شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
صورة أ ف ب
عين على الحدث
صورة المؤلف
بقلم هشام دبسي
نُشر أكتوبر 10, 2026 - 16:38
I - “من عاصفة الحزم” إلى “فجر اليمن” ليست المسافة بين “عاصفة الحزم” و”فجر اليمن” مجرد أحد عشر عاماً من الحرب اليمنية، بل هي مسافة سياسية واستراتيجية تختصر إخفاقات متراكمة، وتبدلات في موازين القوى، وتحولات في موقع اليمن ضمن الصراع الإقليمي، وصولاً إلى لحظة بات فيها أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب جزءاً من حسابات الحرب ومآلاتها. حين أطلقت السعودية عملية “عاصفة الحزم” في آذار/مارس 2015، كان الهدف المعلن استعادة السلطة المعترف بها دولياً، ووقف تمدد الحوثيين بعد سيطرتهم على صنعاء وتقدمهم نحو عدن. بدا التدخل محاولة لمنع انهيار معادلة سياسية وأمنية ترى الرياض أن استمرارها ضروري لحماية حدودها الجنوبية ومنع تحوّل اليمن إلى قاعدة نفوذ معادية على الخاصرة الجنوبية للمملكة. لكن السنوات التالية أظهرت أن التفوق الجوي لا يكفي وحده لإنتاج سلطة سياسية مستقرة، وأن استعادة المواقع لا تعني بالضرورة استعادة الدولة، مثلما أن إضعاف الخصم عسكرياً لا يؤدي تلقائياً إلى تفكيك قدرته على إدارة الصراع. فقد بقي الحوثيون قوة مسيطرة على صنعاء وأجزاء واسعة من شمال اليمن، فيما عانت القوى المناهضة لهم من الانقسام وتعدد مراكز القرار، واستمرت الأزمة الإنسانية والاقتصادية في استنزاف المجتمع اليمني. لم تكن المشكلة في غياب القوة العسكرية وحدها، بل في الفجوة بين أهداف الحرب المعلنة والقدرة على تحويل نتائجها الميدانية إلى تسوية سياسية قابلة للحياة. وهنا يكمن أحد أهم دروس التجربة السابقة: لا يمكن بناء الدولة بمجرد استعادة الأرض، إذا بقيت السلطة موزعة بين قوى متنافسة، وظلت المؤسسات رهينة الولاءات العسكرية والحسابات الإقليمية. ومن هذه الزاوية ينبغي قراءة عملية “فجر اليمن”، التي أطلقتها القوات الحكومية اليمنية في تشرين الأول/أكتوبر 2026، بدعم سعودي، في ظل تصاعد المواجهة على الساحل الغربي ومناطق ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. من إدارة الحرب إلى تغيير شروطها ما يميز اللحظة الراهنة أن المعركة لم تعد محصورة في خطوط التماس داخل اليمن. فقد تداخلت الجبهة اليمنية مع أمن السعودية، ومصالح التجارة الدولية، والتنافس الإقليمي على الممرات البحرية. وبذلك، لم يعد باب المندب مجرد مضيق جغرافي تطل عليه السواحل اليمنية، بل أصبح نقطة ارتكاز في معادلة أمنية واقتصادية تتجاوز اليمن نفسه. من هنا يمكن فهم انتقال مركز الثقل إلى الساحل الغربي والمناطق المحيطة بالمضيق. فاستعادة هذه المواقع لا تعني فقط تقليص مساحة سيطرة الحوثيين، بل تستهدف أيضاً الحد من قدرتهم على استخدام الجغرافيا اليمنية ورقة ضغط على السعودية والملاحة الدولية. غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تريد الرياض استعادة المواقع الاستراتيجية وتأمين حدودها وممراتها البحرية، أم أنها تسعى إلى إعادة تشكيل ميزان القوى اليمني بما يتيح لها فرض تسوية سياسية بشروط مختلفة؟ قد تجتمع الأهداف الثلاثة في استراتيجية واحدة، لكن لكل منها متطلبات مختلفة. فتأمين مضيق بحري يمكن أن يتحقق بعملية عسكرية محدودة نسبياً، أما إنهاء السيطرة الحوثية على صنعاء فيحتاج إلى حملة أوسع وأكثر تعقيداً، في حين يتطلب بناء تسوية مستقرة معالجة الانقسامات اليمنية، وليس الاكتفاء بتغيير خطوط السيطرة. وهذا هو الاختبار الحقيقي لـ«فجر اليمن»: هل تنجح في الربط بين القوة العسكرية والشرعية السياسية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، أم تتكرر الفجوة التي طبعت سنوات الحرب السابقة؟ باب المندب: الجغرافيا التي غيّرت حسابات الحرب تُظهر تطورات المواجهة أن السيطرة على الساحل الغربي أصبحت محوراً أساسياً في المعركة. لكن الإعلان عن استعادة مواقع استراتيجية لا يحسم وحده حقيقة السيطرة الميدانية، ولا يضمن القدرة على الاحتفاظ بها. فالمواقع الساحلية تحتاج إلى قوة قادرة على حماية خطوط الإمداد ومنع الخصم من العودة إليها أو تهديدها من جبهات أخرى. وقد أظهرت الهجمات المتبادلة على المنشآت السعودية أن المواجهة لا تجري في اتجاه واحد. فكلما ارتفعت قيمة الأهداف العسكرية والاقتصادية، ازدادت احتمالات الرد عليها في جغرافيا أوسع. وقد تتحول المعركة من محاولة لتأمين الملاحة إلى مواجهة استنزاف متبادل، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الاقتصاد والطيران والطاقة. لذلك، لا يتعلق السؤال فقط بمن يسيطر على باب المندب في لحظة معينة، بل بمن يمتلك القدرة على تأمينه بصورة مستدامة، ومن يستطيع منع استخدامه أداة للضغط السياسي والعسكري. الحوثيون ومعضلة القوة المقابلة لا يمكن التعامل مع الحوثيين باعتبارهم قوة تنتهي بمجرد خسارة بعض المواقع. فقد راكموا خلال سنوات الحرب خبرة قتالية وتنظيمية، واستفادوا من سيطرتهم على مؤسسات ومناطق واسعة، وطوّروا أدوات للضغط تتجاوز الجبهات البرية. كما أن علاقتهم بإيران تضيف بعداً إقليمياً إلى المواجهة، وإن كان من الخطأ اختزال الحركة اليمنية كلها في هذه العلاقة وتجاهل جذورها المحلية. إن التحدي الذي تواجهه القوات الحكومية لا يتمثل في التقدم نحو مواقع محددة فحسب، بل في تحويل التقدم إلى تغيير مستدام في ميزان القوى. وهذا يتطلب تنسيقاً بين التشكيلات العسكرية، وتوحيداً للقرار، وإدارة سياسية للمناطق المستعادة، ومعالجة المصالح المحلية