شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
إسرائيل تكثف اغتيالات القيادات؛ إيران تمدد نيرانها إلى أذربيجان.

لقد اتخذ الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، الذي انطلق في 28 فبراير الماضي ضد نظام الملالي الإيراني، إضافة إلى إعادة فتح جبهة جنوب لبنان من قبل حزب الله في ليلة 1 er إلى 2 مارس، منعطفًا جديدًا خلال الثماني والأربعين ساعة الماضية. بينما تتواصل الغارات الجوية ضد مواقع حزب الله، لا سيما في الضاحية الجنوبية لبيروت وفي عدة قرى في المنطقة الجنوبية من البلاد، تضاعف الطائرات الحربية للدولة العبرية الغارات الموجهة التي تهدف إلى القضاء على قيادات عليا في التشكيل الموالي لإيران والمنظمات الفلسطينية الأصولية. يوم الأربعاء 4 مارس، وخلال يوم الخميس 5 مارس، نُفذت غارات في عرمون، سعديات، بشامون، شويفات، صيدا، حازمية، على طريق مطار بيروت (اغتيل اثنان من قيادات حزب الله)، زحلة، وفي مخيم البداوي الفلسطيني في شمال لبنان، حيث قُتل مسؤول رفيع في حماس. في كل من هذه المناطق، قُتل القادة بإطلاق صاروخ، إما في منازلهم أو أثناء تنقلهم في سياراتهم. في الوقت نفسه، كرر المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي باللغة العربية دعوته لجميع سكان جنوب الليطاني لإخلاء قراهم والتوجه شمال النهر. وأطلق نداءً مماثلاً لسكان الضاحية الجنوبية، مطالباً إياهم بالانسحاب إلى طرابلس أو بعض مناطق الجبل. ووفقاً لإحدى القنوات التلفزيونية الإسرائيلية، فإن الجيش الإسرائيلي يعتزم قصف وتدمير «عشرات المباني في الضاحية الجنوبية». الجبهة الإيرانية على مستوى العمليات العسكرية في إيران، أطلقت صواريخ صباح الخميس باتجاه الدوحة (قطر)، والمنامة (البحرين)، وكردستان العراق حيث استهدف مقر قيادة القوات الكردية الإيرانية المعارضة لنظام الملالي. تجدر الإشارة في هذا السياق، ووفقاً لمسؤولين أمريكيين نقلت عنهم فوكس نيوز وموقع أكسيوس، أن القوات الكردية للمعارضة الإيرانية المتمركزة في العراق شنت في بداية الأسبوع هجوماً برياً باتجاه الأراضي الإيرانية، بدعم، حسبما تؤكد هذه المصادر، من الأجهزة الأمريكية والإسرائيلية. ومع ذلك، نفت البيت الأبيض نيته تقديم مساعدة للمعارضين الأكراد الإيرانيين المتمركزين في العراق. أما الحرس الثوري، فقد أشار في هذا السياق إلى أنه فتح النار على «عناصر انفصالية» حاولت عبور الحدود مع العراق. بالإضافة إلى هذا التوتر على الحدود الإيرانية العراقية، حدث تطور خطير صباح الخميس. أطلق الحرس الثوري صاروخين باتجاه مطار في أذربيجان حيث، بالإضافة إلى ذلك، تم الإبلاغ عن تجمعات للقوات على الحدود مع إيران، حسب بعض المعلومات. يذكر أنه في بداية الأسبوع، أطلق الحرس الثوري صواريخ باتجاه قبرص، مستهدفاً قاعدة بريطانية، وباتجاه تركيا حيث اعترضت الدفاعات الجوية لحلف الناتو الصاروخ. ويبدو من ذلك واضحاً أن الحرس الثوري يسعى إلى توسيع الصراع بشكل متزايد ليشمل دولاً ومناطق جغرافية جديدة، والهدف للجمهورية الإسلامية هو زيادة تدويل الصراع لتفاقمه إلى أقصى حد في محاولة لوقف الهجوم الأمريكي الإسرائيلي. أمام قوة النيران ومدى الهجوم الأمريكي الإسرائيلي، اختار نظام الملالي، الذي ربما أصابه الذعر، المضي قدمًا وتوسيع النزاع إلى مناطق جغرافية جديدة ومتزايدة الاتساع لكسر مواجهته مع الولايات المتحدة وإسرائيل. إلا أن مثل هذه الاستراتيجية تنقلب ضد طهران ولا تزيد إلا من عزلتها، كما توضح المواقف الدولية المسجلة في الساعات الأربع والعشرين الماضية. أعلن الأمين العام لحلف الناتو أن الغالبية العظمى من دول الحلف الأطلسي تدعم موقف الرئيس دونالد ترامب بشأن النزاع الإيراني. وفي السياق ذاته، شجبت المفوضية الأوروبية سلوك النظام الإيراني، مؤكدة أن خط سلوك الجمهورية الإسلامية يشكل تهديداً للاستقرار في الشرق الأوسط والأمن في أوروبا. وفي هذا الإطار، أشار الرئيس إيمانويل ماكرون يوم الخميس إلى أنه اقترح على إيطاليا واليونان إرسال قوات إلى قبرص لتعزيز قدرات الدفاع عن الجزيرة. وقد اتخذت فرنسا في هذا الصدد قراراً بالسماح للطائرات الأمريكية بالوصول إلى قواعدها العسكرية في الشرق الأوسط. وكانت بريطانيا قد فتحت أيضاً قواعدها في بداية الأسبوع للطيران الأمريكي. من جانبه، أعلن رئيس الوزراء الكندي يوم الخميس أنه لا يستبعد مشاركة بلاده في الحرب الدائرة ضد النظام الإيراني. أما أستراليا، فقد أعلنت عن إرسال «إمكانيات عسكرية» إلى المنطقة. ونشير أخيراً إلى أن مجلس الشيوخ الأمريكي رفض قراراً قدمه نواب ديمقراطيون يهدف إلى تقييد حرية عمل الرئيس ترامب في إيران.

