شعار Levant Time

المقالات

صورة للأخبار
تكريم
صورة المؤلف
بقلم ميشال حاجي جورجيو
نُشر سبتمبر 6, 2026 - 13:31
لم يكن اللاعب الأرجنتيني، الذي أنهى مسيرته الدولية في 31 آب/أغسطس 2026، أقل من ساحر في الملاعب. ومسيرته، بما حفلت به من خوارق وسقطات وفداء، ربما تقول شيئاً عن حاجتنا التي لم تخمد إلى السحر في عالم يزعم، مع ذلك، أنه تخلّص منه. لم يمر إعلان اعتزال ليونيل ميسي الدولي، بعد أسابيع قليلة من خسارة نهائي كأس العالم 2026 أمام إسبانيا، من دون أن يثير انفعالاً يصعب العثور على نظائر كثيرة له في التاريخ الحديث لكرة القدم. ولعل علينا أن نعود إلى مارادونا، أو حتى إلى كرويف أو بيليه، لكي نستعيد ذلك الشعور بأن اعتزال لاعب ما يعني اختفاء شيء يتجاوز الرياضة نفسها بكثير، كما لو أن طريقة معينة في عيش كرة القدم، بل ربما في الإيمان بها، تبلغ هي الأخرى نهايتها. بعيداً عن حصون العقل كفى من الإحصاءات التي لا تنتهي، ومن تلك السجالات التي لا تُطاق، المملة والعقيمة، حول “من هو الأفضل في كل العصور”. كاتب هذه السطور لم يكن يوماً من المتعصبين للكرة المستديرة، ولا للتصنيفات العمودية أو لهرمية الاستحقاق عموماً، ولذلك ينظر إلى موهبة كل لاعب بعيني طفل في الحادية عشرة لم تفقدا قدرتهما على الدهشة. ثم إن هذا الهوس المعاصر بالأرقام يفسد متعة المشهد كلها. ولسبب وجيه: فالمنهج الذي يقوم على جمع الأهداف والتمريرات الحاسمة والكرات الذهبية ودوري أبطال أوروبا وكوبا أميركا وكؤوس العالم… لا يمكن إلا أن يكون اختزالياً. وهو، في مستوى آخر، لا يخلو من شبه بالنقد الذي وجّهه الفيلسوف الألماني الأميركي إريك فوغلين إلى الإغراء الغنوصي الحديث: إغراء معرفة تقتنع بأنها قادرة على حبس الواقع داخل نظام وإلغاء كل ما يقاومه. الأرقام القياسية ربما تكون مؤشراً إلى عبقرية ليونيل ميسي. لكن كم من لاعبين كبار آخرين هزّوا الملاعب والقلوب، ولم يحققوا نصف ما حققه، بقوا مع ذلك خالدين في الذاكرة. ما جعلهم متفرّدين بحق يوجد في مكان آخر، بعيداً عن حصون العقل. كان ثمة شيء آخر يتشكل من حولهم. شيء يتصل بإحساس عميق ما بالتعالي لا يستطيع الفهم أن يحيط به كاملاً. وهذا ينطبق على ليونيل ميسي منذ أكثر من عشرين عاماً، منذ اليوم الذي دخل فيه للمرة الأولى، في حزيران/يونيو 2006، مسرح كأس العالم بألوان الألبيسيليستي في مواجهة صربيا والجبل الأسود، تحت أنظار “الأيقونة” دييغو مارادونا. والحال أن هذا العنصر المتعذر على القول، والذي يصنع عبقرية ميسي كما يصنع عبقرية آخرين، ربما يمس أحد أكثر مفارقات الحداثة غرابة: استمرار السحر في عالم بنى نفسه تحديداً في مواجهته. العالم المنزوع السحر كان ماكس فيبر يتحدث عن نزع السحر عن العالم لوصف ذلك المسار البطيء الذي أخضعت فيه الحداثة الغربية الوجود تدريجياً للعقلنة والحساب وقابلية التوقع والتفسير السببي. لم يعد يفترض بالعالم أن يكون مسكوناً بقوى غامضة وإشارات وتدخلات خارقة أو إرادات خفية؛ بل كان عليه، مبدئياً على الأقل، أن يصبح قابلاً للفهم. وللأسف، تنخرط الرياضة الحديثة، ومعها على نطاق أوسع العالم الحديث الذي صاغته العولمة، تماماً في هذه الدينامية. كرة القدم اليوم، وليس كرة القدم وحدها، هي على الأرجح من أكثر الأشياء خضوعاً للقياس. أدق حركة تخضع للقياس، وكل شيء يُحسب ويُنمذج بعناية. من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي، باتت الموهبة الخام تعتمد اليوم على العلم أكثر مما تعتمد على السحر. وما يختفي أمام أعيننا هو ذلك البعد الإنساني، في علاقته العفوية، بل الوحشية أحياناً، بذلك اللامرئي المتصل بالقلب، لمصلحة تربيع دائرة الـVAR. إنه، في مكان ما، قتل للرياضة باسم مزيد من الصرامة والإنصاف… حتى وإن انتهى وأد ذلك القدر من العفوية السامية إلى إنتاج مظالم فاضحة بدوره. ويكفي، للتأكد من ذلك، العودة إلى بعض القرارات المثيرة للجدل في مونديال 2026. ومفارقة المفارقات أن ليونيل ميسي نفسه كان، في الأصل، ابن هذه الحداثة التقنية التي يدين لها بلا شك بجزء من مسيرته الاستثنائية. فجسده، الذي كان أصغر مما تفرضه المعايير المتوقعة، صُحّح بعلاج هرموني. واكتُشفت موهبته في وقت مبكر جداً، ثم تكفلت بها مؤسسة نظمت تدريبه وغذاءه ونموه الجسدي وإدماجه في آلة رياضية كانت قد أصبحت عالمية بالفعل. لا شيء، في الظاهر، كان أبعد من الحكاية البطولية القديمة. فالقصّة تبدو، للوهلة الأولى، أقرب إلى عوالم ديستوبية من نوع Gattaca منها إلى الأساطير والروايات المسيحانية. ومع ذلك، عاد ذلك السرد القديم بالفعل، وبإلحاح يكاد يكون محرجاً. منذ بدايات مسيرته، وُضع ليونيل ميسي تحت المجهر. لكن كلما ازداد الإصرار على تفسيره ونزع الأسطورة عنه، تقلصت القدرة على تبديد الأثر الذي تتركه بعض حركاته. ببساطة، لا يمكن إحاطة الرجل ولا اختزاله في تراكم من البيانات. وفي سن يدخل فيها معظم اللاعبين الكبار إلى الظل، يواصل هو إثارة المفاجأة. بل الذهول، وهو يعيد إلى الرياضة ذلك القدر من اللامعقول الذي يفلت من فرط التنظيم شبه الآلي للعالم. لعل هناك تحديداً ينبغي البحث عن ذلك “المكان الآخر” الذي يميز ميسي. في بقاء للسحر في زمن باتت فيه حتى المساحات التي كانت تسمح بالتعبير الإيجابي عن إنسانية من لحم ودم تتعرض تدريجياً لـ”الانضباط” تحت تأثير ذلك الانجذاب التنويمي إلى غنوصية بيوريتانية جديدة باسم الحداثة. المسيح الذي صنعته الآلة مع أنه خرج، بمعنى ما، من الآلة الماتريكسية نفسها، يشكل ليونيل ميسي في ذاته تشكيكاً في نموذج الجاهز هذا. نوع من القرين لنيو في Matrix ، أُلقي في محاكاة تحكمها معايير تزعم أنها قادرة على حساب كل شيء. وقد اتخذ مصير الأرجنتيني تدريجياً، ومن دون أن يقصد تقريباً، شكل رواية مسيحانية. ولكان التلاعب باسمه سهلاً أكثر مما ينبغي لو لم تكن قصته الشخصية تعيد إحياءه باستمرار: قصة الطفل الهش الذي بدا جسده كأنه يريد حرمانه من الإنجاز الذي كانت موهبته تعده به. ثم قصة المنفى المبكر إلى برشلونة، واحتضان مدينة أجنبية له، والصعود شبه الخيالي، والاعتراف العالمي، ثم تلك الصعوبة الغريبة في أن يعترف به أهله… فقد أقامت الأرجنتين طويلاً علاقة “حب-كراهية” مع ابنها الضال. لم تكن نتائجه ولا موهبته ولا تألقه تعني الكثير… إذ كان عليه أن يجيب عن سؤال واحد لا يرحم: لماذا لم يكن مارادونا؟ صحيح أن المقارنة كانت حتمية، لكنها كانت أيضاً ظالمة بعمق. كل شيء كان يفصل الرجلين في طريقتهما في الوجود داخل العالم. كان مارادونا يحمل الأرجنتين بكل ما فيها من شغف وتناقض وإفراط ومسرحة. كان يتكلم ويستفز ويتشاجر ويسقط ويعود، ويمزج كرة القدم بحياته الخاصة وغضبه والتزاماته السياسية… وصولاً إلى تدميره نفسه. حتى جسده بدا وكأنه أحد المسارح التي تُعرض فوقها تناقضات بلاده. كان مارادونا التجسيد نفسه لما كان العالم ينتظره من كرة القدم: روح متمردة، تدفع اللعبة أحياناً إلى حدود اللاأخلاقية، ولكن داخل نوع من صراع العمالقة الكروي. كان مارادونا ملحمياً. وفوق ذلك كله، كان قد رفع بلاده إلى قمة كرة القدم عام 1986. أما ميسي، فلم يكن يقدم شيئاً من ذلك. كان صامتاً، يكاد يغيب أحياناً عن السرد الذي كان الآخرون يبنونه من حوله، وهو غياب فُسّر طويلاً باعتباره نقصاً. شبه ممحو، بلا شخصية. وهذا تحديداً ما كان العملاقان مارادونا وبيليه يأخذانه عليه: نقص القيادة، والنعومة المفرطة. أشبه بطفل أنابيب معجزة في الملاعب. وكان يُؤخذ أيضاً على طفل روزاريو أنه لا يغني النشيد بما يكفي، وأنه ليس أرجنتينياً بما يكفي، وأن برشلونة هو الذي “صنعه”، ثم، بطبيعة الحال، أنه لا يفوز مع المنتخب بما كان يفوز به باستمرار تقريباً مع ناديه. النبوءة غير المكتملة حوّلت الخسارة الدرامية أمام ألمانيا في نهائي مونديال 2014، ثم نهائيا كوبا أميركا 2015 و2016، ذلك الشك تدريجياً إلى اتهام. وحين أهدر ركلة الجزاء أمام تشيلي عام 2016 وأعلن بعدها اعتزاله اللعب الدولي، كان مع ذلك قد أصبح بالفعل واحداً من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ. لكن حكايته ظلت ناقصة على نحو غريب. ولم يكن هذا الإحساس بالنقص مرتبطاً كثيراً بسجله. بل بتلك الضرورة شبه العتيقة التي لا تزال تُفرض على الأبطال المعاصرين: إتمام رحلة التحول التي تصنع البطل. بألوان الأرجنتين، كان ميسي يتألق ثم يسقط سقوطاً ثقيلاً. لكنه لم يكن ينهض. لم يكن يحقق النبوءة. وفي نظر شعبه، كان ذلك يعزز ذلك الشعور بالحب والكراهية: فالإله الساقط يبقى إلهاً، رغم كل شيء. لكن مع إضافة ما يبدو، في نظر عبّاده، ذلك القدر الفاضح من الإنسانية الذي لا يُحتمل، وبالتالي جديراً بالكراهية تماماً: عيوبه ونقاط ضعفه. كان الأرجنتينيون يحبون مارادونا رغم انحداره المدوي وإنسانيته المكسورة. لكن ذلك كان لأنه “استحق” هذا الانحدار، ولأنه أصبح، بمعنى ما، مقبولاً بعد مكسيكو 1986. أما ميسي، فلم يكن يملك بعد حق السقوط، لأنه لم يكن قد بلغ القمة بعد. لا، لم تكن النبوءة قد تحققت. بل كانت تكاد تنقلب إلى كاريكاتور. فعاد ميسي. لكنه اضطر إلى انتظار خلاصه أكثر. كان لا بد من كوبا أميركا 2021، في الماراكانا، لكي تبدأ فعلاً علاقة الشك والانتظار والخيبة بينه وبين جمهوره وشعبه في التغير. وكان لا بد، خصوصاً، من مونديال 2022 لكي تكتسب القصة ذلك الشكل المثالي أكثر مما ينبغي، والذي لم يكن أحد ليجرؤ على كتابته من دون أن يبدو مستسلماً لحبكة مفتعلة. ومن الغريب أن مارادونا كان قد مات عام 2020. كأن لعنة وطنية خانقة رُفعت. وفي الوقت نفسه، كان الشعب الأرجنتيني بحاجة إلى صورة أبوية بديلة، فلم يؤد ذلك إلا إلى مضاعفة الضغط. ولكن ربما مع شيء من الحنان هذه المرة؟ وما جرى في قطر عام 2022 أكثر إثارة للاهتمام لأن ميسي نفسه ظهر مختلفاً قليلاً. اعترض أكثر، ورد على الاستفزازات، وغضب، وتكلم بعنف لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر عليه، بل أفلتت منه أمام الهولنديين عبارة “¿Qué mirás, bobo?” التي أضحكت الأرجنتين. واكتشفت بوينس آيرس أخيراً، وإن متأخرة، ما كانت تنتظره منه دائماً: شيء من مارادونا داخل كثير من ميسي. لكن ميسي لم يتحول إلى مارادونا. ولعل المصالحة الحقيقية حدثت هنا بالذات: توقفت الأرجنتين عن مطالبته بأن يكونه. منذ 2022، لم يعد ميسي بحاجة إلى تجسيد نموذج آخر للعبقرية الوطنية. صار يستطيع، أخيراً، أن يكون لبلاده أيضاً ما كان عليه في كل مكان آخر: ميسي. ببساطة. الفصل الأخير من النبوءة صحيح أن انتصار 2022 كان يمكن أن يكون خاتمة مثالية. لكن، كما في حالة مارادونا، الفصل الأخير من النبوءة البطولية هو السقوط. لم يعد أحد ينتظر فعلاً شيئاً استثنائياً من ميسي عام 2026. في التاسعة والثلاثين، كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره واحداً من “الأبطال المتعبين”. وكان سقوطه من الكابيتول قد بدأ مع الفصل المر لخروجه من برشلونة ومغامرته غير الموفقة مع باريس سان جيرمان. لم يعد يلعب إلا في الدوري الأميركي، بألوان ميامي… على هامش عالم كرة القدم، في الأراضي البعيدة للـ soccer . وكان الجيل الجديد قد وصل فعلاً، مستعداً لإرسال الأسلاف إلى Bicêtre. ومع ذلك، تحوّل مونديال 2026، الذي بدا مقدراً له ألا يكون سوى خاتمة، إلى ومضة أخيرة مذهلة. بلغت الأرجنتين النهائي مرة أخرى، وكان ميسي، في التاسعة والثلاثين، لا يزال “قائدها التاريخي” وملاذها في اللحظات الحاسمة، محققاً شيئاً يذكّر بما فعله روبرتو باجيو لإيطاليا عام 1994، وهو في… السابعة والعشرين: deus ex machina لا يتوقف. فشل باجيو عند أبواب الانتصار أمام البرازيل، بعدما حمل إيطاليا عملياً حتى باسادينا. وترك ركلة الجزاء التي أطاح بها فوق العارضة واحدة من أقسى الصور في تاريخ كأس العالم: رجل واقف بلا حراك، رأسه منخفض، ويداه على خاصرتيه، فيما كانت البرازيل تحتفل بالنصر. ذاك الذي “مات واقفاً”. لم يعرف العفريت الإيطالي لحظة التأله قط. لكن تلك الميتة الرمزية، بدلاً من أن تمحو موندياله، دخلت هي الأخرى في أسطورته. وكان التاريخ أرحم بميسي، رغم حملة الكراهية التي استهدفته وامتزجت باتهامات بالغش والمحاباة، في ظل قرارات تحكيمية مثيرة للجدل وأفعال غير رياضية ارتكبها فريقه، كما كان أرحم من قبل بمارادونا. بل أكثر رحمة حتى. نهائي في موندياله السادس، عند مشارف الاعتزال، مع أداء فردي استثنائي؟ هنا تحديداً يكمن السحر في ظاهرة ميسي، وهو ما يتحدى العقل وسيله من الإحصاءات. فالعبقرية لا يمكن حبسها داخل مجموع من المعايير والمتغيرات. حتى لياقته البدنية، وإن بلغت أفضل مستوياتها، لا تستطيع وحدها أن تفسر ما شهده العالم بأسره. ولا يهم إن ذكرتنا حكايته بأن البطل، مهما أحاطت به الأسطورة، لا يستطيع أن يلغي التأثير المشؤوم لزحل. إعادة السحر إلى العالم فما وراء النبوءة التي تحققت، ومن الصعود إلى السقوط بما حمله ذلك من أفراح ومآس، قدّم الأرجنتيني للعالم جولة أخيرة تنتمي إلى الفن، إن لم نقل إلى ضرب من الشعر الهوميري. مع انسحاب ليونيل ميسي من المسرح الدولي، يختفي شيء من سحر العالم… في انتظار أن يعود بطل قدري آخر ليسحر الملاعب. على مدى أكثر من عشرين عاماً، جسّد ميسي تعايش عالمين كنا نظنهما غير قابلين للتوفيق: عالم العقلنة القصوى للرياضة الحديثة، وعالم أقدم بكثير، عالم البطل والإشارة والانتظار والسحر. حين يرحل ميسي، يظهر شيء من هذا التناقض فجأة. لقد ظهرت بالفعل مواهب خارقة أخرى، لكننا ربما نكتشف، في اللحظة نفسها التي يغادر فيها أحد آخر كبار ممثلي هذا العالم، إلى أي حد ما زلنا بحاجة إلى التعالي. العالم الحديث، إذاً، لم يلغ السحر على الأرجح. كل ما فعله أنه نقله إلى مكان آخر. هذا الرجل الذي يدعى ليونيل ميسي، والذي جسّد ذلك السحر فوق العشب، يرحل الآن بعدما أنجز كل شيء. وأكثر من ذلك.
تحليل