التي تؤثر في استمرار القتال أو توقفه. وهنا تظهر معضلة القوى المناهضة للحوثيين. فالحكومة ومجلس القيادة الرئاسي ليسا وحدهما طرفي المشهد؛ إذ توجد قوى جنوبية لها مشروعها السياسي الخاص، وتشكيلات عسكرية ذات قواعد ومصالح مختلفة، وقوى محلية في الساحل الغربي ومأرب وتعز. وقد تتفق هذه الأطراف على مواجهة الحوثيين، لكنها لا تتفق بالضرورة على شكل الدولة المقبلة أو توزيع السلطة والثروة فيها. إن توحيد هذه القوى ليس مسألة تنظيمية ثانوية، بل شرط سياسي وعسكري لأي تحول طويل الأمد. فالتقدم الميداني الذي لا يستند إلى توافق على إدارة المناطق المستعادة قد يفتح نزاعات جديدة، ويعيد إنتاج الانقسام تحت عناوين مختلفة. الدرس الذي لم تُنْهِه عاصفة الحزم لقد أثبتت التجربة أن الحرب اليمنية لا تُختصر في مواجهة بين السعودية والحوثيين، ولا في صراع بين نفوذ عربي وآخر إيراني. إنها أيضاً أزمة دولة، وانهيار انتقال سياسي، وتنافس على السلطة والموارد، وصراع بين تصورات مختلفة لمستقبل اليمن. ولهذا ينبغي ألا تقوم المقارنة بين “عاصفة الحزم” و”فجر اليمن” على حجم الغارات أو عدد المواقع المستعادة، بل على اختلاف الأهداف والظروف والقدرة على تحويل القوة إلى نتائج سياسية. فالتجربة الأولى لم تنجح في إنهاء الحرب أو إعادة بناء سلطة مركزية مستقرة، أما العملية الجديدة فتواجه اختباراً أشد تعقيداً: استعادة المبادرة في ظل انقسام يمني متراكم، وتهديدات عابرة للحدود، وممرات بحرية أصبحت جزءاً من حسابات الصراع الإقليمي. إذا كان “فجر اليمن” يمثل انعطافة فعلية، فلن يكون ذلك لأن عملية عسكرية بدأت أو لأن جبهة تقدمت، بل لأن ميزان القوى قد يتغير بطريقة تفتح باباً سياسياً لم يكن متاحاً من قبل. أما إذا بقيت الأهداف العسكرية منفصلة عن مشروع الدولة، فقد تنتهي الجولة الجديدة إلى تعديل خطوط المواجهة من دون تغيير طبيعة الأزمة. من هنا تبدأ الأسئلة الأصعب التي يتناولها الجزء الثاني: ما الذي تريده السعودية فعلياً من الحرب الجديدة؟ وما حدود الدور الإيراني؟ وهل تستطيع القوى اليمنية بناء شراكة سياسية تتجاوز خلافاتها؟ وأي مسار يمكن أن يقود إلى إنهاء الحرب، لا إلى تدويرها في جولة أخرى؟
دراسة
صورة المؤلف
بقلم خليل حلو - نُشر أكتوبر 10, 2026 - 10:23
صورة للأخبار
تُظهر هذه اللقطة المأخوذة من فيديو نشره المركز الإعلامي لأنصار الله في 7 أكتوبر 2026، مقاتلًا تابعًا للسلطات الحوثية يطلق النار من رشاش أثناء تقدم ضد القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية، في محافظة تعز، بحسب وسائل الإعلام الحوثية. (عبر وكالة فرانس برس)
I. الملخص التنفيذي أدّى انهيار هدنة عام 2022 إلى تحوّل الصراع اليمني إلى حرب تقليدية عالية الحدة. وتهدف «عملية فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً والقوات المتحالفة معها بدعم من الرياض، إلى كسر التهديد الحوثي المزدوج، إذ تشكل الجماعة الحوثية المدعومة من إيران خطراً على الممر البحري لباب المندب والبحر الأحمر، وعلى المنشآت النفطية داخل اليمن نفسه، ولا سيما في مأرب، وفي المملكة العربية السعودية. بات هذا الصراع يتمحور حول ثلاث ديناميات رئيسية: تأمين الجناح الغربي (الساحل الغربي لليمن على البحر الأحمر)، وخنق المراكز الحضرية (تعز)، والتدويل المباشر للصراع عبر تفعيل تحالفات عسكرية مع أطراف ثالثة (تركيا وباكستان). II. تحليل المسرح العسكري الساحلي والمشهد الطبوغرافي تستند استراتيجية التحالف إلى نهج منهجي لاستعادة السيطرة على الممرات المائية الدولية وإحكام تأمينها. ويتمثل ذلك في تأمين مضيق باب المندب ومدينة المخا المينائية. وقد أمّنت القوات المشتركة الموالية للحكومة، وهي ألوية العمالقة ودرع الوطن ومقاومة تهامة، بالفعل مطار ذباب العسكري جنوب المخا، بما يتيح إمكانية فتح خط إمداد جوي، كما أمّنت مدينة المخا نفسها. الهدف المباشر هو حرمان الحوثيين من قواعد لإطلاق المسيّرات البحرية السطحية، أو ما يُعرف عسكرياً بالأجهزة المتفجرة البحرية المرتجلة (IMED)، ومن الألغام البحرية. وقد استُخدمت هذه الأجهزة سابقاً بصورة مدمرة في أوكرانيا وأغرقت سفناً بارزة في البحرية الروسية، كما استخدمها الأميركيون في إيران ضد الموانئ الإيرانية التي تؤوي الزوارق السريعة التابعة للجمهورية الإسلامية. يتخذ المشهد الطبوغرافي الشكل الآتي: محافظة تعز ساحلية وجبلية. تقع في جنوب غرب اليمن، وتضم مدينتي ذباب، التي يرتبط اسمها بباب المندب، والمخا. وتضم المحافظة قمماً عديدة، يشرف بعضها على السهل الساحلي الممتد من باب المندب إلى الحديدة، وهو ميناء بحري مهم لا يزال بيد الحوثيين، مروراً بذباب والمخا. وتكتسب المرتفعات المسيطرة في هذه المحافظة، ولا سيما مرتفعات حيفان وكهبوب، أهمية اليوم لأنها لا تشرف فقط على السهل الساحلي الغربي لليمن، بل أيضاً على خطوط إمداد القوات الحكومية الممتدة من عدن إلى باب المندب. عزّزت القوات الحكومية مواقعها في جبال المنظرة والعشاري وذيبان في قطاع حيفان، على ارتفاع يتراوح بين 1000 و1500 متر وعلى مسافة 50 إلى 60 كيلومتراً من الساحل، كما سيطرت خصوصاً على سلسلة جبل كهبوب الاستراتيجية، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من الساحل. وهذا يعني أن نشر مدفعية بعيدة المدى أو صواريخ تقليدية على هذا الجبل يجعل الساحل الشرقي ضمن مدى النيران، ما يصعّب على الحوثيين شن هجمات مضادة. فضلاً عن ذلك، فإن السيطرة على هذه القمم وعلى جبل زَلات، منذ 22 سبتمبر، تحرم