ما يجب إنقاذه
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

في الحقيقة، لا نعرف شيئاً، إذ الحقيقة في قاع الهاوية — ديموقريطس الأبديري أصحاب الفخامة والمعالي، القول بأن لبنان يواجه اليوم أزمة وجودية كبرى جديدة، نتاج مكوّر عقديّ خبيث هو حزب الله، لم يُعالج في حينه — أو لم يتسنّ معالجته — ضربٌ من التحصيل الحاصل. ذلك أن ما يجري اليوم يتخطى آليات الأزمات اللبنانية المعهودة. لم يعد الأمر يتعلق بإعادة هيكلة التوازنات الطائفية للمرة الألف، ولا حتى بفصل جديد من الحرب بالوكالة التي خاضها الآخرون على أرضنا. ما يتزعزع هذه المرة، أكثر من أي وقت مضى، في دويّ الغزو الإسرائيلي وانهيار المشروع الهيمني الإيراني، هو الركيزة الأعمق للبنان الكبير ذاتها — تلك الفكرة الهشة التي طالما أُسيء إليها، غير أنها لا غنى عنها، تلك التي أتاحت لمجتمعات متنابذة أن تتعايش وأن تتخاصم بعنف وأن تتعارف أحياناً. وهو في نهاية المطاف قدر كل زوجين يتعلمان فن العيش المشترك. في مغامرته التعويضية، يُنهي حزب الله الآن نفسه بنفسه — وبانتهائه يُنهي لبنان معه. إن انتحاره الاستراتيجي — الغنوصي في منطق إحراق الذات، الإمبراطوري في طموحاته، الطائفي في دوّامته — يكشف أقل عن هزيمة عسكرية وأكثر عن شرخ وجودي عميق. طال زمن ادّعى الحزب تجسيد مقاومة، وصدّق ذلك أنصاره. غير أنه ما جسّد، في نهاية المطاف، سوى عبودية — للإيراني، وأحلامه في الهيمنة الإقليمية، ومشروعه الثيوقراطي المُصدَّر إلى شرايين لبنان الذي نزفه حتى العظم. هذه التفوقية الموالية لإيران، التي كانت المكونة الشيعية اللبنانية أكثر من عانى في نهاية المطاف، قررت أن تحترق — ولا يد لأحد في ذلك. لكن حزب الله لم يتحوّل وحيداً. لا بدّ من قولها صريحةً: فعل ذلك معه كامل الجسم السياسي والاجتماعي والطائفي اللبناني، كلّ بطريقته، لا سيّما خلال السنوات الطويلة لعهد ميشال عون، بفساده اللا محدود وتبعيته المعلنة لطهران ومنطق حلف الأقليات. أصحاب الفخامة، انظروا إلى حال الطوائف التي تمثلونها فعلياً داخل المؤسسات، بحكم مناصبكم. المسيحيون، حتى أشدهم سيادية، أولئك الذين حملوا عقوداً فكرة لبنان تعددي مستقل في امتداد البطريرك نصر الله صفير — ينكفئون اليوم نحو خصوصية دفاعية. الفكرة الفيدرالية التي طال تهميشها باتت تجد هواءاً ملائماً — كأن في قاع اليأس باتت القسمة سبيل النجاة الوحيد. هذا تراجع مأساوي من الذين كانوا رواد لبنان الكبير، مهندسي فكرة الحياة المشتركة المؤسساتية في دولة واحدة. أن يتخلوا عنها الآن يمثّل هزيمة ثقافية لا تقل عن كونها سياسية. أما المجتمع الشيعي فيعبر كرباً من عمق لا تعود الخطابات الانتصارية لزمن آخر قادرة على حجبه. أن تؤمن بالمقاومة، وأن تعطيها كل شيء — أبناءاً وقرىُ وعقوداً — لترى فيها بعدئذٍ آلة هيمنة إقليمية في خدمة قوة أجنبية: هذا حداد عظيم، قليلون من المراقبين الخارجيين يقيسونه بالتعاطف الذي يستحقه. يستحق شيعة لبنان ما هو أفضل بلا قياس مما أتاحه حزب الله: المرَضية الاستشهادية. يستحقون النجاة من هذا الكابوس الذي امتد أكثر مما ينبغي، دون أن يشعروا بثقل الإذلال. أما السنة فيبحرون في فراغ سياسي مؤلم. ليس لأنهم تخلّوا عن لبنان — حاشاهم. لكن في غياب مرجعيات ومشروع جامع، بات بعضهم ينظر مجدداً نحو سوريا أحمد الشرع وما وراءها نحو تركيا أردوغان. هذا الإغراء مفهوم في جذوره، غير أنه سيكون مدمراً في نتائجه. أن نذيب السيادة اللبنانية مجدداً في فضاء إقليمي لا يشبهها، باسم تضامُن حضاري ملتبس التعريف، معناه تكرار الخطأ العربي لعام 1958 — تحت رايات مختلفة، لكن مع الاستسلام ذاته عن الذات. دم حسن خالد ورفيق الحريري لم يُسفك سدى. وأما الدروز — المكونة الجذرية في فكرة لبنان الكبير، التي دفعت ثمن الدم باستمرارية أكثر ثباتاً من سواها — فيجدون أنفسهم أمام منافسة قيادية تتطلع بعض تجلياتها في حوران المجاورة نحو تحالفات كانت بعيدة عن التصور قبل عشر سنوات. لا، الدوار من الجوار الصهيوني ليس مجرداً. أصحاب الفخامة، هذه الصورة ليست صورة بلد يحتضر دفعة واحدة. إنها صورة بلد يتفكك ببطء، طائفة بعد طائفة، ردة فعل بعد ردة فعل، انكفاء بعد انكفاء — دون أن تُعاد رسم خرائط المشرق جغرافياً، بل دون أن ينفجر حتى في انهيار مرئي. يكفي أن يفقد لبنان وحدته الوطنية كي يختفي من تلقاء نفسه، بلا وظيفة ذاتية، مبتلعاً من مصالح تتجاوزه — إسرائيل وسوريا وتركيا — وليس لديها سبب لمراعاته إن لم يعد يعرف كيف يدافع عن نفسه بتماسك مشروعه. لقد اكتفينا دائماً بالتكل على الآخرين تهرباً من مسؤولياتنا. كان ذلك أريح، أيسر. والنتيجة الكارثية ماثلة للعيان: البلد يفوح الآن برائحة الجيفة. غير أننا نريد أن نقول هنا، خلافاً للأفكار المسبقة التي طالما سمّمت النقاش العام، إن لبنان الكبير ليس ثقلاً موروثاً عن الاستعمار الفرنسي ولا تحايلاً ذمياً. لقد صاغه مؤسسوه — من كل الطوائف — ملاذاً وضماناً وفضاءاً للتعددية في شرق أوسط لم يتح منها كثيراً. للمسيحيين بالطبع. لكن أيضاً للدروز، وللشيعة الذين همّشتهم الجغرافيا والتاريخ في الفضاء