شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض
نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو « اجعل تركيا عظيمة من جديد »، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ« الوكلاء »، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
ملخص اليوم
صورة المؤلف
بقلم LevantTime . - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 00:55
صورة للأخبار
انطلقت قافلة اللجنة الدولية للصليب الأحمر التي تقل المدنيين المفرج عنهم من المنطقة التي تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان، متجهة إلى النقطة التي تمثل بداية المنطقة الخاضعة لسيطرة السلطات اللبنانية. (فرانس برس)
أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، الجمعة، أنها نقلت إلى لبنان أربعة أشخاص جدد أفرجت عنهم إسرائيل، غداة الإفراج عن مدني أول. وبحسب اللجنة، يتعلق الأمر بثلاثة لبنانيين وسوريين اثنين. وهذه هي المرة الأولى التي تجري فيها عملية من هذا النوع منذ بدء المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في نيسان، برعاية الولايات المتحدة. وكانت بيروت قد طلبت، خلال الجولة الأخيرة من المحادثات في آب، الإفراج عن دفعة أولى من مواطنيها الذين أسرتهم إسرائيل في جنوب لبنان، حيث تخوض حرباً مع حزب الله الموالي لإيران. ويقدّر ذوو هؤلاء عددهم بنحو ثلاثين شخصاً، من بينهم مقاتلون في الحزب. وشكر الرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيان، الولايات المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤكداً أن هذا الإفراج «يؤكد صوابية موقف» لبنان المنخرط في مفاوضات مع إسرائيل يرفضها حزب الله. وكانت الولايات المتحدة قد أشادت، الخميس، «بحكومة إسرائيل وحكومة لبنان لإظهارهما حسن النية من خلال هذه الخطوات الأولى»، معربة عن أملها في أن تشكل هذه الخطوات «أساساً لمناقشات موسعة بشأن قضايا مدنية أخرى». ومن المقرر أن يعقد البلدان جولة جديدة من المفاوضات خلال أيلول، من دون أن يُحدَّد موعدها بعد. وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، فإن إعلان الخميس «يأتي في أعقاب الجهود التي بذلتها إسرائيل ولبنان لتحديد مكان رفات قادة من الطائفة اليهودية وإعادتها، بعدما كانوا قد اختطفوا وقتلوا في لبنان» بين عامي 1984 و1986. تكثيف الغارات الإسرائيلية ميدانياً، أسفرت غارات إسرائيلية، الجمعة، عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة 23 آخرين في جنوب لبنان وشرقه، بحسب وسيلة إعلام رسمية. وكثفت إسرائيل، الجمعة، غاراتها في المنطقة، بعدما أعلنت مساء الخميس أنها سيطرت على مرتفع علي الطاهر الجبلي، الذي كان يشكل موقعاً استراتيجياً لحزب الله الموالي لإيران ويشرف، من بين مناطق أخرى، على النبطية. وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إن الجيش سيعمل من الآن فصاعداً على تعزيز مواقعه في المنطقة بهدف «منع العدو من إعادة التموضع فيها». كما استهدفت غارة منطقة صور، ولا سيما بلدة الرمادية، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام. بالنسبة إلى ترامب، الحرب في إيران «أمر بسيط» وفي ما يتعلق بالحرب في إيران، سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الجمعة، إلى التقليل من تأثيرها على الولايات المتحدة، مع اقتراب الانتخابات التشريعية النصفية الحاسمة. وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي: «كثيرون لا يسمونها حرباً. وأنا أقول إنها نزاع عسكري، لأنها بالنسبة إلينا مجرد أمر بسيط جداً (“small potatoes”). إنها ليست شيئاً كبيراً. لقد فعلنا ذلك في فنزويلا، وفعلناه هنا أيضاً»، وذلك رداً على سؤال بشأن نائبه جي دي فانس، الذي كان قد قال في اليوم السابق إنه لا يريد وصف النزاع بأنه حرب. وفي وقت تهدد فيه الزيادة الحادة في أسعار الوقود، المرتبطة بالحرب، بخسارة الجمهوريين بزعامة دونالد ترامب أغلبيتهم في الكونغرس خلال انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، تسعى إدارته إلى التقليل من حجم النزاع. وقال الرئيس إن الولايات المتحدة تنفذ «ضربات محددة»، مؤكداً أنها «لا تخوض قتالاً حالياً». كما أكد أن الولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز وأنها ألحقت دماراً واسعاً بالقوات المسلحة الإيرانية. وقال: «ما أنجزناه أمر لافت. لقد سيطرنا على فنزويلا، وبشكل أساسي، سيطرنا على إيران».