هل أصبحنا أكثر غباءً؟

أم أننا نعيش تحوّلاً في بنية المعرفة؟
صورة المؤلف
بقلم منى فياض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 20:01
صورة للأخبار
يعود سؤال "هل أصبح العالم أكثر غباء؟" بشكل متكرر في النقاشات المعاصرة حول الإعلام الرقمي، ومحركات البحث، ووسائل التواصل الاجتماعي. وهو سؤال يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يخفي خلفه إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المعرفة نفسها: كيف تُنتَج، وكيف تُنقَل، وكيف تُستهلك. ربما لا يكون سؤال هل أصبحنا أغبى؟ هو الأدق، بل: هل ما زالت المعرفة تنتقل بالشكل الذي يسمح لها بأن تُفهم وتكون منتجة؟ هل لا تزال غالبية من يقرأون يعودون الى النصوص الأصلية؟ ام يلجأون الى تلخيصاتها وما ينقل حولها عبر ما يتم تداوله بين القراء؟ إن أحد المفاتيح لفهم هذه الظاهرة يعود إلى أعمال عالم النفس البريطاني فريدريك بارتليت، الذي أجرى في ثلاثينيات القرن العشرين سلسلة تجارب حول ما سماه "الإعادة المتسلسلة". في هذه التجارب، كان يُطلب من شخص ما أن يسمع قصة ثم يعيد روايتها لشخص آخر، الذي يعيدها بدوره إلى ثالث، وهكذا... ما أظهرته النتائج كان لافتاً: مع كل انتقال جديد، لم تُنقل القصة كما هي، بل كانت تُعاد صياغتها. تُحذف بعض التفاصيل، وتُضخم عناصر غيرها، وتُستبدل غيرها بما يتناسب مع خلفية المتلقي وخبراته وثقافته. ومع وصول السلسلة إلى عدد كاف من النواقل، تكون القصة الأصلية قد تحولت إلى شيء مختلف تماماً. هذا النموذج البسيط يكشف حقيقة جوهرية: الذاكرة ليست وعاءً محايداً، بل جهاز إعادة بناء. وعندما تُنقل المعرفة عبر وسائط متعددة، فإنها لا "تُحفظ" بل "يُعاد إنتاجها". وهنا تبدأ ملامح التشابه مع عالمنا المعاصر والتخوف من ان نصبح أغبياء. ففي زمن الإعلام الرقمي، لم تعد المعرفة تنتقل عبر السماع الشفهي، بل عبر سلاسل من الوسائط: مقال يُلخَّص، ثم يُقتبس، ثم يُعاد نشره على شكل منشور قصير، ثم يُعاد اختصاره إلى جملة أو عنوان. في هذا السياق، يمكن استعارة صورة مجازية وردت في أحد النصوص الصحفية: مكتبة تُستبدل كتبها بملخصات، ثم بملخصات للملخصات، حتى يصبح القارئ أمام طبقات من الاختزال، أشبه بما يمكن تسميته "سلسلة الراكون" الذي لا يقرأ الأصل بل ينبش في بقاياه. ويمكن ان نوضح هنا ان اختيار "الراكون" ليس عشوائياً، هذه الاستعارة هي تكثيف رمزي لوضع معرفي آخذ في الترسّخ. فهذا الحيوان، الذي يعيش على أطراف المدن وينبش في حاويات النفايات، لا يُنتج غذاءه بل يقتات على بقايا ما ينتجه الآخرون. وهو، على الرغم من ذكائه العملي وقدرته على التفكيك والالتقاط، لا يمتلك فهماً لما بين يديه، بل يتعامل مع الأشياء بوصفها مواد قابلة للاستعمال الفوري. هكذا تبدو المعرفة في زمن الاختزال المتسلسل: نصوص تُختصر، ثم تُختصر من جديد، حتى لا يبقى منها سوى فتات دلالي، يُعاد ترتيبه وتداوله دون صلة حقيقية بمصدره. عند هذه النقطة، لا نكون فقط قد ابتعدنا عن الأصل، بل نكون قد دخلنا طوراً جديداً من إنتاج معلومة او معرفة ما، حيث لا يعود الفاعل المعرفي قارئاً أو مفكراً، بل جامعاً لبقايا المعاني، يعيد توزيعها في صيغ سريعة الاستهلاك. إن "ثقافة الراكون" ليست إذاً وصفاً للسطحية فحسب، بل توصيف دقيق لانحدار سلسلة المعرفة نفسها، من الإبداع إلى التلخيص، ومن الفهم إلى المعالجة الشكلية، ومن الأفكار إلى ما يشبه أثراً باهتاً لها. لكن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن البنية التقنية التي تحكمها. هنا يأتي إسهام مارشال ماكلوهان، الذي لخص فكرته بالعبارة الشهيرة: "الوسيط هو الرسالة". فالمشكلة ليست فقط في المحتوى، بل في الشكل الذي يُنقل عبره المحتوى. الوسائط الرقمية المعاصرة لا تكتفي بنقل المعلومات، بل تعيد تشكيلها وفق منطق السرعة، والتكثيف، والتجزئة. النص الطويل يصبح غير صالح للاستهلاك، بينما تصبح الفكرة مقبولة فقط إذا اختُزلت إلى بضعة أسطر قابلة للمشاركة. هذا التحول يخلق مفارقة لافتة: نحن نعيش في زمن لم يعد فيه الوصول إلى المعرفة صعباً، إنه مفرط السهولة. ومع هذا الإفراط، تظهر ظاهرة يمكن تسميتها "الوهم المعرفي": إذ يكفي أن يقرأ الفرد مقطعاً قصيراً أو ملخصاً سريعاً ليشعر بأنه امتلك الفكرة. غير أن هذا الإحساس بالامتلاك لا يرافقه بالضرورة فهم عميق أو قدرة على إعادة بناء المعرفة أو نقدها. هنا يظهر ما يمكن وصفه بـ"أشباه المتعلمين": أفراد يمتلكون إشارات المعرفة لا بنيتها، ومفرداتها لا منطقها الداخلي. تزداد هذه المشكلة تعقيداً إذا نظرنا إليها من زاوية الانتباه. فبدل أن يكون العقل في حالة تركيز ممتد، كما في القراءة التقليدية أو التأمل الطويل، أصبح يعيش حالة من القصف المعلوماتي المستمر: إشعارات، مقاطع، عناوين، وموجات متلاحقة من المحتوى. هذا الوضع لا يؤدي فقط إلى تشتيت الانتباه، بل إلى إعادة تشكيله وفق منطق القفز المستمر بين وحدات قصيرة من المعنى، بدل البناء التدريجي والتراكمي للفكرة. وهنا أذكر نادرة كنا نتناقلها وكانت شائعة أيام المظاهرات الشعبية، تظهّر فكرة الاختزال وإعادة تشكيل المحتوى. عند احتلال فلسطين، نزلت الى الشوارع الكثير من التظاهرات الشعبية التي كانت تهتف "فليسقط وعد بلفور"؛ المفارقة ان الهتاف كان يتحول في آخر المظاهرة الى "فليسقط واحد من فوق". ولعل هذه الصورة تساعد على تقريب الفكرة حول ما يحدث في اللغة اليومية حين تتحول المعرفة رسائل مختصرة تتكرر جماعياً. فالتظاهرة تبدأ بعبارة سياسية دقيقة، ثم مع التكرار والاندماج الجماعي والإيقاع الصوتي، تتحول تدريجياً إلى صيغة أخرى مختلفة تماماً، قد تحتفظ بالإيقاع والانفعال، لكنها تفقد دلالتها ومعناها الأصلي. ما يبقى ليس المعنى، بل الطاقة العاطفية للعبارة. وهنا يتجلى ما أشار إليه بارتليت بطريقة أخرى: ليس المهم ما قيل، بل كيف أعيد قوله، وكيف أعيد فهمه داخل سياق اجتماعي متغير. إذا جمعنا هذه الخيوط معاً، يمكننا القول إن ما نعيشه اليوم ليس "انهياراً للذكاء"، بقدر ما هو تحوّل في شروط إنتاجه. فالعقل البشري لم يتغير جذرياً، لكن البيئة التي يعمل داخلها تغيرت بشكل عميق: من بيئة تسمح بالتراكم البطيء، إلى بيئة تفرض إعادة إنتاج سريعة ومجزأة للمعرفة. وهذا التحول يخلق توتراً دائماً بين نوعين من التفكير: تفكير تأملي يحتاج إلى وقت، وتفكير سريع يحتاج إلى استجابة فورية. في ضوء ذلك، يصبح سؤال "هل أصبحنا أكثر غباءً؟" سؤالاً مضللاً جزئياً. الأدق ربما هو القول إننا أصبحنا أكثر تعرضاً لظروف تجعل التفكير العميق أقل استقراراً أو امكانية، وتجعل المعرفة أكثر عرضة للتجزئة وإعادة التدوير. أما الغباء، إن جاز استخدام المصطلح، فقد لا يكون صفة للعقل، بل نتيجة جانبية وصفة للبنية الثقافية التي نتجت. انها تقنية تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وهكذا، بدل أن ننظر إلى الأمر كهبوط في القدرات الإنسانية، يمكن النظر إليه كتحوّل في "بيئة المعرفة": بيئة تجعل من السهل أن نعرف شيئاً، لكنها تجعل من الأصعب أن نفهمه فعلاً بعمقه.
رأي
صورة المؤلف
بقلم يوسف معوض - نُشر سبتمبر 5, 2026 - 13:25
صورة للأخبار
في عام 2010، اعترضت إسرائيل بعنف سفينة مافي مرمرة التركية، التي استأجرتها منظمة إنسانية غير حكومية لتقديم المساعدة لقطاع غزة الذي كان يخضع للحصار الإسرائيلي آنذاك. وكانت هذه الحادثة القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت للعلن العداء المستحكم بين حكومة أردوغان والدولة العبرية. (فرانس برس)
لم تتوقف الحرب بعد في جنوبنا حتى باتت مهددة بالاندلاع لدى جيراننا. أي أننا نعيش على وقع مهلة مؤقتة، متنقلين من نزاع إلى آخر. وما أدل على ذلك من أنه لم يكن ينقص الكثير حتى يتحول قصف قاعدة سورية إلى معركة ضارية بين أنقرة وتل أبيب. كان ذلك في 18 أغسطس الماضي، ولم يتوانَ بنيامين نتنياهو عن التصريح بلا مواربة: بلاده لن تتسامح مع أي تموضع عسكري تركي قد يمتد نحو جنوب سوريا. وقد اتسمت الرسالة بقدر أكبر من القسوة كون ثماني غارات استهدفت قاعدة أبو الظهور الجوية الواقعة على بعد 70 كيلومترا من الحدود التركية. وتجدر الإشارة أيضا إلى أنه منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر 2024، بات أردوغان الراعي الأول لسوريا الجديدة، سوريا أحمد الشرع، إذ يساعده على إعادة بناء قواته المسلحة ويجعل منه شريكا استراتيجيا. لم تعد سوريا سوريا حافظ الأسد فهل كان هذا التصعيد المتجدد بين أنقرة وتل أبيب هو ما عجّل بعقد اجتماع بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس الموساد رومان غوفمان في 23 أغسطس الماضي في الأردن؟ بيد أن هذا اللقاء السري لم يثر عاصفة من الاستنكار في العالم العربي كما فعلت زيارة أنور السادات المفاجئة إلى إسرائيل عام 1977. فقد كُسر تابو رسميا، ومن كان ليصدق أصلا إمكانية عقد مثل هذا التشاور في ظل النظام البعثي؟ وكان على الدولة العبرية أن تبتهج بذلك، لكن على عكس ما كان متوقعا، لم توقف لا غاراتها الجوية ولا توغلاتها البرية، كتلك التي جرت في 27 أغسطس في القنيطرة. والحقيقة أن الأمور قد تغيرت. ففي عهد حافظ الأسد، كانت سوريا قوة إقليمية، وإن لم تكن رهيبة، إلا أنها كانت مهابة من جيرانها المباشرين، عربا كانوا أم غير عرب. فكان الجميع يتجنب معاداتها، ولذلك انتهجت، ضمن حدود معينة، سياسة خارجية عدوانية كثيرا ما جنحت نحو الاستفزاز. وهكذا، بفضل استقلالية قرارها وهوامش المناورة التي منحتها لنفسها، شكلت سوريا، ولو من الناحية الجغرافية على الأقل، منطقة عازلة بين تركيا «الأردوغانية» التي تجاهر بإسلامها بلا تحفظ من جهة، وإسرائيل، الدولة اليهودية بطبيعتها، من جهة أخرى. وها هو ذا، في بلد أنهكته إدارة بعثية ودمرته سنوات من الحرب الأهلية، تشرع تركيا في وضع بصمتها، لتجد نفسها لا محالة وجها لوجه أمام إسرائيل التي تحتل جزءا من الأراضي السورية. فماذا ننتظر؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار الأنا المتضخمة لكل من نتنياهو وأردوغان، وفي حال بقي هذان الرجلان في منصبيهما، فعلينا أن نتوقع مبارزة ملحمية على الأراضي السورية واللبنانية والأردنية، بل وربما في أماكن أخرى. ستكون هذه المواجهة مزيجا من المناورات والمراوغات والضربات الخفية، لكن أيضا من الهجمات المباشرة والاشتباكات المباشرة وتصعيد التوتر حتى نقطة اللاعودة. وذلك حتى وإن كان تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الصادر في سبتمبر 2025 يرى أن المواجهة المباشرة بين تركيا وإسرائيل تظل مستبعدة، لسبب بسيط هو أن الدولتين تدركان كلفة أي حرب قد تندلع بينهما. غير أنه في مجال دراسة الحروب، ليس القادة والنخب بالضرورة فاعلين عقلانيين! لا سيما وأن الشعار السائد في الأناضول، وهو «اجعل تركيا عظيمة من جديد»، لا يبعث على الاطمئنان في نظر المراقبين الإسرائيليين إطلاقا. وستجد واشنطن صعوبة متزايدة في احتواء أو فصل الخصمين اللذين باتا يصطفان بالفعل في أهبة المواجهة. تركيا... إيران جديدة؟ نعم، هذا مجرد افتراض، لكنه يقتصر على مواجهة مباشرة مع إسرائيل، بعدما غدت سوريا بين عشية وضحاها منطقة «تتداخل فيها محيطا أمنيان»، التركي والإسرائيلي، المسلم واليهودي. وليس مستبعدًا أن تنتهي الحركية الشيعية، هذه المحرّكة لـ«الوكلاء»، إلى التحالف، ولو بشكل مؤقت، مع «نسخة إخوانية» من الإسلام السياسي التي تتبناها أنقرة! وهكذا نجد أنفسنا، وخلافًا لكل التوقعات، أمام حزب الله مدعومًا من عدوّه بالأمس، أحمد الشرع، الإسلامي القادم من جبهة النصرة وهيئة تحرير الشام! فأمام الخصم المشترك، يبقى انقلاب التحالفات أمرًا مشروعًا ومناسبًا دائمًا. لكن هذا لن يكون سوى تحالف تكتيكي، تمليه ضرورات اللحظة، ولا يمكن أن يكون مؤشرًا على المستقبل. وبعد أن غاب القومية العربية عن المشهد، لن تكتفي تركيا بالسيطرة اقتصاديًا على السوق السورية التي تضم 25 مليون مستهلك، بل ستسعى إلى ممارسة نفوذ سياسي في دمشق، وتوظيف جهازها العسكري والأمني لتحقيق ذلك. فالسلطة المتعثرة للرئيس السوري، غير القادرة على تأمين بعض الوظائف السيادية ولا على ضبط مختلف أجهزة الدولة، ستضطر حتمًا إلى الاستعانة بخبرة جارتها الشمالية. لكن هل يعني ذلك أن هذه الأخيرة ستُجرّ إلى دوامة «الحرب المُعلنة»؟ كل المعطيات تشير إلى ذلك، ويمكن للمرء بالفعل أن يلمح بوادر تصعيد يذكّر بما عاشته الولايات المتحدة في فيتنام في عهد ليندون جونسون. فإذا كانت الدولة السورية تنوي إعادة بناء نفسها، فستحتاج أولًا إلى جيش قادر على كبح النزعات الانفصالية لدى العلويين والدروز وسائر الفصائل التي تدعو إلى تقسيم البلاد. وهنا يأتي دور أنقرة في تولي هذه المهمة وتعزيز سلطة الحكم المركزي في دمشق. لكن إسرائيل، التي اعتادت على ممارسات سيئة في سوريا وتنوي الحفاظ على حرية حركتها الجوية هناك، لا يمكن أن تقبل بجيش مبني على النموذج الأطلسي قد يُستخدم كأداة لمشروع نيوعثماني. وهل ينتقل لبنان من موقع الصدارة إلى موقع الهامش؟ لقد رُسم الآن ديكور جديد لسيناريو جديد سيحدد قواعد لعبة مختلفة! فماذا سيحل بحزب الله وهو واقع في هذا المأزق؟ الواقع أنه قد يستفيد، في هذا السيناريو، ولو جزئيًا، من دعم لوجستي تقدمه دمشق، وهو دعم افتقده بشدة منذ سقوط بشار الأسد. وربما، بفعل تحرك الصفائح التكتونية، ينتقل لبنان من موقع المسرح الأول إلى موقع المسرح الثانوي لصراع إقليمي. لكن بصراحة، هذا لن يُجدينا نفعًا!
المزيد من المقالات
ترتيب حسب: الأحدثالأقدم
نقاش أميركي مستجد: هل إسرائيل حليف أم عبء استراتيجي لواشنطن؟