العثماني، وللسنة الذين راهنوا على الحداثة الليبرالية في مواجهة إغراءات القومية العربية المذيبة. كان لبنان الكبير في مشروعه الأصلي ضرورة للجميع. أخطاء في الإدارة، وظلم في التمثيل، وطموحات إقليمية لا تتناسب مع حجمه وطبيعته، وأيديولوجيات هذيانية مستوردة أو مصنّعة محلياً، وأوهام شخصية متضخّمة، قد هزّت البنيان هزّاً شديداً. لكن بنياناً مهزوزاً ليس بنياناً محكوماً عليه — شريطة توافر الشجاعة لإصلاحه بدلاً من التنازع على أنقاضه. إن المعركة الدائرة اليوم، في مواجهة غرور حزب الله المنهار ونزعة المحتل الإسرائيلي “الحربجية” اللا محدودة، تتخطى مسألة احتكار العنف المشروع أو وقف عدوان عسكري مدمّر. هذه الرهانات حقيقية وملحة. لكن السؤال الأول هو: من نحن معاً؟ ما الذي يريد لبنان أن يظل عليه، لنفسه ولأبنائه؟ مجدداً، حزب الله يُنهي لبنان بإنهائه نفسه. لكن لبنان عموماً، وشيعته خصوصاً، يستحقون النجاة من هذا الكابوس الذي امتد أكثر مما ينبغي. أنتم ثلاثة رجال وضعهع التاريخ على رأس ثلاث مؤسسات، في هذه اللحظة بالذات، لتجيبوا على هذا السؤال. لا لتجنبوه. لا لتأجيله إلى ما بعد الأزمة — لأنه لن يكون ثمة بعد دون عمل الآن. ومع ذلك، وإن كانت هذه المسؤولية تقع على الجميع دون استثناء لأن المشكلة ليست شيعية بالمعنى الضيق، وإن كان السلطة التنفيذية اللبنانية قد أخطأت بافتقار إلى الحزم تجاه حزب الله منذ نهاية كارثة 2024، فإن مسؤوليتك أنت، يا معالي الرئيس بري، تبقى الأكبر. لطالما كنت مزدوجاً، تُتقن فن المشي على الحبل المشدود لتنجو وترضي الجميع — وترضي نفسك أيضاً. لكن الحيلة لم يعد لها مكان الآن. منذ ثلاثة عقود، يراهن لبنان على موقف تاريخي منك يجسّد دون لبس لبنانيةً وحسّا دولتياً إزاء حزب الله. حتى الآن، أثبت هذا الرهان عقمه التام. أتمّ مسيرتك السياسية بإشراق. لن تخون طائفتك؛ بل ستنقذها، هناك حيث تستنزفها الفرقة الإسكاتولوجية. وبها لبنان. أصحاب الفخامة، بالطبع، لا نطلب منكم الاتفاق على كل شيء. الديمقراطية اللبنانية في ما هو أجمل فيها تغذّت دائماً من خلاف حي. ما ندعوكم إليه هو التكلّم بصوت واحد حول الجوهري: لبنان الكبير يستحق حقاً أن يُنقذ. وبقاؤه يقتضي من الجميع تخلياً جزئياً عن حساباتهم الخاصة لصالح مشروع مشترك — الوحيد الذي يستحق، الوحيد الذي يدوم، الوحيد المنطقي. كونوا واضحين. كونوا صارمين. كونوا مسؤولين. أن لا يعود الدولة خائفاً أمر جيد. لكنه لا يجب أن يكتفي بالتبرؤ وإثبات وجوده مستقلاً عن الدولة الموازية. يجب أن يتحرك، بحزم، مستخدماً القوة نفسها لدفن أشباح عام 1969 نهائياً ومنع انتشار النقائل في دوامة من نزاعات أحياء ومناطق. خلافاً للظاهر، لن يُتجنّب الاشتعال الداخلي إلا إذا بات الدولة يوجد، رافضاً قبول الأمر الواقع بعد اليوم. ليس فعل الدولة هو ما سيضرم البارودة، بل على العكس من ذلك: تقاعسها. الأمين العام للحزب يتحداكم علناً ويشيطنكم؟ هذه المهزلة القاتمة طالت أكثر مما ينبغي. السلاح دمّر كل شيء. قانون العقوبات، وما وراءه الدستور، يمنحانكم صلاحية التحرك بحزم دون تردد، قبل أن يجرف هذا الجنون المحموم ضحايا أبرياء آخرين. وإلا فإن ثمن اتفاق سلام حتمي سيكون أغلى — إذا قبلت إسرائيل هذه المرة بعدم ضم جزء من الأراضي اللبنانية فعلياً. فلنتجنّب إذن الاستسلام والإذلال والاحتلال الدائم الجديد الذي يجرّنا إليه حزب الله! السبيل الوحيد للخلاص هو استعادة سلطة الدولة وهيبتها مرة واحدة وإلى الأبد. وهذا يُقال بنبرة الاتزان والاعتدال، بل بصوت متعب،… لا بالحماس والاندفاع… أصحاب الفخامة، الفكرة اللبنانية جميلة. ربما هي حتى الفكرة الأصيلة الوحيدة حقاً التي أهدى بها هذا الركن من المشرق الحداثة السياسية: أن نعيش معاً دون أن نتشابه، وأن نتعارف دون أن نذوب. فلا نقضينّ نصف قرن آخر في رثاء ما لن نكون قد عرفنا كيف نحافظ عليه بأنفسنا، لأننا أخفقنا في التخلي عن مهامنا السياسية. تفضّلوا بقبول، أصحاب الفخامة والمعالي، عبارات أسمى تقديري واحترامي. ميشال حاجي جورجيو

لبنان بين السلبية والحرب المفروضة: الدولة في مواجهة عاصفة حزب الله

يقف لبنان اليوم أمام انقسام عمودي حاد، لا سيما منذ قرار السلطة التنفيذية حظر أي نشاط عسكري لحزب الله، في وقت يتفاقم فيه الوضع ميدانياً مع توسع رقعة النزاع العسكري بين إسرائيل والحزب. إنّ فتح جبهة الجنوب وردود الفعل السياسية والإعلامية لحزب الله التي تنتقد مجلس الوزراء ورئاسة الجمهورية وتهاجم لبنان بأسره، لا يمكن وصفها، في أفضل الأحوال، إلا بغير المسؤولة، إن لم تكن تحدياً سافراً. وأول من يدفع الثمن هم أنصار حزب الله أنفسهم، ومن ثم لبنان بمجمله. يخوض أنصار حزب الله وعائلاتهم، الفارين من التهديدات والقصف الإسرائيلي، نزوحهم الخامس منذ العام 1992. غير أنّه ما من ضمانة بأن يكون هذا النزوح مؤقتاً هذه المرة أيضاً، خصوصاً إذا ما نفذت إسرائيل وعيد وزير دفاعها بتوسيع احتلالها في جنوب لبنان لإنشاء منطقة عازلة تمتد شمالاً. وخلافاً لكل منطق، يسلّم الكثير من أنصار الحزب بهذا الواقع، مؤكدين ثقتهم بقيادتهم وولاءهم للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومعلنين يقينهم بالنصر على إسرائيل مهما حدث، واقتناعهم بأن قدرهم هو الموت ثأراً لخامنئي. إنّ هذا المنطق الانتحاري يحمل مخاطر جسيمة، كما أنّ سلبية السلطة التنفيذية من شأنها أن تطيل أمد هذا الوضع الراهن المستنزف. منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، لم تتوقف إسرائيل عن استهداف كوادر حزب الله وبناه التحتية، دون أن يقابل ذلك أي رد من الحزب. وفي الوقت عينه، استمر الأخير في ممانعة بَسْط سيادة الدولة، متنكراً بذلك للالتزامات التي قُطعت في هذا الاتجاه. حتى ذلك الحين، كانت الضربات الإسرائيلية تُنفَّذ ضمن إطار جغرافي محدد ومتوقع. غير أنّه منذ الثاني من آذار، جُرَّ لبنان إلى «حرب مساندة» جديدة، نسخة 2023-2024 (2.0)، لا طائل منها على الإطلاق ولا تأثير لها على مسار الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. لقد بات جلياً أن حزب الله لن يغير موقفه أبداً، وسيعلي دائماً كفة الأيديولوجيا على البراغماتية التي ادعى يوماً ريادتها. وبين الانتحار والخيارات التي تضمن أمن مناصريه، اختار الحزب الانتحار؛ وهو انتحار لا يمكنه فرضه على سائر اللبنانيين الذين اختاروا دولة القانون، ولا يزالون يؤمنون بها ويكافحون، منذ خمسين عاماً، من أجل بنائها. إنّ الاحتلال السوري للبنان، الذي تمادى على مدى ثلاثين عاماً، ومن ثمّ هيمنة حزب الله وحركة أمل، قد نخرت الدولة من الداخل، عبر «زرع» محازبي هذه القوى، إلى جانب آخرين تابعين لإقطاعيات فاسدة، في مفاصل الإدارات العامة والجهاز القضائي والمؤسسات الأمنية، مع الإمعان في تقويض أسسها بشكل منهجي. ولولا وجود ثلّة من "المقاومين الحقيقيين" – الذين يعملون بصمت ونشاط داخل هذه المؤسسات، وهم كثر – لكانت الدولة قد «فارقت الحياة» منذ زمن طويل. السلبية، الخيار الأسوأ لقد «سايرت» السلطة التنفيذية ورئاسة الجمهورية حزب الله طوال الأشهر الأربعة عشر الماضية، متبنيةً موقفاً من السلبية المشلّ، في وقتٍ كانت فيه ديناميكية مكثفة تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط. اعتبر ميكافيلي أن السلبية هي أسوأ الخيارات؛ فإذا لزمت السلطةُ موقفاً سلبياً ومحايداً، غدت فريسةً للمنتصر. ولا يمكن للبنان أن يستعدي الولايات المتحدة، التي يعيش فيها أكثر من مليون لبناني من حاملي الجنسية المزدوجة وأميركيين من أصول لبنانية. ومن بين هؤلاء أعضاء في مجلس الشيوخ، وأعضاء في الكونغرس، ومسؤولون في الإدارة، أمثال توماس باراك، ومسعد بولس، وداريل عيسى، ودارين لحود، وكثيرون غيرهم ممن يعملون بجهد دؤوب لمصلحة لبنان. وبالاستناد دائماً إلى ميكافيلي، لا سيما في حالات الحرب، لا يمكن للبنان أن يتبنى موقفاً سلبياً بين واشنطن وطهران؛ إذ أضحى هذا الحياد مرادفاً للخراب. وها هي إسرائيل، مرة أخرى، توسع احتلالها في جنوب لبنان، بينما يبدو حزب الله وإيران في حالة عجز تام عن منعها أو ردعها، بل هما يساهمان، على العكس من ذلك، في توفير الذرائع لها لاحتلال المزيد من الأراضي اللبنانية وتهجير سكانها. يزعم بعض المراقبين أنّ تنفيذ القرار الأخير لمجلس الوزراء من شأنه أن يؤدي إلى حرب أهلية، أو إلى مواجهة مسلحة بين الجيش وحزب الله. غير أنّ هذه الحجج لا تصمد أمام الواقع؛ إذ لا يمكن للحزب، بعد كل ما عاناه، أن يسمح لنفسه بالدخول في صدام مباشر مع المؤسسة العسكرية، أو بالمخاطرة بزيادة استعداء غالبية اللبنانيين. وفي حين يشكك محللون آخرون في قدرة المؤسسة العسكرية على فرض تنفيذ قرار الحكومة، فإنّ في لحظة تاريخية كهذه، وحدهم رجال الدولة – وهم عملة نادرة في هذه الأيام – يمتلكون القدرة على إحداث الفرق، وامتلاك رؤية وخطة واضحة لتحقيق ذلك، دون انزلاق البلاد نحو حرب أهلية أو مواجهة داخلية. فعلى سبيل المثال، يتعيّن على المجلس الأعلى للدفاع – الذي يضم رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزراء الدفاع والداخلية والمالية والاقتصاد – أن يعلن اجتماعاته مفتوحة، وأن يشرف ساعة بساعة على مهمة نزع سلاح حزب الله، بدلاً من ترك الجيش يتخبط وحيداً في مواجهة وضع سياسي بالغ التعقيد، المتمادي منذ أربعين عاماً. وبهذا، يمكن للمجلس الأعلى للدفاع أن يستعيد زمام المبادرة ويتحمل مسؤولياته كاملة؛ إذ إن سلطة القرار تعود إليه وليست من شأن العسكريين. ومن شأن هذه الخطوة أن تؤكد أيضاً علوية السلطة المدنية على المؤسسة العسكرية في ظل أزمة كالتي نمر بها اليوم. إنّ تحركات العسكريين، إذا ما تُرِكت لتقديرهم الميداني المنفرد، قد تؤدي إلى عواقب سياسية وخيمة. وانطلاقاً من هذا الواقع، يجب أن يكون الجيش محصناً سياسياً، ليس فقط بموجب قرار من مجلس الوزراء، بل أيضاً عبر متابعة حثيثة، ساعة بساعة، لضمان التنفيذ السليم لهذا القرار. ومن ناحية أخرى، يُسجَّل غيابٌ تام للجنة البرلمانية للدفاع؛ في حين يقع على عاتقها الانعقاد بصفة دورية، وبوتيرة تفرضها خطورة الأوضاع، لمساءلة المعنيين وتحمل مسؤولياتها، وللتشريع عند الاقتضاء، بهدف تأطير العمل الجاري ووضع كافة الوسائل اللازمة بتصرف الجيش لضمان نجاح المهمة الموكلة إليه.