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو - نُشر سبتمبر 4, 2026 - 23:28
صورة للأخبار
تبقى في الذاكرة عن حسن الرفاعي صورة رجل قانون محترم ورصين، ومرجع في القانونين الإداري والدستوري، كان يحاجج بصوت هادئ مرتجف، مشيراً إلى انحرافات السياسيين وتجاوزاتهم عن مقتضيات النظام الديمقراطي البرلماني والدستور. لكن النائب والوزير السابق، الذي رحل في 3 أيلول 2025، كان أيضاً رجلاً متمرّداً. مشاكساً. حتى في سن المئة. بل خصوصاً في سن المئة! كان كذلك منذ طفولته، حين كان يخطب في الجموع في بعلبك ضد الانتداب، وظل كذلك طوال مسيرته محامياً ونائباً. وفي سن المئة، بعدما بلغ به السأم من الجمهورية ومن قراصنتها مبلغاً بعيداً، لم يكن غضبه الهادئ قد خمد. “لبنان بلد مستحيل!” كان يقول لكاتب هذه السطور في مقابلة أُجريت معه قبل وفاته ببضع سنوات ولم تُنشر قط. لكن ينبغي الانتباه إلى أمر أساسي. لم يكن حسن الرفاعي عدمياً، ولا ممن ينكرون كل شيء. لقد ناضل طوال حياته من أجل فكرة معينة عن لبنان. وتحديداً، من أجل لبنان الكبير، الواحد والمتعدد. وكان يعرف كيف يقدّر التجربة اللبنانية حق قدرها، بكل ما انطوت عليه من جوانب إيجابية. لكن الإنسان خيّب أمله. والحال أن الإنسان بالذات هو ما كان يبحث عنه. ولم يعثر عليه قط في الحياة العامة اللبنانية. أو، في أقل تقدير، لم يعثر عليه في خدمة الجمهورية. كان الرفاعي رجل قانون، أنيقاً دائماً، لا تشوب سلوكه شائبة، على الصورة التي يُنتظر أن يكون عليها رجل في مكانته الأخلاقية والفكرية. لكنه كان أيضاً صارماً لا يلين. بل لا يرحم في أحكامه. ولعل تعلقه ببلده وبنظامه الديمقراطي دفعه إلى ألا يعترف إلا بولاء واحد: لمنظومة معينة من القيم، ولفكرة معينة عن الجمهورية. لذلك كان شديد النقد لكل خطأ وكل انحراف، بدءاً بالأخطاء التي يرتكبها أصدقاؤه السياسيون أنفسهم. لم يكن يستثني أحداً. لا الطوائف والعشائر، ولا الزعماء الدينيين، وهو كان علمانياً، ولا المسؤولين السياسيين بطبيعة الحال. لم يكن أحد يفلت من نقده، وكان الرفاعي يجد متعة خاصة في تفكيك الأساطير والأفكار المسبقة التي تجعل من هذا الرئيس للجمهورية أو ذاك رئيس الحكومة زعيماً استثنائياً. وكانت معاييره واضحة وموضوعية: مدى انسجام الأفعال مع المبادئ الديمقراطية. لذلك لم يكن أحد يحظى فعلاً برضاه. وكان استنتاجه قاسياً: لم يحترم أي من قادة البلاد، على امتداد تاريخها، الديمقراطية البرلمانية اللبنانية احتراماً حقيقياً. لا أحد. وليس لأنه كان يضع الجميع في مرتبة واحدة. فقد امتلك من المسافة النقدية ما يكفي للاعتراف بمزايا هذا وعيوب ذاك. وكان يحب أن يستشهد بليون دوغي: “ليس للقانون الدستوري من ضامن سوى حسن نية الرجال الذين يطبقونه.” وقد جعل من هذه العبارة أشبه بعقيدة جمهورية خاصة به. وكان حكمه بلا رحمة: حسن النية هذا، ببساطة، لم يجده. سياسيون أكثر مما ينبغي، ورجال دولة أقل مما ينبغي. وفوق ذلك كله، كثير من الكذب والنفاق. وذات يوم، نصحه مسؤول كبير قائلاً: “لا تبنِ طرقاً للناس، وإلا توقفوا عن المجيء إليك.” وعلى الرغم من الاحترام الذي كان يكنّه لذلك الحليف السياسي، فإن العبارة أذهلته وصدمته. فقد اختزلت وحدها تصوراً كاملاً للسلطة: ألا تحل المشكلة نهائياً لمن تزعم أنك تمثله، لأن زوال حاجته يعني زوال السبب نفسه الذي يبقيه تابعاً لك. وهكذا كان مشروع الدولة يُرحّل إلى أجل غير مسمى. أو، في الأقل، إذا وُجد أناس صالحون، فإن النظام لا يتيح لهم الوصول إلى مواقع المسؤولية. كان الرفاعي متمرداً، نعم، ولكن بصرامة ودقة صائغ ماهر في القانونين الإداري والدستوري. ولعل هذا تحديداً ما ميّزه في الوسط السياسي اللبناني. وكان متمرداً بالقدر الكافي ليدفع ثمن ذلك. في أب 1982، تعرّض لمحاولة اغتيال بعدما عارض الإملاء الإسرائيلي. وفي الطائف عام 1989، كاد يُنبذ لأنه أدرك فوراً مواطن الخلل القائمة والفخاخ التي أُضيفت إلى الإصلاحات الدستورية. ومنذ عام 1992، في ظل الاحتلال السوري، تعرّض للإقصاء السياسي بسبب معارضته للجهاز الأمني الذي كان يسند الوصاية السورية ولسياسة رفيق الحريري. لكنه كان عادلاً. كان يستطيع أن يعارض الطائفية السياسية، وفي الوقت نفسه أن يعترف بأن إلغاءها في المرحلة الراهنة سيكون كارثة على لبنان، وأن اعتماد ديمقراطية عددية صرفة سيقرع نهائياً ناقوس نهاية الصيغة اللبنانية والوجود المسيحي في لبنان. وكان يستطيع أن يقر بأن المسيحيين تضرروا من الإصلاحات الدستورية التي أقرها اتفاق الطائف، وكذلك السنّة، كما كان يقول، وفي الوقت نفسه أن يذكّر بالتجاوزات التي ارتكبها رؤساء الجمهورية في ممارسة السلطة بين عامي 1943 و1990، وأن يحذر من موجة حنين إلى تلك الممارسات تحت شعار “حقوق المسيحيين”. وكان يعتبر أن الانزلاق نحو نظام رئاسي أو شبه رئاسي يشكل خطراً على المسيحيين. فأهمية النظام البرلماني الموروث من الجمهورية الفرنسية الثالثة كانت تكمن، تحديداً، في أن رئيس الجمهورية غير مسؤول سياسياً أمام مجلس النواب. وهذا ما كان يضعه، في رأي الرفاعي، في موقع مميّز. فمن فوق الصراع، كان يستطيع أن يقود سفينة الجمهورية إلى بر الأمان من دون أن يغرق في نزاعات السلطة. وكانت هذه المسؤولية الأخلاقية في صون الدستور والجمهورية، في نظره، أهم بكثير من أي مسؤولية سياسية. لكن بقي أن يقتنع بذلك المعنيون أنفسهم. وكان الرفاعي يستطيع أن يعترف بأهمية اللامركزية الإدارية، مع رفضه أن تتحول هذه المطالبة إلى شعار أيديولوجي يخفي نزعة انفصالية. وفي هذا السياق، كان يذكّر بأن بيروت وجبل لبنان حظيا بمعاملة تفضيلية في بناء لبنان الكبير، فيما جرى إهمال المناطق الطرفية، ولا سيما منطقته، بعلبك. وقد أسهم ذلك في إضعاف الشعور الوطني اللبناني، الذي يظل في نهاية المطاف رهناً برخاء يقوم على احترام الكرامة الإنسانية. فالانتماء إلى المواطنة يفترض أن يُعامل الجميع