مع اندلاع الحرب الإسرائيليّة- الأميركيّة- الإيرانيّة الثانية، تتزاحم الأسئلة والملاحظات حيال هذه الحرب الكبرى التي سوف تغيّر وجه المنطقة والعالم دون أدنى شك، والتي سوف تترك الكثير من التداعيات حيال مستقبل الشرق الأوسط وطبيعة العلاقات السياسيّة فيه، ولعل هذه أبرز الملاحظات: من الواضح أن هذه الحرب لم يتم الإعداد لها جيداً، فعلى الرغم من القضاء على المرشد الأعلى ووزير الدفاع الإيراني والقيادة العليا من الساعات الأولى، إلا أنه من الواضح أيضاً أن إرشادات القيادة والسيطرة في إيران هي لامركزية والدليل إستمرار إطلاق رشقات الصواريخ في كل الاتجاهات. وبالتالي، عدم قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على ضرب قدرة الرد الإيرانيّة (Second Strike Capability) يؤكد هذا الانطباع. كما أن الرهان على اندلاع المظاهرات الاحتجاجية في أنحاء إيران فشلت بدورها ولا يمكن التعويل عليها. ولا يمكن إغفال أن القتال الإيراني ينطلق من عقيدة دينية تعتبر الاستشهاد هدفاً وكسباً. بالتوازي مع كل الخسائر الايرانيّة الكبيرة، لا يمكن إشاحة النظر عن أن الصواريخ الإيرانيّة قد دمرت بالفعل كل القواعد العسكريّة الأميركيّة في دول الخليج وفق تقرير لافت أعدته صحيفة "نيويورك تايمز"، وهو ما يطرح التساؤل الجدي والعميق عمّا إذا كان الانغماس الأميركي في الحرب يصب في "المصلحة القوميّة للولايات المتحدة"! ولقد تكاثر الكلام السياسي عن أن إسرائيل قد "ورطت" واشنطن في هذه المعركة، وأعلمتها أنها ستخوض الحرب بينما في السابق كانت الحكومات الإسرائيليّة تسعى للحصول على "غطاء" وموافقة أميركيّة قبل شن أي حرب عسكريّة. وهذا يطرح السؤال حول شعار ترامب أن سيوقف كل الحروب وتفاخره بإنهاء ثمانية حروب على الأقل! ليس ثمة غطاء سياسي قانوني أو مؤسساتي لهذه الحرب، لا على المستوى الدولي أي تعمّد عدم المرور بالأمم المتحدة أو أي من هيئاتها، ولا على المستوى الأميركي المحلي، إذ تغاضى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكونغرس تماماً ولم يطلب موافقته متجاهلاً المؤسسة السياسيّة الأميركيّة والدستور الأميركي. يتوسع النقاش داخل الولايات المتحدة عن الأهداف الحقيقيّة للحرب، وما إذا كانت إيران تشكّل حقاً خطراً على الأمن القومي الأميركي. صحيحٌ أن طهران لطالما رفعت شعار "الموت لأميركا" وهي متهمة بتنفيذ العديد من الهجمات ضد القوات الأميركيّة، ولكن النقاش الجدي يدور حول ما إذا كانت تهدد الأمن الداخلي الأميركي حقاً؟ وهل أن شن الحرب عليها هو الخيار الأمثل للتعامل مع التحدي الذي تمثله؟ ويتناول هذا النقاش إسرائيل مجدداً، وأن التهديد يطالها هي وليس أميركا وأن إسرائيل قد جرّت الولايات المتحدة إلى هذه الحرب. وها هي واشنطن تدفع ثمناً باهظاً أكثر مما تدفع إسرائيل. القصف الإيراني لدول الخليج يفترض أن يدفع الولايات المتحدة إلى التفكير بعمق في تداعياته، وأن تقيم مقارنة لا مفر منها، ذلك أن دول الخليج تساهم في الاقتصاد الأميركي من خلال صفقات السلاح وغير السلاح بمليارات الدولارات، بينما إسرائيل تكلف واشنطن سنوياً عشرات المليارات من الدولارات وذلك منذ نكبة 1948. أليس ثمة شعور أميركي أن إسرائيل باتت "عبئاً استراتيجياً" أكثر مما هي حقاً "حليفاً استراتيجياً"؟ إنه نقاش سياسي جدي يدور في العديد من الأوساط الأميركيّة. مهما يكن من أمر، فإن المنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات، والتطلع الإسرائيلي لقيادة المنطقة وقضم أراضيها تباعاً قد لا يكون مهمة يسيرة على ضوء التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط راهناً، كما أن سياستها القائمة على رفض الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، واستمرار احتلال أراضي 1967، والإهمال التام لكل مبادرات السلام منذ عقود، وضربها عرض الحائط لكل الحلول المقترحة، لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. من قال أن القبول العربي، وغير العربي، بسطوة إسرائيل التامة على المنطقة سيكون بمتناول اليد حتى ولو أن الأداء العربي على مدى العقود المنصرمة كان مخيباً للآمال وقاصراً عن مواجهة التحديات المتنامية التي مثلها المشروع الإسرائيلي في كل محطاته بدءاً من إقامة الدولة الصهيونيّة على أراضي فلسطين التاريخيّة إلى القضم التدريجي لأراض عربية أخرى، إلى رفض إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، ومنع عودة اللاجئين أو التفاهم على ترتيبات معينة لمدينة القدس، وصولاً إلى إسقاط كل الحواجز السياسيّة والأخلاقيّة في حرب غزة الأخيرة التي ناهز عدد الشهداء فيها 70 ألفاً من المدنيين والأبرياء؟ المنطقة دخلت في مخاض عسير، والخروج من الحرب لن يكون يسيراً مثل دخولها، والتطورات والأحداث سوف تكون شاهدة على ذلك.