الحالة الفلسطينيّة .. فكّر بغيرك
بقلم
هشام دبسي
نُشر

ما تقرأه هنا ليس مجرّد مقالة، بل هو محاولة للفهم — فهم ما آلت إليه قضيّة شعبٍ حمل حلمه عقودًا وما زال يحمله، فوق أرضٍ لم تهدأ ولن تهدأ. هذا النصّ مدخلٌ إلى دراسةٍ ستتوزّع على أجزاء، تتناول الحالة الفلسطينيّة في تشعّباتها التاريخيّة والسياسيّة والإنسانيّة. لأنّ ما يجري لا يحتمل الاختزال، ولأنّ الصمت أيضًا موقف. وأنت تعدّ فطورك، فكّر بغيرك لا تنسَ قوت الحمام وأنت تخوض حروبك، فكّر بغيرك لا تنسَ من يطلبون السلام وأنت تعود إلى بيتك، فكّر بغيرك لا تنسَ شعب الخيام هذا ما قاله الشاعر محمود درويش في نهاية القرن الماضي. بعد عودته إلى وطنه، بموجب إتفاق المبادئ الأوليّة للحكم الذاتي المحدود، في الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة عام 1967، بفعل حرب الأيام السّتّة، كما تسمّيها إسرائيل، وحرب "النّكسة" كما سمّاها العرب. لعلّ الشاعر الذي لم يُعلن موافقته على "اتفاق أوسلو" المبرم عام 1993، كما لم يُعلن معارضته أيضًا، قد اكتفى بالاستقالة من عضويّته الرفيعة في اللّجنة التنفيذيّة لمنظّمة التحرير، بما تمثّله كأعلى سلطة سياسيّة معترف بها، وربّما أراد أن يختبر أمره بأسلوبه الشاعري في الميدان الذي غاب عنه طويلًا. لكن الشاعر سرعان ما أفصح عن دهشته وإعجابه لِما رآه من احتفالات شعبيّة مستمرّة عبّر عنها أهل غزّة والضفّة الغربيّة أثناء استقبال العائدين، وفي تبجيل صانع الاتفاق ومهندسه الرمز ياسر عرفات، وكذلك الفرح العارم بما أحدثه هذا الاتفاق من تغيير شامل وعميق في حياة الناس اليوميّة، وإحساسهم بأنّ الحريّة آتية، وأنّ السلام قريب، خاصّةً عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من المدن الكبرى أوّلًا، وزالت قبضة الاحتلال المباشرة عن خمسة ملايين من الفلسطينيّين بعد أكثر من ربع قرن. لكن المشهد الحاسم كان في تأييد الغالبيّة الساحقة من الشعب، وتصويتهم لصالح الرئيس عرفات في أوّل انتخابات شهدتها أرض فلسطين وشعبها عام 1996. وبالعودة لشاعرنا المرهف، وقد صار أحد أركان المرحلة الجديدة الذي يحظى بإجماع نخبوي وشعبي لم يحظَ به الرئيس ياسر عرفات نفسه، يمكن المغامرة بالقول بأنّ حدسه العميق تجاه مسيرة السلام الفلسطينيّة-الإسرائيليّة، بما واجهته من مشكلات مستعصية، جعلها هشّة وضعيفة وتحتاج أن لا ننسى جميعًا إمكانيّة انهيارها بعدما شهر التطرّف الإسرائيلي مسدّسه وقتل إسحاق رابين في لحظة مجده، وهو المتوّج بصفته "الملك". كما أسقطت قوى التطرّف بالانتخابات السياسيّة المخضرم شمعون بيريز. في الوقت نفسه شحذ التطرّف الفلسطيني خناجره، وأطلق طاقته الانتحاريّة لتفجير "اتفاق الخيانة" كما يسمّيه أطراف محور "المقاومة والممانعة". وها هم اليوم يحتفلون "بانتصارهم" على مسيرة السلام من غير اكتراث بما جرى لشعب الخيام في غزّة ولأهل الضفّة ومدينة القدس الشرقيّة. لقد صدق حَدْس الشاعر حين طالب الجميع بأن يفكّروا بغيرهم. لكنّ المتطرّفين في الاتّجاهين لا يعنيهم هذا الأمر. الإرهاب مهما كانت مقاصد التفكير بالآخر، سواء الأخ أو الصديق أو الخصم أو العدو، وأيًّا تكن مقاصد التعايش أو التسوية أو المصالحة المنشودة أو العيش معًا، لا بدّ لصانع السلام من معالجة التطرُّف في بيئته أوّلًا، حتى يستطيع التعامل مع البيئة الأخرى. وفي هذا السياق، أدعو للتخلّي عن مصطلح "الإرهاب"، بعد أن حمل دلالات أبعد من تعريفه التّقني واللغوي، وبات مصطلحًا سياسيًّا يتراشقه الإرهابيّون أنفسهم، وتُهمة جاهزة للدول والسياسيّين تُلصق أحيانًا بأكثر خصومهم وأعدائهم اتزانًا واعتدالًا، ومثالنا على هذا الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس!! لذا أرى أن "الاستعلاء القومي" عند الدول الكبيرة، و"التعصّب الدّيني" و"التطرّف السّياسي"، مصطلحات أكثر موضوعيّة في دلالتها وتوصيفها لِما تتعرّض له البشريّة من مصطلح "الإرهاب". وعطفًا على ما جاء في الفقرة الأولى، يمكن القول أنّ بُعدها الأخلاقي يطرح تحدّيات من طرازٍ مختلف، تنتمي إلى صلب النظريّات السّياسيّة المعاصرة والمعبّرة عن النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانية، حيث شهدنا صعودًا استثنائيًّا في مجالات العلوم والتكنولوجيا، والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وإنتاجًا لأرقى القوانين في أكثر من موضوع. لكنّنا شهدنا أيضًا المجازر والمذابح من حرب فييتنام إلى حرب الإبادة في قطاع غزّة حسب تعريف محكمة العدل الدوليّة. كما شهدنا أيضًا أعمال التطهير العرقي من البلقان وميانمار حتى ناغورني كاراباخ، فضلًا عن التهجير القسري من سوريا والسودان وغيرها من البلدان. وإذ نخصّ بالذكر الحرب على أفغانستان والعراق والصومال، فذلك لأنّها حروب شُنّت لاجتثاث الإرهاب والقضاء على الإرهابيّين ليس إلّا! أمّا النتيجة فكانت التسوية مع الإرهابيّين، بينما الإنجاز الوحيد كان تدمير الدول والأوطان والشعوب. أمّا وأنّ حرب الإبادة على أهل غزّة توقّفت بقرار من سيّد البيت الأبيض، بينما لم يتوقّف إطلاق النار لحظة واحدة حتى الآن، ولم تتراجع العمليّات الهادفة لتهجير ملايين الفلسطينيّين خارج أرضهم، فإنّ هذا الواقع يستدعي معالجة جديدة يمكن تلخيصها على النحو التالي: ١. أنّ جغرافيا فلسطين التاريخيّة وشعبها هي مثال تطبيقي حيّ ومستمرّ حتى اللحظة، يكشف عجز القانون الدولي والمواثيق ذات الصّلة عن تأمين أبسط حقوق الحياة من الماء والغذاء والدواء، فضلًا عن تأمين مجرّد خيمة... خيمة ليس شيئًا آخر!! من يصدّق أنّ هذا يحدث في زمن الحضارة والقيم الإنسانيّة؟!! ٢. إنّ ما يجري من إبادة بطيئة من دون نيرانٍ ثقيلة، هو في الواقع اختبار شامل لصدقيّة المفاهيم التي صدّرتها الحكومات الغربيّة بقدرٍ من التعالي علينا وقدرٍ من الاستخفاف بنا. ٣. إنّ وظيفة قرار وقف الحرب الصّادر عن سيّد البيت الأبيض هي حماية للنّظام