إعمار القرى المدمّرة.

في الوقت الراهن، لا تزال خطة ترامب مجرّد إعلان - رسميّ بالتأكيد، لكنّه غامض ومؤقت. وتعكس الأهمية التي تُعطى لتصريحات باراك الضائقة الاقتصادية التي تُعاني منها البلاد، وفي الوقت نفسه، تُثير التوقّع التقليدي لدى اللبنانيين للحصول على مساعدات من الخارج.

مقالات ذات صلة
عرض الكل
فيديوهات ذات صلة
عرض الكل
بودكاست ذات صلة
عرض الكل