نهاية يوتوبيا
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

«الصراع أبو الأشياء جميعاً، ملكها وسيّدها» هيراقليطس يبدو أن كثيرين من اللبنانيين باتوا يكتشفون، منذ أن قرّر حزب الله الانتقامَ لاغتيال علي خامنئي، حجمَ تبعية الحزب لطهران وميله الصريح نحو الانتحار الجماعي. أن يُعتقد بإمكان «لبننة» ما أو ترويض ما للحزب كان يعني إغفال طبيعته الجوهرية: منظمة شبه عسكرية تنبثق من الحرس الثوري ومن وليّ الفقيه وتعمل بأمره المباشر، وهي فوق ذلك كله فرقةٌ غنوصية ألفية تحرّكها صوفيةُ العنف. إنها، بعبارة أجمع، ميليشيا سريّة ذات طابع باطني، شبيهة بالحشاشين الإسماعيليين في القرنين الحادي عشر والثالث عشر — عالَمُها بأسره ينهار في هذه اللحظة بعينها، وإن كانت ستظلّ على الأرجح في حالة إنكار لزوالها حتى آخر رمق. الدمار بالضبط هو حيث يبدأ كل شيء وينتهي. ذاك هو محرّك التاريخ في نسخة حزب الله. منذ التفجيرين التوأمين اللذين أسّسا وجوده عام 1983، مروراً باغتيالاته وحملاته الميليشياوية في لبنان وسوريا طوال عقدين، حكم العنفُ — المتجذّر في هويته الثورية الألفية ومشروعه الهيمني — مسيرتَه كلّها. ثم جاءت العملية الملعونة في السابع من أكتوبر 2023 لتضفي على تاريخ الحزب طابع التسارع المأساوي، مصحوباً بأثر الارتداد. كلّفته حربه دعماً لغزة قيادتَه العسكرية بأسرها، فضلاً عن اغتيال رمزه الطوطمي حسن نصر الله، فإذا به أهشّ مما كان قط، وجهاً لوجه أمام إرادة محلية ودولية فاعلة تسعى إلى نزع سلاحه. ومع ذلك واصل التبجّح، يُخفت علامات أفوله — المستحيل! وها هو الثامن والعشرون من فبراير 2026 يأتي ليجد إيران ذاتَها — القلبَ النابض للعالم الروحي والسياسي للحزب — في مرمى النيران. يحدث ما لا يُتصوّر، ويحدث فوراً: يُقتل خامنئي — خامنئي شخصياً، وليّ الفقيه بعينه، المرشد الأعلى، الإمام البديل، الحضور المأذون إلهياً في النظام السياسي للعالم، ذاك الذي أقامه حزب الله ضامناً متعالياً لوجوده... ومعه يسقط كبار قادة الحرس الثوري، الجسدُ اللاهوتي والبريتوري للإمبراطورية، ذراعُها المسلّح وعقلُها العقدي للثورة الخمينية منذ أربعة عقود. صدمةٌ رضّية لا سابق لها. ماذا يفعل حزب الله في مواجهة الكارثة؟ «يختار» — والولاء يُكرهه على ذلك — الانقضاضَ إلى الأمام بالضبط، ويفتح الأعمال العدائية كما في 2024، كأن كل مصيبة تستدعي رهاناً أعلى، وكأن الفناء لم يكن يوماً سوى اختبار جديد على درب الملكوت، ذلك العالم الوسيط... يُعرّض حزب الله بذلك، بفعل الأيديولوجيا والانضباط الهرمي، جميع مناطقه لانتقام إسرائيلي هائل. تأمر تل أبيب اللبنانيين بإخلاء جنوب لبنان كلياً حتى الليطاني، وبعض قرى البقاع الغربي، وفوق كل شيء الضاحية الجنوبية لبيروت — المعقل الرمزي للشيعية المناضلة في نصف الكرة العربي. تعود آلة الدمار إلى الدوران. بدأ الاجتياح الثاني للجنوب. يتحوّل الوكر الثوري تدريجياً إلى ركام. ثمة في هذا كله شيء يتجاوز مجرد الهزيمة الاستراتيجية أو العسكرية — شيء يشبه أبلغَ دحض يمكن لمنظومة عقائدية أن تتحمّله في الزمن البشري. ومع ذلك تصمد هذه المنظومة، بما يكفي لإعادة إنتاج التضحية من جديد وإنتاج الشهداء في اللحظة ذاتها التي تُردّ فيها القضية التي يموتون من أجلها إلى غبار موضوعي. سبب هذه الظاهرة ينتمي إلى ميدان علم الاجتماع الديني، بل إلى التحليل النفسي للمؤسسات، أكثر مما ينتمي إلى الجيوسياسة: كيف تنجو حركة من دحض عالَمها الخاص؟ بأيّ آلية يستمرّ وهمُ المنعة في مواجهة بداهة الهشاشة الصارخة؟ وهل هذا الوهم من قبيل الحساب البارد والدعاية والتلاعب الواعي، أم أنه صادق في أعماقه، بنيوي، منقوش في صميم معمارية العقيدة ذاتها؟ الجواب واضح: آمن حزب الله، ولا يزال يؤمن في قلب الكارثة، بانتصاريته الخاصة — يغذّيها فوق ذلك الغرور الوبائي لرؤسائه في إيران. ولهذا بالضبط تبلغ المأساة هذا الحجم الهائل بالنسبة للبنان — وللطائفة الشيعية تحديداً — التي تدفع ثمن وهم العظمة هذا منذ أكثر من ثلاثة عقود. زمنٌ لا يعرف الهزيمة كان انتحار حزب الله مكتوباً في جيناته منذ الأزل. لم تكن معركته السياسية يوماً «مادية» بهذا المعنى. لطالما استهدفت شيئاً أعمق، ذا طابع مفهومي وخيالي، يتخطى المؤسسات وهياكل السلطة: التصورات ذاتها عن الزمن والعدالة والواقع. ما سعت إيران وحزب الله دوماً إلى قلبه ليس بالدرجة الأولى الملك السياسي، مجال السلطة — وإن بدا ذلك الرهان الظاهر — بل الزمن ذاته: الزمن الكرونولوجي العقلاني التاريخي الغربي، زمن قياس الانتصارات والهزائم وتأريخ الأحداث وتسجيلها في سلسلة سببية. الزمن الوارث لهيغل وفلسفة التاريخ. ذاك الزمن أراد حزب الله السيطرة عليه لإلغائه، أو على الأقل لتعليقه، وإحلال زمن آخر محله: زمن الملكوت. ما الملكوت؟ هو العالم الوسيط في الكونيات الإسلامية الباطنية — البرزخ بين المحسوس والمعقول الخالص، برزخ الروح والحدث — ما أسماه هنري كوربان، في أثر سهروردي، الزمان اللطيف: الزمن الرقيق، الزمن بين الأزمنة، خارج كل تقويم وخارج كل تاريخ. المكان الحقيقي لكل حدث عظيم. فسهروردي، منظّر الإشراق وفلسفة النور، يرى في الفجر الداخلي للشرق كشفاً عن وهن الواقع المحسوس الغربي الذي يسمّيه «الفخ، الوهم». في الملكوت يقيم الإمام الغائب، المهدي، في غيبته، منتظراً ساعة ظهوره. وهناك يجري الحدث الحقيقي — ذاك الذي لا يقيسه المؤرخون، ولا يستطيع العدو رؤيته ولا فهمه ولا بلوغه. وحزب الله يعيش في ذلك الزمن. لا مجازاً. بل وجودياً وأنطولوجياً. لا وزن لديه للخسائر والمكاسب المقيسة بالكيلومترات أو بجثث كبار الضباط. تقويمه أخروي، وكل حدث يُعاد قراءته في ضوء كربلاء — الاستشهاد التأسيسي عام 680م الذي حوّل، مرة واحدة وإلى الأبد في الذاكرة الشيعية، أقسى الهزائم العسكرية إلى نصر روحي مطلق. ومن ثمّ، في الفضاء الذهني لحزب الله، لا شيء هو حقاً ما يبدو عليه. أن تخسر ليس خسارة حقاً بل إنجازاً؛ أن تموت ليس موتاً بل شهادة؛ وفوق كل شيء، أن تُستأصل ليس إبادة بل تطهيراً استعداداً للعودة الوشيكة. لهذا لا تشكّل موت خامنئي، ودمار الضاحية الجنوبية، وانهيار محور المقاومة، في المنطق الداخلي لحزب الله، حججاً ضد شرعيته الذاتية. بل هي على العكس أجلى تأكيد لها. الإمام لم يمت. هو أكثر غياباً. وسيعود — من وراء العنف والدمار والفوضى، بل وعبرها. هذا هو وعد العودة الأبدية والانتصار على الحياة المادية بالشهادة. الغنوص درعاً: ما لا يستطيع العدو رؤيته لفهم البنية النفسية لهذا الحصن المنيع، لا بد من العودة إلى المصادر مع محمد علي أمير-معزّي، الذي تمثّل أعماله في الشيعية الأصيلة أعمق تنقيب أُجري حتى اليوم في الطبقات التأسيسية لهذا الإسلام الباطني. ما يكشفه، من النصوص المقدسة المكتوبة بين القرنين التاسع والعاشر، هو أن شخصية الإمام لم تكن منذ البداية شخصية مرشد سياسي أو روحي بالمعنى الاعتيادي. إمام المجتمعات الشيعية الأولى سيّد حكمة محاط بقدرات غيبية وسحرية، ألفا وأوميغا التعليم وتجلّي الإله الخفيّ على الأرض. الولاية — التفاني لهذا الإمام — هي الركيزة الأساسية التي لا غنى عنها للإيمان الشيعي. دين حُرم منها دين مبتور في صميمه، ليس سوى قشرة فارغة. ومن هنا نفهم جيداً السرعة التي يسعى بها مجلس خبراء إيران إلى استبدال خامنئي. بلا وليّ الفقيه، الواقع معلّق ومنسوخ. لهذا الإرث الغنوصي — وهو كذلك فعلاً، متغذٍّ من التيارات الباطنية لأواخر العصور القديمة في الفضاء الساساني-الرافدي، تلك الهجينة التوفيقية من الدوسيتية والمانوية والهرمسية التي أروت الإسلام الشيعي الناشئ — نتيجة مباشرة على بناء الهوية الجماعية للحركة. المؤمن الشيعي الحق يملك علماً باطنياً، علماً بالحقائق الخفية، معرفةً داخلية لا يملكها الخصم. يرى ما لا يراه الآخر. يعلم ما لا يعلمه. هو بتعريفه خارج التاريخ الظاهر — في ذلك الفضاء بين العوالم حيث تسكن حقيقة الملكوت وحدها. عقيدة ولاية الفقيه التي صاغها الخميني هي الترجمة السياسية لهذا الغنوص. بإعلانه أن المرشد الأعلى الإيراني هو الممثل المؤقت للإمام الغائب — نائبه في عالم المحسوس — لم يكن الخميني يشرعن ثيوقراطية فحسب: كان ينقل إلى مؤسسة سياسية المنعةَ الأنطولوجية الخاصة بالإمام. فمهاجمة حزب الله باتت بالتعريف إهانةً للإلهي — وهو ما كرّره حسن نصر الله حرفياً، رافضاً الاعتراف بالتمييز الذي حافظ عليه حتى كبار المرجعيات الشيعية اللبنانية، كمحمد مهدي شمس الدين ومحمد حسن الأمين، بين عقيدة فقهية قابلة للنقاش وعقيدة دينية راسخة. كان الخميني قد أوجد عالماً ذهنياً اندمجت فيه السياسة والمقدس حتى التلاشي، وكان هو فيه الديميورغ المطلق، سيد الزمني والروحي. ما جرى في 2024 — مع التحييد المنهجي لبنى حزب الله من قِبل الاستخبارات الإسرائيلية، واختراق الاتصالات المشفّرة، وتفجير أجهزة البيجر في آن واحد، وتصفية نصر الله في بنكر كان يُعدّ منيعاً — يمكن قراءته، في هذا الضوء، بوصفه أكثر من مجرد انتصار تكتيكي. إنه انتهاك غنوصي من عمق وجودي لا سابق له. ما كان يجب بحكم التعريف العقدي أن يظل غير مرئي — الشبكة السرية، المخازن الخفية، سلسلة القيادة، المعرفة الباطنية — قد رُئي. رمزياً، كان العدو قد اخترق الملكوت. ثُقب الدرع الأنطولوجي. وهذا الجرح بلا شك أشد تمزيقاً، لحركة بُنيت على عدم قابلية الباطن للاختراق، من أي هزيمة عسكرية. ولعل هذا الجرح، أكثر من أي خسارة بشرية أو جغرافية، هو ما يفسّر قرار مارس 2026 إثر الاختفاء غير المتصوَّر للمرشد: هروب أخروي إلى الأمام، آخر ملجأ لمنظومة عقيدة تفضّل الفناء على المراجعة دون تردد. الاستشهادية المرضية: الحلزون الذي يلتهم رماده صاغ عالم الاجتماع والأنثروبولوجيا الإيراني فرهاد خسروخافار، المتخصص في دراسة الإسلاموية، في أبحاثه عن الاستشهادية الإسلامية المعاصرة، مفهوماً تبدو دقته في قراءة هذه السنوات قسوةً مؤلمة، ينطبق على حزب الله وعالمه انطباقاً تاماً: الاستشهادية المرضية. لا يدل هذا المصطلح فحسب على تمجيد الشهادة في ثقافة أو عقيدة. الاستشهادية المرضية اقتصادٌ نفسي وجماعي يكون فيه الموت المحرّك الأول والبنيةَ المنظِّمة للفعل والوجود. في الاستشهادية المرضية التامة، لا تقبل الحركة بعد الهزيمة، لأنها حوّلت الهزيمة إلى فئة روحية إيجابية. إخفاق الجهاد، يقول خسروخافار، هو ما يضمن شرعية الشهيد. موت الشهيد لا يُغلق معركة خاسرة؛ بل يؤسّسها بأثر رجعي باعتبارها مقدسة وعادلة وحتمية. حمل التشيّع الأصيل في طيّه دولوريسموس صامتاً — تأملاً حزيناً في حزن كربلاء — لم يدعُ بالضرورة إلى شيء من التعبئة السياسية. كان الخميني — ومن قبله علي شريعتي، أيديولوجي الثورة الثقافية الإسلامية — هو من أجرى التحوّل الحاسم: تحويل هذا الدولوريسموس إلى طاقة تحشيد، وتحويل ذاكرة الشهادة إلى برنامج عمل، وجعل الموت الطوعي لا الاستثناء البطولي بل المعيار البنيوي للمقاومة. النتيجة حلزون يصفه خسروخافار بلغة مستعارة بالقدر ذاته من التحليل النفسي ومن علم الاجتماع: كلما كثر الشهداء في مواجهة العدو، أثبتوا بهذا الكفاح ذاته تفوّق العدو، وكلما وجب مضاعفة التضحية تعويضاً لهذا الدليل. الاستشهادية المرضية تتغذى من ذاتها. هي لا تُدحض بحكم بنيتها، لأنها أدرجت الهزيمة في منطقها ذاته بوصفها تأكيداً. ثمة في هذا شيء يشبه من الخارج الجنون، لكنه من الداخل يمتلك تماسكاً مهيباً. مهيب — ولا بد من قوله صراحة — قابل للتشخيص السريري. يدرك المحللون النفسيون في البنى التي يسمها الانتصار الدفاعي اللجوءَ إلى قدرة مطلقة متخيَّلة، صلبة وقسرية، تعمل على درء قلق الفناء الذي لا يستطيع الذات — فرداً كانت أم جماعة — احتماله بوعي. الأنا التي لا تطيق تمثّل هشاشتها الخاصة تنتج قناعة تعويضية بالمنعة، تزداد صلابةً كلما اشتدت الهشاشة الحقيقية. منقولة إلى مستوى المؤسسة، تصبح هذه البنية عقيدةً وطقساً ومعمارية رمزية كاملة — يشهد على ذلك مكانة جسد الشهيد في ثقافة حزب الله: غير مغسول وفق الطقس العادي، مقدَّس سلفاً قبل الموت، ممرٌّ مباشر نحو الحضور الإلهي، جسدٌ ليس مهزوماً بل مكتمل. هذا العالم الذي لا يمكن فيه الخسارة بناه حزب الله حجراً فوق حجر على مدى أربعين عاماً. وحين قدّم العالم الحقيقي حساباته، جرى ببساطة الإعلان عن ذلك العالم وهماً. المشكلة أن القنابل لا تعلم أنها تسقط على وهم. أو لعلها تعلم. أو ليست بدورها صادرة عن هذيان آخر بالقدرة المطلقة يستمد شرعيته من كلمة ادّعى الله قولها لإبراهيم منذ ما يقارب أربعة آلاف عام...؟ يكاد المرء يسمع تنهيدات رينيه جيرار ما بعد الوفاة أمام هذا العنف التماثلي القائم على ميثولوجيا باطنية لتكريس مشروع سياسي جوهرانوي متعصّب على أجساد كل من لا ينتمي إلى «المختارين»... والتصاعد نحو النهايات القصوى الحتمي الأخروي الذي يعقبه... الإغراء الشمولي الذي لا يُقاوَم تصف حنة آرندت في «أصول الشمولية» ما سمّته منطق فكرة — فكرة تنفصل عن علاقتها الاعتيادية بالواقع وتتوقف عن كونها أداةً للفهم لتصبح عالماً مغلقاً، محصّناً ضد أي دحض تطرحه التجربة، لأنها طوّرت منطقها الداخلي الخاص الذي يُدمج كل حدث بوصفه تأكيداً. هذه الأيديولوجيا ليست مجرد خطأ — فالخطأ البسيط قابل للتصحيح: بل هي مبنية على استحالة التصحيح. ومحورها المركزي ليس، كما في العدمية الاعتيادية، أن كل شيء مباح — بل، وهذا أشد خطورة بما لا يُقاس، أن كل شيء ممكن: أن لا شيء في مسار الأحداث البشرية يستطيع عرقلة الانتشار الحر للقوانين العليا التي تطيعها الحركة. على سبيل المثال: قوانين العرق عند هتلر؛ قوانين التاريخ عند ستالين... أو، كما يقال، قوانين الله والإمام الغائب عند الخميني وورثته... ما يلفت في تحليل آرندت هو استحالة أن تتوقف حركة كهذه. حركة شمولية تتوقف عند حدود إقليم بعينه، وتقبل قيود نظام مستقر، وتعترف بهرمية وهياكل ثابتة، ستخون نفسها — لأنها ستكف عن كونها حركة وتغدو مؤسسة. والمؤسسة يمكنها أن تخسر؛ أما حركة تسكنها القوانين العليا للكون فلا. هذا بالضبط ما يفسّر لجوء حزب الله — الذي كان الجميع في الدوائر المطّلعة يعلمون في أكتوبر 2023 أنه لم يكن مستعداً لحرب شاملة — إلى الدخول فيها رغم ذلك، وتكرار هذا الدخول في مارس 2026. لا شك أن ثمة حسابات تتعلق باستراتيجية إيران الإقليمية كما في 2006 و2024 — وأن طهران أعطت، كما في كل مرة، إشارتها لمأجوريها للانقضاض نحو الشهادة. لكن الامتناع كان سيعني أيضاً الاعتراف بأن ثمة حالات تطغى فيها الحكمة السياسية على الشريعة الإلهية. وهذا الاعتراف، في نفسية حزب الله، وارد ببساطة. الإرهاب، في النظام الآرندتي، لا يكون مجرد أداة لنظام يريد البقاء: بل هو الجوهر، القانون ذاته الذي يحكم سلوك البشر حين يُستأصل إمكان التصرف الحر التلقائي. في تنظيم محكوم بولاية الفقيه، لا وجود لفضاء سياسي يستطيع فيه قيادي الوقوف والقول: نحن نخسر، لبنان يحتضر، فلنغيّر المسار. هذا الفضاء جرى إلغاؤه عقدياً — لأن العقيدة ذاتها جعلته غير قابل للتفكير فيه. لا مسار لتغييره حين يطيع المرء قوانين الإمام الغائب؛ ليس إلا التقدم — حتى الفناء، الذي سيُعاش ضمن إطار الملكوت بوصفه إتماماً للوعد الإلهي. الإرهاب بهذا المعنى ينقلب في نهاية المطاف ضد مُمارسيه كما ضد من يعانونه. يقضي على الأفراد من أجل القضية. يضحّي بلبنان من أجل الثورة. ويفعل ذلك بضمير مرتاح مطلق — لأن لبنان الحقيقي، ذلك البلد التعددي المتشظّي الذي لا يقبل الاختزال في أي مشروع وحيد، ليس سوى منصة وقاعدة انتشار ضمن فضاء أوسع: فضاء الإمبراطورية الإيرانية. إنه ليس غاية في حد ذاته، ولم يكن كذلك قط، ولن يكون. لبنان موضوعاً مُضحّى به لا بد من طرح السؤال الأصعب — ذاك الذي يشغل بال اللبنانيين حقاً: لماذا استطاع حزب الله قيادة هذا البلد إلى الهاوية، مرات ثلاثاً على الأقل، دون أن ينتج ذلك فيه أدنى مراجعة لشرعيته الذاتية؟ الجواب ليس سينيكياً، وإن كانت السينيكية مغرية وإن كان الإغراء كبيراً لاختزال هذه القصة في تحريض محسوب لمجتمع ما من قِبل قياداته. الجواب بنيوي، ولهذا هو أشد إزعاجاً بكثير. لبنان كما تشكّل — في تعدديته وتناقضاته ورفضه أن تحدّه هوية واحدة وعلاقته الدوّارة بالغرب والشرق التي تمنحه خصوصيته في المنطقة — هذا اللبنان متعارض أنطولوجياً مع منطق «الملكوت على الأرض» الذي يريد حزب الله فرضه. بلدٌ يتفاوض ويساوم ويقبل بتعددية الحقيقة ويعترف بأن العدالة يمكن أن تكون قيمة كونية لائكية، وأن الغرب ليس الشر المجسّد، وأن العدالة الدولية سلطة شرعية لا إفراز لآلة جهنمية من أزمنة الحداثة — بلدٌ كهذا ينقض في كل لحظة الصورة الوهمية التي يحملها عنه حزب الله، المشبعة بالفلسفة الصوفية التوفيقية والثورة الإسلامية على النمط الإيراني. مجدداً، لم يكن الانقلاب التدريجي الذي نفّذه حزب الله منذ 2005-2006 يستهدف إخضاع الأجساد فحسب، بل الروح والفكر أيضاً. ما أراده الحزب وأيديولوجيه نعيم قاسم — على خطى سهروردي مقلوباً برنامجاً سياسياً — كان إحلال فجر الشرق الداخلي محل واقع الغرب المحسوس المنظور إليه بوصفه فخاً ووهماً. كان المستهدف خروجاً نهائياً من المنفى اللبناني — منفى القيم الغربية والعقلانية — واستعادة ما يعدّونه الرؤية الشرقية الخالصة. كان المستهدف الملكوت. والملكوت لا يترك بتعريفه مكاناً لما في لبنان من ذاتية لا تُردّ. ثمة في هذه القصة ازدواجية ربط ذات خسّة مأساوية. قدّم حزب الله حضوره المسلح طوال أربعين عاماً بوصفه الحماية الوحيدة للبنان من العدو الخارجي. لكن العدو الخارجي كان يُستحضر جزئياً، يُبقى عليه، يُستفزّ أحياناً بصورة مقصودة — بالقصف على الجليل ودعم غزة والمشاركة في حروب محور المقاومة الإقليمية — لتبرير هذا الهيمن وتكريسه. هذه هي بنية الازدواجية التامة التي لا مخرج منها: حزب الله يحمي لبنان من حرب جعلها هو ذاته حتمية. وحين تصل الحرب — في 2006 وفي 2024 وفي 2026 — تُثبت في الوقت ذاته ضرورة حضوره المسلح ولامبالاته المطلقة بمصير البلد الذي يدّعي الدفاع عنه. مجدداً: لبنان قابل للاستهلاك تماماً. ما يتركه الحزب وراءه في مارس 2026، يُردّ الوكر الثوري إلى رماد، وليس للهذيان الانتصاري بعدُ وطن. الإمام البديل مات. جسد الحرس الثوري جُزّ رأسه. الضاحية الجنوبية تحترق للمرة الثانية. الجنوب يُجتاح للمرة الثالثة. النزوح الجماعي للسكان يحمل كل مظاهر الترحيل القسري. ومع ذلك يواصل حزب الله — لأن حركة مبنية على الاستشهادية المرضية والمنطق الشمولي لا تستطيع التوقف، لا تعرف كيف تتوقف. لأن التوقف سيعني الاعتراف بأن صرحه النفسي كله وهم، وأن الزمان اللطيف لم يعلّق زمن القنابل، وأن قوانين الإمام الغائب لا تساوي في عالم الوقائع أكثر من قوانين الفيزياء والحرب. ثمة في هذه اللحظة شيء من الدحض المطلق — غير أن الاستشهادية المرضية لا تستطيع الاعتراف به. فهي تحوّله إذن، تبتلعه وقوداً للتضحية القادمة. هذا بالضبط هو الجنون اللوسيد للحركة — هذه اللوسيدية المنقلبة على ذاتها، القدرة على رؤية الهزيمة واستيعابها فوراً بوصفها تأكيداً للحقيقة التي يدافع عنها المرء. سهروردي — الذي لا بد ربما من انتزاعه مرة واحدة وإلى الأبد من أيدي من جعلوا فلسفته دليلاً للثورة العنيفة — قال إن الفجر الداخلي لا ينتصر بقوة السلاح بل بالإنارة: ذلك النور الذي يخترق الأشكال دون تدميرها. لكن ذلك السهروردي — الذي نقله الإسلاموي هنري كوربان — ليس ذاك الذي احتفظ به الخميني. وليس بالتأكيد الذي طبّقه حزب الله. غير أنه ربما، في ركام هذا الربيع الكارثي، الوحيد القادر على قول شيء مفيد لمن يبقون على قيد الحياة. السؤال الذي سيجب طرحه، حين تمضي الخراب، هو ما إذا كان ثمة ما يمكن أن يُولد في هذه الأنقاض لا يكون نسخة جديدة من الهذيان ذاته — استشهادية هزيمة تستدعي استشهادية انتقام تستدعي استشهادية انتقام الانتقام — إلى ما لا نهاية، حتى لا يبقى ما يُدمَّر في لبنان. هل تستطيع مجتمعات بشرية، عرّاها الكارثي، إيجاد سبيل إلى سردية لا تؤسّس بعد الآن على منعة متوهَّمة بل على هشاشة معترف بها. هل يستطيع هذا البلد — هذا البلد الذي رسالته الهشّة الرائعة أن يكون غير قابل للاختزال في شيء: لا في الشرق ولا في الغرب، لا في الإسلام ولا في المسيحية، لا في المقاومة ولا في التعاون، لا في الملكوت على الأرض كما تتوهمه الحزب، ولا في الحداثة، بل في ذاته، في تعقيده الذاتي اللارادّ — هل يستطيع هذا البلد أن ينجو مما أريد جعله منه: أرض مطلق ليس مطلقه. الملكوت الأرضي للحزب في أنقاض. أين النصر الموعود، غير أنه في البؤس والدمار؟ كيف يُفكَّك برمجة الرجال الذين يريدون البقاء في الذهان ويُعاد بهم إلى الواقع؟ منعةُ الحزب لم تعد — ولا شك أنها لم تكن يوماً سوى محصّلة قابلية الآخرين للخطأ: ورم خبيث وُلد من وهن الدولة اللبنانية وغريزة البقاء لدى نخبة سياسية كانت مشغولة بمصالحها الخاصة وفسادها المتجذّر عن أن تنظر إلى الوحش في عيون. من في هذه النخبة سيملك الذكاء والشجاعة — والمعرفة بالكيفية — كي يمدّ يده، حين تنتهي النكبة، إلى الضحايا المدنيين لأوهام الحزب، ويحتضنهم ويضمهم إلى صدره، ويكسر الآلية الوسواسية للعنف — في إيماءة مصالحة جوهرية مع روح لبنان وكيانه؟ إيماءة بامتياز مناهِضة “للهلالي”، ترمي إلى كسر لعنة الإحباط — ذاك المزيج من الإحساس بالإخفاق والانهيار النفسي والسقوط الفردوسي واليأس الوجودي الذي أصاب، بلا شفاء، طائفةً لبنانية تلو الأخرى في أعقاب انهيار وهمها الهيمني والتفوقي؟ لذلك نحتاج إلى بدائل سياسية — ورجال. لا نزال نبحث عنهم، في يأس. مراجع أمير-معزّي، محمد علي — Le Guide divin dans le shīʿisme originel (Verdier, 1992); La Religion discrète (Vrin, 2006); Qu'est-ce que le shīʿisme? (مع ش. جامبه، Fayard, 2004) آرندت، حنة — أصول الشمولية (Harcourt)؛ طبيعة الشمولية (Payot) كوربان، هنري — En Islam iranien (Gallimard, 4 مجلدات)؛ Corps spirituel et Terre céleste (Buchet-Chastel) خسروخافار، فرهاد — L'Islamisme et la Mort (L'Harmattan, 1995)؛ Les Nouveaux martyrs d'Allah (Flammarion, 2002) سهروردي — L'Archange empourpré (ترجمة ه. كوربان، Fayard, 1976)