السياسي الدولي وآليّات عمله وفق المنظور الأميركي، ومنع تآكل مكانة دولة إسرائيل وفق تصريح ترامب نفسه، ومن أجل حماية حكومة إسرائيل فقد أنعم على الفلسطينيّين بوقف حرب الإبادة والسّماح باستمرار حرب الاستنزاف. هكذا إذًا سمحت الحداثة بأبهى صورها عبر الذكاء الاصطناعي، وبواسطته أيضًا في إنتاج الإبادة، وما زالت مفاعيلها مستمرّة، حيث لم تتراجع حكومة إسرائيل عن أهدافها المعلنة في التطهير العرقي وضمّ الأراضي والسحق السياسي للبنية الكيانيّة الفلسطينيّة والبنية المجتمعيّة التاريخيّة. كلّ هذا يصدر عن دولة حديثة ترعاها أكبر ديمقراطيّة علمانيّة في الكوكب، ومع ذلك وببساطة شديدة يمكن التخلّي عن الحداثة والعودة إلى الأسطورة التوراتيّة للبرهنة على أنّ مقاصد ما يدور هو تحقيق "الوعد الإلهي" كما صرّح السفير الأميركي في إسرائيل، لكنّه لم يُخبرنا إذا كان هذا الوعد التوراتي مكتوبًا قبل الانفجار الكبير أم بعده؟ أم في لحظة حدوثه؟!! هجوم 7 أكتوبر سبّب هجوم 7 أكتوبر الانتحاري، حالة هستيريا جماعية في دولة إسرائيل. من قمّة الهرم السياسي مرورًا بالجيش وصولًا إلى المستوطنين، فالعقل الإسرائيلي لم يستوعب هذا السقوط المفاجئ للموانع العسكريّة والأمنيّة المعتمدة على حدود قطاع غزة، وعلى وجه الخصوص، فشل الحاجز الإلكتروني العالي التقنية، في إطلاق الإنذار المُبكِر!! ومن المعروف جيّدًا أنّ هذا الحدث المفصلي أدّى إلى تغيير عميق ونوعي في طبيعة العلاقات الإسرائيليّة-الفلسطينيّة على المستويات كافّة. لم يبقَ شيئٌ على حاله، حيث انفجر الغضب والكراهية والسعي المباشر إلى تدمير الآخر، هكذا صارت المعادلة بين الطرفين وهذا ما شهدناه مصوّرًا وموثّقًا على شاشات العالم أجمع. على الجانب الفلسطيني قلة من النخب استنكرت الهجوم الحمساوي، لأن غالبية الناس رأت فيه فعلًا انتقاميًا، طبيعيًا في مواجهة بطش وتنكيل جيش الاحتلال الإسرائيلي. كما رآه البعض أنه مواجهة بين التطرُّف الديني اليهودي الذي تمارسه حكومة إسرائيل والتطرُّف الديني الإسلامي الذي تمارسه حركة حماس. في هذا الجدل، أرى من المفيد الإضاءة على زيارة وزير الخارجيّة الأميركي أنتوني بلنكن في زمن إدارة الرئيس جو بايدن لرام الله ولقاءه مع الرئيس محمود عباس حيث سارع لمطالبته بإدانة واستنكار الهجوم وتصنيفه بالإرهاب... إلّا أنّ الرئيس عباس قال بلهجة حادّة وصوتٍ عالٍ، أنتم من صنع حركة حماس وأنتم من جاء بها إلى السلطة في قطاع غزة.... وعليكم تقع المسؤوليّة ولا تطلب مني شيئًا. بعد تلك الواقعة بدأ الإعلام الأميركي والإسرائيلي يتحدث عن فساد السلطة وعن ضرورة التغيير، وعن شيخوخة وعجز الإدارة الفلسطينيّة... وصولًا إلى إسقاط شرعيّتها السياسيّة من دون التوقف أمام حقيقة تكشف أنّ صناعة السلام بين الشعبين الإسرائيلي والفلسطيني، توقّفت منذ تسنُّم فريق نتنياهو السلطة في إسرائيل على أنقاض حكومة رابين-بيريز في نهاية القرن الماضي. ولأنّ الإدارات الأميركيّة بعد هجوم 11 سبتمبر على بُرجَي التجارة العالمي لم تنجح إلّا في توسيع استخدام العنف الذي يلغي العدالة ويكرّس الهيمنة بالقوّة، على أن يسمّى هذا "عملية السلام"، واليوم نحصد نتائج سياسات المساكنة والاستخدام للإسلام السياسي بشقّيه السُّنّي والشّيعي معًا، بما نشهده من انفلات للعنف مجدّدًا تحت عناوين جديدة-قديمة تُفيد بإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الكبير. ولا ندري متى تحُطّ الحرب رِحالها بعد تصفية النخبة الحاكمة في إيران، لأنّ الأمر لا يتعلّق بمن يحكم إيران بل بمن يدير دفّة العالم في البيت الأبيض.

إسرائيل وواشنطن تتقاسمان تدمير البنى التحتية للنظام الإيراني

«لقد انتهى أمرهم (...) هذه الحرب أقوى بسبعة أضعاف من سابقتها». بهذه الكلمات القليلة، لخّص وزير الدفاع الأميركي، بيت هيغسيث، المنحى الذي اتخذته - أو بدأت تتخذه - الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 شباط الماضي ضد نظام الملالي في إيران. وأكد الوزير الأميركي أن هذه الحرب لا تزال في بداياتها، موضحاً أن طائرات وقوات عسكرية جديدة ستصل قريباً إلى الشرق الأوسط للمشاركة في العمليات العسكرية. تعكس تصريحات وزير الحرب بوضوح التطورات الجارية في إيران. وقد تميّز يوم الرابع من آذار 2026 بالقصف العنيف والمكثف الذي شنه الطيران الإسرائيلي ضد المباني ومراكز القيادة والبنى التحتية التابعة للنظام في منطقة طهران. واستهدفت المقاتلات الإسرائيلية بشكل خاص أكثر من مئة مركز تابع لـ «البسيج» (الذراع القمعية المسلحة للحرس الثوري الإسلامي). وفي هذا السياق، أكد مصدر رسمي إسرائيلي أنه «لن يبقى أي مبنى تابع للحرس الثوري قائماً»، موضحاً أن الجيشين الأميركي والإسرائيلي يتقاسمان مهمة تدمير البنى التحتية العسكرية والمدنية التابعة للنظام. وبحسب المصدر نفسه، يركز سلاح الجو في الدولة العبرية عملياته على غرب إيران لتدمير المباني ومراكز القيادة والمنشآت المدنية، بينما تتولى الولايات المتحدة المنطقة الجنوبية الغربية لتدمير المواقع النووية، والصواريخ البالستية، ومنصات الإطلاق، ومراكز إنتاج الصواريخ، والدفاعات الجوية، والقوى البحرية. تركيا هدف لصاروخ إيراني... ولعلّ الحدث الأبرز الذي طبع هذا اليوم، الرابع من آذار، تمثّل في إطلاق صاروخ بالستي إيراني باتجاه... تركيا! غير أن وحدة تابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو) تمكنت من اعتراض الصاروخ. وفي النتيجة العملية، لم توفر تركيا انتقاداتها لسلوك النظام الإيراني، وذهبت إلى حد وصف إطلاق الصواريخ الإيرانية باتجاه دول الخليج بـ «الخطأ الجسيم». ومن الأحداث البارزة الأخرى لهذا اليوم، إعلان قطر تفكيك خلية تخريبية زرعها الحرس الثوري الإيراني للقيام عمليات تجسس وتخريب في البلاد. بعد قبرص ودول الخليج (التي كانت وما زالت هدفاً للصواريخ الإيرانية)، تظهر محاولة الاعتداء على تركيا، بما لا يدع