على قدم المساواة من حيث التنمية. ومن دون مساواة بين المواطنين، لا يمكن للسيادة إلا أن تتعثر. وهذا، في الواقع، كان جوهر أول مداخلة له في مجلس النواب عام 1968. وقد منحت الأحداث اللاحقة ذلك التحذير ثقلاً خاصاً. فقد أسهمت الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية والمناطقية في تغذية مطالب اليسار وقطاعات من الشارع المسلم، في بلد كانت تنهشه أصلاً التوترات الطائفية والتدخلات الخارجية وتصاعد قوة التنظيمات المسلحة. وأسهم ذلك في الإضعاف التدريجي للدولة، قبل الحرب والاحتلالات المتعاقبة وصعود البنى الموازية للدولة. في المحصلة، يجسد حسن الرفاعي إلى حد ما ذلك النموذج اللبناني للشخصية الكوزموبوليتية المعقدة، الواقفة خارج الخنادق الطائفية والحزبية، والتي تحظى باحترام شبه شامل، وخصوصاً خارج الدوائر السياسية، لكنها لا تُستشار داخل هذه الدوائر نفسها إلا عند الحاجة وبصورة انتهازية. لبنان لا يحب العقول المفرطة في استقلالها وتمردها، وإن كان نظامه لا يزال يحتوي على ثغرات تسمح لهذه العقول بأن توجد وأن تُسمع صوتها. هي مقبولة، شرط أن تبقى على الهامش. فهذا من شروط بقاء دولة الزعامات ودولة الجماعات، التي تفضّل دائماً اللجوء إلى رعاة من الخارج بدلاً من الالتفات إلى رجال قادرين على إنتاج حلول من الداخل واقتراحها ووضعها موضع التنفيذ. والنظام السياسي اللبناني وأبطاله يكرهون مفهوم المسؤولية، الذي يبعث فيهم قلقاً عميقاً، ويفضلون عليه التبعية، أو ما هو أسوأ، الخضوع. وكان الرفاعي يكرر، مستشهداً مرة أخرى بليون دوغي: “حيث تكون المسؤولية يكون الحكم.” فهل يُستغرب، والحال هذه، أن تكون السلطة في لبنان، حيث لا مسؤولية في أي مكان، هي أيضاً في لا مكان؟ أو، بالأحرى، أن تكون دائماً في مكان آخر؟
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
في الرياض، الفن في كل مكان
بقلم
ميشا مسلم
نُشر

تشهد منطقة الخليج حالياً، ولا سيما المملكة العربية السعودية، تحولات اجتماعية واقتصادية كبرى. فهذه الدول، التي كانت تعتمد في السابق على إنتاج النفط، تنفتح اليوم وبسرعة كبيرة على التقنيات الحديثة، الذكاء الاصطناعي، المباريات الرياضية العالمية، وخصوصاً على الفن والثقافة. فمن حي جاكس ذات الطابع الثقافي والفني في الرياض إلى واحة العُلا، تستثمر المملكة العربية السعودية، أكبر دول الشرق الأوسط، مبالغ طائلة لتعزيز الفنون والثقافة. فالحكومة السعودية تشجع المشاريع الفنية الطليعية وتعتبر في الوقت عينه انه في مجتمع يشهد تحولاً شاملاً على كافة المستويات، يعدّ الفن وسيلة للحفاظ على التراث الثقافي للبلاد، من تقاليد وعادات وحِرف قديمة متوارثة عبر الأجيال. من بين المشاريع الطموحة التي أطلقتها الحكومة السعودية، يحتل مشروع Riyadh Art مكانة مميزة. فقد أُطلق المشروع عام 2019 بمبادرة من الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ويُعدّ أحد ركائز رؤية 2030، الخطة التنموية الطموحة التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان. يهدف المشروع إلى تجميل مدينة الرياض، وإغناء مشهدها الثقافي، وجعل الأعمال الفنية فيها بمتناول الجميع عبر تحويل المدينة إلى معرض فني دائم في الهواء الطلق. منذ إطلاقته قدّم Riyadh Art أكثر من 500 عمل فني من خلال مشاركة أكثر من 500 فنان محلي ودولي، ونظّم أكثر من 6000 حدث فني طليعي جذب أكثر من 6 ملايين زائر. الغاية القصوة من المشروع هي وضع أكثر من ألف عمل فني عالمي بارز في مختلف انحاء المدينة: الأحياء السكنية، الحدائق، مواقف الحافلات والمترو، التقاطعات، الجسور، مداخل المدينة، المعالم السياحية وغيرها. لتحقيق هذا الهدف، يتفرع "فن الرياض" إلى عدة مبادرات تستحق التوقف عندها. على سبيل المثال لا الحصر فان مشروع Urban Art Lab مثلاً يهدف الى إقامة معارض فنية في الساحات العامة لعرض أعمال فنانين مشهورين وتعزيز الحوار بينهم وبين السكان. أما مبادرةJewels of Riyad و Art on the move و Art in transit فتهدف جميعها إلى عرض أعمال فنية حائزة على جوائزعالمية، في المعالم السياحية للمدينة، عند التقاطعات الرئيسية، وفي محطات الحافلات والمترو. من هذه الأعمال"جاني واني" Janey Waney للفنان الأمريكي ألكسندر كالدرAlexander Calder، و"الحب" Love للفنان روبرت إنديانا Robert Indiana، و"حين يكتمل القمر" للفنان السعودي زمان جاسم. أما Riyad Icon، فتهدف إلى إقامة مبارات بين الفنانين من اجل ابتكار نصب تذكاري يكون شعاراً للمدينة، على غرار برج إيفل في باريس، أو تمثال الحرية في نيويورك، أو المسيح الفادي في ريو دي جانيرو. مبادرةThe Joyous Gardens من جهتها تتيح للفنانين المشهورين ابتكارتصاميم فريدة لاماكن اللهو في الأحياء السكنية، بينما تهدف مبادرة Welcoming Gateways إلى تشييد ابواب فريدة من نوعها بتصاميم مبهرة عند مداخل المدينة. ويقوم مشروع Garden City على عرض أعمال فنية في حديقة مركزية في العاصمة، في حين تسعى مبادرتا Urban Flow و Hidden River إلى تزيين واضاءة الجسور والممراتٍ بطريقة فنية. وتعتزم الحكومة السعودية أيضاً الى تنظيم معارض ثقافية سنوية أبرزها Noor Festival، وهو مهرجان للفن التفاعلي قائم على الإضاءة، و Tuwaiq Sculpture" الذي يجمع بين ندوة عالمية سنوية ومعرضاً يشارك فيه فنانون من مختلف أنحاء العالم. هدف هذا المعرض إنجاز أعمال نحت ضخمة في الهواء الطلق امام الجمهور. كما ُيقام سنوياً "أسبوع الفن في الرياض" تحت إشراف هيئة الفنون البصرية السعودية، بمشاركة أكثر من خمسين صالة عرض محلية ودولية، ومؤسسات ثقافية، وفنانين، وهواة جمع التحف الفنية من مختلف أنحاء العالم. يسهم هذا الزخم الفني الكبير في تجميل المدينة، وتنويع الاقتصاد، وجذب الاستثمارات الجديدة، وتحويل الرياض تدريجياً إلى وجهة عالمية لعشاق الفن من كافة أنحاء العالم. من المؤكد ان للحديث تتمة...