فرنسا تعمل على مشروع حل نهائي
بقلم
تيلدا أبو رزق
نُشر

باشرت الحكومة اللبنانية، يوم الجمعة 6 آذار/مارس، نشاطاً دبلوماسياً مكثفاً في محاولة لوقف التدهور المتسارع الذي يضرب البلاد، عقب إعادة فتح جبهة جنوب لبنان من قبل حزب الله، ليلة 1 er إلى 2 آذار/مارس، متجاهلاً جميع التحذيرات التي وُجهت إلى لبنان في هذا الشأن خلال الأسابيع الأخيرة. وفي مواجهة هذه المغامرة الانتحارية الجديدة للتنظيم المتحالف مع الحرس الثوري الإيراني، حظرت حكومة نواف سلام يوم الاثنين الأنشطة شبه العسكرية والأمنية للحزب الموالي لإيران. لكن حزب الله يظل أصماً تماماً عن الإجراءات الرسمية ويظل منخرطاً بعمق، بناءً على تعليمات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في حرب إقليمية لبنان غريب عنها تماماً. ستكون نتيجة المواجهة بين الدولة والحزب حاسمة لمصير لبنان الذي يعيش، منذ يوم الخميس، تحت تهديد تصاعد الغارات التي تشنها تل أبيب ضد عدة مناطق في البلاد، رداً على هجمات المجموعة الموالية لإيران ضد شمال إسرائيل. رئيس الوزراء، نواف سلام، الذي استقبل صباح الجمعة السفراء الغربيين والعرب المعتمدين في بيروت، أكد مجدداً عزم حكومته على اتخاذ قرار الحرب والسلام وتطبيق قرارها بفرض احتكار السلاح. وعرض عليهم الإجراءات الرسمية المتخذة لهذا الغرض وطلب منهم أن تتدخل حكوماتهم لدى إسرائيل حتى لا تستهدف البنى التحتية المدنية بشكل خاص، مؤكداً أن لبنان جُرّ إلى هذه الحرب رغماً عنه. فيما لا يزال عشرات الآلاف من النازحين من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية للعاصمة بلا مأوى، بعد أن أمرتهم إسرائيل يوم الخميس بإخلاء المناطق التي يعيشون فيها، حذر نواف سلام محاوريه من خطورة «الكارثة الإنسانية» التي تلوح في الأفق. بالتوازي، أجرى وزير الخارجية اللبناني جو راجي اتصالات دبلوماسية مكثفة في محاولة لكبح جماح أي هجوم إسرائيلي واسع النطاق. في الوقت نفسه، انتقد متحدث غير رسمي باسم حزب الله، المفتي الجعفري أحمد قبلان، الدولة ضمنياً لـ «انهزاميتها»، داعياً إياها إلى «تحمل مسؤولياتها الوطنية» في مواجهة الحرب مع إسرائيل. مشروع فرنسي في هذا السياق، أفادت قناة الحدث الفضائية العربية صباح الجمعة بمعلومات تفيد بأن فرنسا قدمت إلى لبنان مشروع حل نهائي يقوم على النقاط التالية: إعلان حزب الله وقف القتال وإلقاء السلاح؛ نشر الجيش في الضاحية الجنوبية وفي معاقل حزب الله في الجنوب والبقاع لمصادرة أسلحة التشكيل في غضون أسبوعين كحد أقصى؛ تتم عملية جمع الأسلحة تحت إشراف الولايات المتحدة؛ تعلن الدولة اللبنانية رسمياً استعدادها لبدء مفاوضات سلام مع إسرائيل. وبحسب القناة الفضائية العربية، منحت تل أبيب السلطة اللبنانية مهلة حتى نهاية الأسبوع لتقديم رد على مشروع الحل هذا، وإلا ستُصعد الهجمات ضد حزب الله. غير أن مصادر من التشكيل الموالي لإيران، نقلت عنها قناة الحدث، تؤكد أن الحزب «سيتعامل مع أي نزول للجيش اللبناني إلى مخابئ أسلحته وكأنه هجوم إسرائيلي». الضغط الإسرائيلي لا يزال قوياً من الجانب الإسرائيلي، لا يزال الضغط العسكري قوياً. القوات الجوية الإسرائيلية، التي شنت ليلة الخميس إلى الجمعة سلسلة من الغارات العنيفة على الضاحية الجنوبية وكذلك على عدة مناطق في البقاع وجنوب البلاد، استهدفت يوم الجمعة مدينة صيدا، ذات الأغلبية السنية، والطريق الدولي في ضهر البيدر. أسفرت هذه الضربات عن أربعة قتلى في صيدا، حيث استُهدف قادة من حماس. وكان حزب الله قد أطلق في وقت سابق عدة رشقات صاروخية باتجاه شمال إسرائيل. في مواجهة هذا السيناريو، هل سينجح لبنان الرسمي في إخراج البلاد من كارثة باتت حتمية بسبب التبعية المفرطة لحزب الله لطهران؟ تظل نتيجة السباق مع الزمن الذي انخرطت فيه السلطات غير مؤكدة. عبر وزير دفاعها، أبلغت تل أبيب أنها ستواصل عمليتها العسكرية في لبنان «حتى يتم حسم المعركة مع حزب الله». بعبارة أخرى، حتى يتم إخضاع إيران. ووفقاً لوسائل الإعلام الإسرائيلية، نقلاً عن ضباط في الجيش، لاحظت تل أبيب انخفاضاً في وتيرة إطلاق الصواريخ الباليستية على الأراضي الإسرائيلية. «هذا أمر جيد، لكن لا يجب أن نكتفي بذلك. لا يزال هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به»، هكذا علق مسؤول أمني إسرائيلي، نقلاً عن كان. كما أعرب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن ارتياحه لسير الهجوم العسكري ضد إيران، معتبراً أنه يسير «أفضل مما كان مخططاً له في الجدول الزمني الأولي. ووفقاً له، من المتوقع أن تستمر العملية «بضعة أسابيع أخرى»، على الرغم من المعارضة الداخلية في الولايات المتحدة للحرب ضد إيران. ومع ذلك، لا تزال الأغلبية في مجلس الشيوخ ومجلس النواب مؤيدة لهذه الحرب، كما أظهر تصويت يوم الخميس. وهكذا، رفض مجلس النواب الأمريكي مشروع قرار يهدف إلى تقييد سلطات الرئيس ترامب ومنعه من مواصلة الحرب ضد إيران دون موافقة الكونغرس.