الحوثيين من السيطرة النارية البصرية على الطريق الساحلي. كما تؤمّن الجناح الشرقي للمحور اللوجستي للتحالف، وهو شرط لا غنى عنه لمواصلة العمليات على المحور الساحلي الممتد من الجنوب إلى الشمال باتجاه الحديدة. أحد مقاتلي الحوثيين في مرتفعات تعز. يمكن وضع كل ما سبق في إطار التحضير لتشكيل قتالي هجومي ضد الحديدة. وهذا مطلب جيوسياسي تتقاطع بشأنه مصالح متعددة، ولا سيما مصالح أميركية وأوروبية وعربية وآسيوية وأفريقية. إن وجود ساحل شرقي للبحر الأحمر يضم ميناءً خاضعاً لسيطرة الحوثيين يشكّل ورقة بيد طهران ينبغي انتزاعها. وستكون العملية في الحديدة مكلفة، إذ يعزز الحوثيون دفاعاتهم جنوب المدينة وفي سهل تهامة المحيط بها، ما دفع رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، إلى إصدار تحذير بإجلاء المدنيين. تنفذ القوات الموالية للحكومة مناورة كماشة انطلاقاً من عقد طرق، ولا سيما في حيس والخوخة. وقد قصفت البحرية السعودية بالفعل ميناء المدينة لتدمير مخزونات الألغام والطائرات المسيّرة البحرية. ومن المرجح أن تحظى القوات الموالية بدعم من الطيران السعودي، الأقوى في المنطقة، ولا سيما من الدعم الاستخباراتي للقيادة المركزية الأميركية (CENTCOM) التي توفر معلومات استخباراتية تكتيكية في الوقت الفعلي. يجري إذن التحضير للهجوم على ميناء الحديدة. فأي تأخير في عملية الحديدة أو إلغاؤها سيمنح الحوثيين الوقت لإقامة منظومة دفاعية قتالية متينة، ويتيح لهم فرصة ضرب أهداف رخوة في عدن والسعودية، ولا سيما المطارات والمنشآت النفطية ومحطات تحلية مياه البحر. III. تأمين الداخل والمأزق الاستراتيجي: تعز ومأرب إذا تقدمت قوات التحالف على الساحل، فمن المؤكد أن الجبهات الداخلية ستتعرض لضغط هائل. تدافع عن مدينة تعز ما بين 15,000 و20,000 جندي من الجيش اليمني النظامي (الألوية 22 و17 و35)، تدعمهم مقاومة محلية وتعزيزات خارجية (درع الوطن والعمالقة). ويتمركزون بقوة في مرتفعات حضرية حول المدينة، ويبدون مقاومة شرسة للحوثيين. تمتلك هذه القوات مدفعية خفيفة وأنظمة حديثة مضادة للطائرات المسيّرة، كما أن قدرتها الدفاعية في القتال الحضري ممتازة. وتتعرض المدينة منذ بضعة أيام لحصار عملياتي كامل. وقد قطعت القوات الحوثية طريق هيجة العبد، وهو ممر جبلي يربطها بعدن، ما أدى إلى قطع شريان الإمداد بالكامل. يتلقى الحوثيون الذين يحاصرون المدينة إمدادات متواصلة من الشمال عبر محور صنعاء–ذمار–إب، الذي يتعرض باستمرار لضربات جوية سعودية ويمنية. وفي مواجهة هذا الوضع، يستخدم الحوثيون شبكات ثانوية من الوديان تتيح لهم الالتفاف على الحظر الجوي الذي يفرضه التحالف. وتحاول الحكومة فك الطوق عبر معارك عنيفة عند المعابر الجبلية التي لا يزال المتمردون يسيطرون عليها. تكتسب مأرب، الواقعة تحت سيطرة القوات الموالية للحكومة في شمال شرقي اليمن، أهمية استراتيجية كبرى، إذ تضم المنطقة بنى تحتية نفطية وغازية تمثل الموارد الرئيسية للحكومة اليمنية. ويستهدف هجوم حكومي مزدوج في هذا القطاع جبهات رغوان (شمال جبهة مأرب) والمناطق الجنوبية لحماية هذه المنشآت، التي تعد أهدافاً رخوة ذات أولوية للهجمات الحوثية المضادة. الخسائر فادحة لدى الطرفين، ومن بينها جنرال موالٍ للحكومة. وإلى جانب ذلك، فتحت الحكومة محوراً هجومياً مباشراً نحو العاصمة صنعاء، وتتقدم شمالاً في حرض (حجة/صعدة) باتجاه معقل الحوثيين في حيدان. ومع ذلك، ينبغي توقع جمودٍ في المعارك وحرب استنزاف، لأن ميزان القوى البرية لا يزال يميل لمصلحة الحوثيين. وتتمثل قوة القوات الحكومية في التفوق الجوي والتكنولوجي بفضل السعوديين والأميركيين، بينما يتمتع الحوثيون، الذين يملكون أفضلية عددية، بقدرات كبيرة غير متماثلة، ولا سيما الطائرات المسيّرة، إضافة إلى الصواريخ الباليستية التي لا يترددون في استخدامها ضد أهداف مدنية. IV. إعادة تشكيل التحالفات والامتداد الإقليمي يمثل تدويل الصراع منعطفًا جيوسياسيًا كبيرًا. ففي إطار ميثاق مكة، كانت إسلام آباد قد نشرت بالفعل قدرات عسكرية داعمة على الأراضي السعودية. ويؤمّن هذا الانتشار الدفاع عن المجال الجوي والاستطلاع والتنسيق التكنولوجي، بما يتيح للقوات السعودية التفرغ للعمليات الهجومية في اليمن. أما أنقرة فتنتظر الضوء الأخضر من برلمانها للقيام بذلك، ولا يزال نوع القوات التي ستُنشر غير معروف، إلا أنها ستشمل بالتأكيد تقنيات متقدمة. سحبت الإمارات العربية المتحدة رعايتها المباشرة في اليمن. وتعيد أبوظبي توجيه استراتيجيتها نحو السيطرة على البنى التحتية للموانئ في القرن الأفريقي، ولا سيما في صوماليلاند وإثيوبيا، وكذلك نحو قوات الدعم السريع في السودان... ومع ذلك، يحرص الأسطول الإماراتي على إبقاء ممر البحر الأحمر مفتوحًا رغم تناقضاته مع السعودية في القرن الأفريقي. ولذلك قد يمتد الصراع اليمني إلى الضفة الأفريقية. وتواصل إريتريا والسعودية دعمهما للجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان في مواجهة قوات الدعم السريع. وبالتوازي مع ذلك، تراقب الرياض عن كثب مساعي إثيوبيا، المدعومة من الإمارات، للوصول إلى البحر الأحمر، لما قد تسببه من زعزعة استقرار حليفها الإريتري. خامسًا: الآفاق وتقييم المخاطر ينذر الصراع اليمني بأن يصبح بؤرة مواجهة متعددة الأطراف للسيطرة على الأمن البحري وتدفقات الطاقة العالمية. وبما أن تحقيق نصر سريع لأي من الطرفين أمر مستبعد، فإن السيناريو الأرجح هو حرب استنزاف عنيفة ومدمرة خلال الأشهر المقبلة.