« الإمبراطورية الإيرانية » : الممر البري ومشروع الإمبراطورية المشرقية (3/5)

الاستراتيجية الإيرانية ليست بحرية فقط. لقد بنيت، بصبر شبه روماني، حول قوس بري : طهران – بغداد – دمشق – بيروت. على مدى عشرين عامًا، قامت طهران ببناء «هلال شيعي» يربط إيران بالبحر الأبيض المتوسط بصبر، تحت سيطرة ولاية الفقيه , المرشد الروحي الإيراني. وهكذا قام بتحصين الميليشيات الشيعية وسيطر على المناطق الحدودية في العراق؛ واكتسب نفوذًا قراريًا، اعتبارًا من عام 2012، في شراكته مع نظام الأسد، بتدخل من الحرس الثوري وحزب الله لحماية نظام الأسد (شاركته بعد ذلك موسكو خلال التدخل الروسي اعتبارًا من سبتمبر 2015؛ وخاصة، مع ذروة حزب الله في لبنان اعتبارًا من عام 2008 كقوة استكشافية وأداة لإسقاط النفوذ الاستراتيجي). كان لهذا المحور وظيفة مزدوجة. أولاً، خلق عمق استراتيجي في مواجهة إسرائيل. لقد جعل حزب الله، المدعوم بعشرات الآلاف من الصواريخ، جنوب لبنان منصة ردع متقدمة. أما سوريا، فقد كانت بمثابة مصفوفة لوجستية: مستودعات، قواعد، ممرات للأسلحة، ومعابر حدودية تسمح بنقل الصواريخ والتكنولوجيا. ثانيًا، إبراز الوجود الإيراني حتى البحر الأبيض المتوسط، وهو الحلم القديم للإمبراطوريتين الفارسية والعثمانية: الحصول على منافذ بحرية، والتحكم في الطرق المؤدية إلى أوروبا، ودمج الموانئ السورية (طرطوس، اللاذقية) في جيوسياسية البنى التحتية. لم تسعَ إيران لتصبح قوة بحرية متوسطية بالمعنى الكلاسيكي للمصطلح، بل لتقييد البحر الأبيض المتوسط على خصومها، وفي هذه الحالة إسرائيل والولايات المتحدة، عبر نظام وكلاء. لم تفهم أوروبا ذلك إلا بعد فوات الأوان. كانت بيروت قد استنزفت بالفعل، والثوار السوريون عام 2011، الذين تُركوا وشأنهم، تم سحقهم حرفياً على يد الأسد، في ظل لامبالاة تامة من العالم الغربي. أوباما لم يفعل شيئاً سوى أن دق آخر مسمار في نعش المشرق عام 2015. باختصار، سيمكن الطريق المحصن بالكامل طهران–بغداد–دمشق–بيروت إيران، على مدى عقدين من الزمن، من ضمان نقل الأسلحة والتكنولوجيا إلى حزب الله؛ وإبراز القوة الإيرانية إلى الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط؛ والتحايل على الترتيبات الأمريكية؛ وتشكيل تهديد دائم لإسرائيل من الشمال. كل هذا انهار كبيت من ورق بين أواخر 2024 ومنتصف 2025. حماس تجر حزب الله إلى دوامة انتحارية، ونتيجة للضعف الكبير للميليشيا الشيعية، التي أصبحت الحرس البريتوري لنظام الأسد، تسقط دمشق في أيدي أحمد الشرع، المنتمي إلى هيئة تحرير الشام السابقة. تتوارى طهران لصالح سلطة جديدة مرتبطة بأنقرة والرياض، حريصة على شرعنة نفسها دوليًا، ومهووسة بالتصفية الكاملة للنفوذ الإيراني في سوريا، وواقعية بما يكفي لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. الأسد، بصفته أقلية، لم يكن يستطيع منح الشرعية لاتفاق رسمي مع تل أبيب. لقد جعل ترتيب قديم وأصلي، وبشكل ساخر، النظام نوعًا من الهاجاناه للدولة العبرية – غزو لبنان، السيطرة على السلطة في بيروت، إخضاع الفلسطينيين، احتواء لحزب الله في جنوب لبنان تحت وصايته، وفوق كل شيء، إغلاق جبهة الجولان السوري منذ عام 1973… صعود الشرع إلى دمشق له نتيجة أخرى كارثية على طهران: يتم الاستيلاء على المستودعات الإيرانية، وتغلق المعابر الحدودية، وتُقطع شبكات الميليشيات عن دعمها اللوجستي. ثم، في حزيران 2025، تتعرض البنى التحتية العسكرية الإيرانية لضربات عميقة من قبل الطيران الإسرائيلي. يهتز الجهاز الاستراتيجي. الإمبراطورية الإيرانية، التي نسجت بصبر، خيطًا بخيط، مثل شبكة