مجالاً للشك، رغبة الحرس الثوري في توسيع رقعة الصراع أكثر فأكثر، آملًا في حشد تعبئة دولية تهدف إلى وقف الهجوم الأميركي والإسرائيلي. ومن الأحداث البارزة الأخرى خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية: دخول القاذفات الأميركية من طراز «B-52» خط المواجهة. ويعني هذا التطور، من الناحية العملية، أن الطائرات الأميركية والإسرائيلية باتت تسيطر الآن بشكل كامل على الأجواء الإيرانية (لا سيما في جنوب إيران ومنطقة طهران)، وهو ما أكده وزير الحرب يوم الأربعاء خلال مؤتمر صحافي. ويُشار في هذا الصدد إلى أن طائرات «B-52» هي قاذفات ثقيلة، وبالتالي بطيئة نسبياً، ويمكن للرادارات رصدها بسهولة، مما يجعل منها أهدافاً سهلة المنال. إن لجوء الأركان العامة الأميركية إلى زجّ القاذفات من طراز «B-52» في المعركة، إنما يعود، في الواقع، إلى كون الأجواء باتت تخضع بشكل شبه كامل لسيطرة السلاح الجوي الأميركي والإسرائيلي. ويكتسي دخول هذه القاذفات خط المواجهة أهمية قصوى في مسار العمليات العسكرية، نظراً لقدرة هذه الطائرات على نقل وإلقاء قنابل من العيار الثقيل جداً وبدقة متناهية. الجبهة اللبنانية وعلى صعيد العمليات العسكرية على الجبهة اللبنانية، كثّف الطيران الإسرائيلي غاراته ووسع نطاقها لتشمل مناطق جديدة، مستهدفاً البنى التحتية ومستودعات الذخيرة ومخازن الصواريخ والطائرات المسيّرة. وخلال صبيحة هذا الأربعاء، 4 آذار، شُنّت غارات عنيفة ومكثفة استهدفت الضاحية الجنوبية. واتسمت الساعات الأربع والعشرون الماضية بتوسيع رقعة الهجمات الجوية؛ فللمرة الأولى، استهدف الطيران الإسرائيلي منطقة الحازمية، حيث نفذ غارة على فندق كومفورت (Comfort)، حيث أفادت معلومات عن لجوء دبلوماسي إيراني إليه. ولم تترشح أي معلومات حتى الساعة عن مصير الدبلوماسي المذكور. وبموازاة ذلك، طال القصف الجوي الإسرائيلي مناطق جديدة، لا سيما السعديات (على طريق الجنوب)، وبشامون وعرمون، حيث تتردد معلومات عن مقتل مسؤول في الجناح العسكري لجماعة الإخوان المسلمين. وفي بعلبك، أدت غارة جوية إلى تدمير مبنى مؤلف من أربعة طوابق بالكامل، ما أسفر عن سقوط عدد من القتلى. ميدانياً، واصلت القوات الإسرائيلية الأربعاء انتشارها، الذي لا يزال محدوداً، داخل الأراضي اللبنانية، حيث وصلت إلى بلدة الخيام الاستراتيجية الواقعة على بعد ست كيلومترات من الحدود. وفي غضون ذلك، عززت وحدات المدفعية الإسرائيلية تواجدها بشكل ملحوظ على طول الخط الحدودي. وبينما تستمر الغارات الجوية في أكثر من منطقة، برز تطور خطير يوم الأربعاء، تمثّل في طلب الجيش الإسرائيلي من سكان كامل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني إخلاء قراهم والتوجه شمال النهر. ويزيد هذا النداء من مخاوف السلطة والأوساط المحلية التي تحذر من نوايا إسرائيلية لإنشاء منطقة عازلة واسعة، قد تسمح للدولة العبرية، في مرحلة لاحقة، بفرض شروط سياسية وأمنية تتجاوز بكثير مندرجات القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن واتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني 2024. وباتخاذه المبادرة الانتحارية بإعادة فتح جبهة جنوب لبنان، بإيعاز من الحرس الثوري الإيراني، يكون حزب الله قد قدّم لإسرائيل، على طبق من فضة، الذريعة الذهبية التي تتيح لها، في المدى المنظور، فرض اتفاقات استراتيجية على الدولة اللبنانية وفق شروطها الخاصة...

حتى لا يتكرّر خطأ العام 2005
بقلم
تيلدا أبو رزق
نُشر

إن قرار حكومة سلام القاضي بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـحزب الله ومعاقبة الضالعين فيها هو بلا شك قرار تاريخي، إلّا أنّه يظلّ دون المستوى المطلوب نظراً إلى الانحدار نحو الجحيم الذي استدرج إليه التنظيم الموالي لإيران لبنان، مرّة جديدة. هو قرار تاريخي لكونه يكسر تقليداً لبنانياً طويلاً من الانكفاء والمهادنة السياسية، اللذين بررهما تارةً التخوف من الفتن الداخلية، وطوراً الانتهازية السياسية، حيال هذا التنظيم الذي نجح، على مرّ السنين، في فرض هيمنته على البلاد وبناء هيكلية أمنية وعسكرية تفوق في حجمها مقدّرات الدولة اللبنانية. هو قرار غير كافٍ، لأنّه لا يُمكّن السلطات من انتشال البلاد والعباد من الخطر الذي يمثّله هذا التنظيم، الذي لا يفتأ قادته وعناصره يبرهنون أنّ لبنانيّتهم لا تتعدى كونها مجرّد «قيد» على الهوية. ذلك أنّ حزب الله كان ولا يزال أحد أبرز الأذرع العسكرية العابرة للحدود التابعة لنظام الملالي في إيران. وخير دليل على ذلك، إن كان لا يزال ثمة حاجة إلى دليل، هو انخراطه المتوقع في الحرب بين إيران والتحالف الإسرائيلي-الأميركي، فضلاً عن رد فعله على قرارات الحكومة بحظر أنشطته العسكرية. فقد سارع قادته إلى التصعيد؛ إذ ندد رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد بما أسماه «إجراءات ترهيبية» و«قرارات متهورة». وإذ أقرّ للدولة بحقها في قرار الحرب والسلم، إلا أنه اتهم حكومة سلام بـ «استهداف أولئك الذين يرفضون الاحتلال الإسرائيلي». ومن جهته، عاب نائب رئيس المجلس السياسي في الحزب محمود قماطي على الحكومة «صمتها حيال الاحتلال»، وسعيها إلى «إضعاف الحزب الذي يمثل قوة لبنان»، و«انتهاك القانون الدولي الذي يمنح الشعوب حق مقاومة الاحتلال». بيدَ أنّ هذه السردية لم تعد تنطلي على أحد، تماماً كما هي حال دوافع حزب الله وأهدافه. فانخراط الحزب اليوم في هذه الحرب الانتحارية، التي لن يخرج منها سليماً، يندرج حصراً في إطار الردود الانتقامية التي توعّد بها الحرس الثوري الإيراني، عقب تأكيد وفاة المرشد الأعلى علي خامنئي في الأول من آذار، إثر غارات إسرائيلية-أميركية واسعة استهدفت مقره في طهران في الثامن والعشرين من شباط. كما تأتي هذه الحرب امتداداً لتهديدات إيران المتكررة للولايات المتحدة، ومفادها أنّ أي هجوم يستهدف الجمهورية الإسلامية من شأنه أن يشعل المنطقة بأسرها. ويبدو أنّ طهران قد وفت بوعيدها، وهي تستخدم اليوم أذرعها الإقليمية لتعدد الجبهات غير المباشرة، محولةً عمليةً موجهةً إلى مواجهة شاملة. وإلا، فكيف يمكن تفسير الهجوم بمسيرات استهدف قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص ليل الأحد-الاثنين؟ فقد أفادت وسائل إعلام غربية، نقلاً عن مسؤول قبرصي، أنّ المسيرتين إيرانيتا الصنع انطلقتا من لبنان، في وقت كانت فيه لندن قد سمحت للتو لواشنطن باستخدام قواعدها في الجزيرة المتوسطية في إطار هجومها على إيران. ولا بدّ من الإشارة إلى أنها المرة الأولى التي يهاجم فيها الحزب قبرص ــ وهو الذي لم يؤكد هذه الاتهامات ولم ينفِها - لكنها ليست المرة الأولى التي يهددها فيها. ففي حزيران 2024، كان الأمين العام السابق للتنظيم، حسن نصرالله، الذي اغتالته إسرائيل في أيلول من العام نفسه، قد هدد نيقوسيا بالرد إذا ما سمحت الجزيرة لتل أبيب باستخدام مطاراتها أو قواعدها العسكرية لضرب لبنان. أما اليوم، فلا إسرائيل هاجمت لبنان من قبرص، ولا نيقوسيا فتحت قواعدها للدولة العبرية؛ فما كان من حزب الله إلا أن ثبّت، مرة جديدة، كونه أداة طيعة بيد النظام الإيراني. تعزيز قرارات الاثنين هل تملك الدولة الوسائل الملموسة لمنع حزب الله من القيام بأنشطته الحربية؟ الجواب هو «لا». فبإمكانها عرقلتها، من خلال اعتقال مطلقي الصواريخ على سبيل المثال، لكنها لا تستطيع منعها كلياً، نظراً إلى الإمكانات الهائلة التي تضعها إيران تحت تصرف «ربيبتها»، وإلى بنية هذا التنظيم نفسه الذي يمتلك عدداً كبيراً من المقاتلين. والأهم من ذلك، لأنّ لبنان ليس مستعداً بعد لخوض عملية واسعة النطاق لتفكيك الهيكلية العسكرية لـلحزب برمّتها. بالمقابل، يمكن للدولة أن تعزز القرارات المتخذة يوم الاثنين عبر تدابير سياسية أخرى، من شأنها أن تمنحها مزيداً من الصدقية في عيون اللبنانيين المشككين كما في نظر المجتمع الدولي، الذي لا يزال ينتظر من بيروت الوفاء بالتزاماتها لجهة بسط سيادتها على كامل أراضيها. ولتحقيق ذلك، لا بدّ للدولة أن تملك شجاعة اتخاذ القرار، وأن تكفّ عن التغاضي عن الإرهاب، ولو كان لفظياً، الذي يمارسه الحزب بحق الدولة واللبنانيين الذين لا يشاطرونه توجهاته. إنّ أنشطة حزب الله وتصريحات مسؤوليه العدائية، بذريعة الدفاع عن لبنان ضد احتلال تسببوا هم فيه، تقع تحت طائلة القانون، لكونها غير مرخّصة من الدولة. فالمسؤولية الأولى لهذه الأخيرة هي حماية مواطنيها، وليس حماية تنظيم عسكري يواصل مصادرة حقّ جرّ لبنان وشعبه إلى حروب تدميرية، ويعتبر نفسه منذ زمن فوق القانون، مستفيداً من حصانة تثير الاشمئزاز. قلب المعادلات تملك السلطات اللبنانية مروحة من الوسائل لقلب المعادلات: - على الصعيد القانوني أولاً: ما الذي يمنع مباشرة ملاحقة قضائية في وجه التهديدات التي يطلقها دورياً الأمين العام للحزب نعيم قاسم، أو كبار كوادره، رفضاً لنزع سلاحه؟ في لبنان، أُنشئ المجلس العدلي، وهو محكمة استثنائية أحكامها مبرمة ولا تقبل أي طريق من طرق الطعن، للنظر في القضايا المتعلقة بالجرائم الماسة بأمن الدولة. فهل من اعتداء أخطر من ذلك الذي يتعرض له اللبنانيون منذ سنوات على يد ميليشيا جوهر وجودها خدمة مصالح إيران؟ وهل من الطبيعي أن تُجَرّ البلاد إلى حروب تدميرية ترفضها، على يد تنظيم يدين بالولاء لدولة أجنبية؟ - على الصعيد السياسي ثانياً: فمن الأهمية بمكان اليوم ألا تكرر الدولة اللبنانية الخطأ الجسيم الذي ارتكبته عام 2005. حينها، وفي أعقاب اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية، لم يتم تفكيك المنظومة الأمنية-السياسية الموالية لسوريا، والتي كان حزب الله جزءاً لا يتجزأ منها. لقد فضّلت المعارضة آنذاك، بتشجيع من المجتمع الدولي، إعطاء الأولوية للانتخابات النيابية التي كانت مقررة بعد بضعة أشهر، لتضيع بذلك على لبنان فرصة تاريخية سانحة. وكانت عواقب هذا الخطأ في الحسابات كارثية؛ إذ استهدفت موجة من التفجيرات والاغتيالات السياسية (التي لم تصل تحقيقاتها إلى أي نتيجة، ووُجهت فيها أصابع الاتهام إلى الحزب) رموزاً من المعارضة. وبذريعة ضمان الاستقرار، عُقد تحالف انتخابي عُرف بـ«التحالف الرباعي»، ضمّ تيار المستقبل برئاسة الزعيم السني سعد الحريري، والحزب التقدمي الاشتراكي بقيادة الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، وحزب الله وحليفه الشيعي حركة أمل. وإذ انهار هذا التحالف بعد عام واحد، إلا أنه سمح في هذه الأثناء للحزب بفرض نفسه بقوة في البرلمان، والدخول للمرة الأولى إلى الحكومة. ومع خروج السوريين، تبدلت استراتيجية حزب الله؛ إذ لم يعد يكتفي بتمثيل غير مباشر في الحكومة عبر وزراء حركة أمل، حرصاً منه على الحفاظ على قبضته وقبضة المحور الذي ينتمي إليه على البلاد، بل أراد أن يصبح شريكاً كاملاً في السلطة التنفيذية. وقد نال ما أراد، ولكن بالنسبة إلى لبنان واللبنانيين، كانت تلك نهاية حقبة من الأمل وبداية رحلة جديدة في غياهب الجحيم. اليوم، تتبلور دينامية إقليمية جديدة، تختلف عن تلك التي شهدناها عام 2005، بل هي أكثر حسمًا وتأثيرًا. ولكن، وكما كانت الحال حينها، فإنها تنذر بأثمان باهظة للحزب، في حين قد تشكل طوق نجاة للبنان. فهل ستعرف السلطات كيف تغتنم هذه الفرصة وتتحرر من رهاب ردود فعل حزب الله، لتحرير البلاد من النفوذ الإيراني المدمر؟ لا أحد يطلب منها إعلان الحرب على ميليشيا لن تتوانى عن توجيه سلاحها إلى صدور اللبنانيين، كما فعلت عام 2008؛ بل كل ما نطلبه هو الكفّ عن سياسة كسب الوقت والمراهنة على أن المشكلة ستجد طريقها إلى الحل من تلقاء نفسها. على مدار الأشهر الأخيرة، جاءت خيبة أمل اللبنانيين ــ الذين آمنوا بوعود الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بشأن نزع سلاح الميليشيات واستعادة السيادة في إطار دولة القانون ــ على قدر الآمال العريضة التي عقدوها عليهما.