ملخص اليوم

جائزة نوبل للسلام لإنقاذ القانون الدولي المهدد بالخطر

منحت الجائزة المرموقة للجنوب أفريقية نافي بيلاي، المدافعة الدؤوبة عن المظلومين
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر أكتوبر 9, 2026 - 20:37
صورة للأخبار
تسلّمت نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام لعام 2026 في قاعة المحكمة التاريخية رقم 600 بقصر العدل في نورمبرغ، جنوب ألمانيا، وهي القاعة نفسها التي شهدت محاكمات نورمبرغ ضد قادة ألمانيا النازية في عامي 1945 و1946…
يأتي منح جائزة نوبل للسلام للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي في سياق تشكيك متزايد في القانون الدولي، الذي أضعفته كثرة النزاعات والهجمات على المؤسسات المكلفة بإنفاذه. فمنذ عدة أشهر، تتوالى تقارير وتصريحات المنظمات الدولية للتحذير من الأخطار التي تهدد حقوق الإنسان وأسس النظام القانوني العالمي. ويجسّد هذا الوضع ردّ إسرائيل الغاضب على هذا التكريم، إلى جانب الهجوم الأميركي الجديد على المحكمة الجنائية الدولية. مُنحت جائزة نوبل للسلام يوم الجمعة للقاضية نافي بيلاي، وهي جنوب أفريقية تبلغ 85 عاماً كرّست جزءاً كبيراً من حياتها للدفاع عن القانون الدولي. وقد ترأست السيدة بيلاي، على وجه الخصوص، لجنة التحقيق المستقلة التابعة للأمم المتحدة التي اتهمت إسرائيل العام الماضي بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة. طوال مسيرتها، ناضلت الجنوب أفريقية التي نشأت في ظل نظام الفصل العنصري ضد أبشع الفظائع، من رواندا إلى الشرق الأوسط. وقالت محذّرة يوم الجمعة، خلال مؤتمر صحافي عُقد في نورمبرغ في قاعة حوكم فيها كبار المسؤولين النازيين، وهي تهدي جائزة نوبل «إلى جميع الناجين من الجرائم الدولية»: «نمرّ بمرحلة يتعرض فيها القانون الدولي وحقوق الإنسان لهجمات سياسية كبيرة»… مدافعة لا تكلّ عن حقوق الإنسان السيدة بيلاي محامية من أصول هندية، أصبحت قاضية ثم مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (2008-2014)، وتشتهر بقدرتها على التعامل مع أكثر الملفات صعوبة. قادتها مسيرتها من محاكم جنوب أفريقيا، حيث دافعت عن ناشطي مناهضة الفصل العنصري، إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، مروراً بالمحكمة الجنائية الدولية. مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، هولندا. اكتسبت شهرة عالمية بفضل انتقاداتها الحادة للقمع الذي مارسته عدة حكومات ضد التظاهرات الشعبية في العالم العربي، ولا سيما في ليبيا وسوريا. وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان الساحلية، وهي ابنة سائق حافلة وتنحدر من عائلة من أصول تاميلية، وقد سلكت مساراً استثنائياً. نشأت في حي فقير من هذه المدينة الساحلية، ودرست القانون ثم نالت درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد الأميركية المرموقة. أصبحت أول امرأة ملوّنة تفتتح مكتب محاماة في إقليم كوازولو-ناتال، ودافعت بشراسة عن معارضي نظام الفصل العنصري. «البكاء أو القتال» بعد عام من انتخاب نيلسون مانديلا في 1994، أصبحت أول امرأة ملوّنة تُعيّن في المحكمة العليا بجنوب أفريقيا. وفي العام نفسه، وبمساندة مانديلا، انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا. كانت من بين القضاة الذين أصدروا حكماً تاريخياً أفضى إلى الاعتراف بالاغتصاب بوصفه سلاحاً من أسلحة الإبادة الجماعية. وقالت السيدة بيلاي لوكالة فرانس برس في مقابلة عام 2023: «تعرضنا لأبشع الإهانات والتمييز العنصري، وأُسيئت معاملتنا وعوملنا كأننا لا شيء». ففي ظل الفصل العنصري، كان المجتمع الهندي يُصنّف مجموعةً عرقية منفصلة ويخضع لأشكال كثيرة من التمييز. وأكدت أن الخيار كان بسيطاً آنذاك: أن تكون «ضعيفاً وتبكي» أو أن «تقاتل في كل مباراة». وأضافت: «كنت دائماً أعرف من أنا وكيف أواجه كل أشكال التمييز، بأن أجرؤ على الكلام وأدينها. وهذا ما فعلته في الأمم المتحدة». إسرائيل تستحضر… غوبلز في سبتمبر/أيلول 2025، خلصت لجنة التحقيق التي ترأستها — والتي لا تتحدث باسم الأمم المتحدة — إلى أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة منذ بداية الحرب التي أشعلها هجوم حماس غير المسبوق في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. كانت إسرائيل قد رفضت هذا التقرير رفضًا قاطعًا، واصفةً إياه بأنه «منحاز وكاذب»، ومتهمةً معدّيه بالتحيز المعادي للسامية. ملصقات في باريس. اعتبرت وزارة الخارجية الإسرائيلية، في ردّ نشرته الجمعة على منصة إكس، أن منح جائزة نوبل للسيدة بيلاي يضفي الشرعية على «الكراهية المعادية لإسرائيل»، مضيفةً أن جوزف غوبلز، رئيس الدعاية النازية، لا بد أنه «يصفق من الجحيم». وفي عام 2024، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أيضًا مذكرات توقيف، لا تزال غير منفذة، بحق بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. وردًا على ذلك، كان دونالد ترامب قد فرض بالفعل عقوبات على عدد من قضاة المحكمة الجنائية الدولية ومدّعيها العام وأعضاء من طاقمها. وفي الشهر الماضي، ذهب أبعد من ذلك بدعوة الدول الأعضاء إلى الانسحاب من هذه المؤسسة، التي وصفها بأنها «خبيثة». «محكمة مارقة» والجمعة، بعد ساعات من الإعلان عن جائزة نوبل، جدّدت الحكومة الأميركية إجراءاتها بإعلان عقوبات جديدة على المحكمة، مبررةً هذه الخطوات برغبتها في «الدفاع عن السيادة الأميركية». وشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو على أن «هم يريدون مزيدًا من السلطة، ويريدونها على حسابنا»، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية في الوقت نفسه بأنها «محكمة مارقة». وأضاف: «نأمل أن يعمل حلفاؤنا على كبح جماح المحكمة. وإلا فإن الولايات المتحدة ستواصل تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، لبنةً لبنة، إلى أن يصبح الأميركيون بمنأى عن التهديد». ورحّب بنيامين نتنياهو بالعقوبات الأميركية، واصفًا المحكمة الجنائية الدولية بأنها «خطر مميت على الديمقراطيات التي تحترم سيادة القانون». وقال نتنياهو: «المحكمة الجنائية الدولية ليست محكمة، بل كيان سياسي». وعلى منصة إكس، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السيدة بيلاي أيضًا بأنها شخصية «طائفية» «تشيطن اليهود».
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
بداية انفراج في العلاقات بين كولومبيا والولايات المتحدة

بوغوتا، كولومبيا، بقلم ماكسيم بلوفينه قد يكون لتطور مفاجئ حدث في منتصف هذا الأسبوع تأثير كبير على مسار الأحداث الجارية في أمريكا اللاتينية. تلوح في الأفق (بشكل خجول) بداية انفراج بين الولايات المتحدة وكولومبيا، بينما كانت العلاقات بين البلدين متوترة بشكل خاص منذ عدة أشهر. واتهمت واشنطن الرئيس الكولومبي، غوستافو بيترو، بتسهيل عمل مهربي المخدرات في القارة الأمريكية، وخاصة المتجهين إلى الولايات المتحدة، وقد تعرض مؤخرًا لعقوبات أمريكية. تصاعد هذا التوتر الثنائي عدة درجات بعد عملية «الضربة القاضية» التي نفذتها القوات الأمريكية في 3 يناير الماضي في كاراكاس. وقد أسفر هذا التدخل عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو من قبل وحدة كوماندوز أمريكية، والذي تم تسليمه إلى الولايات المتحدة. في أعقاب هذا الهجوم العنيف، أشار الرئيس دونالد ترامب بإصبعه إلى رئيس الدولة الكولومبية، مما يوحي بأنه قد يكون أحد الأهداف التالية في إطار مكافحة تهريب المخدرات. ولكن حدث تطور غير متوقع في هذا الصدد خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية: بينما كان الرئيس بيترو يستعد لإلقاء خطاب ناري والانتقاد بشدة لإدارة ترامب، جرت مكالمة هاتفية بين رئيس البيت الأبيض والرئيس الكولومبي. ووفقًا لمصادر موثوقة في بوغوتا، جرت هذه المكالمة الهاتفية في جو مريح وهادئ. وبالتالي، كان خطاب بيترو أقل حدة بكثير مما توقعه المراقبون. في الأوساط الدبلوماسية في بوغوتا، يُشار إلى أن هذا التحول يمثل بداية انفراج بين الولايات المتحدة وكولومبيا. يُعتقد أن عملية مناقشات صريحة ومحادثات قد بدأت «بمباركة من المملكة العربية السعودية وبعض الدول الأوروبية»، حسبما تفيد الأوساط الدبلوماسية المعنية. وقد عُقد اجتماع بشكل خاص في وزارة الخارجية الكولومبية مع ممثل عن إدارة ترامب. «هذه خطوة أولى على طريق عملية حوار ثنائي طويلة يجب أن تتناول عدة ملفات ذات أهمية قصوى، بما في ذلك رفع العقوبات عن الرئيس بيترو الذي ينبغي أن يتمكن من السفر إلى واشنطن لإجراء مفاوضات مع الرئيس ترامب»، حسبما تؤكد مصدر دبلوماسي رفيع المستوى في بوغوتا. لا شك أن هذه الديناميكية، إذا تأكدت واكتملت، ستقدم وضعًا جديدًا كبيرًا في لعبة الشطرنج الجيوسياسية الحساسة التي تُمارس حاليًا في القارة الأمريكية.