عنكبوت عملاقة أو سجادة فارسية، تتهاوى. يصمد حزب الله، الذي يتعرض قادته العسكريون يوميًا للإبادة من قبل الطيران الإسرائيلي، لكنه معزول، محروم من عموده الفقري السوري. وتوجه تصرفاته المتهورة بشكل أساسي – العدو القديم يعود – ضد الدولة اللبنانية ورغبتها في استعادة احتكار العنف الشرعي وتجنب، من خلال التفاوض مع إسرائيل، المزيد من الانتحار الاستراتيجي الداخلي، بما يحمله من دمار وضحايا أبرياء. النتيجة العملية: الحلم الإيراني بالاستمرارية الإقليمية نحو البحر الأبيض المتوسط، هذا المشرق الفارسي لداريوس الثالث الذي تخيله خامنئي – لقد انتهى. المقال التالي: العراق, العمود الفقري والجرح المفتوح اقرأ في نفس السياق «الإمبراطورية الإيرانية»: تشريح سقوط (1/5) الإمبراطورية الإيرانية»: في اليمن، رهان الحوثيين (2/5)

كيف يُلقي حزب الله العبء على الدولة اللبنانية ؟

أوَ لم يُقطع الشّريان الذي كان يمدّه بالسلاح والذخيرة! ومع ذلك، يرفض حزب الله الالتزام بالتعهدات التي قُطعت باسمه عبر نبيه بري. لأنه على قناعة أنه لم يُهزم، ولأن البيئة الخصبة في الجنوب، حيث ترسّخت جذوره، لا تناقض هذا الاعتقاد. وللصراحة، فإن بعض الأصوات الشيعية الناشزة لا تكفي لإعادته إلى جادة الصواب. صحيح أن حزب الملالي تلقّى ضربة قاسية، لكنه لم يتخلَّ عن نيّة القتال. بل انكفأ للحفاظ على جوهر قوته. ووفقًا لبعض المصادر، أعاد بناء قدراته العسكرية. إنه يتعافى. وفي الوقت نفسه، أنهك الدبلوماسية الغربية المعادية له . لذلك، يستطيع أن يتذوّق طعم شيء من النصر. ومن خلال اللعب على وتر «الصبر الاستراتيجي» الذي تعلّمه في مدرسة محكمة، خلق تشابكًا دبلوماسيًا دفع فرنسا إلى العودة للاهتمام بالملف اللبناني من جديد، في محاولة لفكّ العقد. وها هو وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو يعلن أن «آلية ثانية» لمراقبة نزع السلاح قيد الإعداد، بهدف تجنب التصعيد. فهل تساءل سادة الكي دورسيه- يومًا إلى أي حدّ تعميهم عواطفهم اللبنانية عن حسن التقدير؟le quai d’Orsay الصبر الاستراتيجي وثمنه وقع حزب الله في مصيدة، وخسر نحو أربعين مقاتلًا في قرى الجنوب منذ أكتوبر الماضي. وكأن ذلك لا يكفي! فمنذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، قتلت إسرائيل أكثر من أربعمائة من أنصاره. إنه ثمن باهظ، لكن ما قيمة هذه التضحيات في نظر «المقاومة»؟ إنها الكلفة الأدنى لذلك «الصبر الاستراتيجي» الذي لقّنه إياه مرشدوه الإيرانيون. في الواقع، تخلّى حزب الله عن التزاماته وألقى بها على عاتق الدولة اللبنانية، ولا سيما ما يتعلق بنزع سلاحه. يماطل، ويؤجل الاستحقاقات، ويدقق في التفاصيل، ويميز بمهارة بين شمال نهر الليطاني وجنوبه. ومن الذي يتحمل الضغوط المتواصلة والغضب الأميركي، كما يعبّر عنه توم باراك أو توم حرب؟ تعرفون الجواب. إقرار بالعجز عطّل حزب الله «عربة الدولة»، فراح الجيش اللبناني يدفع الثمن ويتلقى الضربات. يُهدّد بقطع المساعدات عنه، وتُلغى زيارة قائده إلى الولايات المتحدة، ويتعرض للمضايقات في كل مناسبة. ولا بد أن الشيخ نعيم قاسم ، في مخبئه، يفرك يديه سرورًا: لا دولار واحد للدولة اللبنانية قبل نزع السلاح. وهكذا، "حشر" الأمين العام الذي لا يمكن تجاوزه — والمتواري في الوقت ذاته — السلطة التنفيذية اللبنانية وأعضاءها في مأزق. فكم يهمس بعض المراقبين في واشنطن ساخرين من الوزراء المولجين بالأمر: "هؤلاء لا يستطيعون تأدية ما عليهم" فهل يمكن الادعاء حقًا بأن حزب الله خسر «معركة لبنان»؟ لا شك أن معارك أخرى ستأتي وتتوالى، ولن يُحسم أمر حلّه إلا في الأخيرة منها.