ما يجب إنقاذه
بقلم
ميشال حاجي جورجيو
نُشر

رسالة مفتوحة إلى جوزاف عون، نواف سلام ونبيه بري في الحقيقة، لا نعرف شيئاً، إذ الحقيقة في قاع الهاوية — ديموقريطس الأبديري أصحاب الفخامة والمعالي، القول بأن لبنان يواجه اليوم أزمة وجودية كبرى جديدة، نتاج مكوّر عقديّ خبيث هو حزب الله، لم يُعالج في حينه — أو لم يتسنّ معالجته — ضربٌ من التحصيل الحاصل. ذلك أن ما يجري اليوم يتخطى آليات الأزمات اللبنانية المعهودة. لم يعد الأمر يتعلق بإعادة هيكلة التوازنات الطائفية للمرة الألف، ولا حتى بفصل جديد من الحرب بالوكالة التي خاضها الآخرون على أرضنا. ما يتزعزع هذه المرة، أكثر من أي وقت مضى، في دويّ الغزو الإسرائيلي وانهيار المشروع الهيمني الإيراني، هو الركيزة الأعمق للبنان الكبير ذاتها — تلك الفكرة الهشة التي طالما أُسيء إليها، غير أنها لا غنى عنها، تلك التي أتاحت لمجتمعات متنابذة أن تتعايش وأن تتخاصم بعنف وأن تتعارف أحياناً. وهو في نهاية المطاف قدر كل زوجين يتعلمان فن العيش المشترك. في مغامرته التعويضية، يُنهي حزب الله الآن نفسه بنفسه — وبانتهائه يُنهي لبنان معه. إن انتحاره الاستراتيجي — الغنوصي في منطق إحراق الذات، الإمبراطوري في طموحاته، الطائفي في دوّامته — يكشف أقل عن هزيمة عسكرية وأكثر عن شرخ وجودي عميق. طال زمن ادّعى الحزب تجسيد مقاومة، وصدّق ذلك أنصاره. غير أنه ما جسّد، في نهاية المطاف، سوى عبودية — للإيراني، وأحلامه في الهيمنة الإقليمية، ومشروعه الثيوقراطي المُصدَّر إلى شرايين لبنان الذي نزفه حتى العظم. هذه التفوقية الموالية لإيران، التي كانت المكونة الشيعية اللبنانية أكثر من عانى في نهاية المطاف، قررت أن تحترق — ولا يد لأحد في ذلك. لكن حزب الله لم يتحوّل وحيداً. لا بدّ من قولها صريحةً: فعل ذلك معه كامل الجسم السياسي والاجتماعي والطائفي اللبناني، كلّ بطريقته، لا سيّما خلال السنوات الطويلة لعهد ميشال عون، بفساده اللا محدود وتبعيته المعلنة لطهران ومنطق حلف الأقليات. أصحاب الفخامة، انظروا إلى حال الطوائف التي تمثلونها فعلياً داخل المؤسسات، بحكم مناصبكم. المسيحيون، حتى أشدهم سيادية، أولئك الذين حملوا عقوداً فكرة لبنان تعددي مستقل في امتداد البطريرك نصر الله صفير — ينكفئون اليوم نحو خصوصية دفاعية. الفكرة الفيدرالية التي طال تهميشها باتت تجد هواءاً ملائماً — كأن في قاع اليأس باتت القسمة سبيل النجاة الوحيد. هذا تراجع مأساوي من الذين كانوا رواد لبنان الكبير، مهندسي فكرة الحياة المشتركة المؤسساتية في دولة واحدة. أن يتخلوا عنها الآن يمثّل هزيمة ثقافية لا تقل عن كونها سياسية. أما المجتمع الشيعي فيعبر كرباً من عمق لا تعود الخطابات الانتصارية لزمن آخر قادرة على حجبه. أن تؤمن بالمقاومة، وأن تعطيها كل شيء — أبناءاً وقرىُ وعقوداً — لترى فيها بعدئذٍ آلة هيمنة إقليمية في خدمة قوة أجنبية: هذا حداد عظيم، قليلون من المراقبين الخارجيين يقيسونه بالتعاطف الذي يستحقه. يستحق شيعة لبنان ما هو أفضل بلا قياس مما أتاحه حزب الله: المرَضية الاستشهادية. يستحقون النجاة من هذا الكابوس الذي امتد أكثر مما ينبغي، دون أن يشعروا بثقل الإذلال. أما السنة فيبحرون في فراغ سياسي مؤلم. ليس لأنهم تخلّوا عن لبنان — حاشاهم. لكن في غياب مرجعيات ومشروع جامع، بات بعضهم ينظر مجدداً نحو سوريا أحمد الشرع وما وراءها نحو تركيا أردوغان. هذا الإغراء مفهوم في جذوره، غير أنه سيكون مدمراً في نتائجه. أن نذيب السيادة اللبنانية مجدداً في فضاء إقليمي لا يشبهها، باسم تضامُن حضاري ملتبس التعريف، معناه تكرار الخطأ العربي لعام 1958 — تحت رايات مختلفة، لكن مع الاستسلام ذاته عن الذات. دم حسن خالد ورفيق الحريري لم يُسفك سدى. وأما الدروز — المكونة الجذرية في فكرة لبنان الكبير، التي دفعت ثمن الدم باستمرارية أكثر ثباتاً من سواها — فيجدون أنفسهم أمام منافسة قيادية تتطلع بعض تجلياتها في حوران المجاورة نحو تحالفات كانت بعيدة عن التصور قبل عشر سنوات. لا، الدوار من الجوار الصهيوني ليس مجرداً. أصحاب الفخامة، هذه الصورة ليست صورة بلد يحتضر دفعة واحدة. إنها صورة بلد يتفكك ببطء، طائفة بعد طائفة، ردة فعل بعد ردة فعل، انكفاء بعد انكفاء — دون أن تُعاد رسم خرائط المشرق جغرافياً، بل دون أن ينفجر حتى في انهيار مرئي. يكفي أن يفقد لبنان وحدته الوطنية كي يختفي من تلقاء نفسه، بلا وظيفة ذاتية، مبتلعاً من مصالح تتجاوزه — إسرائيل وسوريا وتركيا — وليس لديها سبب لمراعاته إن لم يعد يعرف كيف يدافع عن نفسه بتماسك مشروعه. لقد اكتفينا دائماً بالتكل على الآخرين تهرباً من مسؤولياتنا. كان ذلك أريح، أيسر. والنتيجة الكارثية ماثلة للعيان: البلد يفوح الآن برائحة الجيفة. غير أننا نريد أن نقول هنا، خلافاً للأفكار المسبقة التي طالما سمّمت النقاش العام، إن لبنان الكبير ليس ثقلاً موروثاً عن الاستعمار الفرنسي ولا تحايلاً ذمياً. لقد صاغه مؤسسوه — من كل الطوائف — ملاذاً وضماناً وفضاءاً للتعددية في شرق أوسط لم يتح منها كثيراً. للمسيحيين بالطبع. لكن أيضاً للدروز، وللشيعة الذين همّشتهم الجغرافيا والتاريخ في الفضاء العثماني، وللسنة الذين راهنوا على الحداثة الليبرالية في مواجهة إغراءات القومية العربية المذيبة. كان لبنان الكبير في مشروعه الأصلي ضرورة للجميع. أخطاء في الإدارة، وظلم في التمثيل، وطموحات إقليمية لا تتناسب مع حجمه وطبيعته، وأيديولوجيات هذيانية مستوردة أو مصنّعة محلياً، وأوهام شخصية متضخّمة، قد هزّت البنيان هزّاً شديداً. لكن بنياناً مهزوزاً ليس بنياناً محكوماً عليه — شريطة توافر الشجاعة لإصلاحه بدلاً من التنازع على أنقاضه. إن المعركة الدائرة اليوم، في مواجهة غرور حزب الله المنهار ونزعة المحتل الإسرائيلي “الحربجية” اللا محدودة، تتخطى مسألة احتكار العنف المشروع أو وقف عدوان عسكري مدمّر. هذه الرهانات حقيقية وملحة. لكن السؤال الأول هو: من نحن معاً؟ ما الذي يريد لبنان أن يظل عليه، لنفسه ولأبنائه؟ مجدداً، حزب الله يُنهي لبنان بإنهائه نفسه. لكن لبنان عموماً، وشيعته خصوصاً، يستحقون النجاة من هذا الكابوس الذي امتد أكثر مما ينبغي. أنتم ثلاثة رجال وضعهع التاريخ على رأس ثلاث مؤسسات، في هذه اللحظة بالذات، لتجيبوا على هذا السؤال. لا لتجنبوه. لا لتأجيله إلى ما بعد الأزمة — لأنه لن يكون ثمة بعد دون عمل الآن. ومع ذلك، وإن كانت هذه المسؤولية تقع على الجميع دون استثناء لأن المشكلة ليست شيعية بالمعنى الضيق، وإن كان السلطة التنفيذية اللبنانية قد أخطأت بافتقار إلى الحزم تجاه حزب الله منذ نهاية كارثة 2024، فإن مسؤوليتك أنت، يا معالي الرئيس بري، تبقى الأكبر. لطالما كنت مزدوجاً، تُتقن فن المشي على الحبل المشدود لتنجو وترضي الجميع — وترضي نفسك أيضاً. لكن الحيلة لم يعد لها مكان الآن. منذ ثلاثة عقود، يراهن لبنان على موقف تاريخي منك يجسّد دون لبس لبنانيةً وحسّا دولتياً إزاء حزب الله. حتى الآن، أثبت هذا الرهان عقمه التام. أتمّ مسيرتك السياسية بإشراق. لن تخون طائفتك؛ بل ستنقذها، هناك حيث تستنزفها الفرقة الإسكاتولوجية. وبها لبنان. أصحاب الفخامة، بالطبع، لا نطلب منكم الاتفاق على كل شيء. الديمقراطية اللبنانية في ما هو أجمل فيها تغذّت دائماً من خلاف حي. ما ندعوكم إليه هو التكلّم بصوت واحد حول الجوهري: لبنان الكبير يستحق حقاً أن يُنقذ. وبقاؤه يقتضي من الجميع تخلياً جزئياً عن حساباتهم الخاصة لصالح مشروع مشترك — الوحيد الذي يستحق، الوحيد الذي يدوم، الوحيد المنطقي. كونوا واضحين. كونوا صارمين. كونوا مسؤولين. أن لا يعود الدولة خائفاً أمر جيد. لكنه لا يجب أن يكتفي بالتبرؤ وإثبات وجوده مستقلاً عن الدولة الموازية. يجب أن يتحرك، بحزم، مستخدماً القوة نفسها لدفن أشباح عام 1969 نهائياً ومنع انتشار النقائل في دوامة من نزاعات أحياء ومناطق. خلافاً للظاهر، لن يُتجنّب الاشتعال الداخلي إلا إذا بات الدولة يوجد، رافضاً قبول الأمر الواقع بعد اليوم. ليس فعل الدولة هو ما سيضرم البارودة، بل على العكس من ذلك: تقاعسها. الأمين العام للحزب يتحداكم علناً ويشيطنكم؟ هذه المهزلة القاتمة طالت أكثر مما ينبغي. السلاح دمّر كل شيء. قانون العقوبات، وما وراءه الدستور، يمنحانكم صلاحية التحرك بحزم دون تردد، قبل أن يجرف هذا الجنون المحموم ضحايا أبرياء آخرين. وإلا فإن ثمن اتفاق سلام حتمي سيكون أغلى — إذا قبلت إسرائيل هذه المرة بعدم ضم جزء من الأراضي اللبنانية فعلياً. فلنتجنّب إذن الاستسلام والإذلال والاحتلال الدائم الجديد الذي يجرّنا إليه حزب الله! السبيل الوحيد للخلاص هو استعادة سلطة الدولة وهيبتها مرة واحدة وإلى الأبد. وهذا يُقال بنبرة الاتزان والاعتدال، بل بصوت متعب،… لا بالحماس والاندفاع… أصحاب الفخامة، الفكرة اللبنانية جميلة. ربما هي حتى الفكرة الأصيلة الوحيدة حقاً التي أهدى بها هذا الركن من المشرق الحداثة السياسية: أن نعيش معاً دون أن نتشابه، وأن نتعارف دون أن نذوب. فلا نقضينّ نصف قرن آخر في رثاء ما لن نكون قد عرفنا كيف نحافظ عليه بأنفسنا، لأننا أخفقنا في التخلي عن مهامنا السياسية. تفضّلوا بقبول، أصحاب الفخامة والمعالي، عبارات أسمى تقديري واحترامي. ميشال حاجي جورجيو