احتمالات تزعزع النظام الإيراني وانعكاساته على حزب الله ولبنان

تُثار مسألة مستقبل النظام الإيراني اليوم ليس بوصفها سؤالًا نظريًا، بل نتيجة تراكم أزمات داخلية وضغوط خارجية غير مسبوقة منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979. غير أن أهمية هذا السؤال لا تكمن في مصير طهران وحدها، بل في تداعيات أي تحوّل في مركز القرار الإيراني على البنى المرتبطة به إقليميًا، وفي مقدّمها حزب الله في لبنان، الذي يُعدّ النموذج الأكثر اكتمالًا لـ«الذراع الوظيفية» خارج الحدود. أولًا: طبيعة العلاقة بين إيران وحزب الله لا يمكن مقاربة تأثير أي اهتزاز في النظام الإيراني على حزب الله من دون توصيف دقيق لطبيعة العلاقة بين الطرفين. فهذه العلاقة: • ليست تحالفًا سياسيًا ظرفيًا. • ولا تنحصر بالدعم المالي أو العسكري. • بل تقوم على ترابط عقائدي وتنظيمي واستراتيجي. حزب الله نشأ في سياق تصدير الثورة، وتطوّر ضمن عقيدة «ولاية الفقيه»، ما يجعل مرجعيته النهائية فوق وطنية. وبالتالي، فإن أي تغيّر في مركز هذه المرجعية لا ينعكس فقط على مستوى الموارد، بل على شرعية الدور والوظيفة والقرار. ثانيًا: النظام الإيراني بين الصلابة الأمنية والتآكل البنيوي يُظهر النظام الإيراني قدرة واضحة على ضبط الشارع عبر: • تماسك الحرس الثوري. • السيطرة على مفاصل الاقتصاد الريعي. • إدارة القمع بكلفة محسوبة. إلا أن هذا التماسك يخفي تآكلًا بنيويًا يتمثل في: • تراجع الشرعية الشعبية. • تصدّع العقد الاجتماعي. • تحوّل الأيديولوجيا من عنصر تعبئة إلى عبء. • انقسام صامت داخل النخب بين منطق الدولة ومنطق الثورة الدائمة. هذا النموذج يشبه، من حيث البنية، أنظمة عقائدية تاريخية لم تسقط عند ذروة الاحتجاج، بل عند لحظة فقدان القدرة على إدارة التناقضات الداخلية. ثالثًا: المقارنة التاريخية – دروس قابلة للإسقاط 1. الاتحاد السوفياتي لم يسقط الاتحاد السوفياتي نتيجة ثورة شعبية مباشرة، بل بسبب: • إنهاك اقتصادي طويل. • عجز عن الإصلاح من داخل العقيدة. • فقدان السيطرة على الأطراف قبل سقوط المركز. الأحزاب التابعة في أوروبا الشرقية لم تنهَر فورًا، لكنها فقدت وظيفتها فجأة عند غياب المركز. هذا النموذج قابل للإسقاط جزئيًا على حالة حزب الله في حال تراجع القدرة الإيرانية على التمويل والحماية الاستراتيجية. 2. نظام الشاه رغم اختلاف السياق، يُظهر سقوط الشاه أن: • الأجهزة القوية لا تكفي إذا ترددت في لحظة الحسم. • الشرعية إذا انهارت لا تُعوّض بالقوة. • الخارج لا ينقذ نظامًا فقد تماسكه الداخلي. المفارقة أن النظام الذي أسقط الشاه بات اليوم يواجه ديناميات مشابهة، مع فارق امتلاكه شبكة أذرع إقليمية. 3. الأنظمة العربية بعد 2011 أظهرت التجربة العربية أن: • الأنظمة لا تسقط دائمًا، لكنها تفقد قدرتها على التحكم الكامل. • الأطراف المسلحة المرتبطة بها تصبح أكثر عدوانية كلما ضعف المركز. • الدول الهشة تدفع ثمن هذا الضعف مضاعفًا. رابعًا: السيناريوهات المحتملة لانعكاس التحوّل الإيراني على حزب الله 1. الاستمرار مع تراجع تدريجي في هذا السيناريو، يبقى النظام قائمًا لكن أقل قدرة على: • التمويل السخي. • إدارة المواجهات المفتوحة. • حماية الأذرع من الضغوط الدولية. ما يدفع حزب الله إلى: • خفض سقف الاشتباك. • التركيز على الداخل. • إعادة ترتيب الأولويات. 2. تشدد تعويضي نظام مأزوم قد يلجأ إلى: • تصعيد إقليمي. • استخدام الأذرع كأدوات ردع. وهذا السيناريو يُعدّ الأكثر خطورة على لبنان، لأنه يحوّل الساحة اللبنانية إلى مجال تعويض عن ضعف المركز. 3. تحوّل استراتيجي في حال حصل تغيير جوهري في بنية النظام الإيراني، سيواجه حزب الله خيارًا تاريخيًا: • إما التحول إلى حزب لبناني مكتمل، مع ما يتطلبه ذلك من إعادة تعريف للسلاح والدور. • أو الانغلاق داخل بيئة محددة، ما يسرّع عزلته الداخلية. خامسًا: لبنان كنظام هش أمام تحولات الخارج لبنان ليس متفرجًا على هذا المسار، بل جزء منه. فضعف الدولة اللبنانية: • يجعل أي اهتزاز إقليمي أكثر فتكًا. • يمنع امتصاص الصدمات. • يحوّل الانقسامات الداخلية إلى أدوات صراع خارجي. في المقابل، أي تراجع في الهيمنة الإيرانية يفتح نظريًا فرصة لإعادة بناء التوازن، لكن هذه الفرصة تبقى مشروطة بوجود: • مشروع وطني جامع. • قدرة على إدارة الانتقال دون انتقام. • استعداد داخلي شيعي لكسر احتكار التمثيل. إذا، لا يمكن الجزم بسقوط وشيك لنظام الملالي، لكن يمكن الجزم بأن النظام دخل مرحلة اهتزاز بنيوي طويل. وفي مثل هذه المراحل، لا تنهار الأذرع فورًا، لكنها تفقد تدريجيًا: • وضوح الوظيفة. • صلابة الغطاء. • القدرة على فرض المعادلات السابقة. لبنان، بحكم هشاشته، سيكون أول المتأثرين لا بحدث السقوط، بل بمسار التآكل. والتحدي الحقيقي لا يكمن في توقّع نهاية النظام الإيراني، بل في مدى استعداد لبنان للتعامل مع شرق أوسط لا تكون فيه طهران قادرة على إدارة نفوذها كما في السابق.