« الإمبراطورية الإيرانية »: في اليمن، رهان الحوثيين (2/5)

لقد خضعت سياسة طهران الإقليمية خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية لمنطق واضح: التمركز في اختناقات وممرات الشرق الأوسط، وتحويل المضائق والطرق البرية والجيوب إلى أدوات ابتزاز استراتيجي، وبناء عمق دفاعي حول إيران يتكون من الميليشيات والأنظمة التابعة. وفي إطار هذه السياسة، لعب اليمن والحوثيون دوراً محورياً. كان اليمن، الممزق والفاشل، يمثل الأرض المثالية للجمهورية الإسلامية الإيرانية لإقامة هذا «التوأم الغربي». وقد وفرت الحركة الحوثية، التي تستند إلى مرجعية زيديه وقواعد لغوية معادية للإمبريالية قابلة للتشكيل، لطهران وكيلاً قادراً على: السيطرة على العاصمة صنعاء؛ والتحكم في جزء كبير من ساحل البحر الأحمر؛ وتهديد باب المندب بالصواريخ والطائرات المسيرة والقوارب المفخخة. وهكذا أصبح باب المندب رافعة استراتيجية، ومتغيراً يمكن لإيران تفعيله وفقاً للضغوط التي تتعرض لها: العقوبات، التصعيد الإسرائيلي، التوترات مع الرياض، المواجهة مع واشنطن. رسالة طهران هي كالتالي، ثابتة: إذا مسستم إيران، فسوف تتحملون العواقب على مستوى تجارتكم العالمية. وبهذا المعنى، فإن الهجمات الحوثية في 2023-2024، والتي أعيد تنشيطها في 2025 بذريعة غزة، لم تكن أعمالاً معزولة: بل كانت ترجمة للعقيدة الإيرانية التي مفادها أن باب المندب هو الامتداد البحري لنظامها الرادع. كانت نقطة التحول لصالح طهران بلا شك اغتيال علي عبد الله صالح عام 2017، عندما أقدم الحوثيون بدم بارد على تصفية الرئيس السابق الذي كان يستعد للعودة إلى الرياض. لقد أدت وفاته إلى إغلاق الباب أمام حل سياسي وطني. وقد استفاد منها الحوثيون - وبالتالي إيران - إلى حد كبير على المدى القصير، مثل اغتيال رفيق الحريري، وإعدام صدام حسين، واختفاء ياسر عرفات. لقد دمرت وفاة صالح إمكانية وجود يمن موحد، وحبست طهران في تحالف مع حركة راديكالية وفوضوية - بل تكاد تكون كاريكاتورية - لا يمكن إدراجها في تسوية إقليمية. لكن الجبهة المناهضة للحوثيين قد تفتتت مع: صعود المجلس الانتقالي الجنوبي، المدعوم من أبو ظبي؛ والانسحاب العسكري السعودي بعد هجومها الكارثي عام 2015 وبداية حوار مع طهران؛ وانهيار وهم الدولة الموحدة؛ وزيادة الضغط الدولي على الحوثيين، لا سيما عبر الضربات الإسرائيلية والأمريكية والعقوبات الدولية. لا يهم... على الرغم من زعزعتها، لا تزال وكلاء طهران صامدة: لا يزال شمال البلاد تحت سيطرتهم، ولا يزال جهازهم الأمني يعمل، وقدرتهم على الإضرار لا تزال سليمة، ويظلون على الصعيد الخطابي حلقة وصل بين إيران والبحر الأحمر. أما الحكومة المعترف بها دوليًا، فقد تحولت إلى مجرد وهم. لقد وضع الاتفاق الإيراني السعودي لعام 2023، الذي تم التفاوض عليه تحت مظلة صينية، حداً لسبع سنوات من القطيعة. ولم يكن الهدف منه بالدرجة الأولى التوفيق بين قوتين متنافستين وجودياً، بل تجميد جبهة لم يكن أي منهما قادراً على الفوز بها. كانت الرياض تريد الخروج من المستنقع اليمني، وتقليل ضربات الطائرات المسيرة على بنيتها التحتية، وحماية رؤية محمد بن سلمان 2030. أما طهران فكانت تريد الحصول على اعتراف ضمني بمكاسبها في اليمن والعراق، وتقليل عزلتها وتجنب تصعيد أمريكي. لكن الهدنة لم تحل شيئاً. إنها تحدد نطاق إزعاج الحوثيين دون إنهائه، وتحد من الطموحات الإيرانية دون نزع سلاحها، وتخلق توازناً غير مستقر. والأهم من ذلك أنها تحمي السعودية من ردود فعل إيرانية على أراضيها في سياق صراع إسرائيلي-إيراني. علاوة على ذلك، ليس لدى الرياض أي مصلحة في إعادة فتح حرب في اليمن خرجت منها منهكة، وإيران، التي أضعفتها الضربات الإسرائيلية، ليس لديها الوسائل لتوسيع نطاق الحريق. وهكذا يصبح اليمن منطقة توتر خاضعة للسيطرة، مفيدة ولكن محتواة، تفضل العاصمتان الحفاظ عليها عند مستوى منخفض الكثافة. المقال القادم: الممر البري وطموح الإمبراطورية الشامية مقالة ذات صلة «الإمبراطورية الإيرانية»: تشريح سقوط

إعادة ترسيخ الشيعة في المشروع اللبناني
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

غالبًا ما يُروى تاريخ التشيّع اللبناني بالمقلوب، أو يُختزل في قراءة غائية تجعل من حزب الله ذروةً طبيعية لمسار ديني وسياسي طويل. لا شيء أبعد عن الحقيقة. فالدراسات حول علماء جبل عامل تسمح، على العكس، بإعادة تركيب سلالة تاريخية مختلفة تمامًا، قائمة على التعدّدية العقائدية، وعلى علاقة واعية بالدولة، وعلى تصور غير ثيوقراطي للسلطة الدينية. وهذه هي بالضبط التقاليد التي جرى كسرها. لقد انتمى التشيّع العاملي تاريخيًا إلى منطق ولاية الأمة، أي إلى جماعة مؤمنين تمتلك استقلالًا أخلاقيًا وروحيًا، من دون أن تحمل مشروع هيمنة سياسية. كان اختيار المرجعية حرًا ومتعددًا، وغالبًا ما يتجه نحو النجف، ضمن علاقة متعمدة من المسافة بين رجال الدين والسلطة. هذا التقليد أقرّ بتعدّد المرجعيات، ورفض مركزة العقيدة، وقبل كل شيء، لم يسعَ إلى حكم المجتمع باسم المقدّس. حدثت القطيعة مع