نعيم قاسم كاذب
بقلم
مكرم رباح
نُشر

في خطابه الأخير، حاول نعيم قاسم أن يُقدّم قرار حزب الله بإطلاق الصواريخ وتوسيع نطاق الحرب باعتباره فعلاً دفاعياً مُكرَهاً، فُرض عليه جراء الانتهاكات الإسرائيلية. وفق روايته، أبدى حزب الله صبراً لخمسة عشر شهراً في أعقاب وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، وأتاح للدبلوماسية أن تأخذ مجراها، وما تحرّك إلا حين تبيّن يقيناً أن إسرائيل لن تكف عن انتهاك سيادة لبنان. هذه الحجة لا تستحق أن تُناقَش على محمل الجد، لأنها مبنية على كذبة. لا يُخطئ قاسم، ولا يفتقر إلى المعلومات، ولا يطرح تفسيراً بديلاً للأحداث. إنه يكذب. الوقائع ليست معقدة ولا ملتبسة، والتسلسل الزمني بحد ذاته يكشف زيف ادعائه. لم يكتشف حزب الله فجأةً انتهاكات إسرائيل بعد خمسة عشر شهراً من الصمت، ولم يقرر أن السيادة اللبنانية قد بلغت حد الانكسار. اختارت المنظمة لحظتها باحتراف بالغ، وقد فعلت ذلك فور مقتل علي خامنئي. هذا التزامن وحده كافٍ لهدم الرواية بأسرها. لو كانت حرب حزب الله من أجل لبنان حقاً، لكان ينبغي أن تنطلق قبل ذلك بكثير. وقد خصص قاسم نفسه جزءاً وافراً من خطابه لسرد آلاف الانتهاكات الإسرائيلية المزعومة خلال العام الماضي — اختراقات للمجال الجوي، وهجمات حدودية، وتدمير للممتلكات، وضحايا مدنيين. وبمنطقه الخاص، كانت هذه الانتهاكات جسيمة ومتواصلة. غير أنه على الرغم من هذا الوضع المُعلَن بوصفه لا يُطاق، أصرّ حزب الله مراراً على أنه سيبقى صابراً وأن الدولة اللبنانية ينبغي أن تسلك الطريق الدبلوماسي. خمسة عشر شهراً انتظر فيها حزب الله. ثم فجأةً، في أعقاب مقتل المرشد الأعلى الإيراني، أُطلقت الصواريخ من جنوب لبنان وجُرّ البلد مجدداً إلى حافة الحرب. يودّ قاسم أن يُقنع الرأي العام اللبناني بأن هذا التتابع في الأحداث محض صدفة، وأن حزب الله بلغ حد صبره في اللحظة ذاتها التي كانت فيها القيادة الإيرانية تُستهدف بالضبط. لا يسع أي مراقب جاد قبول هذا الادعاء. لم يتحرك حزب الله لأن السيادة اللبنانية انتُهكت؛ بل تحرّك لأن إيران أُصيبت. قد تحاول قيادة المنظمة تغليف هذا القرار بلغة المقاومة والشهادة والدفاع الوطني، غير أن الحقيقة الكامنة تبقى راسخة لا تتبدل. بوصلة حزب الله الاستراتيجية لا تتجه نحو بيروت. إنها تتجه نحو طهران. بل إن قاسم كشف بنفسه، دون أن يقصد، عن هذه الحقيقة حين أشار خلال خطابه إلى استهداف خامنئي بوصفه جزءاً من سياق المواجهة. لم تكن تلك الإشارة عفوية. لقد كشفت عن المركز العاطفي والأيديولوجي لردة فعل حزب الله. حين أُصيبت القيادة الإيرانية، شعر حزب الله بأنه مضطر إلى الرد — لا بوصفه فاعلاً سياسياً لبنانياً يدافع عن مصلحة وطنية، بل بوصفه مكوّنة موالية في المحور الإقليمي الإيراني. لهذا السبب، التعامل مع خطاب قاسم كما لو كان حجة سياسية مشروعة يُفوّت الجوهر. لم يكن الخطاب محاولة صادقة لتفسير الأحداث؛ بل كان محاولة لإخفائها. تُدرك قيادة حزب الله تماماً أن الاعتراف العلني بالسبب الحقيقي وراء التصعيد سيكشف المدى الذي يُعامَل فيه لبنان باعتباره ساحة معركة لحرب غيره. ما يبدو عليه سلوك قيادة حزب الله اليوم أقل نبلاً بكثير من الصورة البطولية التي تسعى إلى تصويرها عن نفسها. ما تبقى من قيادة هذه المنظمة يزداد شبهاً بجماعة من مُشعلي الحرائق، ممن يتلذذون بإضرام النيران في ربوع لبنان، وهم يعلمون تمام العلم أن بيوت اللبنانيين العاديين ستكون أول ما يحترق. يُشعلون الحروب، ويحتفون بالتضحية، ويستحضرون الشهادة من آمن ملاجئهم الخطابية، بينما تسري الدمار عبر قرى وأحياء لم تختر هذه المواجهة يوماً. ردّ فعلهم على مقتل المرشد الأعلى الإيراني يكشف هذه العقلية بوضوح مقلق. بدلاً من مقاربة اللحظة بضبط النفس، هرع حزب الله إلى إثبات ولائه عبر التصعيد، محوّلاً لبنان بصورة فعلية إلى حلبة رمزية للحداد والانتقام. وفي فعل ذلك، طلبوا من المدنيين اللبنانيين أن يدفعوا ثمن موت رجل أمضى حياته في حكم إيران بالقمع وتصدير العنف في أرجاء المنطقة. فعلي خامنئي لم يدافع عن لبنان، ولم يكن مسؤولاً أمام الشعب اللبناني، ولم يُضحِّ بشيء في سبيل البلد الذي يضع حزب الله أراضيه الآن في طليعة جبهات الانتقام. ومع ذلك، تتوقع قيادة حزب الله من المواطنين اللبنانيين أن يقبلوا هذه الحرب كما لو كانت حربهم. التناقض صارخ. يتحدث قاسم عن السيادة بلا انقطاع، فيما يرفض سلطة الدولة اللبنانية في كل مرة تحاول فيها تنظيم سلاح حزب الله. يتحدث عن الدفاع عن لبنان، مع إبقاء حزب الله على الحق الحصري في تقرير متى يدخل لبنان الحرب. يدعو إلى الوحدة الوطنية بينما يتهم المنتقدين بالخيانة والتفريط في المقاومة. لكن السيادة لا يمكن أن تقوم في بلد تقرر فيه ميليشيا مصير الأمة، والوحدة لا تُبنى على كذبة. يستحق لبنان أن يُقال له الحق في شأن الأسباب التي تجعله يُجرّ مراراً إلى حروب تُدمّر مدنه وتُهجّر أهله. غير أن ما نالته بديلاً من ذلك لم يكن سوى خطاب آخر مُصمَّم لطمس الحقيقة خلف الشعارات الأيديولوجية والنداءات العاطفية. ربما يأمل قاسم أن تكرار لغة المقاومة سيُقنع الرأي العام في نهاية المطاف بأن حزب الله يتصرف لصالح لبنان. غير أن توقيت هذه الحرب، وبنية تحالفات حزب الله، ومضمون خطابه بالذات، تكشف جميعاً عن شيء مغاير تماماً. هذه ليست حرب لبنان. إنها حرب منظمة تواصل معاملة لبنان بوصفه المسرح الذي تُثبت عليه ولاءها لقضية أجنبية، حتى وإن كانت النيران التي تُشعلها تأكل البلد الذي تدّعي الدفاع عنه.

حكومة سلام تشن حملة ضد الباسداران
بقلم
ميشال توما
نُشر

تبنى مجلس الوزراء الذي اجتمع الخميس في السراي الكبير عدة إجراءات تهدف إلى منع أي نشاط أو وجود للحرس الثوري الإيراني في لبنان، فيما يُنظر إليه على أنه حملة حقيقية لملاحقة الباسداران في البلاد. طلبت الحكومة من الوزارات المعنية (الدفاع والداخلية) وكذلك البلديات والأجهزة الأمنية المختلفة اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لمنع أي نشاط عسكري وأمني للحرس الثوري على الأراضي اللبنانية. وقد كُلفت السلطات المعنية بالكشف عن وجود الباسداران في البلاد واعتقالهم وطردهم. علاوة على ذلك، وبناءً على اقتراح وزير الخارجية جو راجي، قررت الحكومة فرض الحصول على تأشيرة دخول على أي مواطن إيراني يرغب في التوجه إلى لبنان. تجدر الإشارة إلى أن رئيس الحكومة، في بداية اجتماع مجلس الوزراء، أدان بشدة أولئك الذين «ارتكبوا خطيئة جرّ لبنان إلى مغامرات كان يمكن لنا جميعًا الاستغناء عنها». وندد السيد سلام بموقف أولئك الذين تصرفوا بهذه الطريقة «متجاهلين العواقب الكارثية لسلوكهم على البلاد، لخدمة مصالح أجنبية تتعارض مع مصلحة لبنان». من ناحية أخرى، شهدت شوارع ومداخل بيروت بعد ظهر الخميس حركة فزع واسعة النطاق وتوقفًا لحركة المرور بعد دعوة الجيش الإسرائيلي إلى إخلاء عدة أحياء في الضاحية الجنوبية دون تأخير. غادر عشرات الآلاف من السكان منازلهم في حالة من الفوضى، ومعظمهم لا يعرفون إلى أين يذهبون. وقد تسبب هذا النزوح الجماعي في اختناقات مرورية لا تُحصى في شوارع العاصمة. ونذكر أن الجيش الإسرائيلي طلب أيضًا يوم الأربعاء إخلاء كامل المنطقة الجنوبية الواقعة جنوب الليطاني. وفقًا لمصادر مختلفة، يعتزم الجيش الإسرائيلي تدمير عدة أحياء في الضاحية الجنوبية، معقل حزب الله، بشكل كامل. وصرح وزير المالية الإسرائيلي يوم الخميس بصراحة أن الضاحية الجنوبية لبيروت ستلقى نفس مصير خان يونس في غزة، أي دمارًا كاملاً. ونلاحظ في هذا الإطار أن الرئيس جوزيف عون تواصل مع الرئيس إيمانويل ماكرون ليطلب منه التدخل لدى الحكومة الإسرائيلية لتجنيب الضاحية الجنوبية. نذكر في هذا السياق أن إدارة ترامب كانت قد حثت مرارًا وتكرارًا في الأشهر الأخيرة السلطة اللبنانية على تنفيذ مضمون القرار 1701 لمجلس الأمن وأحكام اتفاق وقف إطلاق النار الصادر في نوفمبر 2024 بشأن تسليم الترسانة العسكرية لحزب الله للجيش اللبناني في أقرب وقت ممكن. وأكد القادة الأمريكيون أنه في حال عدم الامتثال، سيتولى الجيش الإسرائيلي نزع سلاح الميليشيا الموالية لإيران. لكن المساعي الأمريكية في هذا الصدد ظلت حبرًا على ورق. في الوقت نفسه، كانت إدارة ترامب قد حذرت في الأسابيع الأخيرة من أي محاولة من جانب حزب الله لجر لبنان إلى مغامرة حربية جديدة، في أعقاب الصراع مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وحذرت واشنطن السلطات مرارًا وتكرارًا من أن تورط حزب الله في الصراع مع إيران ستكون له عواقب كارثية ومأساوية على لبنان. وهنا أيضًا، ظلت التحذيرات الأمريكية حبرًا على ورق... جنبلاط ينتفض ضد «جنون بعض الأطراف في لبنان» تجدر الإشارة في هذا الإطار إلى أنه عقب لقاء مساء الخميس مع الرئيس جوزيف عون، صرح زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، النائب تيمور جنبلاط، بأن «أهالي الجنوب يدفعون ثمن جنون بعض الأطراف في لبنان والخارج». وأكد السيد جنبلاط في هذا الصدد أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون في يد الدولة المركزية.