مقاومة السلطة
بقلم
نديم تابت
نُشر

السينما ، العمارة، والسلطة شاهدتُ The Brutalist منذ بعض الوقت، لكن موسم تصنيفات أفضل أفلام السنة أعاده إلى ذاكرتي. فقد ورد الفيلم في عدة قوائم، رغم كونه إنتاج عام 2024، إلا أن إطلاقه الدولي تم في عام 2025. وبمحض المصادفة، يعود هذا الفيلم إلى الواجهة في لحظة مناسبة من حياتي، إذ يتزامن مع مرحلة تتجلى فيها فكرة السلطة بكل أشكالها: في انحرافاتها الأخلاقية، كما في قضية إبستين؛ في غرورها، كما في اعتقال مادورو؛ في عنفها، كما في قمع المتظاهرين في إيران؛ وكذلك في أشكالها الجديدة. وأفكر هنا خصوصًا في الأهمية المتزايدة للسيطرة على الفضاء الرقمي، وهو ما تجسد مؤخرًا في سعي إسرائيل للاستثمار في ChatGPT من أجل توجيه إجاباته بما يخدم مصالحها. وإذا كنت أصف هذا التوقيت بالمناسب، فلأن The Brutalist يتناول مسألة السلطة، كما هو الحال غالبًا في الأفلام التي تتمحور حول المعماريين أو حول العمارة بحد ذاتها. وتشهد على ذلك عدة أفلام حديثة، مثل The Zone of Interest لجوناثان غلايزر، بجدار العزل الذي شُيّد لحجب رؤية الفظائع المرتكبة في معسكر أوشفيتز، أو Megalopolis لفرانسيس فورد كوبولا، بما يحمله من تشبيه بين الإمبراطورية الرومانية والإمبراطورية الأميركية. وحتى وإن لم تكن العمارة في صلب السرد، أفكر أيضًا في The Apprentice، الذي يعيد النظر في بدايات دونالد ترامب كمطوّر عقاري، مذكرًا إيانا بأن السلطة، في جوهرها، مسألة سيطرة على الفضاء. وبالطبع، هناك أدبيات واسعة حول هذا الموضوع، لكنني أفكر هنا خصوصًا في أعمال ميشال فوكو حول المجتمع الانضباطي. في هذه الأعمال، يستند فوكو إلى نموذج البانوبتيكون، وهو تصميم معماري سجني يتيح المراقبة الدائمة، لتحليل الكيفية التي تسعى بها السلطة، عبر تنظيم الفضاء، إلى ضبط السلوك دون الحاجة إلى الظهور المستمر. وبالعودة إلى دونالد ترامب، وأكثر من هذه الأفلام الحديثة، هناك فيلم يعمل كمرآة لـ The Brutalist، وهو The Fountainhead لكينغ فيدور، الصادر عام 1949 والمقتبس من رواية لآين راند، المرجعية الأبرز للفكر الليبرتاري. آين راند، التي كثر الحديث عنها في بداية الولاية الثانية لدونالد ترامب، خاصة مع إحاطته بشخصيات مثل إيلون ماسك، من المؤمنين بفلسفة تدعو إلى دولة حدّها الأدنى، بهدف إطلاق قوى الفردانية وما تسميه «الأنانية العقلانية». وإذا كان هذا الفيلم يعكس The Brutalist، فلأننا نجد في كلا العملين معماريًا مُحبط الطموحات، لكن بفعل شكلين متناقضين تمامًا من السلطة. سلطة المجتمع وقيد الدولة في The Fountainhead، حيث يرفض المعماري التضحية برؤيته إرضاءً لجماعة عاجزة عن فهم عبقريته. وسلطة «الأناني العقلاني» في The Brutalist، حيث نتابع معماريًا نجا من المحرقة، ليقوده الحلم الأميركي في النهاية إلى اغتصابه على يد الصناعي الثري الذي كلّفه ببناء مركز اجتماعي. ومن دون حسم أيّ السلطتين تبقى أقل سوءًا، ما يلفتني أساسًا هو الكيفية التي يتمكن بها لازلو توث، المعماري في The Brutalist، من مقاومة السلطة التي يخضع لها. الزمن كصيغة لمقاومة السلطة لهذا السبب بالذات، يبدو استحضار The Brutalist اليوم في مكانه. خصوصًا بالنسبة لي، كلبناني، وربما لغيري أيضًا، إذ إن أحد أنماط السلطة الجديدة، القائمة على التحكم بالفضاء الرقمي، يتمثل في تقسيم الأفراد بين من يُسمح لهم بممارسة حرية التعبير، ومن يصبح ذلك بالنسبة إليهم مخاطرة. هناك مثال إسرائيل وChatGPT، كما يمكن التفكير في دخول الأراضي الأميركية، حيث بات يُطلب الاطلاع على السجلات الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي. وهذه هي بالضبط صيغة المقاومة التي يتناولها The Brutalist: القدرة على سرد قصتك وصياغة رؤيتك للعالم رغم هذه القيود. في الفيلم، تتجسد هذه الفكرة في الطريقة التي يقوم بها لازلو توث بتحوير المهمة الموكلة إليه سرًا، من أجل الإبقاء على أثر من تاريخه الشخصي. فالمبنى الذي يشيده طوال الفيلم يتبين في النهاية أنه نسخة عن معسكر الاعتقال الذي سُجنت فيه عائلته. وأكثر من فوكو، الذي ينصب تحليله على بنية السلطة، تذكرني هذه الفكرة بأعمال ميشال دو سرتو. ففي كتابه L’Invention du quotidien ، يحلل دو سرتو كيف يمكن، في مواجهة «استراتيجيات» السلطة للسيطرة على المعرفة والفضاء، تطوير «تكتيكات» مقاومة. وهذه الفنون التكتيكية تشترك جميعها في ارتباطها بمفهوم الزمن. فبينما تعتمد السلطة على استراتيجيات للسيطرة على الفضاء الواقعي أو الرقمي، يمتلك صاحب التكتيك الزمن، بما يسمح له بالإفلات من رادارات السلطة ومن «الانضباط» الذي تسعى إلى فرضه. وإذا كان المثال الأكثر تداولًا لتوضيح هذه الفكرة هو فصل «المشي في المدينة»، حيث يبين دو سرتو كيف يمكن دائمًا ابتكار مسار خاص داخل فضاء مخطط من قبل آخر، فإن The Brutalist يذكرني على وجه الخصوص بمفهوم «الباروكة» ( la perruque ). وهو مفهوم يصف من خلاله دو سرتو كيفية استغلال الوقت والمواد داخل مكان العمل للقيام بشيء خاص بالفرد. وإلى جانب الزمن، يتجلى البعد الآخر الذي يميز التكتيك لدى دو سرتو في هذه العبارة المقتبسة من كتابه: «الحياة اليومية تُخترَع عبر ألف طريقة من الصيد غير المشروع». وهذا الفن في استخدام الزمن، وهذا الفاعل الصياد والمُركِّب عند دو سرتو، هو ما يشغل تفكيري اليوم، في لحظة يبدو فيها أن المجتمع الانضباطي الذي وصفه فوكو يدخل مرحلة جديدة مع الأدوات الرقمية التي باتت في متناول السلطة. القبر بدل الكوخ وللختام باستعارة معمارية، سواء في أعمال دو سرتو أو في ما يرمز إليه البناء الذي شيده لازلو توث، يخطر في البال ذلك الجدل في تاريخ العمارة حول ما إذا كانت القبور أم الأكواخ هي أولى البنى التي شيدها الإنسان. ومن دون السعي للإجابة عن هذا السؤال، ما يهمني في التمييز بين هذين الشكلين هو أن الكوخ يرتبط بالزائل والمؤقت، بينما يعكس القبر إرادة الحفاظ على أثر عبر الزمن. وإذا كانت ميولي تميل إلى ما يرمز إليه القبر، فليس ذلك دعوة للمقاومين إلى حفر قبورهم، بل دعوة إلى أخذ الوقت لبناء قبور مجازية، بهدف إفشال استراتيجية السلطة التي تسعى إلى محو أصوات معينة وأقسام كاملة من التاريخ.