ابتكار الخميني لـ ولاية الفقيه، وهي صيغة جديدة جذريًا لا يمكن اختزالها في نقاش فقهي، بل تمثل انقلابًا سياسيًا كبيرًا. فمن خلال إحلال سلطة الوليّ الفقيه المطلقة محلّ تعددية المرجعيات، وتحويل رجل الدين إلى حاكم، والدين إلى أيديولوجيا دولة، قطع النظام الإيراني الثوري مع النجف، وفرض قم مركزًا إمبراطوريًا. وهكذا لم يعد التشيّع تقليدًا دينيًا متنوعًا، بل أداة إسقاط جيوسياسي. في لبنان، لم تُزرع هذه الصيغة في أرض خالية. فالشيعة اللبنانيون كانوا دائمًا جزءًا من مشروع الدولة، وفق المنطق العاملي للانتماء إلى فضاء وطني محدد. غير أنهم، منذ الاستقلال، بل وقبله، تعرّضوا لتهميش اجتماعي واقتصادي، وأُبقوا على هامش التنمية، وخضعوا لإقطاعيات محلية تحدثت باسمهم من دون أن تحرّرهم. وهذا التهميش البنيوي يفسّر جزئيًا توجّه شريحة من الشيعة، منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي، نحو أحزاب علمانية معادية للنظام الطائفي، كالحزب الشيوعي اللبناني وتفرعاته النقابية والفكرية. شكّل ظهور الإمام موسى الصدر قطيعة حاسمة. فقد جسّد انتفاضة ضد الظلم الاجتماعي والتهميش، من دون القطيعة مع الدولة كأفق نهائي. كان مشروعه لبنانيًا بعمق—بالمعنى الواسع غير الإيديولوجي—حتى وهو منفتح على محيطه الإقليمي. لم يسعَ إلى أسلمة لبنان، ولا إلى اقتلاعه من تعدديته، بل إلى إدماج الشيعة كمواطنين كاملي الحقوق. وهذه المكانة بالذات—غير الخاضعة وغير القابلة للتوظيف—تفسّر اختفاءه، في لحظة كان فيها مشروع آخر، مناقض جذريًا، يتبلور: مشروع تحالف الأقليات المرتبط بالأنظمة السلطوية الإقليمية. بعده، انزلق حركة أمل تدريجيًا، في عهد نبيه بري، إلى الفلك العلوي عبر اصطفافها مع نظام الأسد. أما حزب الله، فمنذ مطلع الثمانينيات، فقد ذهب أبعد من ذلك، إذ قاد الشيعة اللبنانيين بعكس تراثهم العاملي، وانتزعهم من منطق الدولة والأرض، وأدرجهم في منطق ولاية الفقيه، محوّلًا لبنان إلى مساحة وظيفية في خدمة مشروع إيراني. وهكذا جرى تحويل الجماعة إلى تابع، لا ممثَّل. وقد جرى تهميش الشيعة العلمانيين والليبراليين أو ببساطة اللبنانيين بشكل منهجي: عبر قوانين انتخابية مفصّلة على القياس، والترهيب، والنفي القسري، أو الاغتيال—من مهدي عامل إلى لقمان سليم. وقد تم هذا الإخضاع في ظل الاحتلالين السوري ثم الإيراني، وقُبل، بحكم الواقعية السياسية، من قبل المجتمع الدولي، الذي تكيّف منذ التسعينيات مع حزب الله، رغم تاريخه وأنشطته وطبيعته الفعلية. في مواجهة هذه الهيمنة، لم يبقَ المشروع الشيعي اللبناني إلا بشكل معزول، حمله عدد من الشخصيات الفكرية والدينية الكبرى، مثل محمد مهدي شمس الدين، هاني فحص، ومحمد حسن الأمين، وغيرهم. جميعهم دافعوا عن رؤية واضحة: لبنان كوطن نهائي، والدولة كغاية، والعيش المشترك كأفق، ورفض أي تثبيت هوياتي قائم على منطق الأكثرية أو الامتياز الطائفي. لقد جرى تهميش هذه المدرسة طويلًا. آن الأوان للتوقف عن محاولة استرضاء حزب الله أو إنقاذه. فالمسألة لم تعد تكتيكية، بل استراتيجية. المطلوب هو إفساح المجال أمام نخب شيعية جديدة، حديثة، غير تقليدية، متحرّرة من الوصايات الخارجية، أعلنت ولاءها للبنان—وللبنان وحده—وتخلّت عن أي منطق هيمنة على باقي المكوّنات. لكن هذا المطلب لا يمكن أن يكون أحاديًا. لا يمكن مطالبة الشيعة بالتخلي عن سلوكيات القبيلة الباحثة عن الضمانات والامتيازات، إذا لم تُقدم بقية الجماعات بدورها على مراجعة ذاتية. فالمسألة الشيعية ليست مسألة شيعية فحسب. في لبنان، شؤون كل جماعة هي شؤون الجميع. لا توجد مناطق حصرية ولا أطواق أمن جزئية. هناك طوق أمني وطني واحد: لبنان، ضمن حدوده، ومشروعه، ورسالته. إن حل المسألة الشيعية حلّ لبناني. وهو يمرّ عبر أحزاب وحركات عابرة للطوائف، قادرة على كسر الإطار الطائفي والقبلي، من دون أي تبعية خارجية. غير أن ذلك يتطلّب التفكير بمنطق استراتيجي، لا بمنطق المكاسب الانتخابية الآنية، في بلد مهووس بالاستحقاقات وبموازين القوى، على حساب مستقبله.

  زيارة لاون الرابع عشر إلى عنايا تحمل رسالة خاصة للموارنة

في زمن الصعود الإقليمي للخصوصيات، وتحت تأثير الحرب في غزة، تكتسب الزيارة الأخيرة للبابا إلى لبنان، ولا سيما إلى عنايا، بعدًا خاصًا للموارنة. ينبغي أن تكون هذه الزيارة فرصة لهذه الطائفة لتنشيط بحوثها التاريخية على المستوى الأكاديمي وتجديد ذاكرتها حول الطبيعة "الرسولية" لوجودها في لبنان كنواة تاريخية للهوية اللبنانية. يجب أن تكون الزيارة الأخيرة للبابا ليون الرابع عشر إلى عنايا، في 1 ديسمبر 2025، هي الشرارة الأولى لمشروع تاريخي ماروني "مُعاد النظر فيه". فبعيدًا عن شخص القديس شربل، توجه البابا في الواقع إلى منبع الرهبانية اللبنانية المارونية (OLM)، التي تحتضن في ذاتها جوهر الكنيسة المارونية. في عنايا، نحن أيضًا عند منبع لبنان الكبير الذي يؤكد يوحنا بولس الثاني أن "جذوره التاريخية ذات طبيعة دينية". هنا نلامس نشأته. في الفقرات الأولى من الإرشاد الرسولي ما بعد السينودس "رجاء جديد للبنان" (1997)، كتب