العدالة الدولية بين الأسطورة والواقع

أحدثت الضربة العسكرية الأميركية في فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله خارج البلاد صدمة قوية في السياسة الدولية. أثار الاعتقال حالة من الاستنكار الدولي الواسع؛ العديد من الدول والمنظمات اعتبرته انتهاكاً للقانون الدولي واعتداءً على السيادة الوطنية لفنزويلا. خبراء القانون الدولي، بما في ذلك في مقالات تحليلية مثل الجارديان، يشيرون إلى أن العملية الأميركية في فنزويلا تنتهك ميثاق الأمم المتحدة، وخصوصاً الفقرة التي تمنع استخدام القوة دون مبرر ذاتي دفاعي أو موافقة مجلس الأمن. انه حدث يعيد كتابة بعض قواعد اللعبة. ليس الاعتقال في حد ذاته ما يغيّر قواعد اللعبة، بل ما يمثّله من تحوّل في فهم السيادة، والقوة، والزمن السياسي في النظام الدولي. يكشف تباين ردود الفعل - من إدانات قوية، إلى تحفظات، وحتى ترحيبات مشروطة - أن العالم يقف عند مفترق مهم: هل يبقى القانون الدولي إطاراً تحميه المؤسسات والاتفاقات، أم أنه يتراجع أمام قوة الأمر الواقع؟ فهذا الحدث ليس مجرد فصل جديد في قصة فنزويلا، بل اختبار للمعايير الدولية نفسها في لحظة حسّاسة من تاريخ السياسة العالمية. ما يكشف عن فجوة عميقة بين الخطاب والممارسة في العالم الغربي. فلطالما قُدِّمت العدالة الدولية بوصفها أحد أعمدة النظام العالمي الحديث، وركيزة أخلاقية تقوم عليها شرعية المؤسسات العابرة للدول، وفي مقدمتها المحكمة الجنائية الدولية. غير أن مسار هذه العدالة، يكشف عن فجوة لم تعد تُختزل بازدواجية الموقف الغربي وحدها، بل باتت اليوم أكثر تعقيداً مع دخول العالم مرحلة تعدد الأقطاب وصعود قوى تنازع الغرب ليس فقط النفوذ، بل أيضاً تعريف القيم ذاتها. في المرحلة الأولى، كان النقد الموجَّه إلى العدالة الدولية يتركّز على ازدواجية الخطاب الغربي. فقد بدا واضحاً أن تطبيق القانون الدولي لم يكن يوماً منفصلاً عن المصالح السياسية. تدخلات عسكرية جرت تحت عناوين حقوق الإنسان، بينما تم التغاضي عن انتهاكات جسيمة حين يرتكبها حلفاء استراتيجيون. هذه الانتقائية أضعفت مصداقية العدالة الدولية، وحوّلتها، في نظر كثيرين، إلى أداة في يد الأقوياء أكثر منها نظاماً قانونياً كونياً. لم يكن الخلل في القيم المعلنة بحد ذاتها، بل في تحويلها إلى آلية انتقائية، تُستدعى حين تخدم التوازنات، وتُهمَل حين تعرقلها. غير أن التحول الأهم اليوم لا يكمن فقط في استمرار هذا الإرث، بل في انكشاف حدود النظام الليبرالي نفسه مع تراجع قدرته على فرض قواعده. فالعالم لم يعد أحادي القطب، ولم تعد الولايات المتحدة قادرة، منفردة أو مع حلفائها، على ضبط إيقاع العدالة الدولية. دخول الصين وروسيا كلاعبين وازنين أعاد تشكيل المشهد: لم يعد السؤال لماذا تُطبق العدالة بانتقائية، بل من يملك أصلاً القدرة في تطبيقها. في هذا السياق، تبدو العدالة الدولية عالقة بين قوتين متعارضتين: غربٌ يرفع خطاب القيم (التي يطبقها انتقائياً) لكنه عاجز عن فرضها دون توافق دولي، وقوى صاعدة ترفض ما تسميه "العدالة المسيسة"، لكنها في الوقت ذاته لا تمارس خطابها، ولا تقترح بديلاً قانونياً، بل تكتفي بتعطيل المسار القائم. وهنا تظهر مفارقة لافتة: الاعتراض على العدالة الانتقائية لا يقود إلى عدالة أشمل، بل إلى شلل كامل. هذا الشلل سمح بظهور خطاب "الممانعة" بوصفه رداً أخلاقياً مضاداً. غير أن هذا الخطاب، عند اختباره عملياً، يكشف بدوره ازدواجية صارخة. فالدفاع عن السيادة يُستخدم لتبرير قمع الداخل، ورفض التدخل الخارجي لا يقترن ببناء مؤسسات قضائية مستقلة أو احترام فعلي لحقوق الإنسان. هكذا، تسقط أسطورة العدالة الغربية من جهة، وتسقط معها أسطورة العدالة البديلة التي يدّعيها خصومها. إن ما يمنع تحقق العدالة الدولية اليوم ليس عاملاً واحداً، بل وجود ثلاث معيقات أساسية: أولها، غياب سلطة تنفيذية دولية مستقلة عن موازين القوة؛ ثانيها، تآكل الإجماع القيمي العالمي مع تصاعد الصراع بين نماذج حضارية وسياسية متناقضة؛ وثالثها، استخدام العدالة، من جميع الأطراف، كأداة خطابية أكثر منها التزاما مؤسسياً. في هذا المشهد، تصبح المحكمة الجنائية الدولية مرآة للأزمة لا سبباً لها. فهي محكمة بلا شرطة، وبلا جيش، وبلا إجماع سياسي يحمي قراراتها. قدرتها على الفعل تتوقف على تعاون الدول، وهذا التعاون بات اليوم رهينة الاستقطاب العالمي. ليست المشكلة أن العدالة الدولية "غير عادلة" فحسب، بل أنها لم تعد قادرة على أن تكون عدالة أصلاً. كل ذلك يبرهن عن وجود فجوة متزايدة بين الخطاب الأخلاقي الغربي وآليات تطبيقه الفعلية. إن التعثر في عدم فتح المحكمة الجنائية تحقيقاً في "الوضع في فنزويلا"، مقابل السرعة النسبية في ملاحقة قادة آخرين، يضعف سردية "العدالة الكونية المحايدة"، ويُغذّي خطاب القوى المناهضة للغرب التي ترى في العدالة الدولية أداة انتقائية، لا منظومة قانونية شاملة. وهنا، لا تسقط فقط "أسطورة العدالة الغربية"، بل تتقاطع مع سقوط "أسطورة المقاومة" المقابلة، التي تدّعي بدورها امتلاك احتكار أخلاقي مضاد، بينما تتحرك هي الأخرى ضمن منطق القوة والضرورة لا ضمن منطق القانون. في الحالتين، نحن أمام عالم يتآكل فيه الإطار الرمزي للقيم، ويُستبدل تدريجياً بقانون القوة، في مشهد يذكّر بعودة الإمبراطوريات أكثر مما يعكس نظاماً دولياً قائماً على قواعد مشتركة. هذا الواقع لا يعني نهاية الحاجة إلى العدالة، بل نهاية الوهم القائل بإمكانية فصلها عن السياسة دون إعادة بناء النظام الدولي نفسه. من منظور دوركهايم، نحن أمام لحظة "أنومي" - ليس بمعنى الفوضى، بل بمعنى فقدان المعايير المشتركة. ومن منظور ليفي-شتراوس، نحن أمام لحظة تفكك الأسطورة، حين تعجز عن حل التناقضات التي صُممت لتغطيتها. فالقانون، كما يقول علماء الاجتماع، لا يعيش في الفراغ؛ انه نتاج توازن اجتماعي وأخلاقي. وحين ينهار هذا التوازن، يتحول القانون إلى نص بلا قوة. بين ازدواجية الغرب السابقة، وازدواجية الممانعين الحالية، تضيع العدالة الدولية بين خطابين متناقضين، يتفقان عملياً على شيء واحد: إخضاع القيم لمنطق القوة. وما لم يُعاد التفكير جذريا في العلاقة بين السيادة، والقانون، والعدالة، ستبقى الأخيرة وعداً مؤجلاً، يُستدعى في الخطب… ويُغيب في الوقائع. فيما يتعلق بحالة نتنياهو يُفسَّر النجاح النسبي للمحكمة الجنائية الدولية في المضي بقرارها ضد بنيامين نتنياهو، على غير ما جرى في حالات مشابهة سابقة، بوصفه نتيجة تراكب عوامل سياسية وأخلاقية غير مسبوقة أكثر منه تعبيراً عن استقلال قانوني مطلق. فحجم الانتهاكات المرتكبة في غزة، واتساع نطاقها، وكثافتها الزمنية والبصرية، جعل من الصعب احتواءها داخل خطاب "الدفاع عن النفس" الذي لطالما وفّر مظلة سياسية لإسرائيل وحلفائها. إلى ذلك، لعب التحوّل العميق في الرأي العام الغربي، ولا سيما داخل الولايات المتحدة نفسها، دوراً حاسماً، إذ أظهرت الأجيال الصاعدة حساسية أعلى تجاه معايير حقوق الإنسان وأقل التزاماً بالسرديات الجيوسياسية التقليدية. هذا التحول قيّد هامش المناورة السياسية، حتى لدى أكثر الحكومات دعماً لإسرائيل. كما شكّل التدخل القانوني المنهجي لجنوب أفريقيا نقطة انعطاف، إذ أعاد توجيه النقاش من حلبة السياسة إلى ميدان القانون، وأكسب الملف شرعية أخلاقية آتية من دولة تحمل إرثاً تاريخياً مع الفصل العنصري، ما صعّب الطعن في دوافعها. هكذا، لم يكن قرار المحكمة نتيجة شجاعة مؤسسية معزولة، بل ثمرة تصدّع في منظومة الحماية السياسية التقليدية، وانكشاف غير مسبوق لفجوة بين السلطة والخطاب، جعل الإفلات من المساءلة أكثر كلفة من المضي فيها.

ارقصوا على المحارق
بقلم
جواد بقرادوني
نُشر

“وكان داود يرقص بكل قوته أمام الرب.” (صموئيل الثاني 6:14) الرقص لا يتعارض مع الصلاة. بل إن موسيقى الغوسبل تشكّل المثال الأوضح على أن الغناء والرقص، حتى خلال القداس الليتورجي، يخلقان أجواء من المشاركة والاحتفال الجماعي. “سبّحوا الرب بالقيثارة، سبّحوه بالعود ذي الأوتار العشرة. أنشدوا له نشيدًا جديدًا، وأحسنوا العزف واهتفوا بفرح.” (المزمور 33: 2–3) هناك كاهن أدرك أن أفضل وسيلة في عصرنا لجذب الجماهير، ولا سيما الشباب، هي الموسيقى. ففي زمن كتابة سفر المزامير، كان أكثر الآلات ضجيجًا على ما يبدو هو العود ذو الأوتار العشرة. هذا الكاهن استبدله بالموسيقى الإلكترونية. إنه الأب غيّيرمي، المعروف اليوم بالكاهن الـDJ. في آخر أيام الشبيبة العالمية في لشبونة عام 2023، وهي المدينة التي ينتمي إليها هذا الـDJ، بلغ عدد الحاضرين مليونًا ونصف المليون شخص، مقارنة بسبعمئة ألف في دورة 2019. أكثر من ضعف العدد، ومعظمهم من الشباب الذين رقصوا على إيقاع أنامل الأب غيّيرمي. ومن المقرر أن يحيي الأب غيّيرمي عرضًا في لبنان في العاشر من كانون الثاني المقبل. غير أن بعض المسيحيين من أبناء البلد يعتبرون أن أساليب هذا الكاهن غير كاثوليكية، وتمس بقيم المسيحية، بل ترقى إلى التجديف. وقد رأى ثمانية عشر حارسًا ذاتيًا للإيمان أنه لا بد من إنقاذ المسيحية من هذا الخطر الداهم، فتقدموا بطلب مستعجل أمام قاضي الأمور المستعجلة لمنع العرض، ملوّحين بقطع الطرقات وبالعنف في حال رُفض طلبهم قضائيًا. لكن هؤلاء، الذين يعتقدون أنفسهم حماة للقيم والتعليم المسيحي، يبدو أنهم نسوا أن رأس الكنيسة الكاثوليكية، البابا فرنسيس الراحل، لم يوافق فقط على أسلوب الأب غيّيرمي، بل بارك أيضًا خوذته كمنسق موسيقى، شكرًا لمن ينجح في استقطاب عشرات آلاف الشباب إلى الدين المسيحي. هؤلاء “المطوّعة” يذكّرون بالعصور السوداء للمسيحية في القرون الوسطى، حين كان كل من لا يذعن عميانيًا للتعاليم السياسية-الدينية يُرسل إلى المحرقة. أما اليوم، فقد حلّت الرقابة والدعاوى القضائية محل النار المطهّرة. إن المتزمتين الذين يرون في الأب غيّيرمي شرًا مطلقًا، ينتمون إلى اللجنة الروحية نفسها التي رأت في منصور لبكي رجلًا قديسًا مضطهدًا وضحية حملة تشهير. فإدخال الفرح إلى قلوب الشباب وجعلهم يرقصون جريمة بنظرهم، أما استغلال الشباب فليس سوى شائعة. وهم أنفسهم الذين صرخوا “تجديف” يوم أنشد كاهن، خلال جنازة لقمان سليم، الترتيلة المخصصة للمسيح بعد الصلب. وقد صوّر الضجيج الإعلامي الذي أعقب ذلك الكاهن وكأنه مهرطق. الظلامية لا دين لها ولا إله. ففي العام الماضي أُلغيت مسرحية «يوم عرس عند الكرومانيون» لوجدي معوّض. واليوم يُراد منع كاهن لأنه يجعل الناس يرقصون. وغدًا، ربما يُستدعى داود نفسه للمحاكمة بتهمة الإفراط في الحماسة الراقصة. إن هذا الحمْيَة الدينية العمياء لا تلحق سوى الضرر بالمسيحية. وقد تساءل جان ديون: ماذا عسى الله أن يفكر بالمتزمتين الذين يظنون أنهم يعرفون ما يفكر به؟ وإذا كانت هذه الأقلية المتخلفة هي فعلًا رسل الإيمان، فربما لم يُساء تمثيل الله ولم يُدافع عنه بهذه السوء من قبل.