يوحنا بولس الثاني: "خلال الاحتفال الإفخارستي الختامي للجمعية السينودسية، قلت: "نعلم مدى حاجة لبنان إلى البناء وإعادة البناء (...). وقد أكدت أيضًا أن التزام المسيحيين مهم للبنان، الذي جذوره التاريخية ذات طبيعة دينية. وبسبب هذه الجذور الدينية بالذات للهوية الوطنية والسياسية اللبنانية، بعد سنوات الحرب القاسية، أريد وأمكن الشروع في جمعية سينودسية، بهدف البحث معًا عن طريق تجديد الإيمان، وتعاون أفضل، وشهادة مشتركة أكثر فعالية، دون نسيان إعادة بناء المجتمع". (انظر أيضًا يوحنا بولس الثاني، عظة قداس اختتام الجمعية الخاصة بلبنان من سينودس الأساقفة، 14 ديسمبر 1995). تتجه زيارة البابا في اتجاهين: يجب أن تكون أولاً، فرصة لإعادة إطلاق وتعزيز أحد أكثر الفصول إثارة في التاريخ الماروني: قصة المغامرة الإنسانية والروحية لثلاثة علمانيين أتوا من حلب ليؤسسوا، في الوادي المقدس، قاديشا، الرهبانية اللبنانية المارونية (1695)؛ وبشكل خاص شخصية القداسة الاستثنائية التي يجب أن يكون عليها عبد الله كارالي، قلب هذا المشروع. يمكننا أن نتخيل جامعة الكسليك تؤسس مركزًا للدراسات التاريخية للكنيسة المارونية، بالقرب المباشر من قبر هذا القديس العظيم. وينبغي أيضًا أن يكون نشر سيرة كارالي ممكنًا، ربما في البداية في قصة مصورة. يجب أن تكون زيارة البابا إلى عنايا بعد ذلك فرصة لتجديد ذاكرة الموارنة حول الطبيعة "الرسولية" لوجودهم في لبنان ككنيسة شرقية، في شراكة مع روما ونواة تاريخية للهوية اللبنانية. بملاحظة الاضطراب الجيوسياسي الذي يؤثر على الشرق الأوسط، حان الوقت للاستيقاظ من سباتنا الفكري والعلاقاتي، وإدراك أن لبنان الكبير كان لحظة تحول انتقل فيها الموارنة من المسؤولية عن الذات إلى مسؤولية تاريخية تجاه الآخرين، وأن هذا الانتقال كان له عواقب مهمة لم يقيسوها بعد بشكل كامل. "تقلبات طائر الفينيق" تتتبع المؤرخة الفرنسية كانديس ريمون، الباحثة المشاركة في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى (بيروت)، ببراعة، في دراسة نُشرت في مجلة "تييرس موند" (العدد 216 - 2013، إصدارات أرماند كولين)، المسار التاريخي للمشروع اللبناني. الدراسة، المعنونة "حياة وموت وقيامة تاريخ لبنان، أو تقلبات طائر الفينيق"، "تتتبع تاريخ "تاريخ لبنان"، وهو خطاب تاريخي جوهري لتشكيل الدولة، والذي كان أصلاً مثار جدل حول مدى أهمية موضوعه، وتنازعت عليه التصريحات الرئيسية. ثم تشرح العمليات التي أُعيد بها تشكيل هذا التأريخ، بحيث يمكن أن يشكل، بعد الحرب الأهلية، أساسًا لتاريخ وطني بحد أدنى وبحكم الواقع، ولكنه يشهد على تقارب غير مسبوق في المواقف داخل المجتمع اللبناني ورغبة في توافق أوسع انتشارًا مما قد توحي به استمرارية الانقسامات الطائفية." دراسة كانديس ريمون كلها شيقة، ولكن بشكل خاص الجزء الذي يتناول "إنشاء" لبنان الكبير. تكتب المؤلفة: "في أعقاب الحرب العالمية الأولى، عندما طرحت المسألة الإقليمية، طور أنصار إنشاء دولة لبنانية حججًا اقتصادية وتاريخية على حد سواء للحصول على إضافة إلى جبل لبنان، الذي كان يتمتع منذ عام 1861 بوضع سنجق مستقل، مناطق طرفية مختلفة (طرابلس وعكار في الشمال، وسهل البقاع في الشرق، وصيدا وجبل عامل في الجنوب) وقبل كل شيء بيروت، التي رغبوا في جعلها عاصمة الدولة الجديدة. عندها حلت محل خطاب الكفاح الدائم ضد الاضطهاد، غائية قوة الدولة التي تميز بين التأريخ المجتمعي الماروني والتأريخ اللبناني الماروني. هذا الأخير يعكس في الواقع العلاقة التي توحد المجتمع الماروني بالأراضي اللبنانية. لم يعد المجتمع هو الذي، من خلال كفاحه من أجل الحرية، يمنح هويته الخاصة للأراضي التي يحتلها، بل هذه الأراضي التي، بحكم خصوصياتها المورفولوجية والجغرافية، تفرض مهمة وهوية على سكانها. فالتوازي الجغرافي للساحل البحري والجبل اللبناني يجد نظيره في وظيفة مزدوجة للأرض: وظيفة لبنان التبادل، بين البحر والقارة، بين الشرق والغرب، ووظيفة لبنان الملجأ، ملاذ الحرية والاستقلال. تستمد الدولة منذ ذلك الحين جذورها من التجارب السياسية التي حققت الوحدة بين هاتين المهمتين، بينما تؤسس الأمة فيها هويتها الخاصة." حتمياتنا التاريخية يجب على كل لبناني أن يتعمق في هذه المعرفة التي هي، في نهاية المطاف، معرفة للذات وحتمياتها التاريخية. يجب وضع حد للانطواء الخجول على "لبنان الصغير" الذي يدعو إليه جزء من الرأي العام. لقد كان هناك وقت وُضع فيه "لبنان الكبير" في خدمة "لبنان الصغير". هذا الوقت قد ولى. بالتأكيد، يمكن فهم ذلك، فتاريخ لبنان الكبير الذي احتفلنا بذكراه المئوية لم يكن سهلاً. السنوات الخمسون الأخيرة من وجودنا كدولة كانت مؤلمة من جميع النواحي. لكن يجب تحملها باسم الجذور "ذات الطبيعة الدينية" التي هي لنا. كموارنة، نحن بشكل لا ينفصل، ولكن دون التباس، كنيسة ومجتمع. لكن الكنيسة هي التي تؤسس المجتمع. وجوديًا، نحن أولاً كنيسة، مع المسؤولية التي يجب على كل كنيسة أن تتحملها؛ وهي أن تكون "كاثوليكية" بالمعنى الأصلي للكلمة، أي شاملة و"عالمية".